30. بعدما تَحطَّمت آمالِي في ابني
وُلِدتُ في كَنَفِ عائلة مثقفة. كانَ والدايَ يُعَلِّمَانِي دائمًا أنَّ "المساعي الأخرى ضئيلةٌ، والكتبُ تفوقُهَا جميعًا"، و"يتركُ المرءُ اسمَهُ وراءه أينمَا كان مثلما تصيح الإوزةُ أينمَا حلّقتْ"، و"تَمَيَّزِي عَنِ البقيةِ واجلبِي الفخرَ لأسلافِكِ". قبلتُ هذه الأفكار والآراء في قلبي، واجتهدتُ دائمًا في الكفاح من أجل تحقيقها. أردتُ تغيير قَدَري من خلال اكتساب المعرفة، واعتقدتُ أنني إذا التحقتُ بالجامعةِ فسأحصلُ على وظيفةٍ محترمةٍ. سأتمكنُ منَ الجلوسِ في مكتبٍ دونَ القيامِ بعملٍ بدنيٍّ شاقٍّ، وسينظرُ الناسُ إليَّ بتقديرٍ. ومعَ ذلكَ، لمْ تجرِ الأمورُ كمَا كنتُ أتمنى، ولمْ ألتحقْ بالجامعةِ. لاحقًا، أصبحتُ عاملة في مصنع للمنتجات الأسمنتية. وبعد زواجي، ازدرتْنِي حماتِي لأنني كنتُ عاملةٍ عاديةٍ، وكثيرًا مَا كانتْ تصعّبُ الأمورَ عليَّ. كانتْ تقولُ إنني لستُ سوى عاملةٍ فاشلةٍ. لم أكن أجرؤ على أن أنبس بِبِنت شَفَة ردًا على حماتي حين كانت تتفوه بتلك العبارات الساخرة والمهينة، وشعرتُ بحزن شديد. قررتُ أنني سأدرسُ الموادَ الأكاديميةَ في أثناءِ تربيةِ طفلي، حتى أتمكنَ بعدَ الالتحاقِ بالجامعةِ منْ أن أصبحَ موظفةً رسمية، وعندئذٍ لنْ تعودَ حماتِي تنظرُ إليَّ بدونيةٍ.
في عامِ 1986، خُضتُ أخيرًا امتحانِ دخولِ الجامعةِ وحصلتُ على درجةِ الدبلومِ تمامًا كمَا تمنيتُ. وعَقِبَ تخرجي، عدتُ إلى المصنع وأصبحت موظفة رسمية هناك. لاحقًا، رُقِّيتُ إلى منصب مديرة مصنع الأعلاف الفرعي. أُعجِب بي زملائي في الدراسةِ والعملِ جميعًا أيَّما إعجاب، قائلينَ إنني امرأةٌ قويةٌ، وأثنَى عليَّ جميعُ أقاربي وأصدقائي. كانَ كلُّ مَنْ يعرفُنِي يحيينِي بحرارةٍ عندما يصادفُنِي. تغيرَ أيضًا موقفُ حماتِي عَمَّا كانَ عليهِ منْ قبلُ، وكانت الابتسامة تعلو وجهها دائمًا حين تخاطبني. بل وصارت تتباهى بقدراتي أمام الجيران. وأخيرًا، بات بمقدوري أن أرفع رأسي عاليًا. وما كان مني إلا أن تَنَفَّسْتُ الصُّعَداء: "شتَّان ما بين أن يكون للمرء مكانة وألا تكون له مكانة!" بينما كنت أستمتع بثناء الآخرين، خطر لي أنه لا تزال تقع على عاتقي مسؤولية: كان عليَّ أن أُنمِّي ابني بشكل صحيح، حتى يتمكن، مثلي، من اكتساب المزيد من المعرفة والالتحاق بالجامعة. ثُمَّ، يتفوق عليَّ في المستقبل، ويتمكن من السعي إلى مهنة في الحكومة، ويكتسب السلطة والمكانة، ويتميز عن الآخرين، ويجلب الفخر لأسلافنا. حينها، بصفتي أمه، سأتمكنَ منَ التمتعِ بمجدِهِ. لذا عندما وصل ابني إلى المرحلة الإعدادية، استخدمت معارفي لإلحاقه بأفضل مدرسة محلية، وكنتُ أخبرُهُ كثيرًا أن يدرسَ بجدٍّ، وعلَّمته أنَّ التحاقه بالجامعة هو السبيل الوحيد للحصول على وظيفة جيدة ومستقبل مشرق. ولم يخذلني ابني، وكان أداؤه الدراسي دائمًا ضمن الستة الأوائل في صفه. وأخبرني معلم صفه: "عليكِ أن تنمي ابنكِ بشكل صحيح. إنه ذكي جدًّا، ولديه القدرة على الالتحاق بجامعة تسينغهوا أو جامعة بكين". بعد سماعي هذا الكلام من المعلم، شعرت بسعادة غامرة وفكرت: "ابني ذكي، ولن يُمثِّل التحاقه بجامعة مرموقة مشكلةً له. وسيكون العثور على وظيفة جيدة في المستقبل أمرًا في غاية السهولة بالنسبة إليه". لقد تكلَّلت حياتي المهنية بالنجاح وكان ابني يبلي بلاءً حسنًا في دراسته. وقد ملأني ذلك بالأمل في المستقبل. لكن ما حدث بعد ذلك كان أمرًا غير متوقع على الإطلاق.
فمنذ النصف الثاني من عام 1995، تحوَّل مصنع الأعلاف الفرعي الذي كنت قد تعاقدت عليه من تحقيق الأرباح إلى تكبُّد الخسائر المالية. تملَّكني قلق شديد حيال هذا الأمر. وأصبت أيضًا بمرض السُّل على نحو خطير، وقد نال مني الوهن الشديد لدرجة أنني عجزتُ عن الذهابِ إلى العمل، فانهيتُ العقد قبل أوانه، ولم يدفع لي المصنع مستحقاتي. في ذلك الوقت، كان زوجي قد سُرّح من عمله منذ سنوات عديدة ولم يتمكن قَط من العثور على وظيفة مناسبة. بعد شرائنا لشقة، كادت مدخراتنا المتبقية أن تنفد. كان ابني على وشك الالتحاق بالمدرسة الثانوية التي كانت باهظة التكاليف. وبدون مصدر دخل، كيف يمكننا الاستمرار في دعمه في دراسته؟ لاحقًا، طلب مني زوجي أن أقيم معه كشكًا في الشارع لبيع البضائع. كنت أشعر بألم عظيم وفكرتُ: "أنا، مديرة المصنع المحترمة، قد انحدر بي الحال لدرجة الاضطرار إلى بيع السلع في الشارع. لو رأى زملائي من المصنع أو الناس الذين يعرفونني هذا، فسأفقد ماء وجهي تمامًا!" لكنني فكرت بعد ذلك: "قد أفقد ماء وجهي الآن، ولكن حينما يتخرج ابني من الجامعة ويصبح ناجحًا، فسيجلب لي رفعة المقام. ومن أجل توفير النفقات اللازمة لتعليم ابني الجامعي، يستحق الأمر أن أفقد بعض ماء وجهي وأتحمل القليل من المعاناة".
في أبريل 1998، حالفني الحظ في قبول عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. فهمت من كلام الله أن هذه المرحلة من عمل الله هي عمله الأخير لتخليص البشرية، وأنَّه إنْ لم يؤمن الناس بالله ولم يقبلوا خلاصه، فمهما تبلغ حصيلتهم من المعرفة التي يكتسبونها أو مدى ارتفاع درجتهم العلمية أو مكانتهم، فسيهلكون في النهاية. لكن أفكار وآراء السعي وراء المعرفة لتغيير مصير المرء كانت متجذرة في أعماقي، وظللتُ آمل أن يتميز ابني عن البقية ويجلب الفخر لأسلافنا. وعلى نحو غير متوقع، عندما كان ابني في سنته الأولى في المدرسة الثانوية، توقف عن الرغبة في الدراسة وأراد الانضمام إلى الجيش بدلًا من ذلك. فوجئت بذلك، وفكرت: "إنَّ كون المرء جنديًّا عملٌ شاق. فأيُّ إمكانات للتطور المستقبلي في ذلك؟ لا يمكنك العثور على وظيفة جيدة إلا من خلال الالتحاق بالجامعة والحصول على شهادة عليا. حينها فقط ستتاح لك الفرصة للحصول على منصب رسمي رفيع براتبٍ مُجْزٍ وتصبح شخصًا ذا مكانة عالية". لم أستطعْ مطلقًا أن أتركَ ابني يفعلُ مَا أراد. لذلك، حاولت إقناعه بلطف قائلةً: "يا بني، أنت ذكي حقًا. قال جميع المعلمين إنك مرشح جيد للالتحاق بجامعة تسينغهوا أو جامعة بكين. لم يتبق سوى عامين قبل امتحان القبول بالجامعة. إنْ تركتَ دراستك والتحقتَ بالجيش الآن، فستندم على ذلك بقية حياتك. فالجنود عندما يُسرَّحون من الجيش، يُصنَّفون دائمًا على أنهم عمال مهما كانت الوظيفة التي يُعيَّنون فيها، ولا يوجد أمامهم أي أفق للتطور. لا يمكنكَ العثورُ على وظيفةٍ جيدةٍ إلا إذا كنتَ حاصلًا على شهادةٍ جامعيةٍ. فعلى أقل تقدير، ستحظى بوظيفة مكتبية، شيء رسمي، ومنصب ثابت. وإذا اجتهدتَ في عملِكَ، فستتاحُ لكَ فرصٌ كثيرةٌ للترقيةِ. لا يمكنك أن تكتسب موطئ قدم في هذا المجتمع إلا إذا كانت لديك حياة مهنية ناجحة ومكانة. في الوقت الحاضر، المنافسة في المجتمع شرسة للغاية، وبدون المعرفة والشهادة العلمية ستكون شخصًا في مرتبةٍ دنيا. إنني أقولُ لكَ كلَّ هذا منْ أجلِ مستقبلِكَ". وبعد محاولات إقناع متكررة، واصل حضور المدرسة، وإن كان على مضضٍ. ذات صباح، رأى زوجي أن ابننا يتلكأ في المنزل، غير راغب في الذهاب إلى المدرسة، فضربه. هرب ابني على الفور من المنزل ولم نعثر له على أثرٍ إلا في ساعة متأخرة جدًّا من ذلك المساء. علمتُ أن ولدي لا يرغب في الدراسة وأراد الالتحاق بالجيش، لكنني لم أستطع السماح له بذلك. حاولت إقناعه بكل الطرق الممكنة، ووافق في النهاية، وإن كان على مضض، على الذهاب إلى المدرسة. في ذلكَ الوقتِ، كانَ ابني عابسًا كلَّ يومٍ ولا يريدُ التحدثَ إلينا، لكنني فكرت: "سواء كنت تستطيع أن تفهم ذلك الآن أم لا، فعندما تصبح مشهورًا وناجحًا في المستقبل، ستفهم مقصدنا المُضني". لاحقًا، قُبل بالفعل في الجامعة، وكنت سعيدة جدًا. لقد آتتْ سنوات أملي ثمارها أخيرًا. ومع ذلك، على الرغم من سعادتي، كنت قلقة أيضًا بشأن تكلفة إرساله إلى الجامعة. لم يكن لدى أسرتنا أي أموال إضافية لإرساله إلى الجامعة، فبعتُ الشقة التي كدحتُ نصف عمري في شرائها لأدفع رسوم ابني الدراسية، واستأجرت شقة غير مُشطَّبة لأعيش فيها. وعندما شارف ابني على التخرج، دفعت لأحدهم 10 آلاف يوان لأضمن له وظيفة في أحد البنوك. قمت بجميع الاستعدادات لمستقبل ابني، وكنت أنتظر فقط حصوله على شهادته وبدء عمله في البنك. ومع ذلك، حدث شيء آخر غير متوقع.
ذات يوم، أخبرني ابني أنه قد ترك الجامعة في سنته الأخيرة. فهو لم يسدد رسومه الدراسية، لذا لم يتمكن من الحصول على شهادته. عندما سمعت هذا الخبر، لم أصدق أذنيَّ. هل سمعتُ ذلكَ خطأً؟ ومع ذلك، عندما رأيتُ تعابير ابني الهادئة، علمتُ أن الأمر حقيقي، ولم أستطع التوقف عن البكاء. بكيتُ وأنا أشتكي وأُعنِّف ابني. وبلغ بي الغضب مبلغًا لدرجة أنني شعرت بالوهن يسري في جسدي كله. فكرت: "لقد بذلت جهدًا مُضنيًا على مر السنين لتهيئة الظروف المناسبة له للالتحاق بالجامعة. كنتُ آملُ فقط أن ينجحَ ويجلبَ الفخرَ لِي بصفتي أمٍّه. لا أصدق أنه فعل هذا. كيف سأواجه الناس من الآن فصاعدًا؟" في ذلك الوقت، أردتُ حقًّا الإمساك بسلك كهربائي مكشوف وأضع حدًّا لحياتي وأُنهي كل شيء. خلالَ تلكَ الفترةِ، لمْ أستطع الأكلَ، ولمْ أستطع النومَ أيضًا. كان عقلي مليئًا بالمخاوف بشأن مستقبل ابني. فكرتُ: "ماذا ينبغي لي أن أفعل في المستقبل؟" لقد بعت الشقة لدعم تعليمه، وليس لدينا حتى مكان مستقر للعيش فيه الآن. لقد ضاع كدُّ نصف عمري من العمل الشاق! عندما بلغ ألمي ذروته، صليتُ إلى اللهِ أن يقودَنِي للخروجِ منْ ألمِي.
وفي أثناءِ طلبي، سمعتُ ترنيمةً منْ كلام اللهِ بعنوان: "قَدَرُ الإنسانِ تتحكم فيه يد اللهِ". "إن يديّ الله تتحكمان في قدر الإنسان. فأنت غير قادر على التحكم في نفسك: حتى إذا كان الإنسان دائمًا ما يهرع ويشغل نفسه من أجل نفسه، فإنه يظل غير قادر على التحكم في نفسه. لو استطعت معرفة آفاقك الخاصة، ولو استطعت التحكم في قدرك، فهل كنت ستظل تسمى كائنًا مخلوقًا؟ باختصار، بغض النظر عن الكيفية التي يعمل بها الله، فإن كل عمله هو من أجل الإنسان. الأمر يشبه تمامًا السماوات والأرض وكل الأشياء التي خلقها الله لخدمة الإنسان: لقد خلق الله القمر، والشمس، والنجوم من أجل الإنسان، وخلق الحيوانات والنباتات من أجل الإنسان، وخلق الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء من أجل الإنسان، وهكذا؛ كل هذه الأشياء مخلوقة من أجل وجود الإنسان. ومن ثم، فبغض النظر عن الكيفية التي يوبِّخ الله بها الإنسان ويدينه، فإن هذا كله من أجل خلاص الإنسان. وحتى لو كان يجرّد الإنسان من آماله الجسدية، فإن هذا من أجل تطهير الإنسان، وتطهير الإنسان يحدث من أجل وجود الإنسان. إن غاية الإنسان بيديّ الخالق، فكيف يمكن للإنسان أن يتحكم في نفسه؟" (الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. استعادة الحياة الطبيعية للإنسان وأخذه إلى غاية رائعة). استمعت إلى هذه الترنيمة المرة تلو الأخرى. وبينما كنت أتفكَّر في كلام الله، أدركتُ أن الله يسود على مصير كل شخص وقد عيَّنه. وبغضِّ النظرِ عَنْ مدى جِدِّكَ في المحاولةِ أوْ مدى كفاحِكَ، لا يمكنكَ تغييرُ مستقبلِكَ أوْ مصيرِكَ؛ ناهيك عن قدرتك على تغيير مصير الآخرين. فكرت في النصف الأول من حياتي، أردتُ تغيير مصيري من خلال اكتساب المزيد من المعرفة، ولكنْ لاحقًا، تكبدَ المصنعُ خسائرَ وأصبتُ بالمرضِ. لم يكن لديَّ خيار سوى الاستقالة. كل هذا لم يكن بيدي حقًا. لقد علّمت ابني بالقول والفعل منذ صغره، على أمل أن يلتحق بالجامعة ويصبح موظفًا رسميًا كما أردت له. كافحتُ وضحيتُ بنصفِ عمرٍ منَ العرقِ والدموعِ لتحقيقِ ذلكَ، لكنهُ لمْ يفعلْ كمَا أردتُ، وفي النهايةِ لمْ يحصلْ قط على شهادتِهِ الجامعيةِ. منحتنِي هذهِ الحقائقُ الإدراك بأنَّ حصولَ ابني على مستقبلٍ ومصيرٍ جيدينِ من عدمه ليسَ تحتَ سيطرتِي. فمهما بلغ كفاحي ومهما قدمت من تضحيات، فكل ذلك يذهب سُدَىً. لأنني مجرد كائن مخلوق ضئيل، والله يسود على قَدَري وقَدَر ابني ويُعيِِّنهما. لا يمكنني حتى التحكم في مصيري أنا، ومع ذلك، ظللت أريد التحكم في مستقبل ابني ومصيره. كنت جاهلة ومتكبرة جدًا! كان السبب في ألمي الشديد هو أنه لم يكن لديَّ أي فهم على الإطلاق لسيادة الله، ولم أستطع أن أخضع لها. عندما فهمت هذا، كنت راغبة في الخضوع لسيادة الله وترتيباته والتوقف عن الشكوى بشأن ابني. فإنْ عاش حياة عادية، فهذا يرجع إلى سيادة الله وتعيينه، وينبغي أن أئتمنه إلى الله وأدع الأمور تأخذ مجراها.
بعد ذلك ظللت أتساءل: لماذا كنت أتألم بشدة حين لم يحصل ابني على شهادة جامعية؟ لماذا أوليت كل هذه الأهمية للمعرفة والشهادات الجامعية؟ ما السبب الجذري الكامن وراء ذلك؟ فقرأت كلمات الله: "يعتقد بعض الناس أن المعرفة شيء ثمين في هذا العالم، وأنه كلما زادت معرفتهم، ارتقت مكانتهم وصاروا من النخبة بدرجة أكبر، وأصبحوا أكثر نبلًا وثقافة، لذلك لا يمكنهم الاستغناء عن المعرفة. بعض الناس يعتقدون: "إذا اجتهدت في دراستك واكتسبت معرفة وفيرة، فستملك كل شيء. ستكون لديك مكانة، ومال، ووظيفة جيدة، وآفاق مستقبلية جيدة؛ يجب أن تمتلك المعرفة في هذا العالم. إذا لم تكن لديك معرفة، فسيحتقرك الجميع. ستتعرض للتمييز، ولن يرغب أحد في مخالطتك؛ أولئك الذين يفتقرون إلى المعرفة لا يمكنهم سوى العيش في أدنى درجات المجتمع". وهكذا فإنهم يعبدون المعرفة حقًا، ويعطونها قيمة كبيرة، ويعتبرونها مهمة للغاية؛ أكثر أهمية حتى من الحق. ... مهما نظرت إلى الأمر، فهذا جانب واحد من جوانب أفكار البشر وآرائهم. ثمة قول مأثور قديم مفاده: "اقرأ عشرة آلاف كتاب وسافر عشرة آلاف ميل". ماذا يعني هذا؟ يعني أنه كلما قرأتَ أكثر، أصبحتَ أكثر معرفة ورخاءً، وأيًا كانت مجموعة الناس التي تكون فيها، فستكون محل تقدير كبير، وستكون لديك مكانة. الجميع يضمرون هذه الأنواع من الأفكار والآراء في قلوبهم. إذا كان شخص ما غير قادر على الذهاب إلى الكلية والحصول على شهادة لأن عائلته لا تملك الموارد المالية، فسيظل يتحسر على ذلك طوال حياته، لذا سيعقد العزم على ضمان أن يدرس نسله أكثر، ويلتحقوا بالجامعة ويحصلوا على درجات متقدمة، أو حتى يتابعوا دراساتهم في الخارج. هذان هما الفكر ووجهة النظر اللذان يمتلكهما الجميع بخصوص المعرفة؛ الجميع يتوقون إلى نيل المعرفة. ولذلك، فإن العديد من الآباء لا يدخرون جهدًا أو مالًا – حتى لو وصل الأمر إلى حد إفلاس الأسرة – لتعليم أطفالهم ودفع تكاليف دراستهم. وماذا عن المدى الذي يذهب إليه بعض الآباء في تأديب أطفالهم؟ السماح لهم بثلاث ساعات فقط من النوم في الليلة، وإجبارهم على التعلم والدراسة باستمرار، أو حتى جعلهم يحاكون القدماء ويربطون شعرهم بالسقف، مانعين إياهم من النوم تمامًا. ظلت هذه الأنواع من القصص، هذه المآسي، تحدث دائمًا من العصور القديمة إلى الوقت الحاضر، وهي عواقب تعطش البشر إلى المعرفة وعبادتهم لها" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. طريق الممارسة نحو تغيير شخصية المرء). لقد لامست كلمات الله قلبي. لقد كنت مقيدة بأفكار وآراء شيطانية مثل "المساعي الأخرى ضئيلة، والكتب تفوقها جميعًا"، و"اقرأ عشرة آلاف كتاب، وسافر عشرة آلاف ميل"، و"المعرفة يمكن أن تغير قَدَرك"، وعبدتُ المعرفة بشكل خاص. اعتقدتُ أن المعرفة ستقود إلى مستقبل مشرق، حيثُ يمكنكَ أن تكونَ شخصًا متميزًا وموضعَ إعجابِ الآخرينَ؛ حينها فقط تكون الحياة ذات قيمة. اعتقدتُ أنه من دون معرفة أو شهادة جامعية، سيتعين عليك أن تكدح وتعيش حياةً وضيعة، ويحتقرك الآخرون، وتظل في قاع المجتمع طوال حياتك، غير قادر أبدًا على المُضيِّ قُدُمًا. اعتقدتُ أنه بالمعرفة، يمكنك الحصول على كل شيء، لذا لم أتخلَّ عن محاولة اكتساب المعرفة، حتى بعد زواجي وإنجابي لطفل. فعندما تخرجت من الجامعة وعدت إلى المصنع، أصبحت موظفة رسمية على الفور، ثمَّ رُقِّيتُ خطوةً بخطوةٍ، وعُهِدَ إليَّ بأدوارٍ مهمةٍ. وقبلَ مضيِّ وقتٍ طويلٍ، انتقلتْ أسرتنا المكونةُ منْ ثلاثةِ أفرادٍ إلى شقةٍ فسيحةٍ، وكانَ كلُّ مَنْ يرانِي ينظرُ إليَّ بحسدٍ ويبادرُنِي بالتحيةِ؛ وكانَ جميعُ الموظفينَ في المصنعِ يحترمونَنِي كثيرًا. حصلتُ على الشهرةِ والربحِ اللذينِ أردتُهُمَا، واعتقدتُ أنَّ كلَّ هذا جاءَ بفضلِ المعرفةِ التي اكتسبتُهَا منْ خلالِ الدراسةِ الشاقةِ والشهادةِ الجامعية التي حصلتُ عليهَا. لذلك، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن المعرفة يمكنها تغيير مصير المرء، وكنتُ آملُ أن يحصلَ ابني على شهادةٍ عليا ويصبحَ ناجحًا ومشهورًا في المستقبلِ، حتى أتمكنَ منَ التمتعِ بمجدِهِ. عندمَا أخبرنِي ابني أنهُ يريدُ الانضمامَ إلى الجيشِ، لم أسأله عمَّا كان يدور في خَلَدِه حقًّا. بدلًا منْ ذلكَ، اعتقدتُ فقط أنهُ لنْ تكونَ هناكَ آفاقٌ مستقبليةٌ لهُ بعدَ الانضمامِ إلى الجيشِ، لذلك أجبرته على الذهاب إلى الجامعة. لضمان تمكن ابني من الالتحاق بالجامعة، بعت الشقة التي عملت نصف حياتي لشرائها. عندما علمت أن ابني لم يدفع رسوم سنته الأخيرة ولن يحصل على شهادة جامعية، تحطمت آمالي تمامًا، وسقطت في يأس كامل. ولم أشعر إلا بالرغبة في وضع حدٍّ لكل شيء. لقد أعمتني حقًا الشهرة والربح! في الواقع، مصير الجميع بيد الله، ولا يمكن تغييره بمجرد اكتساب المعرفة. تذكَّرتُ جاري، رئيس القسم وانغ، الذي لم ينل قسطًا كبيرًا من التعليم، لكنه أصبح الآن رئيس قسم في مكتب شؤون الموظفين؛ ومن ناحية أخرى، قُبِلَت زميلة دراسة لي في جامعة بكين ولكنها لم تتمكن من العثور على وظيفة مناسبة لسنوات عديدة بعد التخرج. في الوقت الحاضر، بات خريجو الجامعات العاطلين في كل مكان، بل إن الكثير من الحاصلين على الدراسات العليا لا يستطيعون أن يجدوا وظائف رسمية. من الواضح أن فكرة أن "المعرفة يمكن أن تغير قَدَرك" خطأ، وواهية تمامًا. إنها تتعارض مع الحق. ورغم إيماني بالله، فإنني لم أفهم الحق ولم تكن لديَّ القدرة على التمييز. اعتبرتُ أنَّ المعرفة والشهرة والربح أهم من أي شيء آخر، ولم تكن لديَّ أي فكرة على الإطلاق أن هذه طرق يغوي بها الشيطان الناس ويلتهمهم. وبفضل الكشف في كلام الله، عدت أخيرًا إلى صوابي. صليت إلى الله بصمت في قلبي: "يا الله العزيز، أشكرك على إمداد كلماتك واستنارتها، التي مكنتني من تمييز أفكار الشيطان وآرائه. لا أريد التقيد بهذه الأفكار والآراء بعد الآن. عسى أن تقودني إلى سلوك طريق السعي إلى الحق".
لاحقًا، قرأتُ عدة فقرات أخرى من كلام الله وفهمتُ أن وراء سعي الناس للشهرة والربح يكمن المقصد الشرير للشيطان. يقول الله القدير: "سوف يقول بعض الناس إن تعلُّم المعرفة ليس أكثر من قراءة الكتب أو تعلُّم بعض الأشياء التي لا تعرفها لأجل مواكبة الزمان ولكي لا يتركك العالم وراءه. لا تُكتسب المعرفة إلا من أجل كسب قوت اليوم، أو من أجل مستقبلك، أو من أجل توفير الضروريّات الأساسيّة. هل هناك أيّ شخصٍ سيتحمَّل عَقدًا من الزمان في الدراسة الشاقّة من أجل تأمين الاحتياجات الأساسيّة فقط ومن أجل حلّ مشكلة الغذاء فقط؟ كلا، لا يوجد أُناسٌ هكذا. من أجل ماذا إذًا يعاني المرء هذه المشقّات طوال هذه السنوات؟ إنه من أجل الشهرة والربح. الشهرة والربح ينتظرانه في الأفق ويدعوانه إليهما، وهو يعتقد أنه لا يمكنه أن يخطو في الطريق الذي يؤدي إلى تحقيق الشهرة والربح إلّا من خلال اجتهاده الخاصّ، ومشاقّه، وكفاحه، وهكذا يربح هذه الأشياء. يجب على شخص كهذا أن يعاني هذه المشاقّ في سبيل مساره الخاصّ في المستقبل ومن أجل التمتُّع في المستقبل وكسب حياة أفضل" [الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا]. "ما الذي يستخدمه الشيطان لإبقاء الإنسان تحت سيطرته بشكل راسخ؟ (الشهرة والربح). يستخدم الشيطان الشهرة والربح للتحكُّم بأفكار الناس، فيجعلهم لا يفكرون في شيء سوى هذين الأمرين، ويدفعهم إلى النضال من أجل الشهرة والربح، ويعانون من مشقّاتٍ من أجل الشهرة والربح، ويتحمَّلون الإذلال ويحملون أعباء ثقيلة من أجل الشهرة والربح، ويُضحّون بكلّ ما لديهم من أجل الشهرة والربح، ويتّخذون أيّ حُكمٍ أو قرارٍ من أجل الشهرة والربح. وبهذه الطريقة، يفرض الشيطان على الناس أغلالًا غير مرئيّةٍ، وبوجود هذه الأغلال، لا يملكون القدرة ولا الشجاعة للتحرر. ومن دون معرفة، يحمل الناس هذه الأغلال ويمشون قُدُمًا بخطى متثاقلة خطوة خطوة، بصعوبةٍ كبيرة. من أجل هذه الشهرة وهذا الربح، يضل البشر عن الله ويخونونه ويصبحون أشرارًا أكثر فأكثر. وبهذه الطريقة، يتحطَّم جيلٌ تلو الآخر في الشهرة والربح اللذين للشيطان. بالنظر الآن إلى أعمال الشيطان، أليست دوافعه الخبيثة بغيضة للغاية؟ ربّما ما زلتم لا تستطيعون اليوم أن تُدرِكوا دوافع الشيطان الخبيثة، لأنكم تعتقدون أنه دون الشهرة والربح، لن يكون للحياة معنى، ولن يعود الناس قادرين على رؤية الطريق أمامهم، ولن يعودوا قادرين على رؤية أهدافهم، وسيصبح مستقبلهم مُظلِمًا، وقاتمًا، ومعتمًا. ومع ذلك، ببطء، سوف تدركون جميعًا ذات يوم أن الشهرة والربح أغلالٌ هائلة يضعها الشيطان على الإنسان. وعندما يأتي ذلك اليوم، سوف تقاوم بشكل كامل سيطرة الشيطان عليك وتقاوم بشكل كامل الأغلال التي جلبها الشيطان لك. وعندما ترغب في تحرير نفسك من جميع هذه الأشياء التي غرسها الشيطان فيك، فسوف تنفصل تمامًا عن الشيطان، وسوف تكره حقًّا كل ما جلبه لك. وحينها فقط سوف تكون لديك مَحبَّةٌ وتوق حقيقيان لله" [الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا]. إنَّ كلمات الله عملية جدًّا. وللحصول على الشهرة والربح، يعمل الناس بجد ويعانون المشاق، بل إنهم مستعدون لدفع أي ثمن مقابل ذلك. يستخدم الشيطان المعرفة لإغواء الناس، ويستخدم الشهرة والربح للسيطرة عليهم، بحيث يُفسَدون بها دون أن يدركوا ذلك. لقد كنتُ هكذا تمامًا. فقد علمني والدي منذ طفولتي أن إتقان المزيد من المعرفة سيجعلني شخصًا متميزًا؛ وبدون المعرفة، لا يمكنني إلا أن أكون شخصًا وضيعًا وأقوم بعمل يدوي شاق. علمنا المعلمون أيضًا أن تكون لدينا طموحات سامية، وأن نسعى للتميز عن البقية وجلب الفخر لأسلافنا. وقبل أن أدرك ذلك، قبلت هذه الأفكار والآراء. من أجل الحصول على الشهرة والربح والمكانة، كنت راغبة في تحمل أي مشقة ودفع أي ثمن. لم أسعَ وراء هذه الأشياء بنفسي فحسب، بل أجبرت ابني أيضًا على السعي وراءها. عندما علمت أن ابني لا يستطيع الحصول على شهادته الجامعية، تحطمت أحلامي فجأة، وكنت في عذاب شديد لدرجة أنني أردت الهروب منه بالموت. لقد سيطرت عليَّ أفكار السعي وراء الشهرة والربح التي غرسها فيَّ الشيطان. ولم يكن ذلك مصدر ألم شديد لي فحسب، بل أضر أيضًا بابني عقليًا وجسديًا. وضع الشيطان عليَّ أغلال الشهرة والربح غير المرئية، ما جعلني أحارب وأعمل بجدٍ باستمرار من أجل الشهرة والربح. وعلى الرغم من إرهاقي الجسدي والعقلي، لم تكن لدي القدرة على التحرر من هذا. وبفضل خلاص الله لي، اكتسبتُ قدرًا من التمييز لأساليب الشيطان في إيذاء الناس. لم أعد أستطيع السعي وراء الشهرة والربح. كان عليَّ أن أقف في مكاني الصحيح بصفتي كائنًا مخلوقًا وأخضع لسيادة الله وترتيباته.
لاحقًا، أخبرت أختي عن حالتي، فبحثت لي عن فقرة من كلمات الله: "بادئ ذي بدء، هل هذه المتطلبات التي تكون لدى الوالدين بخصوص أبنائهم والنُهُج التي يتخذونها معهم صحيحة أم خاطئة؟ (إنها خاطئة). إذًا، في نهاية المطاف، ما المصدر الرئيس لهذه النُهُج التي يستخدمها الآباء والأمهات مع أبنائهم؟ ألا يتمثل في توقعات الآباء والأمهات من أبنائهم؟ (بلى). يتصور الآباء والأمهات في وعيهم الذاتي مختلف الأمور الخاصة بمستقبل أبنائهم ويخططون لها ويحددونها، ونتيجة لذلك ينتجون هذه التوقعات. ... إن آباءهم يعلقون الآمال على أبنائهم بالكامل على أساس نظرة الكبار للأشياء، وكذلك آراء الكبار ووجهات نظرهم وتفضيلاتهم فيما يخص أمور العالم. أليس هذا أمرًا ذاتيًا؟ (بلى). إذا أردت صياغة الأمر بشكل لطيف، يمكنك القول إنه ذاتي، لكن ما هو في الحقيقة؟ ما التفسير الآخر لهذه الذاتية؟ أليست هذه أنانية؟ أليس هذا إكراهًا؟ (إنه كذلك). أنت تحب مهنة معينة، وتود أن تكون مسؤولًا، وأن تصبح ثريًا، وأن تكون متألقًا وناجحًا في المجتمع، لذا تجعل أطفالك يسعون أيضًا ليكونوا مثل هذا الشخص ويسيروا في مثل هذا الطريق، ولكن هل سيحب أطفالك العيش في مثل هذه البيئة والقيام بمثل هذا العمل في المستقبل؟ هل هم مناسبون له؟ ما مصيرهم؟ ما سيادة الله وترتيبه لهم؟ هل تعرف هذه الأمور؟ يقول البعض: "أنا لا أهتم بتلك الأشياء، المهم هو الأشياء التي أحبها أنا بصفتي والدهم. سأعلق الآمال عليهم بناءً على تفضيلاتي الخاصة". أليس ذلك أنانيًا للغاية؟ (إنه كذلك). إنه أمر أناني للغاية! بعبارة لطيفة، إنه أمر ذاتي تمامًا، إنه اتخاذ جميع القرارات من جانبهم، لكن ما هو في الواقع؟ إنه أمر أناني للغاية! هؤلاء الآباء والأمهات لا يضعون في اعتبارهم مستوى قدرات أبنائهم أو مواهبهم، ولا يهتمون بالترتيبات التي وضعها الله لقدر كل شخص وحياته. إنهم لا يأخذون هذه الأمور بعين الاعتبار، بل يفرضون تفضيلاتهم ومقاصدهم وخططهم على أبنائهم من خلال التمني" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (18)]. بعد قراءة كلمات الله، عدت إلى صوابي فجأة. في الماضي، ظننتُ أن كل ما فعلته كان من أجل مستقبل ابني ومصيره. من خلال الكشف في كلام الله، فهمت أخيرًا أن المقصد وراء أفعالي كان دائمًا إشباع رغبتي في الشهرة والربح والمكانة. ولأنني أحببتُ السلطة والمكانة وأردتُ أن أكون موظفة رسمية لكي ينظر إليَّ الآخرون بتقدير، فقد فرضت تفضيلاتي ورغباتي الخاصة على ابني. كنتُ آمل أن يدرس بجدٍ ويتميز في المستقبل، ويحصل على منصب رسمي رفيع وراتب جيد حتى أتمكنَ منَ التمتعِ بمجدِهِ كان كل ما فعلته من أجل طموحاتي ورغباتي الشخصية، ولم أراعِ تفضيلات ابني ورغباته على الإطلاق. عندما قال ابني إنه لا يريد الذهاب إلى الجامعة ويريد الانضمام إلى الجيش، بذلت قصارى جهدي لإقناعه بالعدول عن ذلك، وأجبرته على الذهاب إلى الجامعة خلافًا لرغباته. كان هدفي من ذلك أن أجعله يسعى وراء مهنة رسمية، وينال السلطة والمكانة، حتى أكتسب أنا أيضًا رفعة المقام. في الظاهر، كان كل ما فعلته من أجل مستقبل ابني ومصيره. بذلت كل ما في وسعي لتنمية ابني. ومع ذلك، ففي جوهر الأمر، كان كل ذلك لإشباع رغبتي الخاصة في المكانة، ورغبتي في التمتع باحترام المزيد من الناس وإعجابهم من خلال ابني، والتمتع بحياة مادية أفضل. رأيت أخيرًا بوضوح أن كل ما فعلته لم يكن لمصلحة ابني على الإطلاق. لقد كان كل ذلك لإشباع طموحاتي ورغباتي الخاصة. كانت طبيعتي أنانية وخسيسة وقبيحة للغاية! في الواقع، لم يكن ابني يريد أن يسعى لمهنة في الحكومة. قال لي ذات مرة: "أمي، أنا ببساطة لست مؤهلًا لأكون موظفًا رسميًا. إن أردت اكتساب موطئ قدم في الدوائر الرسمية في هذا المجتمع، فعليك أن تكون قادرًا على شرب الخمر وإقامة المآدب والتملق والخداع. وتحتاج أيضًا إلى الخلفية العائلية المناسبة والعلاقات، وأن تكون قاسيًا وبغيضًا. أنا لا أملك أيًا من هذه. من الجيد أن أكون مجرد شخص عادي". بالتأمل في الماضي، كان ما قاله ابني صحيحًا جدًا. فكرت في ابن أختي الكبرى، وهو نائب مدير مكتب الصناعة والتجارة. قال لي ذات مرة: "بمجرد دخولكِ الدوائر الرسمية، لن تعودي تسيطرين على نفسكِ. فالناس يدبرون للآخرين المكائد والمؤامرات، ولا يمكنكِ إخبار أي شخص بما يدور في ذهنك أو توطيد صلتكِ به أكثر من اللازم. فأنتِ لا تعرفين ما قد تقولينه وقد يسيء إلى شخص ما. قد لا ترغبين في إيذاء الآخرين، لكنهم سيظلون يطعنونكِ في الظهر. عليكِ أن تعيشي حياتكِ وأنتِ تراقبين تعابير وجوه الناس. الحياة في الدوائر الرسمية مرهقة!" ليس أمرًا جيدًا أن تصبح موظفًا رسميًّا. الدوائر الرسمية مثل مَصبَغة كبيرة، ولو كان ابني قد انخرط فيها كما أردتُ له، كان بعد عِقدٍ من الزمن أو نحو ذلك سيتلطخ رغمًا عنه بشتى أنواع العادات السيئة. كان سيصبح مراوغًا ومخادعًا، يسعى وراء الشهرة والربح، ويتنافس مع الآخرين، وربما كان سيفعل بعض الأشياء الشريرة. حينها، ما كان سيصبح في مقدوره بعد ذلك أن يحيا حياة طبيعية وهادئة. وكان ذلك سيسبب له ضررًا كبيرًا وألمًا لا ينتهي في جسده وعقله. لم يكن ابني يريد أن يكون موظفًا رسميًا، وأراد فقط أن يكون شخصًا عاديًا. أليس هذا أمرًا جيدًا؟ الآن لديه وظيفة رسمية، وراتبه الشهري يمكن أن يغطي تكاليف معيشة أسرته بشكل أساسي. وهو لا يعارض إيماني بالله، بل ومستعد جدًّا لتقديم يد العون عندما تحتاج الكنيسة إلى مساعدته في بعض الأمور. هذا رائع بالفعل.
بعد هذا الاختبار، أدركُ بشكل متزايد أن الله هو الذي له السيادة على نوع العمل الذي يقوم به كل شخص وكيفية كسب عيشه، وهو الذي يُعَيِّن ذلك. كما يقول الله: "الله قضى أن يكون شخص ما عاملًا عاديًا، ولن يكون قادرًا في هذه الحياة إلا على كسب الأجر الأساسي لإطعام نفسه وكسوتها، لكن والديه يصران على أن يصبح من المشاهير والأثرياء والمسؤولين الكبار، وهما يخططان ويرتبان أمور مستقبله قبل أن يبلغ سن الرشد، ويدفعان مختلف أنواع ما يسمى بالأثمان، ويحاولان التحكم في حياته ومستقبله. أليست هذه حماقة؟ (إنها كذلك)" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (18)]. جعلتني هذه الفقرة من كلام الله أدركُ أنني لم أكن حمقاء فحسب: بل كنتُ بلهاء تمامًا! فكل المعاناة التي تحملتُها كانت خطئي أنا. عندما تخليت عن توقعاتي لابني، وتوقفتُ عن محاربة المصير، وتوقفتُ عن السير في طريق السعي وراء الشهرة والربح، وتمكنتُ من الوقوف في مقام كائن مخلوق وقبول سيادة الله ومواجهتها واختبارها بموقف إيجابي وخاضع، رأيتُ أنَّ ترتيبات الله رائعة. الشكر لله!