4. بعد أن تحطم حلمي
منذ صغري وأنا أحب الرقص كثيرًا. أخبرتني أمي أنني عندما كنتُ صغيرة جدًّا، كلما عُزفت الموسيقى، كنتُ أتمايل تلقائيًّا على إيقاعها. ومع تقدمي في العمر، استمر شغفي بالرقص، وكنتُ مهتمّةً بشكل خاص بكل ما له صلة به. لا سيَّما عندما كنتُ أرى الراقصين يؤدون عروضهم على خشبة المسرح على شاشة التلفاز، وينفِّذون ببراعة حركات رقص شديدة الصعوبة بكل سهولة، بينما كان الجمهور المأسور بأدائهم ينظر إليهم مُصفِّقًا ومُهلِّلًا، كنتُ لا أستطيع أن أحوِّل نظري عنهم، وقد تركت عروضهم أثرًا عميقًا في نفسي. لقد كان ذلك في غاية الجمال! فكرتُ: "ما أروعَ أن أصبح أنا أيضًا راقصة، فأُعبِّر عن ذاتي بالرقص وأنال تصفيق الجمهور وإشادتهم!" ولتحقيق حلمي، التحقتُ بصفٍّ للتدريب على الرقص، وبدأتُ فترة من التدريب الاحترافي. كنتُ أدرس حركات المعلِّمة عن كثبٍ أثناء الحصة، وأسعى جاهدةً لأتقن كل حركة. أخبرتني معلمتي بأنني أمتلك مقومات حقيقية كراقصة، وكان جميع أقراني على يقين بأن لي مستقبلًا واعدًا في مجال الرقص. فشعرتُ بالسرور لسماع ذلك، واعتقدتُ أنه لديَّ موهبة حقيقية كراقصة وأن بإمكاني أن أمتهن الرقص. لعلَّ السماء قد جعلت من السعي وراء الرقص مهمتي في هذه الحياة.
لاحقًا، حظيتُ بقبول عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. ومن خلال مشاهدتي لفيديوهات الكنيسة، علمتُ أن الكنيسة لديها أيضًا واجبٌ خاصٌّ بالرقص. وعندما رأيت الإخوة والأخوات يترنَّمون ويرقصون ويسبحون الله، قلتُ في نفسي: "إن الرقص في العالم الدنيوي مُخصَّص لغير المؤمنين ولا قيمة له تُذكر، لكن الرقص في الكنيسة واجبٌ ويتيح لي تسبيح الله؛ وهذا أمرٌ ذو معنى كبير! فضلًا عن أن فيديوهات الكنيسة تُنشر على الإنترنت ويشاهدها الناس في جميع أنحاء العالم. فإذا أظهرت مهاراتي في الرقص في تلك الفيديوهات، أفلن أنال مزيدًا من الثناء والإشادة؟ من الآن فصاعدًا، يجب أن أخصص وقتًا أطول للتدرب على الرقص، حتى أحصل على واجبٍ في هذا المجال". لاحقًا، تعرّضت كنيستنا لاضطهاد الحزب الشيوعي الصيني واعتُقِل العديد من الإخوة والأخوات، فبالكاد كانت تتاح لنا فرصٌ للاجتماع والقيام بواجباتنا بصورة طبيعية، ناهيك عن أن تتاح لنا فرص لتشكيل فرقة للرقص. رغبت بشدة في مغادرة الصين لممارسة إيماني والقيام بواجبي في بلدٍ حرّ وديمقراطي. ولتجنُّب تيبُّس عضلاتي، كنتُ أمارس تمارين الإطالة والتمارين الرياضية كلما سنح لي وقت فراغ. وأحيانًا، عندما كنت أستمع للموسيقى، كنت أتخيل نفسي على المسرح أؤدي عرضًا راقصًا. وبعد فترة وجيزة، وفي أثناء اجتماع، اقتحمت الشرطة المكان فجأة وبدأت في إلقاء القبض على الحاضرين. احتُجزتُ لمدة 37 يومًا، وأُفرج عني لاحقًا بكفالة على ذمة المحاكمة. وخوفًا من اعتقالي مجددًا، تركت منزلي وتواريت عن الأنظار. كنت أُحدق كل يوم في السماء الزرقاء الشاسعة من نافذتي شاردة الذهن، مفكرةً: "الآن وبعد أن اعتُقِلتُ، أشعر وكأن الحزب الشيوعي الصيني قد قيَّد حريتي. ومن الآن فصاعدًا، لن أتمكن من الذهاب إلى أي مكان بحرية، ولن أستطيع مغادرة البلاد. فكيف ستظل لديَّ أي فرصة للأداء على خشبة المسرح؟ ألا يعني هذا نهاية حلمي بالرقص؟" تركتني هذه الأفكار في حالٍ سيئة للغاية. لاحقًا، كلفتني الكنيسة بتأليف الترانيم. ورغم قيامي بواجبي ظاهريًا، لم أكرس قلبي له. بل فكرت أنني قد خُلقت لأكون راقصة فقط، وأن هذا الواجب لا يناسبني. فأعفتني قائدتي بعد أن لاحظت أنني كنت غارقةً في تلك الحالة السلبية ولم أحرز أي تقدم.
بعد أن أُعفيتُ، كنتُ أقضي كل يوم وأنا مشوَّشة الذهن وشاردة. وكلما تذكرتُ تحطُّم حلمي بالرقص، كان يغمرني الألم والضياع. وفي خِضَمّ شعوري بانعدام الحيلة، صلَّيتُ إلى الله: "يا الله، أعلم أنني، منذ أن أُعفيت، لا بد أنني قد أثرت مقتك بطريقة ما، لكنني متبلِّدة الحس للغاية ولا أدري أين مكمن خطئي. أرجوك أرشدني وأنرني لأكتسب معرفة بذاتي". كنت أصلي إلى الله على هذا النحو كل يوم. ذات مرة، في أثناء عباداتي، صادفتُ فقرةً من كلمات الله منحتني بعض الفهم لمشكلتي. يقول الله القدير: "يظن الناس أنه لا يوجد خطأ في تعلم المعرفة، وأنه أمر طبيعي ومبرر تمامًا. ولصياغة الأمر بطريقة تبدو جذابة، فإن وضع تطلعات سامية أو امتلاك طموحات يعني امتلاك عزم، وينبغي أن يكون هذا هو الطريق الصحيح في الحياة. إذا استطاع المرء تحقيق تطلعاته الخاصة، أو بناء مسيرة مهنية ناجحة في حياته، أليست هذه طريقة أكثر مجدًا للعيش؟ بهذه الطريقة، لا يستطيع المرء تكريم أسلافه فحسب، بل تتاح له أيضًا الفرصة لترك بصمته للأجيال القادمة – أليس هذا شيئًا جيدًا؟ هذا شيء جيد في نظر الناس الدنيويين، وبالنسبة إليهم ينبغي أن يكون أمرًا لائقًا وإيجابيًا. ومع ذلك، هل يقود الشيطان، بدوافعه الشريرة، الناس إلى مثل هذا الطريق ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد؟ بالطبع لا. في الواقع، بغض النظر عن مدى عظم تطلعات الإنسان، وبغضّ النظر عن مدى واقعيّة رغبات الإنسان أو مدى مشروعيتها، فإن كلّ ما يريد الإنسان تحقيقه، كل ما يسعى إليه، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكلمتين. هاتان الكلمتان مُهمّتان للغاية بالنسبة إلى كلّ إنسان على مدار حياته كلها، وهما شيئان يعتزم الشيطان غرسهما في الإنسان. ما هاتان الكلمتان؟ هما "الشهرة" و"الربح". يستخدم الشيطان طريقةً لطيفةً جدًّا، وهي طريقةٌ تتماشى إلى حد كبير مع مفاهيم الناس، وليست عدائية جدًا، لكي يجعل الناس يقبلون – دون وعي منهم – وسائله وقواعده للبقاء، ولكي يشكلوا أهداف الحياة واتجاهاتها، ولتصبح لديهم تطلعات في الحياة. مهما بدت أوصاف الناس لتطلعاتهم الحياتية منمقة، فهذه التطلعات تدور دائمًا حول الشهرة والربح" [الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا]. لقد انتابني إدراك مفاجئ عند قراءتي لتلك الفقرة، وسرعان ما تبيّن لي أنني كنت أسلك طريق السعي وراء الشهرة والربح. فلطالما اعتقدتُ في الماضي أن السعي لتحقيق أحلامي هو الطريق الصحيح في الحياة. واعتقدتُ أن إنجاز شيء في حياتي يعكس طموحي وتطلُّعي، وأن التفوق على أقراني وذياع صيتي هما السبيل لإثبات جدارتي؛ وبذلك أغدو أرفع شأنًا ممَّن لا أحلام لهم ولا تطلُّعات، القانعين بحياتهم العادية. حينها فقط أدركت أن السعي وراء الأحلام والتطلُّعات هو إحدى وسائل الشيطان لإفساد الناس. وحملهم على المضي قُدمًا في طريق السعي وراء الشهرة والربح. فكلّما ازداد المرء سعيًا وراءها، ازداد بُعدًا عن متطلبات الله. فالله يطلب منا أن نتصرف بصدقٍ وواقعية بصفتنا كائنات مخلوقة وأن نتمِّم واجباتنا، أما الساعون وراء الشهرة والربح، فلا يشغلهم سوى التفوق على أقرانهم، ولا يقنعون أبدًا بحالهم. تأملتُ في سبب سعيي الحثيث لأصبح راقصة. فعندما كنت أرى الراقصين على التلفاز يحظون بتصفيق الجمهور بفضل حركاتهم الصعبة، كنتُ أشعر بغبطةٍ شديدةٍ تجاههم، وكنتُ أحلم باليوم الذي أقف فيه أنا أيضًا في مركز خشبة المسرح، لأغدو محطَّ أنظار الجميع، وأحظى بهتافاتهم وتصفيقهم، وأحقق هدفي في التميز عن الآخرين. ولتحقيق حلمي، كنت أتدرب على الرقص من الفجر حتى الغسق، وكنتُ شديدة الحماس. لكن لأن لديَّ سجل اعتقال بسبب اعتقالي من قِبَل الحزب الشيوعي الصيني، فقدتُ فُرصة السفر للخارج. عندما أدركتُ أن حلمي قد تحطم، أصابني الإحباط والغمّ، وصرت لا مباليةً ومشتتةً في واجبي. وبدا وكأنني تحولتُ إلى إنسانة أخرى. حينها فقط أدركت أن الشهرة والربح هما الوسيلة التي يستدرج بها الشيطان الناس ويُفسدهم. ففي الظاهر، قد يجلبان للناس الإشادة والثناء، لكنهما في الواقع يُفسدان الناس فكريًّا، فيجعلانهم لا يفكرون إلا في الشهرة والربح. وينسون عبادة الله، فضلًا عن أن يسعوا إلى الحق ويتمِّموا واجبهم. وفي النهاية، يؤدي هذا بالناس إلى الابتعاد عن الله وفقدان فرصتهم في الخلاص بالكامل.
لاحقًا، قرأتُ فقرة أخرى من كلمات الله: "إن اعتزاز أضداد المسيح بسمعتهم ومكانتهم يتخطى اعتزاز الأشخاص العاديين، وهو شيء في داخل جوهر شخصيتهم؛ إنه ليس اهتمامًا مؤقتًا، أو تأثيرًا عابرًا لمحيطهم – إنه شيء في حياتهم، وعظامهم، ومن ثمَّ فهو جوهرهم. أي إن الاعتبار الأول لأضداد المسيح في كل ما يفعلونه، هو سمعتهم ومكانتهم، ولا شيء آخر. السمعة والمكانة بالنسبة إلى أضداد المسيح هما حياتهم، والهدف الذي يسعون إليه طوال حياتهم. الاعتبار الأول لديهم في كل ما يفعلونه هو: "ماذا سيحدث لمكانتي؟ ولسمعتي؟ هل القيام بهذا سيمنحني سمعة جيدة؟ هل سيرفع مكانتي في أذهان الناس؟" هذا هو أول ما يفكرون فيه، وهو دليل كافٍ على أن لديهم شخصية أضداد المسيح وجوهرهم؛ ولهذا السبب، فهم يفكرون في الأمور بهذه الطريقة. يمكن القول إن السمعة والمكانة بالنسبة إلى أضداد المسيح ليستا متطلبات إضافية، فضلًا عن أن تكونا شيئين خارجيين يمكنهم الاستغناء عنهما. إنهما جزء من طبيعة أضداد المسيح، إنهما في عظامهم، وفي دمائهم، إنهما فطرة لديهم. أضداد المسيح ليسوا غير مبالين بما إذا كان لديهم سمعة ومكانة؛ فهذا ليس موقفهم. ما هو موقفهم إذًا؟ السمعة والمكانة ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بحياتهم اليومية، وحالتهم اليومية، وما يسعون إليه يوميًا. بالنسبة إلى أضداد المسيح، فإن المكانة والسمعة هما حياتهم. بغض النظر عن الطريقة التي يعيشون بها، وبغض النظر عن البيئة التي يعيشون فيها، وبغض النظر عن العمل الذي يقومون به، وبغض النظر عمَّا يسعون إليه، وما هي أهدافهم، وما هو اتجاه حياتهم، كل ذلك يدور حول التمتع بسمعة طيبة ومكانة عالية. وهذا الهدف لا يتغير، ولا يمكنهم أبدًا تنحية مثل هذه الأشياء جانبًا. هذا هو الوجه الحقيقي لأضداد المسيح وجوهرهم. يمكنك وضعهم في غابة بدائية في أعماق الجبال، ومع ذلك لن ينحوا جانبًا سعيهم وراء السمعة والمكانة. يمكنك وضعهم ضمن أي مجموعة من الناس، وسيظل كل ما يمكنهم التفكير فيه هو السمعة والمكانة. ومع أن أضداد المسيح يؤمنون بالله، فإنهم يساوون بين السعي وراء السمعة والمكانة وبين الإيمان بالله، ويضعون هذين الأمرين على قدم المساواة. وهذا يعني أنهم بينما يسيرون في طريق الإيمان بالله، يسعون أيضًا وراء سمعتهم ومكانتهم" [الكلمة، ج. 4. كشف أضداد المسيح. البند التاسع (الجزء الثالث)]. كشف الله كيف أن أضداد المسيح يعتزون بشكل خاص بالسمعة والمكانة، بل إنهم ينظرون إلى السمعة والمكانة على أنهما حياتهم والهدف الذي يسعون إليه في الحياة. ومهما كان الزمان أو المكان الذي يكونون فيه، فلا شيء يُغيِّر اتجاه سعيهم. في الواقع، هذا كان حالي بالضبط. كنتُ أحب التباهي ونيل إعجاب الآخرين وثنائهم. وعندما كنت أرى الراقصين على شاشة التلفاز يكسبون إعجاب جماهيرهم وإطرائهم، كنت أُعجب بهم وأطمح أن أكون مثلهم. بل إنني وضعت لنفسي هدفًا بأن أصبح راقصة بارزة. وحتى بعد إيماني وقيامي بواجبي، لم أغير هدفي في الحياة، وعندما لم أتمكن من القيام بواجب متعلق بالرقص في كنيستي المحلية، طمحت للسفر إلى الخارج بُغية تحقيق حلمي الكبير في اعتلاء خشبة المسرح كراقصة. وحتى بعد أن اعتقلني الحزب الشيوعي الصيني، وأصبح لديَّ سجل اعتقال حال دون مغادرتي البلاد، ظل حلم الرقص يراودني بلا انقطاع، فأصبحتُ سلبية ومعذَّبة لعدم تحقيق هدفي، وكنت أقوم بواجبي في حالة من اللامبالاة والسلبية والتراخي. كنتُ كثيرًا ما أُمعن التفكير في مستقبلي وسمعتي. كنت أنظر إلى واجبي باعتباره نقطة انطلاق ستساعدني على تحقيق أحلامي. لقد كنتُ أهمل واجباتي المنوطة بي وأقاوم الله! وعندما أدركت ذلك، صليت إلى الله قائلة: "يا الله، من خلال دينونة كلماتك وكشفها، رأيت مدى هوسي الشديد بالشهرة والربح والمكانة. فأنا أسعى دائمًا لتحقيق أحلامي ولا أقوم بواجبي المنوط بي. إني راغبة في التوبة، والتخلي عن هذه الرغبات الجامحة، والسعي فقط لتتميم واجبي". لاحقًا، صادفت هذه الفقرة من كلمات الله: "إذا استطعت أن تُتمِّم مسؤولياتك؛ وتُتمِّم التزاماتك وواجبك؛ وتُنحّي جانبًا رغباتك الأنانية، ونواياك، ودوافعك؛ وتُظهر مراعاة لمقاصد الله؛ وتضع مصالح بيت الله، وعمل الكنيسة، والواجب الذي يُفترض بك أداؤه في المقام الأول، فحينئذٍ، بعد الاختبار على هذا النحو لفترة من الوقت، ستشعر أن السلوك بهذه الطريقة أمر جيد، وأن الناس ينبغي أن يحيوا بطريقة صادقة وصريحة، وأنه لا ينبغي لهم أن يحيوا وجودًا متخاذلًا، ومزريًا، ودنيئًا، وإنما ينبغي بالأحرى أن يكونوا مستقيمين وعادلين. ستشعر أن هذه هي الصورة التي ينبغي للمرء أن يعيش بحسبها" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. لا يمكن كسب الحرية والتحرر إلا بتخلص المرء من شخصياته الفاسدة). تأملتُ في الماضي، ووجدتُ أنني لم أقم بواجبي إلا لإرضاء طموحي ورغبتي الشخصية. ولم أُراعِ مقاصد الله على الإطلاق وعشت بطريقة دنيئة وحقيرة. كنتُ أعلم أنه إن أُتيحت لي فرصة أخرى للقيام بواجب، فسيتعين عليَّ تنحية رغباتي الشخصية جانبًا والقيام بواجبي على النحو الصحيح إرضاءً لله. لم يكن بإمكاني أن أُثقل كاهلي بمزيد من الندم والشعور بالذنب وبعد فترة من التأمل، بدأت أقوم بواجبي مجددًا في الكنيسة. ورغم أن الواجب كان في الشؤون العامة ولا علاقة له بالرقص، كنت أعلم أن الله يمنحني بذلك فرصة للتوبة، لذا كنت راغبة في الخضوع والقيام بواجبي على النحو الصحيح بصفتي كائنًا مخلوقًا.
وهكذا، مضى أكثر من نصف عام، ومع أنني لم أعد أشعر بالسلبية والاكتئاب لعدم تمكني من تحقيق أحلامي، فقد ظلت تساورني بعض الحيرة. وأحيانًا كنت أتساءل: "لدى الكثير من الناس مواهب واهتمامات وهوايات، فهل كل هذه الأشياء سلبية؟ وهل ينبغي للناس حقًّا ألا يسعوا وراءها؟" وذات يوم، قرأت فقرة من كلمات الله بشأن هذه المسألة، منحتني بعض الإجابات عن تساؤلاتي. يقول الله القدير: "اهتمامات الناس وهواياتهم ليست خاطئة في جوهرها، وبالطبع لا يمكن للمرء أن يقول إنها أشياء سلبية. لا ينبغي استهجانها أو انتقادها. إنه جزء مِنَ الإنسانية الطبيعية أن تكون لدى الناس اهتمامات وهوايات ومَلَكاتٌ في مجالات معينة؛ هي لدى كل شخص. بعض الناس يحبون الرقص، وبعضهم يستمتع بالغناء، أو الرسم، أو فن الأداء، أو الميكانيكا، أو الاقتصاد، أو الهندسة، أو الطب، أو الزراعة، أو الإبحار، أو بعض الألعاب الرياضية، والبعض الآخر يحب دراسة الجغرافيا، أو الجيولوجيا، أو الطيران، وبالطبع، قد يستمتع آخرون بدراسة مواضيع أكثر غموضًا. مهما كانت اهتمامات الشخص وهواياته، فكلها جزء من الإنسانية والحياة البشرية الطبيعية. لا ينبغي الحط من قدرها بوصفها أشياء سلبية، ولا ينبغي انتقادها، فضلًا عن حظرها. أي إنَّ أيَّ اهتمامٍ قد يكون لديك أو هوايةٍ، هو اهتمام مشروع أو هواية مشروعة. وبما أن أي اهتمام أو هواية، هو أمر مشروع ويجب السماح بوجوده، فكيف يجب التعامل مع التطلعات والرغبات المتعلقة به؟ على سبيل المثال، يستمتع بعض الناس بالموسيقى. يقولون: "أريد أن أصبح موسيقيًا أو قائد فرقةٍ موسيقية"، ثم يتجاهلون كل شيء آخر من أجل دراسة الموسيقى وتطوير أنفسهم فيها، ويحددون أهداف حياتهم واتجاهها في شغل وظيفة الموسيقيِّ. هل هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به؟ (ليس هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به). إذا كنت لا تؤمن بالله، وإذا كنت جزءًا من العالم وتقضي حياتك في تحقيق التطلعات والرغبات التي أسستها اهتماماتك وهواياتك الخاصة، فليس لدينا ما نقوله عن ذلك. الآن، بصفتك مؤمنًا بالله، إذا كانت لديك مثل هذه الاهتمامات والهوايات، وكنت ترغب في تكريس حياتك كلها لتحقيق التطلعات والرغبات التي أسستها اهتماماتك وهواياتك، دافعًا عمرك ثمنًا لذلك، فهل هذا الطريق جيد أم سيء؟ هل يستحق التشجيع عليه؟ (لا يستحق التشجيع عليه). دعونا لا نتحدث بعد عما إذا كان هذا الطريق يستحق التشجيع عليه أم لا؛ فكلُّ شيءٍ ينبغي تناوله بجديةٍ، إذًا كيف تفعل ذلك من أجل تحديد ما إذا كان هذا الأمر صحيحًا أم خاطئًا؟ تحتاج إلى النظر فيما إذا كانت المساعي والتطلعات والرغبات التي أسستها لها أي صلة بتعاليم الله وخلاصه وتوقعاته لك، وبمقصد الله في تخليص البشرية، وبمهمتك، وبواجبك، وفيما إذا كانت ستساعدك على إكمال مهمتك وتتميم واجبك بشكل أكثر فعالية، أو فيما إذا كانت ستزيد من فرصك في الخلاص وتساعدك على تحقيق إرضاء مقاصد الله. بصفتك شخصًا عاديًا، فإن سعيك وراء التطلعات والرغبات هو حقك، لكن بينما تُحَقِّقُ تطلعاتك ورغباتك وتسعى إلى هذا الطريق، هل ستقودك تطلعاتك ورغباتك إلى طريق الخلاص؟ هل ستقودك إلى طريق تقوى الله والحيد عن الشر؟ هل ستقودك في النهاية إلى نتيجة الخضوع المطلق لله وعبادته؟ (لن تفعل). هذا أمر مؤكد. بما أنها لن تفعل، فبصفتك مؤمنًا بالله، هل المُثُل والرغبات التي تأسست بسبب اهتماماتك وهواياتك وحتى مَلَكَاتك ومواهبك، إيجابية أم سلبية؟ هل ينبغي أن تكون لديك أم لا؟ (إنها سلبية؛ ولا ينبغي أن تكون لدينا). لا ينبغي أن تكون لديك" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (8)]. وبعد قراءة كلمات الله، أدركت أن الاهتمامات والهوايات جزء من الإنسانية الطبيعية للناس، وهي عطية من الله لهم. وليست سلبية في جوهرها. ولكن عندما يبدأ الناس بالنظر إلى هواياتهم واهتماماتهم كَمُثُلٍ عليا ورغبات يسعون لتحقيقها، فإن طبيعة المشكلة تتغير. فبمجرد أن يتعامل الشخص مع هوايته كمَثَل أعلى يسعى إليه، فإنه حتمًا سيبذل في سبيلها الكثير من الوقت والطاقة. قد يبدو للناس العاديين أن هذا من حريتهم وحقهم، لكن بالنسبة للمؤمنين بالله، فإن السعي وراء المُثُل والرغبات لا يمكن أن يقود الناس إلى طريق الخلاص؛ بل يجعلهم يبذلون وقتهم وطاقتهم في أمور لا علاقة لها بالحق. وهو يُعيقهم إلى حد ما عن تتميم واجبهم. وأيضًا، إذا سعى الناس لتحقيق مُثُلهم، فلن يتمكنوا من الخضوع لتنظيمات الله وترتيباته، ولن يزيدهم ذلك إلا ابتعادًا عن الله. لقد اختبرتُ هذا بنفسي. قبلتُ عمل الله في الأيام الأخيرة في سن مبكرة، وبدأت في القيام بواجبي، وكانت لديَّ الفرصة للسعي إلى الحق ونيل الخلاص. لكنني لم أسلك الطريق الصحيح، ولم أعتز بالفرصة التي منحني الله إياها، وأصررتُ على السعي لتحقيق أحلامي. ولأنني كرَّستُ كل أفكاري وطاقتي في السعي وراء مُثُلي ورغباتي، ولم أركز على السعي إلى الحق، فلم أحرز أي تقدم في واجبي لفترة طويلة. كانت نظرتي للحياة وقيمي جميعها شيطانية في طبيعتها. وبعد أن اعتقلتني الشرطة، لم أطلب الحق وأتعلم من هذا الاختبار، بل أصبحت مقاوِمة ولُمت الله على الظروف التي رتَّبها بعد سجل اعتقالي، والتي حالت دون سفري إلى الخارج، فتحطَّم حلمي في أن أصبح راقصة. بصفتي كائنًا مخلوقًا، كان ينبغي لي الخضوع لترتيبات الخالق وتبيُّن مقصد الله من خلال اختباري. لكنني تشبثتُ بعناد بحلمي، وكنتُ ساخطةً على سيادة الله وترتيباته، وكنت أؤدي واجبي بصورة شكلية، وكنت مشتتةً أثناء أدائه. كيف لله ألا يمقت موقفي وسلوكي؟ فلو لم أتخلَّ عن السعي وراء أحلامي ورغباتي، وتمكنتُ يومًا ما من القيام بواجب كراقصة، لكنت بالتأكيد سأشهد لنفسي وأُبرزها من أجل تحقيق حلمي. إن شهادتي لنفسي بدلًا من الله في واجبي كانت نوعًا من معارضة الله وتستوجب لعناته!
وقرأت فقرة أخرى من كلمات الله: "إذا كان هؤلاء الأطفال مهتمين بالفنون، فهل يجب عليهم الانخراط في هذا العمل؟ هل يجب عليهم القيام بوظيفة في هذه الصناعة طوال حياتهم؟ ليس بالضرورة. الأمر يعتمد على قضاء الله، وعلى كيفية ممارسة الله لسيادته وترتيبه للأشياء. إذا رتب الله لهم العمل في الفنون، فسوف يرتبطون بهذه الصناعة طوال حياتهم. ولكن إذا لم يرتب الله أو يقضِ لهم العمل في هذه الصناعة، فسيكون لديهم هذا الاهتمام وهذه الهواية فحسب، وحتى لو استمتعوا به، فلن يكون من الممكن لهم الانخراط في ذلك العمل. أحب بعض الناس الفنون منذ الطفولة. حين يرى آباؤهم أن ابنهم لديه هذا الاهتمام وهذه الهواية، يفكرون: "فلننمه إذًا. ربما يمكن لعائلتنا أن تنجب موهبة فنية. وربما يصبح طفلنا مشهورًا ويكون نجمًا!" لذلك يبدؤون في تنمية طفلهم في دراسات الرقص والغناء، وفي النهاية، يُقبل الطفل في أكاديمية للفنون. وعلى الرغم من أن اهتمام الطفل وهوايته في الفنون يظلان قويين بعد التخرج، فإن ما إذا كان بإمكانه العمل في هذه الصناعة يظل غير مؤكد. من الممكن أنه عندما يوشك على الانخراط في هذا العمل، يتغير مزاجه، ثم يتغير موقفه ووجهات نظره تجاه هذا العمل، ومن الممكن أيضًا، لأسباب مختلفة ضمن الظروف الموضوعية، أن يفوته أن يكون جزءًا من هذه الصناعة. كل هذه الأمور ممكنة؛ فالأمر يعتمد على قضاء الله المسبق" [الكلمة، ج. 7. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (11)]. بعد قراءة هذه الفقرة، شعرت بارتياح كبير. كنت أعتقد في الماضي أن عليَّ السعي وراء عمل يتعلق باهتماماتي وهواياتي. واعتقدتُ أن اهتماماتي ربما تكون رسالةً منحني الله إياها، وبما أنني كنت شغوفة بالرقص، فكان عليّ القيام بواجب يتعلق به. لذا، عندما كُلفْت بواجب لا علاقة له بالرقص، شعرتُ بأن الواجب لم يكن مناسبًا لي ولم أرغب في القيام به. ولكن في الحياة الواقعية، لم ألقَ إلا الإحباط، فلم أتمكن من الحصول على واجب يتعلق بالرقص. والآن أفهم أن هذا كله كان من سيادة الله وترتيباته. تذكرتُ أن ابنة أخت راقصة مشهورة أظهرت بوادر موهبة في الرقص منذ صغرها، وكانت الراقصة، خالتها، ترغب في أن تواصل ابنة أختها إرث العائلة في مجال الرقص، ولكن حتى بعد أن درَّبتها بنفسها، لم تدخل ابنة أختها في النهاية مجال الرقص، بل أصبحت ممثلة. وهناك أيضًا أمثلة لا تُحصى لأشخاص يمتلكون مهارات أو مواهب معينة، لكن ينتهي بهم المطاف بقضاء حياتهم في وظائف عادية لإعالة أسرهم، ولا يتمكنون من العمل في مجال يتعلق باهتماماتهم وهواياتهم. من هذا، رأيت أن الله يسود على العمل الذي سيقوم به الناس في حياتهم ويرتبه؛ وليس للناس رأي في هذا ولا يمكنهم فرض حدوث مثل هذه الأشياء. ورغم عدم تمكُّني من القيام بواجب يتعلق باهتماماتي، فقد وهبني الله مستوى القدرات للقيام بواجبات أخرى. والآن أقوم بعمل قائم على النصوص، وهو واجب لم أتصوَّر قط في الماضي أنني سأقوم به. ومن خلال قراءة مختلف المقالات والمواعظ، تعلمت حقائق معينة حول الرؤى، وأصبحت أفهم القليل عن عمل الله، واختبرتُ بنفسي كيف أن الأوضاع التي يرتبها الله لنا هي الأفضل على الإطلاق وأنها مفيدة لحياتنا. وبغض النظر عما إذا كنت سأتمكن من القيام بواجب الرقص في المستقبل أم لا، فأنا راغبة في الخضوع، والسعي إلى الحق واختبار عمل الله في أي بيئة يرتبها الله. وأيضًا، في أوقات فراغي، كنت أتعلم رقصات الكنيسة، وبهذا أواصل تنمية اهتماماتي. أحيانًا بعد العشاء، أرقص لفترة قصيرة، ودائمًا ما أشعر بسعادة أكبر بعد القيام بذلك. أعتقد أن هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع هواياتي واهتماماتي. أشكر الله من صميم قلبي لأنه وهبني هذه الهواية، إذ جعلت حياتي أكثر إثارةً للاهتمام قليلًا. عليَّ أن أعمل بجد أكبر لأقوم بواجبي على النحو الصحيح وأرد لله محبته.