كيفية السعي إلى الحق (21)
في الآونة الأخيرة، عقدنا شركة عن بعض المظاهر المتعلقة بالضمير والعقل، والتي تشير إلى غياب الإنسانية، أليس كذلك؟ (بلى). من خلال ذكر بعض الأمثلة السلبية، كشفنا عن بعض مظاهر عدم امتلاك الناس للضمير والعقل في إنسانيتهم. إذًا، من خلال عقد شركة عن هذه الأمثلة السلبية، هل تعلمتم ما هي المظاهر التي ينبغي أن يمتلكها الأشخاص ذوو الضمير والعقل في حياتهم؟ (من خلال شركة الله عن بعض مظاهر عدم امتلاك الناس للضمير والعقل، توصلت إلى فهم أن الأشخاص ذوي الإنسانية الطبيعية ينبغي أن يكون لديهم شعور بالخزي، وأنه عندما تحدث لهم أمور، ينبغي أن يكونوا قادرين على التفكير فيها والتعامل معها بعقلانية). مَن أيضًا لديه شيء ليضيفه؟ (من خلال شركة الله، توصلت إلى فهم أن غير البشر لديهم مظاهر العناد والتعنت، في حين أن الأشخاص ذوي الإنسانية الطبيعية يمكنهم تمييز الصواب من الخطأ، ومعرفة ما هو صحيح وما هو غير صحيح؛ ويمكنهم قبول الأمور الإيجابية، وينظرون إلى الناس والأحداث والأشياء بطريقة موضوعية وعقلانية نسبيًا. علاوة على ذلك، لديهم شعور بالخزي؛ فعندما يفعلون شيئًا خاطئًا، يمكنهم الاعتراف بأخطائهم، وتصحيحها على الفور، والتوبة). ببساطة، يتلخص الأمر أساسًا في هذه الأشياء. من ناحية، أولئك الذين لديهم ضمير وعقل قادرون على التعامل مع الناس والأحداث والأشياء بشكل صحيح، ويمكنهم أيضًا تقييم الناس والأحداث والأشياء والنظر إليها بموضوعية. ومن ناحية أخرى، لديهم أيضًا شعور بالخزي، ويفعلون الأشياء بناءً على ضميرهم وعقلهم. وبما أننا نتحدث عن الضمير والعقل، فلنتحدث عن الخُلق المحدد الذي ينبغي أن يمتلكه الناس في ضميرهم، والذي ينبغي أن يُظهروه. لقد قلنا من قبل إن الأشخاص ذوي الضمير يمتلكون صفتين: إحداهما هي الاستقامة، والأخرى هي الطيبة. أي أنه، إلى جانب القدرة على تمييز الصواب من الخطأ، ومعرفة ما هو صحيح وما هو غير صحيح، فإن الشخص الذي يمتلك صفة وسمة الضمير والعقل هو، على أقل تقدير، شخص مستقيم وطيب. وثمة تفاصيل لهذه الاستقامة والطيبة. إنها لا تشير إلى الظهور من الخارج بمظهر مستقيم تمامًا، أو الظهور بمظهر غير شرير، أو عدم الانخراط في أي سلوكيات واضحة لارتكاب الشر أو فعل أشياء سيئة؛ إنها لا تشير إلى هذه المظاهر الخارجية التي يفكر فيها الناس في مفاهيمهم. وإنما تعني امتلاك بعض المظاهر التي تتوافق مع جوهر الاستقامة والطيبة في مواقف محددة.
أولًا، لنتحدث عن الاستقامة والطيبة. المظاهر الأساسية المتضمنة في الضمير هي الاستقامة والطيبة. فلننظر إلى هذا أولًا من حيث السلوك الذاتي. كيف يمكن للمرء أن يعرف ما إذا كان الشخص مستقيمًا وطيبًا من خلال سلوكه الذاتي؟ عادةً، يكون لدى الأشخاص ذوي الضمير حد لسلوكهم الذاتي؛ وما يعنيه هذا هو أن لديهم في قلوبهم معيارًا لكيفية سلوكهم. على سبيل المثال، عند التفاعل مع الآخرين، فإنهم لا يستغلونهم. هل هذا معيار للسلوك الذاتي؟ (نعم). إن عدم استغلال الآخرين عند التفاعل معهم هو معيار أساسي للسلوك الذاتي. الأشخاص ذوو الضمير والعقل لديهم حد لكيفية سلوكهم، وتعاملهم مع الأمور، وتفاعلهم مع الآخرين، وهو عدم استغلال الناس. سواء كانوا يتفاعلون مع شخص فقير أو شخص غني، فإنهم لا يستغلونه. إنهم يفكرون: "أموال الآخرين ملك لهم. مهما كنت فقيرًا، لا يمكنني استغلالهم". إذا كانوا يعانون من نقص في المال أو يحتاجون إلى المساعدة، فحتى لو رأوا أن شخصًا آخر ثري، فلن يستغلوه على الإطلاق. وإذا ساعدهم شخص ما، فسيجدون طريقة لرد الجميل له، ولن يتركوا الأمر عند هذا الحد على الإطلاق. على سبيل المثال، إذا دعاهم شخص ما لتناول وجبة، فسيبحثون عن فرصة لرد الدعوة له، أو سيبذلون قصارى جهدهم للمساعدة عندما يكون الشخص الآخر في حاجة. إنهم يعتقدون أنهم من خلال السلوك بهذه الطريقة وحدها، يمكنهم الشعور بالراحة في قلوبهم. كما ترى، أليس هذا امتلاكًا لحد لسلوك المرء الذاتي؟ (بلى). هذا أيضًا معيار للسلوك الذاتي. يمكن للأشخاص ذوي الضمير تحقيق ذلك. إذا كانوا مدينين لشخص ما بالمال أو بمعروف، فإنهم يشعرون دائمًا بوخز في قلوبهم، وسيبحثون باستمرار عن فرص لرد الجميل لذلك الشخص. قد يردون له الجميل بالمال أو بالأشياء المادية، أو قد يساعدونه بأقصى قدرتهم عندما يواجه ذلك الشخص صعوبة ما. بهذه الطريقة وحدها يمكنهم الشعور بالسلام في قلوبهم وألا يشعروا بأنهم مدينون. وإذا لم ينالوا فرصة لتعويض ذلك الشخص أو لم تكن لديهم القدرة على رد الجميل له، فسيشعرون إلى الأبد بالمديونية تجاهه. عندما يرون ذلك الشخص، سيشعرون دائمًا أنهم لا يستطيعون النظر في عينيه، ولن يتمكنوا من تناول الطعام أو النوم براحة بال. لن يُرفع العبء عن كواهلهم، ولن تشعر قلوبهم بالراحة، إلا عندما ينتهون من تعويض ذلك الشخص. أمثال هؤلاء الأشخاص وحدهم هم من يمتلكون الضمير، والعقل، والشعور بالخزي. إذا تفاعلتَ مع هذا النوع من الأشخاص، فلن يكونوا مدينين لك بأي شيء على الإطلاق، ولن تكون دائمًا دائنًا لهم. أليس هذا مظهرًا من مظاهر امتلاك الضمير؟ (بلى). إن عدم استغلال الآخرين هو الحد الذي يضعه هذا النوع من الأشخاص لسلوكهم الذاتي، ويمكن القول أيضًا إنه مبدأ من مبادئ سلوكهم الذاتي. لا بد لهم ببساطة أن يتصرفوا بهذه الطريقة؛ وإذا لم يفعلوا ذلك، فسيشعرون بعدم الارتياح في قلوبهم وسيكون لديهم دائمًا شعور باتهام الذات. هل هذا مظهر من مظاهر استقامة الضمير أم طيبة الضمير؟ (إنها استقامة). الاستقامة بارزة أكثر قليلًا هنا. هل ثمة طيبة في هذا أيضًا؟ (ثمة طيبة أيضًا؛ عدم الرغبة في إلحاق الأذى أو الخسارة بالآخرين). ثمة عنصر من الطيبة في عدم الرغبة في أن يتكبد الآخرون خسارة. إذًا، هل لمبدأ سلوكهم الذاتي هذا أي علاقة بطبعهم؟ (كلا). هل له أي علاقة بما تعلموه من عائلاتهم أو من المجتمع؟ (كلا). هل له أي علاقة بما إذا كانوا فقراء أم أغنياء؟ (كلا). هل له أي علاقة ببصيرتهم؟ (كلا). ثمة شيء واحد فقط مهم، وهو أن الأمر يتعلق بضميرهم وعقلهم، ويتعلق بتصنيفهم. إنهم يسلكون بهذه الطريقة فقط لأنهم يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم، وضمير الإنسانية وعقلها. هذا ليس نتيجة للتعليم البشري. حتى لو علّم الآباء أبناءهم، فلا يمكنهم سوى تعليمهم بعض التعاليم للسلوك الذاتي؛ إذ لا يستطيع الآباء تغيير جوهر طبيعة أبنائهم، وهم عاجزون تمامًا عن جعل أبنائهم يفعلون الأشياء بناءً على الضمير والعقل. لذا فإن مبدأ السلوك الذاتي هذا ينبع أساسًا من إنسانيتهم. إن امتلاكهم لهذا النوع من المبادئ والحدود لسلوكهم الذاتي ليس نتيجة لتأثير شخص آخر؛ إنه ينبع بالكامل من جوهر طبيعتهم، ومن ضميرهم وعقلهم. لذا، إذا كان الشخص يمتلك صفتي الاستقامة والطيبة، ففي حياته اليومية وفي سياق سلوكه وتعامله مع الأمور، سواء كان غنيًا أو فقيرًا، وسواء كانت لديه بصيرة أم لا، وسواء كان طبعه سريعًا وكفؤًا أو بطيئًا ومتمهلًا، أو سريع الغضب أو لطيفًا؛ فلا شيء من هذه الأشياء مهم. ما المهم؟ المهم هو أن لديه حدًا لسلوكه الذاتي؛ لديه حد أو مبدأ أساسي لسلوكه الذاتي، وهو عدم استغلال الآخرين. إن "عدم استغلال الآخرين" يعني عدم الرغبة في استغلال الآخرين، وعدم استغلال الآخرين أبدًا. ينبع هذا الحد ومبدأ السلوك الذاتي من إنسانيته؛ وينشأ بسبب صفات إنسانيته. لذلك، فإن حقيقة أن لديه مثل هذا المبدأ للسلوك الذاتي ترتبط ارتباطًا لا ينفصم بضميره وباستقامة إنسانيته وطيبتها. أي أنه، لا يكون لدى الشخص مبدأ السلوك الذاتي لعدم استغلال الآخرين إلا إذا كان يمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته؛ وينشأ هذا المبدأ من صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته. أخبروني، إلى جانب كون الأشخاص ذوي صفات الإنسانية مستقيمين وطيبين، هل لديهم مشاعر خجل وحس بالخزي؟ (نعم). إنهم يفضلون أن يتكبدوا الخسارة هم أنفسهم على أن يستغلوا الآخرين. إذا استغلوا شخصًا ما، فسيشعرون دائمًا أنهم مدينون له بشيء. وكلما رأوا ذلك الشخص، سيشعرون وكأنهم بشر أقل شأنًا؛ سيشعرون بعدم الارتياح وعدم الاستقرار في قلوبهم، وسيرغبون دائمًا في البحث عن فرص لتصحيح الأمور. إذا اقترضوا مالًا من شخص آخر ولم يسددوه بالكامل، فسيشعرون بعدم الارتياح في قلوبهم. وحتى لو أثار شخص ما الأمر عن غير قصد، فسيشعرون باحمرار وجوههم، وسيشعرون بالحرج بل وبالاضطراب. وإذا تحدث شخص ما بقسوة أكبر قليلًا عن هذا الأمر، فسيتمنون لو تنشق الأرض وتبتلعهم، ويشعرون حقًا بالخزي الشديد الذي يمنعهم من مواجهة أي شخص. هل هذه مظاهر امتلاك شعور بالخزي؟ (نعم). هذه كلها مظاهر يُظهرها الأشخاص ذوو الصفات الإنسانية، بدافع من ضميرهم. إذا كان هذا النوع من الأشخاص مدينًا بدين أو بمعروف، فإنه يشعر بعدم الارتياح في قلبه، وكأنه فعل شيئًا مخزيًا. إنهم غالبًا ما يشعرون بإدانة ضميرهم، ويحاولون بكل الوسائل الممكنة رد الجميل للطرف الآخر. يعمل البعض في وظائف عدة؛ ويبيع البعض أحب ممتلكاتهم إليهم؛ ويبيع البعض أصول عائلاتهم؛ بل إن بعضهم يمرضون ولكنهم يكونون غير مستعدين لإنفاق المال لرؤية طبيب؛ إنهم يفضلون أن يعانوا الفقر والتعب هم أنفسهم لتوفير المال وسداد ديونهم بسرعة. بعض الناس لا يفهمون هذا، ويقولون: "لو أن أي شخص آخر كسب المال كما تفعل أنتَ، لكان قد اشترى سيارة ومنزلًا منذ وقت طويل. أنتَ تستخدم كل أموالك لسداد ديونك، وتعيش حياة قاسية أنت نفسك؛ أليست هذه حماقة بالغة؟ إذا لم تكن لديك القدرة على سداد المال، فلا تسدده فحسب". لكنهم يفكرون: "كيف يمكنني أن أسلك بهذه الطريقة؟ إن سلوكي بهذه الطريقة سيكون مفتقرًا جدًا إلى الضمير؛ هل سأظل إنسانًا حينها؟ إنفاق أموال الآخرين لعيش حياة جيدة؛ هل يختلف هذا عن إنفاق أموال قذرة؟ هل يمكن لضميري أن يكون في سلام؟ إن أخذ ما يخص الآخرين أمر حقير وقذر للغاية! لم يكن من السهل عليهم كسب أموالهم. لقد أسدوا إليَّ بالفعل معروفًا كبيرًا بإقراضي المال في ذلك الوقت، وأنا ممتن لذلك بلا حدود؛ لا بد أن أرد لهم أموالهم بسرعة. في سلوك المرء الذاتي، يجب أن يتصرف بضمير وأن يكون جديرًا بالثقة؛ لا يمكن للمرء أن يشعر بالراحة إلا عند إنفاق المال الذي كسبه بنفسه. عدم استغلال الآخرين وعدم كون المرء مدينًا للناس؛ هذا هو الحد الأساسي لسلوك المرء الذاتي". كما ترى، يمتلك الأشخاص ذوو الضمير المبدأ الأساسي والصحيح للقيام بالأشياء. وعلى الرغم من أنه لا تزال هناك مسافة كبيرة بين الأهداف التي يحددونها لسلوكهم الذاتي ومبادئ الحق، فبقدر ما يتعلق الأمر بالسلوك الذاتي، فإن مبدأ السلوك الذاتي لهذا النوع من الأشخاص المتمثل في عدم استغلال الآخرين يكفي لإظهار أنهم يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم. عندما يتعلق الأمر بمسألة استغلال الآخرين أو المديونية، يمكن أن نرى من مبدأ السلوك الذاتي الذي يتحدث عنه هؤلاء الأشخاص أنهم مستقيمون وطيبون نسبيًا. إنهم لا يستخدمون منطقًا ملتويًا أو يتصرفون بشكل غير معقول. إنهم يقولون: "لقد مد ذلك الشخص يد المساعدة بإقراضي المال عندما كنت أمر بأصعب الأوقات؛ كان هذا بالفعل معروفًا كبيرًا. إذا كان بإمكاني سداد هذا المال، فينبغي لي أن أفعل ذلك على الفور". أليس هذا مظهرًا من مظاهر سلوك المرء باستقامة؟ (بلى). على أقل تقدير، لديهم روح البر، وإنسانيتهم ليست شريرة. وفي الوقت نفسه، كيف يفكر الأشرار؟ "مَن قال لكَ أن تقرضني المال في ذلك الوقت؟ ألم يكن بإمكانكَ ألا تقرضني إياه فحسب؟ لقد كنتَ راغبًا في إقراضه. وإذا كنت لا أريد سداده، فلن أفعل. سأستخدم مالكَ للقيام بأعمال تجارية وتحقيق ربح كبير؛ لديكَ مال فائض على أي حال. علاوة على ذلك، بمجرد أن يصبح المال في يدي، فإنه ملكي، ويمكنني إنفاقه كيفما أشاء. أما ما إذا كنت سأسدده أم لا، فهذا يعتمد على مزاجي. عندما يكون لديَّ مال، سأسدد لكَ إذا كنت في مزاج جيد؛ ويمكنكَ أن تعتبر ذلك مكسبًا غير متوقع. وإذا لم أسدد لكَ، فلا يمكنكَ أن تفعل شيئًا حيال ذلك؛ لم أكتب لكَ سند دين، لذا حتى لو رفعتَ دعوى قضائية، فلن تفوز". هذه هي عقلية الأشرار. أليس هذا غير معقول؟ (بلى). إن الطريقة التي يفكر بها الأشرار هي النقيض التام للطريقة التي يفكر بها الأشخاص المستقيمون. إن تفكير الأشخاص المستقيمين مستقيم للغاية. وبتعبير غير المؤمنين، إنهم متفهمون وعقلانيون، ويراعون الآخرين من جميع النواحي، ويُقدّرون المودة والبر، والتعقّل، والإنسانية. إنهم لا يتصرفون بشكل غير معقول، ولا يستخدمون منطقًا ملتويًا. هذه هي الاستقامة. وكيف يفكر الأشخاص المستقيمون؟ "لم يكن من السهل عليهم كسب أموالهم. حتى لو كان لديهم الكثير من المال، فهو ملكهم، وليس لكَ لتستخدمه. إقراضهم المال لكَ كان معروفًا؛ وبمجرد أن تكون مدينًا لشخص ما بشيء، تكون قد تحملتَ دينًا، وتقع على عاتقكَ حينها مسؤولية وواجب سداده". كما ترى، أليست الطريقة التي يفكرون بها مستقيمة؟ أليسوا عقلاء؟ أليسوا متفهمين وعقلانيين؟ (بلى، إنهم كذلك). هذا مظهر من مظاهر الاستقامة. إذا كان الشخص يمتلك صفة الاستقامة في إنسانيته، فهكذا سيفكر. سيكون متفهمًا وعقلانيًا، وعاقلًا؛ هذا مظهر من مظاهر امتلاك الإنسانية. أما مظهر انعدام الإنسانية فهو التصرف مثل شخص شرير: التصرف بشكل غير معقول، ورفض الإصغاء إلى العقل، والتصرف بتهور والتسلط والسيطرة، واستخدام منطق ملتوي دائمًا، وعدم فهم منطق الإنسانية حتى، والفشل التام في أن يكون متفهمًا وعقلانيًا، ومن ثم الفشل أكثر في الارتقاء إلى مستوى ممارسة الحق. الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم متفهمون وعقلانيون؛ والأشياء التي يقولونها عادلة ومعقولة للغاية، وتنم عن لمسة إنسانية، ومنطقية. أمثال هؤلاء الأشخاص وحدهم هم من يمتلكون شروط قبول الحق. عند سماع كلام الله، وحدهم الأشخاص الذين يمتلكون مثل هذه الصفات الإنسانية يشعرون أن: "كلام الله صحيح جدًا، هذا هو الحق حقًا! هكذا ينبغي للناس أن يسلكوا. ينبغي أن يكون للناس حد لسلوكهم الذاتي. ينبغي للأشخاص ذوي الضمير والعقل أن يعاملوا الآخرين بهذه الطريقة، وينبغي أن يسلكوا ويتعاملوا مع الأمور بهذه الطريقة. كلام الله صحيح جدًا!" كما ترى، تمنحهم صفتا الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم الشروط الأساسية لقبول الحق، ما يسمح لهم بقول "آمين" وقبول الحق بعد سماعه، دون الشعور بالمقاومة، أو النفور منه، أو رفضه. إنهم يشعرون أن كلام الله صحيح، ويتوافق تمامًا مع احتياجات الإنسانية الطبيعية، وقادر على تلبية الاحتياجات في قلوب الناس، وما ينبغي أن يمتلكه الأشخاص ذوو الإنسانية الطبيعية، وأن الحق وحده هو الذي يمكنه إرضاءهم وتمكين إنسانيتهم من التحسن. لذا فإن الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم هم وحدهم من يمكنهم التعطش للحق، ومن يمكنهم معرفة أن كلام الله هو الحق عندما يسمعونه، ويمكنهم بعد ذلك قبول الحق في قلوبهم، ويمكنهم ممارسة الحق بمجرد فهمهم له.
في مبدأ السلوك الذاتي المتمثل في عدم استغلال الآخرين، صفات الإنسانية التي يُظهرها الشخص بوضوح هي الاستقامة، والطيبة، والشعور بالخزي. بالطبع، إلى جانب عدم كونهم مدينين بمعروف أو بمال، يُظهر الأشخاص ذوو الضمير والعقل مظهرًا آخر لعدم استغلال الآخرين، وهو أنه عندما يستغلهم أشخاص آخرون ويتكبدون خسارة، فإنهم لا يؤاخذونهم بذلك، وفي بعض الأحيان يمكنهم حتى إعطاء أشياء للآخرين دون أن يُطلب منهم ذلك. إذا استمر شخص ما في إثارة مسألة سداد دينه، فإن هؤلاء الأشخاص يشعرون بالحرج: "أنت تستمر في إثارة هذا الأمر، وكأنني أضغط عليكَ لسداد دينكَ. في الواقع، لم أكن أنتوي فعل ذلك أبدًا. يمكنكَ سداده متى كان لديك مال؛ وإذا لم يكن لديكَ مال وبقيتَ مدينًا لي إلى الأبد، فلا بأس بذلك أيضًا. إذا أصررتَ على عدم الدفع لي، فلن أطالبكَ بالسداد. إذا كان بإمكانكَ سداده، فافعل؛ وإذا لم تستطع، فسأعتبره تبرعًا خيريًا". كما ترى، لديهم أيضًا هذا النوع من المظاهر، وهذا الحد لسلوكهم الذاتي. لنفترض أن شخصًا ما طلب منهم استعارة شيء مهم جدًا بالنسبة إليهم ويعتزون به كثيرًا. حتى لو لم يكونوا أثرياء جدًا، فعندما يقول الشخص الآخر إنه يريد استعارته، فإنهم يفكرون: "لا بد أنه في وضع صعب ليطلب استعارة شيء مني، لذا يجب أن أعيره إياه". على سبيل المثال، لنفترض أنه خلال موسم الزراعة المزدحم، طلب شخص ما استعارة مركبتهم. إنهم يحتاجون إلى المركبة هم أنفسهم، وإذا أعاروها لذلك الشخص، فسيتأخر عملهم. ومع ذلك، ولأنهم طيبون من حيث إنسانيتهم، فإنهم يعيرونها له على أي حال، ولا يقولون للشخص سوى أن يعيدها بسرعة بمجرد أن ينتهي من استخدامها. وبعد يومين، يعيد الشخص المركبة، لكنها متضررة ولم يتم إصلاحها، لذا يضطرون إلى إصلاحها بأنفسهم. يشعرون بالانزعاج قليلًا، لكنهم لا يغضبون كثيرًا، ويفكرون في أنفسهم: "انسَ الأمر، نحن جيران ونرى بعضنا البعض طوال الوقت؛ لن أحمل ذلك ضده". هكذا هم واسعو الصدر في كيفية معاملتهم للناس؛ فحتى عندما يتكبدون خسارة، فإنهم لا يثيرون ضجة حول الأمر. على الرغم من أن الجميع بشر على حد سواء، فإن مبادئ الناس وحدودهم لسلوكهم الذاتي مختلفة. يمكن لبعض الناس أن يعطوا بسخاء، في حين أن آخرين لا يقتصر الأمر على عدم قدرتهم على فعل ذلك، بل يريدون أيضًا استغلال الآخرين. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الأشخاص المستقيمين والطيبين نسبيًا يشعر بالانزعاج قليلًا بعد تكبد خسارة ما، إلا أنه لا يصل إلى حد الجدال مع الطرف الآخر، ولا يتشاجر معه أو يطالب بتعويض؛ وإنما يتحلّى بالحِلم بهذه الطريقة فحسب. إذا احتاج إلى الخروج للاهتمام بشيء ما واستعار مركبة شخص ما، فبعد استخدامها، يغسلها ويملأ خزان الوقود. وعندما يعيدها إلى المالك، لا تكون المركبة متضررة على الإطلاق، ويعوض المالك أيضًا بأعلى معدل إيجار يومي لهذا النوع من المركبات. لن يجعل الشخص الآخر يشعر بأنه مُستغَل. إنه يعتقد أن هذا ما ينبغي أن يفعله. يقول بعض الناس: "هل يهتم هذا النوع من الأشخاص بكرامته فحسب؟" بالنسبة إلى أفراد البشرية الفاسدة، كم عدد الذين يمكنهم الوصول إلى هذا المستوى فقط من أجل كرامتهم؟ غالبًا ما يقول غير المؤمنين: "ما قيمة كرامة المرء؟" و"ما قيمة الضمير؟" لن يُخرج أحد محفظته فقط للحفاظ على المظاهر أو لجعل الآخرين يعتقدون أن لديه ضميرًا وإنسانية. بالنسبة إلى كل شخص، الأشياء المادية والمال أكثر أهمية من الحياة نفسها. إن قول شيء لطيف، أو محترم، أو غير صادق ومُتملق من أجل الحفاظ على المظاهر هو شيء يقدر الناس على فعله، ولكن ليس من السهل أن يفرّط المرء في ماله حقًا لمساعدة الآخرين؛ قلة قليلة من الناس يمكنها فعل ذلك. أولئك الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم وحدهم يمكنهم تحقيق ذلك. أمثال هؤلاء الأشخاص يفعلون الأشياء بناءً على مبدأ "أن أتكبد خسارة بسيطة خيرٌ لي من أن أستغلكَ". وإذا لم يتصرفوا بهذه الطريقة، فإنهم يشعرون بالسوء حيال ذلك في قلوبهم. في كثير من الأحيان، عندما يستعير هذا النوع من الأشخاص شيئًا ما، فإن الأمر لا يقتصر على أنه لا يستغل المُقرض، بل ينتهي به الأمر أحيانًا إلى دفع مبلغ إضافي من جيبه الخاص. على سبيل المثال، عندما يستعير مركبة شخص ما، فإنه يملأ خزانها بالوقود ويغسلها، وفي النهاية يعوض المالك بأعلى معدل إيجار يومي لذلك النوع من المركبات. بحساب الأمر بهذه الطريقة، ألا يتضح أن ذلك أكثر تكلفة مما لو استأجر مركبة؟ (بلى). عندما يعيد المركبة، إذا أخذ المالك يقلّب بصره في المركبة ويتفحصها بضع مرات، يشعر المستعير بعدم الارتياح في داخله، قلقًا من أن يكتشف المالك بعض الأماكن التي تضررت فيها المركبة ويطالب بتعويض. وأخيرًا، بعد فحصها، يقول المالك إنه لا توجد أي مشكلات، ويكون راضيًا إلى حدّ كبير، ويذكر أيضًا أنه يمكنه استعارة المركبة في أي وقت يريد في المستقبل. عندها فقط يشعر هؤلاء الأشخاص بالراحة في قلوبهم، مفكرين: "آه، إنه يثق بي؛ هذا كل ما أحتاج إلى سماعه!" كما ترى، إلى ماذا يسعى في كيفية سلوكه؟ إنه لا يسعى إلى استغلال الآخرين؛ بل يسعى فقط إلى أن يسلك بمصداقية، وألا ينظر إليه الآخرون بازدراء. أخبروني، هل يكون المرء قادرًا على التصرف بهذه الطريقة لأنه يهتم بكرامته، أو لأنه جبان، أو لأنه فقير ويفتقر إلى الطموح، أو لأنه يخشى أن يُنظر إليه بازدراء؟ ليس بسبب أي من هذه الأشياء. إن المبدأ الأساسي للتفاعل مع الآخرين الذي يمتلكه الشخص ذو الضمير هو عدم استغلال الآخرين. ما يسعى إليه هو راحة البال. فحتى لو تكبد خسارة هو نفسه أو عاش حياة قاسية بسبب ذلك، فإنه لا يلوم الآخرين أو يسعى لتصفية الحسابات معهم. إنه يسعى فقط إلى التصرف بما يرضي ضميره وإلى ألا يكون مدينًا لأي شخص بأي شيء. ومهما فعل، فإنه يشعر أنه يجب عليه التصرف بطريقة تجعله لا يشعر بالذنب، ولا يؤنبه ضميره، وألا يستغل أي شخص؛ إنه لا يفعل أي شيء يجعله مدينًا للناس ويتسبب في أن ينتقده الناس وراء ظهره. يمكنه التصرف بهذه الطريقة ليس لأنه فقير، أو لأن لديه طابعًا ضعيفًا، ولا لأنه مغرور؛ وإنما صفات إنسانيته – الاستقامة والطيبة – هي التي تدفعه للقيام بهذه الأشياء. وخاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة عدم استغلال الآخرين عند التفاعل معهم، فإنه يتصرف بطريقة طيبة ومستقيمة للغاية.
لنفترض أن شخصًا ما يمر بضائقة مالية، وعندما يلتقي بشخص ميسور الحال، يعطيه هذا الأخير بعض الأشياء التي لم يعد يستخدمها في المنزل بوصفه عملًا خيريًا. يفكر المتلقي في نفسه: "حقيقة أنه أعطاني هذه الأشياء يعني أنه لا ينظر إليَّ بازدراء؛ لقد أسدى إليَّ معروفًا. فكيف أرد له الجميل؟ لا أستطيع تحمل تكلفة الهدايا الفاخرة؛ كل ما أملكه هو بعض الخضروات الطازجة من الحقل، وبيض دجاجنا الذي نربيه طليقًا في المنزل. قد لا يعير هذه الأشياء اهتمامًا كبيرًا، لكنها أفضل ما نملكه نحن الفقراء، وأليق ما يمكننا تقديمه. سأعطيه بعضًا منها ليتذوق شيئًا طازجًا؛ هذا أيضًا عربون تقدير مني". في الواقع، كان الطرف الميسور يعطيه أشياء لا فائدة له منها، لكن المتلقي تمكن من فهم الأمر بشكل صحيح. فلن يقول: "لقد أعطيتني أشياء لا تستخدمها ولا تكترث لها؛ ألا يعني هذا أنك تصرفني وكأنني متسول؟ هل كنت ستعطيني هذه الأشياء لو كنت تستخدمها؟ لماذا لم تعطني الأشياء الجيدة التي تملكها؟" إن الشخص الذي يمتلك ضميرًا وعقلًا حقًا لن يفكر بهذه الطريقة. بل سيفكر ببساطة: "حقيقة أنه أعطاني هذه الأشياء يعني أنه لا ينظر إليَّ بازدراء". وحتى لو تفوه آخرون ببعض التعليقات غير اللائقة وشعر هو ببعض الضيق في داخله، فإنه يظل قادرًا على التعامل مع الأمر بشكل صحيح ولا يحاول الدفاع عن نفسه؛ وعلاوة على ذلك، يكون قادرًا على مكافئة مُحسنه بما يعتبره أفضل ما يملك، بناءً على وضع عائلته وظروفه المالية. كما ترى، مبدأه في التفاعل مع الآخرين والتعامل معهم هو عدم استغلالهم. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ لا يبدو استثنائيًا، وهو من البديهيات الشائعة التي اعتاد عليها معظم الناس، فليس الجميع يستطيع الالتزام به، ولا ينظر إليه الجميع على أنه المبدأ الأساسي للسلوك الذاتي؛ فضلًا عن أن يكون شيئًا يُقدّره الجميع. إن الأشخاص المستقيمين والطيبين حقًا يُقدّرون بشدة ألا يكونوا مدينين للناس أو أن يستغلوهم عند الاختلاط بالآخرين والتفاعل معهم. وسواء كانوا ينعمون بحياة رغدة أو يعانون من الفقر، فإن ما يسعون إليه في سلوكهم الذاتي وتعاملهم مع الأمور هو راحة البال، والتخلص من تأنيب الضمير. أمثال هؤلاء الأشخاص وحدهم هم من يسعون إلى أن يسلكوا بهذه الطريقة. ومهما كان العصر أو نوع البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها، أو مجموعة الأشخاص الذين يتواجدون بينهم، فإن أولئك الذين يستطيعون أن يسلكوا بهذه الطريقة يفعلون ذلك لأنهم يمتلكون صفات الاستقامة، والطيبة، ومعرفة العيب في إنسانيتهم. وعلى العكس من ذلك، إذا كان شخص ما لا يمتلك هذه الصفات في إنسانيته، فلن يكون لديه حد لسلوكه الذاتي، وحتى لو كان لديه حد، فلن يتمكن من الحفاظ عليه. ما السبب وراء عدم قدرته على الحفاظ على حد لسلوكه الذاتي؟ يرجع ذلك أساسًا إلى أنه لا يمتلك صفات الاستقامة، والطيبة، ومشاعر الخزي في إنسانيته. يقول بعض الناس: "ألا يستطيع أمثال هؤلاء الأشخاص الحفاظ على حد لسلوكهم الذاتي في بعض الأحيان؟" يمكنهم ذلك في ظروف خاصة. في بعض الأحيان، يبدو أنهم قادرون بالفعل على الحفاظ على حد ما؛ تلك ظروف خاصة. في بعض الأحيان، يتمكنون من عدم استغلال الآخرين أو ألا يكونوا مدينين لهم لأن الظروف غير مواتية، أو لأنهم لا يجدون فرصة مناسبة. على سبيل المثال، إذا استعاروا أشياء أو اقترضوا أموالًا ولم يعيدوها، فستكون هناك عواقب: سيتحملون إدانة الرأي العام أو يخضعون للمساءلة القانونية، أو سينتقدهم الناس من وراء ظهورهم، أو قد لا يتمكنون حتى من البقاء في قريتهم، أو بلدتهم، أو مجتمعهم. إنهم يمتنعون عن فعل ذلك فقط لأنهم مجبرون ولا يجدون مفرًا من ذلك؛ فمن باب الاضطرار يردون الجميل على مضض لمُحسنهم أو يمتنعون مؤقتًا عن استغلاله. غير أن هذا النوع من الأشخاص الذين لا يستطيعون الحفاظ على حد لسلوكهم الذاتي لا يتصرفون أبدًا على هذا النحو من تلقاء أنفسهم، لأنهم ببساطة لا يمتلكون صفات مثل الاستقامة، والطيبة، والشعور بالخزي في إنسانيتهم. وعلى النقيض من ذلك، فإن نوع الأشخاص الذين يمكنهم حقًا الامتناع عن استغلال الآخرين يفعلون ذلك من تلقاء أنفسهم، وهو أمر يُظهرونه بشكل طبيعي، أو أنهم هم أنفسهم قد أرسوا هذا النوع من المبادئ والحدود لسلوكهم الذاتي. من الواضح أن حقيقة امتلاكهم لهذا النوع من المبادئ لسلوكهم الذاتي هي كشف طبيعي ينبع من ضميرهم وعقلهم، وهذا الكشف الطبيعي يعتمد كليًا على امتلاكهم لصفتي الاستقامة والطيبة؛ فهم لا يتأثرون بالآخرين، ولا تجبرهم بيئتهم على ذلك. إنه مجرد أمر يُظهرونه بشكل طبيعي، وتحتاجه إنسانيتهم، ويحتاجه عالمهم الداخلي. هذا أساس كافٍ للقول بأن هذا النوع من الأشخاص يمتلك بالفطرة صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته. فإذا لم يتصرفوا بهذه الطريقة، فلن ترتاح ضمائرهم، وسيشعرون بعدم الارتياح في داخلهم؛ سيشعرون بخجل أشد من أن يعيشوا، وبخزي أشد من أن يُرَوا. ونتيجة لذلك، فإنهم يسلكون بهذه الطريقة بشكل طبيعي للغاية. أخبروني، هل تعتقدون أن مبدأ السلوك الذاتي هذا المتمثل في عدم استغلال الآخرين مهم؟ (نعم). يبدو أن عدم استغلال الآخرين هو مبدأ أساسي للسلوك الذاتي لا يلفت الانتباه كثيرًا، ولكنه علامة مهمة تعكس نوع الصفات التي يمتلكها شخص ما في إنسانيته. أليس كذلك؟ (بلى).
يُظهر الأشخاص الذين لا يستغلون الآخرين نوعًا آخر من المظاهر. على سبيل المثال، لنفترض أن شخصًا ميسور الحال نسبيًا يعرض عليهم شيئًا زائدًا عن حاجته أو موجودًا لديه دون استعمال. وإذ يشعرون بأنهم لا يستطيعون استغلال الآخرين دون تقديم شيء في المقابل، ولعدم رغبتهم في أن يكونوا مدينين لأي شخص بمعروف، يقولون: "أنا لا أحتاجه حقًا في الوقت الحالي، ولكن شكرًا لك على لُطفك". هل تعتقد أن الناس جشعون؟ عندما يرى الناس أشياء جميلة، هل تعجبهم ويريدون الاستمتاع بها؟ الجميع يحبها ويريد الاستمتاع بها، ولكن ثمة اختلافات بين الناس. على سبيل المثال، يحب معظم الناس استخدام أجهزة حاسوب من علامات تجارية معروفة تكون ذات جودة عالية، وسريعة، وذات صورة واضحة. بعض الناس لا يملكون المال ولا يستطيعون تحمل تكلفة واحد منها، لذا فهم يريدون دائمًا استغلال الآخرين. عندما يرون أن شخصًا ما يستخدم حاسوبًا من علامة تجارية معروفة، يطلبون استعارته مرارًا، بل ويستخدمونه دون إذن المالك أو عندما لا يكون المالك موجودًا. وعندما يحتاج المالك إلى استخدامه، فإنهم حتى يختلقون الأعذار ويجعلون المالك يستخدم حاسوبهم بدلًا منه. المالك، إذ يرى أنهم سيواصلون استخدامه ولن يعيدوه، لا يجد خيارًا سوى شراء حاسوب آخر. وهكذا يستولون على حاسوب المالك الأصلي، دون أن يشعروا بأدنى تأنيب من ضميرهم. هل يمتلك مثل هذا الشخص إنسانية؟ هل لديه ضمير؟ (كلا). هل هو شخص مستقيم وطيب؟ (كلا). إن الشخص المستقيم والطيب لن يفعل مثل هذا الشيء على الإطلاق. لنفترض أن شخصًا آخر يشتري حاسوبًا جديدًا، ويرى أن هذا الشخص المستقيم والطيب يستخدم حاسوبًا بطيئًا، فيعرض عليه حاسوبه القديم. يشعر الشخص المستقيم والطيب أن قبوله سيكون استغلالًا ويرفض. يقول الشخص الآخر إن بإمكانه أن يدفع له فقط بضع عشرات من اليوانات مقابله، لكن الشخص المستقيم يعرف أن هذا عمل خيري بوضوح، ويشعر أنه لا يمكنه استغلال هذا. لذا يفكر في طرق لتوفير المال، معتقدًا أنه حتى لو وفر بضع مئات من اليوانات لشرائه، فإن ذلك سيُعتبر شراءً بسعر مخفض. فإذا رفض الشخص الآخر المال، فإنه لا يوافق على العرض؛ إذ لن يقبل العطايا المجانية على الإطلاق. أخبروني، هل هو عنيد؟ يقول غير المؤمنين إن هذا النوع من الأشخاص عنيد ولا يساوم، ولكن ثمة ميزة من حيث صفات الإنسانية تنعكس في هذا الامتناع عن المساومة. ما هذه الميزة؟ إنه يعتقد أنه مهما كانت الظروف، يجب عليه الحفاظ على مبادئه وحدود سلوكه الذاتي؛ عندها فقط يمكنه أن ينعم براحة البال ويشعر بالاستقرار. إنه يفكر أنه إذا استغل الآخرين، فسيكون ذلك غير مُنصف وأنه لن يقوى على مواجهتهم، وأنه إذا استخدم أشياء الآخرين، فسيجعله ذلك يشعر بعدم الارتياح، وسيحمر وجهه، وسيشعر بعدم الارتياح في داخله. يقول بعض الناس: "لكن الشخص الآخر راغب في السماح له باستخدامه". هل كون الشخص الآخر راغبًا يعني أن ذلك لن يكون استغلالًا له؟ حتى لو كان الشخص الآخر راغبًا، فسيظل ذلك استغلالًا له. الاستغلال هو استغلال دائمًا؛ لا تتغير طبيعته بسبب رغبة الشخص الآخر؛ فالجوهر يظل كما هو. إنه يفكر: "شراء مثل هذا الحاسوب الجيد ببضع عشرات من اليوانات سيكون استغلالًا له بوضوح. لا يمكنني قبول ذلك على الإطلاق. إذا وفرت ما يكفي من المال، فسأشتريه. وإذا لم أستطع، فسأستخدم حاسوبي القديم فحسب، ببساطة من أجل راحة البال". كما ترى، أليس هذا حدًا لسلوكه الذاتي؟ (بلى). يمكنه الحفاظ على هذا الحد تحت أي ظروف. شخص ما يريد أن يعطيه شيئًا رائعًا جدًا، ولديه الفرصة للظفر بشيء جيد كهذا؛ الطريقة التي يرى بها غير المؤمنين هذا هي: "ستكون أحمق إذا لم تأخذه. عدم استغلال هذا سيكون إهدارًا!" لكنه لا يعتقد هذا. إنه يعتقد أن هذا ليس حمقًا، وأنه لا يمكنه خداع نفسه؛ الاستغلال هو استغلال. إنه يفكر أنه إذا استغل الأمر بالفعل، فسيشعر بعدم الارتياح في قلبه، ولن يتمكن من العيش براحة، وسيشعر بعدم الارتياح عند استخدام الحاسوب، وأنه لا يمكنه أن يسلك بهذه الطريقة. كما ترى، لن يتجاوز هذا الحد لسلوكه الذاتي؛ أليس هذا عمل ضمير في داخله؟ (بلى). إنه يمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته، ويؤدي ضميره وظيفته، لذا فهو قادر على الحفاظ على هذا الحد. أي أن السبب في قدرته على الحفاظ على هذا الحد هو أن ضميره يؤدي وظيفته باستمرار، ويمنحه الوعي، ويجعله يشعر: "فعل ذلك خطأ، فعل ذلك غير لائق. لا يمكنني فعل ذلك". إن ضميره يحثه، ويقيده، ويضبطه باستمرار، ما يسمح له بالحفاظ على حد لسلوكه الذاتي. وفي النهاية، ربما يمكنه تحمل تكلفة شراء ما عُرض عليه ثم يستخدمه، أو ربما لا يمكنه تحمل تكلفته أبدًا ويستخدمه شخص آخر، وفي هذه الحالة لا يشعر بالضيق. على أقل تقدير، في هذه المسألة، لقد حافظ على هذا الحد والمبدأ لسلوكه الذاتي. إن الشخص الذي يمتلك صفات الإنسانية يضع مبادئ وحدودًا لسلوكه الذاتي، ويحافظ عليها باستمرار. وحتى لو واجه موقفًا يتعلق بمصالحه وشعر بالإغواء في ذلك الوقت، فإن ضميره سيحثه ويقيده باستمرار. وفي النهاية، حتى لو اعتقد الآخرون أن مصالح هذا الشخص قد تضررت أو أن شخصًا آخر قد أخذ المنفعة، وقد يشعر هذا الشخص ببعض الضيق أو الاستياء للحظة، فبسبب وظيفة ضميره، سيهدأ قلبه بسرعة. سيفكر: "من الأفضل دائمًا عدم استغلال الآخرين. على الأقل لديَّ راحة البال، ولا أشعر بتأنيب ضميري". هذا ما يطلبه. هذه هي الوظيفة التي يؤديها الضمير في الناس: إنه يضبطهم ويقيدهم باستمرار، ما يسمح لهم باتخاذ الخيارات الصحيحة. في مواجهة مصالح المرء الخاصة، أو الأخلاق، أو حتى بعض الغوايات، فإن ضمير المرء سيقيد سلوكه وينظمه ويصححه باستمرار. وفي النهاية، في الغالبية العظمى من الحالات، سيختار الأشخاص ذوو صفات الإنسانية التخلي عن مصالحهم الخاصة لكسب السلام والطمأنينة لضميرهم. وفي ظل ظروف خاصة، يمر بعض هؤلاء الأشخاص أيضًا بأوقات يتجاوزون فيها حد ضميرهم، ولكن ما يتبع هذا هو الشعور بالذنب وعدم الارتياح داخل ضميرهم؛ بل إن البعض يحمل هذا الشعور بعدم الارتياح والذنب معهم لبقية حياتهم. هذه هي وظيفة الضمير. يعني هذا أن الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم سيرتكبون أخطاء في بعض الأحيان، وفي ظل ظروف خاصة، سيتجاوزون أيضًا حد إنسانيتهم وينتهكون مبادئ السلوك الذاتي التي وضعوها لأنفسهم. لكن نتيجة ذلك هي أنهم سيعانون من إدانة ضميرهم. وإذا لم يتمكنوا من إيجاد فرصة لإصلاح ذلك، أو لم تسمح ظروفهم بذلك، فسيعيشون باتهام داخلي، وعدم ارتياح، وتوبيخ للذات، وشعور بالذنب. هذه مظاهر طبيعية يمتلكها، في جميع الظروف، الشخص الذي يمتلك الضمير والعقل، ويمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته.
هذه المظاهر لدى الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة هي – من منظور الإنسانية – عادية ومألوفة نسبيًا، وليست سامية أو خارقة للطبيعة، ولا نبيلة تمامًا، وفي عيون الإنسان، تعني فقط أن شخصًا ما لديه القليل من الاستقامة ويعيش بقليل من الكرامة. لكن في عيني الله، صفتا الاستقامة والطيبة داخل الإنسانية اللتان يعيشهما أمثال هؤلاء الأشخاص هما صفتان ثمينتان. ونظرًا لأن هذه البشرية تبجل الخبث، ولا أحد يهتم بالضمير أو العقل، فإن الأشخاص المستقيمين والطيبين منبوذون في المجتمع. المبادئ الأساسية للسلوك الذاتي التي يلتزمون بها ويعيشون بحسبها تتعرض للسخرية، والاحتقار، والإدانة من قِبل جموع الناس في المجتمع. كيف يسخر الناس منهم؟ (يقول الناس إنهم حمقى، وغير مرنين، وأغبياء). هذا هو الحال بالضبط. في هذا المجتمع، يتعرض الأشخاص ذوو الإنسانية الطبيعية للسخرية، والاستهزاء، والاحتقار، والإدانة من قِبل الآخرين؛ إنهم لا يستطيعون كسب اعتراف الآخرين، ولا استحسانهم. إذا كنت تلتزم دائمًا بمبادئ سلوكك الذاتي داخل مجموعة من الناس، فإنك تعيش حياة مرهقة للغاية. كل يوم، وأيًا كان ما تواجهه، تشعر بالاختناق والغضب، وتفكر: "ما الخطأ في سلوكي بهذه الطريقة؟ لماذا يسخر الآخرون مني؟ يقول الناس دائمًا: "ما قيمة الضمير؟ الضمير هو أثمن شيء. هل يُعد الشخص إنسانًا أصلًا إذا لم يكن لديه ضمير؟" إن أشخاصًا مثلك هم موضع سخرية ونبذ وسط أي مجموعة من غير المؤمنين؛ لا أحد يستحسنك، ولا أحد يقف إلى جانبك. أنت مستقيم وتلتزم بالمبادئ في سلوكك الذاتي، ويقول الناس: "هل يمكن للتمسك بالمبادئ أن يسدد فواتيرك؟ هل سيكسبك التمسك بالمبادئ تقدير المسؤولين الأعلى؟ هل سيستحسنك الجميع إذا التزمت بالمبادئ؟ إذا التزمت بالمبادئ في هذا المجتمع، فأنت أكبر أحمق؛ وستُكبَت، وينتهي بك الأمر عاجزًا عن تأمين قوت يومك!" لذا تفكر: "ما الخطأ في تمسكي بالمبادئ؟ لماذا يؤدي كوني شخصًا مستقيمًا وطيبًا إلى تعرضي للسخرية، والنبذ، والكبت؟" في النهاية، تستنتج أن البشر فاسدون حتى النخاع، وأنه لا يوجد شخص صالح واحد بينهم، وأنهم جميعًا أبالسة وشياطين! تقول إنك تسلك بضمير مستريح، وإنك تريد أن تسلك بطريقة كريمة ومستقيمة، وتريد التعامل مع كل شيء وفقًا للقواعد، وتعتمد على مهاراتك الخاصة لكسب لقمة العيش دون اللجوء إلى فعل أي شيء ملتوٍ، ولكن بسلوكك بهذه الطريقة، أنت عُرضة لأن يُتسَلَّط عليك في المجتمع؛ ويمكن للناس التغلب عليك بسهولة بقليل من المناورة. ومهما كانت المهارات التي تمتلكها، فإنك منبوذ ومقموع. تشعر أنه لا يوجد مكان للدفاع عن قضية المرء في هذا العالم البشري، وأن العيش على هذا النحو خانق للغاية. إن العيش بين هؤلاء الناس لا يشبه التواجد في وعاء صباغة ضخم، وإنما أشبه بالوجود في مفرمة لحم؛ حيث تُطحَن حيًا حتى الموت. وحتى لو لم تُطحن حتى الموت، فسوف تموت من الإرهاق، وتخالف إرادتك كل يوم من حياتك في حالة من التعب الجسدي والعقلي، وكل كلمة تقولها وكل شيء تفعله هو خيانة لإرادتك الخاصة. وبينما تسير على حبل مشدود باستمرار على هذا النحو، لا تزال تتعرض للسخرية بوصفك أحمق وبوصفك شخصًا غير مرن، لا يعرف كيف يقدم الهدايا لمسؤوليه الأعلى أو يبني علاقات مع زملائه. أنت تسلك بناءً على مبدأ عدم استغلال الآخرين، ومع ذلك يحاول أشخاص آخرون بكل الوسائل الممكنة استغلالك، ولا يمكنك حتى تجنب ذلك. ينتهي بك الأمر بالقيام بالكثير من العمل، لكن المسؤولين الأعلى لا يلاحظونك، حيث ينتزع الآخرون كل الفضل. بعد أن تؤمن بالله، ترى أن ثمة إنصافًا في بيت الله، وأن الله بار، وأنه حتى لو تصرف بعض الناس بظلم، فثمة حق في كلام الله، وثمة بر في كلام الله، ولله شخصية بارة، وأن الحق والبر هما اللذان يملكان السلطة في بيت الله. تقول: "إذًا، يمكن للأشخاص الصالحين أن يزدهروا في بيت الله. يمكنني أن أفتح قلبي وأقول كل الكلمات التي كنت أكتمها. يمكنني أن أستخدم أي نقاط قوة ومواهب أمتلكها. العيشُ في بيت الله هادئ وبهيج حقًا؛ لن أتعرض للقمع والنبذ من قِبل أشخاص آخرين مرة أخرى أبدًا. إنه لأمر رائع جدًا أن أؤمن بالله وآتي إلى بيت الله! لو لم أؤمن بالله، لكنت أعيش كجثة متحركة، وكلما طال عمري، شعرت بمزيد من الإرهاق والعذاب؛ وما كنت لأجد اتجاهًا في الحياة، وكان قلبي ليصبح مظلمًا، وما كنت لأتمكن من رؤية النور أو المستقبل. كان الأمر ليكون مؤلمًا حقًا!" قبل أن يؤمن أمثال هؤلاء الأشخاص بالله ويربحوا الحق، يشعرون أنه ليس لديهم طريق في الحياة وأن مستقبلهم كئيب وخالٍ من النور. وبعد المعاناة من بعض النكسات والإخفاقات، واختبار العديد من الصعوبات، لا يشكون في حياتهم فحسب، بل يشعرون أكثر من ذلك أنه لا جدوى من العيش. يشعرون أنه حتى الموت سيكون أفضل من العيش بين هؤلاء الناس والعيش في مثل هذا العالم! لا يعيش الناس حتى بسعادة مثل الطيور في السماء، ولا بحرية مثل الأسماك في البحر؛ فعلى أقل تقدير، يمكن للطيور أن تغرد متى أرادت، وتطير في السماء دون أي عوائق، ولديها قطعة أرض بكر خاصة بها. أما الناس الذين يعيشون في هذا العالم فليس لديهم حتى الحق أو الحرية في التحدث بصدق؛ إنهم يعيشون كل يوم وهم يرتدون قناعًا، ولا يمكنهم إلا أن يقولوا أشياء لا يريدون قولها، مخالفين ما يشعرون به حقًا في داخلهم؛ ليس لديهم خيار سوى قول مثل هذه الأشياء، لكنهم يشعرون بالاشمئزاز بمجرد أن يفعلوا ذلك. لماذا يجب أن تكون الحياة صعبة إلى هذا الحد؟ يشعر هذا النوع من الأشخاص بالاشمئزاز عند النظر إلى وجوه من حولهم، مع شعور بالنفور والبغض في قلوبهم، لكنهم لا يستطيعون تجنبهم أو الابتعاد عنهم، ويظل يتعين عليهم الاختلاط بهم أيضًا. في بعض الأحيان، تراودهم فكرة مجرد الاستمرار في التخبط على هذا النحو من أجل إعالة أنفسهم ودعم عائلاتهم، لكنهم يظلون غير قادرين على الاستسلام لفعل ذلك. إنهم يشعرون أنه يجب على الناس السعي وراء شيء ذي مغزى في الحياة، وأنه يجب عليهم أن يعيشوا شبه الإنسان، ويقولوا الحقيقة، ويحافظوا على حد لسلوكهم الذاتي، وأن هذا هو أقل ما ينبغي للناس تحقيقه. إنهم يشعرون أنه إذا لم يتمكن المرء حتى من تحقيق ذلك، فهو ليس إنسانًا. ولكن مع عدم وجود طريق يسلكونه، يكونون عاجزين، ولا يمكنهم سوى التخبط في الحياة بحيرة وذهول، وبالكاد يعيشون أيامهم. وخاصة عندما يواجهون بعض الصعوبات ويصلون إلى أقصى حدود احتمالهم، فإنهم يشعرون بعذاب شديد بداخلهم: "لماذا نعيش؟ هل لمجرد قول الأكاذيب كل يوم، والاختلاط بهؤلاء الناس الذين لا يشبهون البشر حتى ويتخبطون فقط في انتظار الموت؟ بما أنني سأموت عاجلًا أم آجلًا على أي حال، فبدلًا من التخبط في انتظار الموت، فربما كان من الأفضل أن أموت الآن وأتحرر من كل ذلك عاجلًا". على الرغم من رغبة الناس في التحرر من كل ذلك، فمن النادر جدًا أن يجرؤ أحد على الإقدام على ذلك؛ إنهم يخشون أنه إذا ماتوا على هذا النحو، فلن يجدوا ما يجيبون به والديهم وأحباءهم، كما تساورهم الشكوك في قلوبهم: "هل الموت هكذا سيحررني حقًا؟ إذا كان سيحررني حقًا، فهذا أمر جيد، ولكن إن لم يفعل، فسيكون الأمر أسوأ بكثير". وهكذا، يعاني الناس بألم على هذا النحو. هذا هو مدى بؤس أولئك الذين لم يربحوا الحق. يشعر الناس أن هناك دائمًا أملًا وشيئًا يتطلعون إليه في الحياة، ولكن في أعماق قلوبهم، يشعرون أن هذه الأشياء تزداد غموضًا وبعدًا. وكلما شعر الناس بغموض هذه الأشياء وبعدها، زاد صراعهم ومعاناتهم في قلوبهم. يأمل أمثال هؤلاء الأشخاص جميعًا في الحفاظ على حد ضميرهم ومبادئ سلوكهم الذاتي، وألا يعيشوا بطريقة تخالف إرادتهم. إنهم لا يفرضون مطالب صارمة على أنفسهم، ولا يضعون أهدافًا عالية جدًا لحياتهم؛ فهم لا يطلبون ثروة طائلة ومكانة رفيعة، بل فقط العيش براحة بال. ومع ذلك، لا يمكنهم حتى الالتزام بمثل هذه المبادئ البسيطة وهذا الحد البسيط لسلوكهم الذاتي، لذا يعيشون كجثث متحركة كل يوم، ويشعرون بإرهاق شديد. هذا الإرهاق ليس تعبًا جسديًا، ولا هو ألم يسببه المرض، بل هو إرهاق للجسد والعقل معًا. هذا الإرهاق هو شعور بالثقل ناتج عن هبوط قلوبهم؛ إنه يجثم على قلوبهم كصخرة، ما يجعلهم يشعرون بالكبت والألم في داخلهم. ولكن مع ذلك، يظل يتعين عليهم مواجهة الحياة ومختلف الناس والأحداث والأشياء، لذا فإنهم يشحذون عزيمتهم ويستمرون في المضي يومًا بعد يوم، ويمضون أيامهم وسط المشقة، ويعيشون حياة مؤلمة للغاية. يرغب بعض الناس في الذهاب لمشاهدة أوبرا بكين. فيرون أن الحبكات في أوبرا بكين تدور جميعها حول حياة البطل الصعبة والمليئة بالعقبات والنكسات، حيث يصرخ المؤدي في النهاية قائلًا: "يا لها من معاناة..."، فيجد ذلك صدى لدى أولئك الذين يعتصر الألم قلوبهم. لماذا يجد ذلك صدى لديهم؟ لأن المؤدي يعبر عما يختلج في قلوبهم. إذا عشت بضميرك، فإن العيش في هذا العالم ليس سهلًا ولن يوصلك إلى أي مكان؛ سوف تصطدم بالجدران، وتعاني من النكسات، وتتعرض للعذاب في كل منعطف. إذا حاولت أن تكون شخصًا سيئًا، أو شخصًا شريرًا، أو شخصًا خبيثًا، فسوف تنجح في مسعاك أينما ذهبت، ولن تواجه أي عقبات. أما إذا كنت شخصًا مستقيمًا وطيبًا، وتمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتك، فحتى لو تلوثت استقامتك وطيبتك أو حتى تدنستا واحتوتا على بعض الشوائب بعد أن تختبر أمورًا مختلفة في المجتمع، فإن صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتك لن تتغيرا أبدًا، ولن يتمكن أحد من تغييرهما. وحتى لو لم تعد تجرؤ على قول الحقيقة أو التمسك بمبادئ وحدود سلوكك الذاتي، فإنك في أعماق قلبك ستتوق إلى قول الحقيقة، والتمسك بمبادئك للسلوك الذاتي، والحفاظ على حد ضميرك، ونيل شعور بالسلام الداخلي والطمأنينة.
بعد أن يؤمن هذا النوع من الأشخاص المستقيمين والطيبين بالله، يصبح بيت الله – الكنيسة – بالنسبة إليهم مكانًا للنقاء والسكينة، فضلًا عن كونه مكانًا يمكن لقلوبهم أن تجد فيه السلام والتحرر. وبالطبع، يمكن القول أيضًا إنه مكان يمكنهم فيه السعي لتحقيق تطلعات حياتهم، ومكان يُمكّنهم من رؤية النور في حياتهم وألا يشعروا بأنهم تائهون بعد الآن في الكيفية التي ينبغي لهم بها توجيه سلوكهم الذاتي. لذا، بالنسبة إلى شخص يمتلك الضمير والعقل، فإن بيت الله هو موطنه الحقيقي. هذا الموطن ليس موطنًا بالمعنى الجسدي أو المادي؛ وإنما هو مكان آمن حيث يمكنه الإيمان بالله والخضوع له بقلب بسيط، ومكشوف، ومنفتح. ويمكن أن يُطلق عليه أيضًا ملاذ آمن. كيف يقول المثل؟ بيت الله هو المرفأ الذي يمكن للأشخاص المستقيمين والطيبين الذين يمتلكون صفات الإنسانية أن يرسوا فيه. أي أن هذا هو المكان الذي يمكنهم إلقاء مرساتهم فيه؛ فلا يضطرون إلى الركض هنا وهناك بعد الآن، ويصبحون قادرين على قبول الحق وإيجاد اتجاههم وطريقهم في الحياة، لكي تنعم قلوبهم بالرضا. وهكذا، لا يشعر الإنسان الحقيقي بالرضا الحقيقي في قلبه إلا عندما يأتي إلى بيت الله؛ ولا يشعر الشخص ذو الضمير والعقل أنه وجد موطنه الحقيقي، وهو المكان الذي يتيح لقلبه ربح السلام والطمأنينة، إلا عندما يعود إلى بيت الله ويعود للمثول أمام الخالق. وعلى الرغم من أن تطلعاته لسلوكه الذاتي والمبادئ التي يسلك بها بعيدة كل البعد عن ممارسة الحق، إلا أنه على أقل تقدير يشعر أن قلبه قد ربح السلام والعزاء في بيت الله وفي الكنيسة. هذا هو الفارق الذي يشعر به هذا النوع من الأشخاص بين التواجد في بيت الله والتواجد في العالم؛ إنه فارق في قلبه. لذلك، عندما يأتي هذا النوع من الأشخاص إلى بيت الله، يربح قلبه العزاء والسلام؛ ويشعر أن بيت الله وحده هو المكان الذي يمكنه فيه السعي إلى اتجاهه في الحياة، وهو أيضًا البيئة التي هو في أمس الحاجة إليها، وبالطبع، هو المكان الذي يتوق إليه. إنه يحب المكان هنا، وهو مستعد لأن يعيش ويسلك في هذا النوع من البيئة؛ وبالطبع، إنها رغبته الشخصية أن يفعل ذلك. وفيما يتعلق برغبته الشخصية هذه، فإن بيئة بيت الله، وطريقة عمل الله، ومتطلبات الله من الناس، وجميع الجوانب الأخرى كافية بالفعل لتلبية احتياجات إنسانيته، لذا فإنه يسعى إلى الحق براحة بال ويمارس وفقًا لمتطلبات الله. لذا فإن قدرة الشخص على السعي إلى الحق تعتمد كليًا على إنسانيته. فقط إذا كانت إنسانيته تمتلك صفتي الطيبة والاستقامة، وإذا كان يحب الإنصاف والبر، وإذا كان يحب المجيء إلى بيت الله وربح السلام الداخلي والطمأنينة، أو إذا ربح قلبه العزاء الكامل بعد المجيء إلى بيت الله والمثول أمام الله، يمكنه الاستقرار للاستماع إلى كلمات الله وقبولها والخضوع لها؛ وعندها فقط يمكنه الاستقرار للسعي إلى الحق وأن يكون كائنًا مخلوقًا كما ينبغي. أي أنه، فقط عندما يأتي الشخص إلى بيئة بيت الله ويربح قلبه العزاء، ويجعل فهم الحق قلبه يشعر بالامتلاء، وتتحقق تطلعات الحياة والأهداف التي يسعى إليها؛ في ظل هذه الشروط الأساسية وحدها تتاح له الفرصة للسعي إلى الحق. هذا مظهر محدد لأولئك الذين يمتلكون صفات الإنسانية. وبالطبع، عندما يتعلق الأمر بالسعي إلى الحق، فإن امتلاك شخص ما صفات الإنسانية أمر مهم للغاية. وإذا كان المرء لا يمتلك صفات الإنسانية، فهو أساسًا لا يستوفي شروط السعي إلى الحق.
لنتحدث الآن عن مظاهر أخرى للاستقامة والطيبة في إنسانية الناس. لقد قلت للتو إن الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم يضعون مبدأً أساسيًا لارتباطاتهم وتفاعلاتهم مع الآخرين، وفي سلوكهم الذاتي وتعاملهم مع الأمور؛ وهو عدم استغلال الآخرين. وبالطبع، هذا هو أيضًا حد سلوكهم الذاتي. وإضافة إلى عدم استغلال الآخرين، فإن هذا النوع من الأشخاص له مظهر آخر: إنهم راغبون في التعاطف مع الآخرين ومساعدتهم، وراغبون كذلك في العطاء لهم. في أعين الآخرين، يبدو أمثال هؤلاء الأشخاص حمقى بعض الشيء؛ إنهم طيبو القلب أكثر من اللازم، ويثقون بالآخرين ويشفقون عليهم بسهولة، وعلى الرغم من أنهم أنفسهم ليسوا ميسوري الحال، فإنهم يحبون العطاء. إنهم يحبون الوقوف ضد الظلم؛ فعندما يرون شخصًا يواجه صعوبات، فإنهم لا يقفون مكتوفي الأيدي أو يتظاهرون بعدم الرؤية، بل يبادرون إلى محاولة مد يد العون. وحتى لو لم تكن لديهم القدرة على المساعدة، فإنهم يظلون يحملون نوايا حسنة. عندما يرون شخصًا يواجه صعوبات، يشعرون أنهم إذا لم يمدوا له يد العون، فلن يتمكنوا من التصالح مع ضمائرهم. وحتى لو لم يطلب الشخص الآخر المساعدة، فإنهم يظلون يشعرون بأنه ينبغي لهم مساعدته. وبعد أن يتلقى الشخص الآخر مساعدتهم، فإنه يكتفي بقول شكرًا وينتهي الأمر عند هذا الحد، لكن الشخص المستقيم والطيب لا يكترث؛ وفي وقت لاحق، عندما يواجه شخص آخر صعوبات حقًا، فإنه سيظل يساعده أيضًا. يبدو هذا جهلًا أو حماقة بعض الشيء بالنسبة إلى الناس؛ فينصحهم الآخرون بالتوقف عن القيام بأعمال الطيبة، قائلين لهم إنه ينبغي لهم على الأقل أن يكسبوا دين امتنان عندما يساعدون الناس. وعند سماع هذا، يفكرون: "هل ينبغي لنا الفوز بديون امتنان من مساعدة الناس؟ كم من الجهد يتطلبه مد يد العون؟ لماذا نجعل الأمور معقدة إلى هذا الحد؟" إنهم بسطاء إلى هذا الحد؛ إنهم راغبون ببساطة في مساعدة الآخرين. أخبرني، هل تعتقد أن الرغبة في مساعدة الآخرين لها أي علاقة بإنسانية المرء؟ (نعم). إنهم حقًا لا يطلبون أي مقابل من أي نوع. في هذا العالم، هل يوجد أي شخص خالٍ من الرغبات والاحتياجات؟ (كلا). إذًا، كيف يمكن لهذا النوع من الأشخاص مساعدة الآخرين دون طلب أي شيء في المقابل؟ بالنسبة إلى معظم الناس، ما الظروف الخاصة التي يجب أن تتوفر، أو كيف يجب أن تكون علاقتهم بشخص ما، لكي يساعدوا ذلك الشخص؟ أحدها هو أقرب نوع من العلاقات؛ أي قرابة الدم. وإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون الشخص الذي يساعدونه شخصًا مقتدرًا، أو يجب أن تكون هناك فائدة ما يمكن كسبها من مساعدته، بحيث تعود عليهم المنافع فقط دون أي أضرار. هذه هي الحالات الوحيدة. فبخلاف هذه الحالات، من ذا الذي قد يساعد الآخرين بلا مقابل؟ وللتعبير عن الأمر بدقة، فإنهم لا يساعدون الآخرين بلا مقابل؛ بل لا بد أن تكون هناك منفعة يمكن جنيها. وحتى لو لم تكن هناك منفعة فورية، فلا بد أن تكون هناك منفعة طويلة الأجل. في كل الأحوال، هم لا يساعدون إلا عندما يمكنهم ربح شيء من وراء مساعدتهم. والآن، بالنسبة إلى الأشخاص الراغبين في مساعدة الآخرين، وبغض النظر عن مقدار المساعدة التي يقدمونها أو ما إذا كان الشيء الذي يساعدون فيه له أي قيمة، سواء كان شيئًا كبيرًا أو تافهًا، من أين تنبع رغبتهم في مساعدة الآخرين؟ هل لها علاقة بإنسانيتهم؟ (نعم). بأي جانب من جوانب الإنسانية ترتبط؟ (الطيبة). إنها تتعلق بالطيبة؛ فعندما يمتلك الناس صفة الطيبة في إنسانيتهم، يكونون راغبين في مساعدة الآخرين. على سبيل المثال، لنفترض أنهم رأوا أخًا أو أختًا يصبح سلبيًا وضعيفًا. في الواقع، هم أنفسهم ليسوا قادة في الكنيسة، وليس لديهم سوى علاقة عادية مع هذا الأخ أو الأخت، ولكن عندما يرونه سلبيًا وضعيفًا، يشعرون بالانزعاج ويكون لديهم عبء في قلوبهم. لن يهدأ لهم بال إذا لم يساعدوا، ويفكرون: "على الرغم من أن قامتي ليست عظيمة ولا أفهم الكثير من الحق، إلا أنه لا يزال من الجيد بالنسبة لي أن أحاول تتميم التزاماتي. ربما بعد سماع ما أقوله سيتمكن من التأمل في نفسه والتوقف عن كونه سلبيًا؛ ألن يكون ذلك جيدًا؟" لذا، إذا أصبح شخص ما سلبيًا وضعيفًا – وما لم يمر الأمر دون أن يلاحظوه – فبمجرد أن يلاحظوه، يبحثون عن فرصة لعقد شركة مع ذلك الشخص. وإذا لم يتمكنوا من عقد شركة بوضوح بأنفسهم، فإنهم يجدون مقطعًا من كلام الله لعقد الشركة معه. باختصار، من خلال مزيج من الوعظ، والإرشاد، وقراءة كلام الله للشخص، يفهم الشخص في النهاية مقاصد الله، ولا يعود سلبيًا، ويمكنه أن يؤدي واجبه بشكل طبيعي، ما يمنح الشخص الطيب شعورًا بالرضا. إنه ببساطة لا يستطيع تحمل رؤية الناس سلبيين ومتقاعسين، أو في ألم ومعاناة؛ إنه يريد فقط مواساتهم ودعمهم. وإذا ظل الشخص الآخر سلبيًا، فإنه يشعر بأنه ينبغي له تتميم مسؤوليته. وعندما يتوقف ذلك الشخص عن كونه سلبيًا بفضل نصيحته وإرشاده، فإنه يشعر بسعادة غامرة في داخله، ويشعر أن سلوكه الذاتي بهذه الطريقة أمر جيد للغاية. إنه لا يطلب أي منفعة، الأمر فقط هو أنه عندما يكون قادرًا على مساعدة شخص ما، فإن عدم القيام بذلك سيجعله يشعر بعدم الارتياح، وسيؤنب ضميره. أخبروني، هل تعتقدون أن تأنيب ضميره هذا وهذا الشعور بعدم الارتياح هما مظاهر وكشوفات لصفات الإنسانية؟ (نعم).
يميل بعض الناس إلى التعاطف مع الآخرين. بالطبع، إذا نُظر إلى هذا من منظور معين للإنسانية، فقد يكون هذا أيضًا نقطة ضعف في الإنسانية، لأنهم قد يتعاطفون أحيانًا مع الأشرار ويساعدونهم، لكنهم لا يستطيعون تغيير نقطة الضعف هذه. فبعد أن يساعدوا شخصًا شريرًا، يتجاوز هذا الشرير أزمته ويزدهر، لكنه يظل يحتقر من ساعده ويتجاهله. يشعرون بالحنق في داخلهم، قائلين: "لماذا هو على هذا الحال؟ في الماضي عندما كان في ضائقة وطلب مساعدتي، تعاطفت معه وساعدته، ولكن الآن بعد أن أصبح مزدهرًا ويعيش حياة جيدة، يتجاهلني". في قلوبهم، لا يمكنهم فهم هذا، ولا يمكنهم إدراك جوهر الأشرار. وبعد فترة، إذا طلب شخص شرير آخر مساعدتهم، فقد يظلون يتعاطفون معه، لكنهم سيرون أولًا ما إذا كان هذا الشخص شريرًا. إذا لم يكن الشخص بغيضًا إلى حد بعيد وكان يستحق الشفقة تمامًا، فسيظلون يشعرون بالتعاطف معه. عندما يرون بعض الإخوة والأخوات الذين يقومون بواجبهم بدوام كامل ولكن عائلاتهم فقيرة ويواجهون صعوبات في الحياة، يفكرون: "لا يزال بإمكانه القيام بواجبه على الرغم من فقره الشديد؛ هذا شخص صالح حقًا! أنا نفسي أعيش حياة رغدة؛ إذا لم أساعده، فسأشعر وكأنني لم أنصفه. ينبغي لي أن أعطيه وأساعده، حتى يتمكن من شراء بعض الملابس أو الضروريات اليومية". كما ترى، إنهم طيبو القلب، وعندما يرون أناسًا يواجهون صعوبات، لا يسعهم إلا أن يشعروا بالتعاطف معهم ويساعدوهم. وسط الناس، يوجد أشخاص صالحون، وأشخاص أشرار، وأشخاص جهلة أيضًا. الأشخاص الصالحون قادرون على العطاء ومساعدة الآخرين، والأشخاص الأشرار قادرون على فعل كل أنواع الأشياء الشريرة، ومختلف الأشخاص الجهلة دائمًا ما يستغلهم الآخرون ويأمرونهم وينهونهم، وقد يفعلون كل أنواع الأشياء الحمقاء؛ إنهم جهلة بدرجات متفاوتة. باختصار، هناك كل أنواع الناس. يميل الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية إلى التعاطف مع الآخرين. إنهم يرون الآخرين دائمًا على أنهم يستحقون الشفقة، ويمكنهم دائمًا رؤية ما يستحق الشفقة في الناس، ويمكنهم دائمًا رؤية الجوانب التي يستحق فيها الناس التعاطف؛ فضميرهم فيه قدر من الرقة لهذا. يعني هذا أنهم عندما يرون شخصًا يواجه صعوبات، أو يمر بمواقف مؤلمة، أو يتعرض للضغوط من قبل الأشرار، أو يُعامل بظلم، فإنهم يشعرون بالاستياء في داخلهم ويتعاطفون مع أمثال هؤلاء الأشخاص؛ فلديهم دائمًا قلب متعاطف. في الواقع، قد لا تكون ظروفهم الخاصة أفضل بكثير من ظروف الآخرين، وقد لا يكونون بالضرورة أقل عرضة للضغوط، ولكن لأن لديهم طيبة في إنسانيتهم، فلا يسعهم أبدًا إلا أن يتعاطفوا مع الآخرين. عندما يواجه الناس صعوبات أو يعانون من الألم، فإنهم لا يقفون مكتوفي الأيدي أو يتجاهلونهم. في بعض الأحيان، بتأثير من البيئة الاجتماعية – حيث يرون أن الناس لا يهتمون إلا بأنفسهم بينما يتجاهلون إخوانهم من بني البشر – سيرغبون في الامتناع عن مساعدة الناس، لكنهم دائمًا ما يفشلون؛ فعندما يرون شخصًا فقيرًا غير قادر على الحصول على وجبة طعام، وبعد بعض التردد في أذهانهم، ينتهي بهم الأمر دائمًا إلى مساعدته. على سبيل المثال، لنفترض أن شخصًا ما أُصيب بنزلة برد شديدة؛ يسعل، ويعطس، ويعاني من حمى شديدة. يخاف بعض الناس من التقاط العدوى، لذلك يبتعدون عنه. أما الأشخاص طيبو القلب، من ناحية أخرى، فلا يسعهم إلا إظهار الاهتمام به: "لقد أُصبتَ بنزلة برد؛ هل تناولتَ أي دواء؟" إذا لم يكن لدى الشخص مال لشراء الدواء، فسوف ينفقون من مالهم الخاص لشرائه له. كما ترى، عندما يرى شخص طيب القلب أن شخصًا ما مريض ويعاني، فإنه لا يقف مكتوف الأيدي. أي أنه عندما يواجه الناس صعوبات، وعندما يواجهون معاناة أو مآزق صعبة، فإن الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية يمكنهم دائمًا الشعور بذلك، ويمكنهم دائمًا إدراك أنهم بحاجة إلى المساعدة. إنهم في البيئة نفسها التي يوجد فيها الآخرين، لكنهم حساسون للغاية للأشياء التي لا يستطيع الآخرون الشعور بها. لماذا هذا؟ الأمر ببساطة هو أن قلوب الناس ليست متماثلة. فالأشخاص الذين يفتقرون إلى اللمسة الإنسانية لا يسألون مهما كان مقدار الألم الذي يعاني منه الآخرون، وكأنهم لا يستطيعون إدراكه. أما الأشخاص الذين لديهم لمسة إنسانية، ولأن ثمة عنصرًا من الطيبة في صفات إنسانيتهم، فلا يسعهم إلا أن يشعروا دائمًا بالتعاطف مع من حولهم ممن يعانون من الألم والصعوبات، ومن ثم، وبدافع من ضميرهم، يمدون يد العون؛ وما كنت لتتمكن من إيقافهم حتى لو حاولت. إنهم لا يفعلون ذلك متوقعين أن يتذكر الآخرون طيبتهم، ولا على أمل أن يشيدوا بشدة بإنسانيتهم وخُلُقهم؛ وإنما لديهم ببساطة رغبة في القيام بذلك، والقيام به يمنحهم شعورًا بالثبات الداخلي. هذه أفكار وسلوكيات تنبع من صفات الإنسانية، ولا يمكن لأحد أن يغيرها ولا يمكن لأحد أن يقيدها. الأشياء التي يفعلونها، أو الطرق التي يسلكون بها والمبادئ التي يفعلون ذلك وفقًا لها، هي كشوفات طبيعية نقية عن إنسانية طبيعية. هذه الكشوفات الطبيعية للإنسانية تنبع بالكامل من قلوبهم. إنهم يتصرفون بهذه الطريقة طواعية؛ فلا أحد يأمرهم بذلك، وهم لا يسعون وراء منفعة ما. إنهم ببساطة راغبون في القيام بذلك، والقيام بمثل هذه الأشياء وحده يمنحهم راحة البال؛ فإذا لم يفعلوها، فإنهم يشعرون بعدم الارتياح في داخلهم. حتى عندما يصادفون شخصًا شريرًا يواجه صعوبات، فإنهم يعرفون أنه لا ينبغي لهم مساعدة الأشرار، لكنهم يفكرون أيضًا: "هل أصبحت قاسيًا؟" وحتى لو لم يساعدوا هذا الشخص الشرير، فإن تعاطفهم يظل دون تغيير، وسوف يظهر بشكل طبيعي مرة أخرى في بيئة مناسبة ومع الأشخاص المناسبين. هذه صفة من صفات الإنسانية. صفات الإنسانية فطرية، وبالطبع يمكن أن تظهر أيضًا في أي وقت وفي أي مكان؛ إنها طبيعية للغاية، ونقية للغاية، وبسيطة للغاية. لذا، عندما يمتلك شخص ما صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته، فإن ذلك لا ينبع مما علمه إياه والداه أو المجتمع، ولا يتأثر بأي بيئة؛ فهذه هي الصفات المتأصلة في إنسانية المرء.
يحب بعض الناس العطاء. هل تعتقدُ أن الأشخاص الذين يحبون العطاء لا بد أن يكونوا أثرياء أيضًا؟ هل يجب أن يكونوا أشخاصًا جابهوا مصاعب الحياة العديدة وتحرروا من وهم العالم الفاني؟ هل يجب أن يكونوا أشخاصًا تمتعوا بكل ثروات العالم وروعته، وأدركوا حقيقته كلها، وأصبحوا ينظرون إلى التمتع بالأشياء المادية بلامبالاة؟ هل يجب أن يكونوا أشخاصًا طباعهم خالية من الهموم وسمحة نسبيًا؟ كلا، ليس بالضرورة أن يكونوا كذلك. من بين الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم، ثمة نوع من الأشخاص يعيش حياة مقتصدة للغاية. فإذا أسقط حبة أرز أثناء تناول الطعام، فإنه يلتقطها ويأكلها، ولا يمكنه تحمل فكرة إهدارها. وهو لا يستخدم سوى القليل من الماء عند غسل أسنانه ووجهه. وعندما تبلى ملابسه، لا يطيق رميها، بل يغسلها ويستمر في ارتدائها. وعند شراء الأشياء، فإنه يخطط ويضع ميزانية بعناية، ويشتري الأشياء الرخيصة ما دامت جودتها مقبولة. بما أن هذا النوع من الأشخاص مقتصد للغاية، فهل يعني هذا أنه بخيل؟ (كلا). هذا النوع من الأشخاص مقتصد للغاية عندما يتعلق الأمر به هو نفسه، لكنه ليس بخيلًا عندما يتعلق الأمر بالآخرين. على سبيل المثال، عندما يرى شخصًا يعيش حياة صعبة، فإنه يعطيه بعض أشيائه الخاصة، مثل الملابس أو الأجهزة. يقول بعض الناس: "هل هو نوع من الفقراء المحسنين؟" ليس الأمر كذلك، إنه يشعر فقط أن الآخرين يستحقون الشفقة تمامًا، لذلك يريد دائمًا مساعدتهم. في الواقع، هو نفسه ليس ميسور الحال أو ثريًا، وهو لا يسعى وراء شيء عندما يقدم العون للآخرين. إنه يمتلك هذا النوع من الإنسانية فحسب، فهو يحب مساعدة الآخرين، وهذا هو أيضًا مبدأه في كيفية سلوكه. هل هذه أيضًا صفة من صفات الإنسانية؟ (نعم). المبدأ الأساسي لهذا النوع من الأشخاص في معاملة الآخرين هو المساعدة عندما ينبغي له المساعدة، والتعاطف عندما ينبغي له التعاطف. عندما يواجه أشخاص آخرون صعوبات، فإنه يقدم محبته ويقوم بتصرفات عملية لمساعدتهم، وعندما يفتقر الآخرون إلى الأشياء، فإنه يعطيهم أشياءه الخاصة. ضمن صفات إنسانيته، هناك دائمًا مثل هذه الرغبة؛ ويمكن أن تنشأ هذه الأفكار دائمًا في داخله، أو يمكنه دائمًا الشعور بألم من حوله ممن يحتاجون إلى المساعدة والتعاطف. هل هذا هو الضمير الذي يعمل في داخله؟ (نعم). إن صفة الإنسانية هذه لا يحددها الطبع، بل ترجع إلى وظيفة الضمير. وهكذا، فإن لديه هذه العقلية – أو هذه الصفة الإنسانية – المتمثلة في الرغبة في مساعدة الآخرين. عندما يحتاج الناس إلى المساعدة ويطلبونها منه، فإنه لا يشعر بالتعاطف فحسب، بل يساعد بصدق أيضًا، وحتى لو استغرق الأمر بعضًا من وقته واضطر إلى إعطائهم بعض الأشياء، فإنه يكون راغبًا في ذلك. وهذه الرغبة، على أقل تقدير، قائمة على الطيبة في إنسانية المرء. إذا لم يكن لدى المرء طيبة في إنسانيته، فمن ناحية، لن يكون لديه الرغبة الذاتية في مساعدة الآخرين، ومن ناحية أخرى، لن يشعر بالتعاطف عندما يُطلب منه المساعدة، ولن يساعد الناس بصدق. إذا لم يكن لدى شخص ما هذا الصدق، فسوف يؤدي العمل شكليًا بلا اهمام ويتعامل معك بلا مبالاة. سوف يفعل القليل على مضض مراعاة لماء الوجه أو بدافع المجاملة، أو لأنه مدفوع بمصلحة معينة خاصة به؛ وإلا، فإنه يخشى أن يكون يومًا ما تحت سلطتك، أو أن تكون مفيدًا له يومًا ما؛ يمكنه إقناع نفسه بمساعدتك لأي عدد من الأسباب. أما بالنسبة إلى شخص تمتلك إنسانيته حقًا صفة الطيبة، فإنه ليس سلبيًا في كيفية مساعدته للناس، وبالطبع، هو ليس غير راغب ولا ممانع؛ إنما توجد هذه الرغبة بشكل متأصل ضمن صفات إنسانيته. إنه يساعد الآخرين عن طيب خاطر، وبإخلاص، وبشكل مبادر. على سبيل المثال، لنفترض أنك تحتاج إلى مساعدته في شيء ما. عندما تطلب منه المساعدة، سيشعر بتعاطف كبير معك، وسيساعدك بحماس كبير، وإخلاص، ورغبة. قد تعهد إليه بالتعامل مع شيء ما نيابة عنك، أو بتمرير رسالة نيابة عنك، أو قد يكون ثمة غرض ما تحتاجه؛ أيًا كان نوع المساعدة التي تحتاجها منه، باختصار، فإنه سيتعامل مع هذا الأمر بإخلاص، وجدية، ومسؤولية.
الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم جادون ومسؤولون للغاية عندما يعهد إليهم الآخرون بالتعامل مع الأمور. على سبيل المثال، إذا ذهب مثل هذا الشخص إلى المدينة لتدبر أمر ما، وطلب منه شخص آخر المساعدة في شراء بعض الأدوية، فبينما هو يشتريها يتأمل قائلًا: "هل ينبغي لي شراء دواء غربي أم دواء صيني؟ الدواء الغربي يعمل بسرعة، لكنه يهيج المعدة. ربما سيعاني من آثار جانبية إذا تناوله؟ في هذه الحالة، سأسأل عما إذا كان ثمة أي دواء صيني فعال نسبيًا ولا يهيج المعدة". كما ترى، إنه يدرس الأمور بعناية فائقة. عندما يوافق شخص مسؤول ولديه صفة الطيبة على مساعدة شخص آخر في التعامل مع شيء ما، فإنه سيساعده في اختيار الأشياء التي يحتاجها بطريقة مخلصة، وجادة، ومسؤولة. قد لا يكون جادًا إلى هذا الحد عند التعامل مع أموره الخاصة، وعند شراء الأشياء فإنه يشتري فقط ما يبدو مناسبًا، ولكن عند التعامل مع أمور الآخرين، فإنه يكون منتبهًا للغاية ومسؤولًا للغاية. إنه يفكر في نفسه: "بما أنه عهد إليَّ بهذا الأمر، فهذا يعني أنه يقدرني كثيرًا، ولا بد لي من تدبر الأمور بشكل صحيح من أجله. علاوة على ذلك، هذا ليس بالأمر الصعب. إنه أسهل من شرب الماء. يجب أن أتأكد من رضاه عما أفعله. لكنني لا أعرف نوع الدواء المناسب له، وهو في عجلة من أمره لشراء الدواء لعلاج مرضه، لذا، سأشتري له القليل من كل من الدواء الصيني والغربي". وبعد أن يشتري الدواء ويحضره، يختار الشخص الآخر الدواء الذي يصادف أنه النوع الذي يحتاجه. كما ترى، إنه يُخلص تمامًا فيما يفعله ويفعله بجدية، لذلك يتم التعامل مع الأمر على أكمل وجه. أما مع شخص غير مسؤول ولا يمتلك صفة الطيبة، فإذا طلبتَ منه المساعدة في شراء دواء، فسيوافق أيضًا، ولكن بعد الذهاب إلى الصيدلية، فإنه يشتري عشوائيًا بعض الأدوية التي تناسب المرض ثم يعود. تسأله عن مقدار الدواء الذي يجب تناوله كل يوم وما إذا كانت هناك أي موانع استعمال، فيقول: "لا أعرف. اقرأ التعليمات بنفسك. على أي حال، لقد ذهبت وأحضرت لك الدواء". في النهاية، لا يمكن للأشخاص المعرضين للحساسية تناول الدواء الغربي الذي اشتراه، وأنتَ بالصدفة تعاني منها. ومن ثم يكون قد تم شراء الدواء هباءً، ولا يزال يتعين عليك القيام برحلة بنفسك لشراء دواء مختلف. إنه لم ينجز الأمر، بل وأصبحت أنت مدينًا له بمعروف الآن أيضًا. هل أنت راضٍ في داخلك؟ (كلا). كيف كان التعامل مع هذا الأمر؟ لم يتم التعامل معه بشكل جيد. لقد عهدت بالأمر إلى الشخص الخطأ، ولم تجد الشخص المناسب. يجب أن تجد شخصًا يمتلك صفات الإنسانية. إذا كان من الصعب العثور على مثل هذا الشخص، فعندما تعهد إلى شخص ما بالمساعدة في شراء الدواء، يجب عليك أن تعطيه بعض التعليمات الإضافية وتشرح له الأمور بوضوح. إذا لم تعطه تعليمات، وكان الشخص الذي عهدت إليه شخصًا لا يمتلك إنسانية، فمن المؤكد أن هذا الأمر لن يتم التعامل معه بشكل جيد؛ فضلًا عن إهدار المال، بل ستصبح مدينًا له بمعروف أيضًا. أما إذا وجدت شخصًا يمتلك إنسانية، فسوف يبذل كل ما بوسعه لإنجاز هذا الأمر من أجلك. ولأن لديه قلبًا مخلصًا ويمكنه تحمل المسؤولية، ويمتلك صفة الطيبة في إنسانيته، فعندما يتعامل مع الأمور نيابة عنك، يمكنه أن يراعي مصلحتك ويفكر في الأمور من أجلك، ويشتري الأشياء التي تحتاجها بسعر معقول. وعلى النقيض من ذلك، فإن الشخص الذي لا يمتلك صفات الإنسانية سيؤدي العمل شكليًا بلا اكتراث ويكون لا مباليًا عند التعامل مع شيء نيابة عنك. سيتحدث بكلام معسول، ولكن عند التعامل مع الأمر، لن يسأل عن السعر على الإطلاق، ولن يقارن بين الأسعار، بل سيشتري لك شيئًا عشوائيًا. إذا لم تقارن بين هذين النوعين من الأشخاص، فيبدو وكأنهما كلاهما قادران على إنجاز الأمور. غير أن الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية يمكنهم أن يجعلوك راضيًا عندما يتعاملون مع شيء نيابة عنك. لديهم مظاهر الإنسانية، ويمكنهم تلبية احتياجاتك والتفكير في الأمور نيابة عنك. لديهم هذا النوع من الإخلاص. هذا يثبت أنهم طيبون، وبشر حقيقيون، وجديرون بثقتك. ومن ناحية أخرى، عندما تعهد إلى شخص لا يمتلك صفات الإنسانية بالتعامل مع شيء ما، فإنه لن يتعامل معه بشكل جيد. وحتى لو تعامل مع الأمور بشكل جيد في بعض الأحيان، فإنه لا يفعل ذلك بإخلاص؛ إنه مجرد حظ. تقول: "كان ذلك الدواء جيدًا. لقد تحسنت بعد فترة وجيزة من تناوله". كان من الأفضل لو لم تقل هذا، ولكن الآن بعد أن أخبرته بذلك، فإن دين امتنانك تجاهه يزداد. من الواضح أنه ذهب لتدبر أمر ما لنفسه، ومع ذلك يقول لك: "أرأيت؟ لقد قمت برحلة خاصة من أجلك فقط". سيطلب منك معروفًا، ولن تتمكن من سداد دين الامتنان الضئيل هذا لبقية حياتك؛ لقد وقعتَ في الأساس في فخ إبليس شرير. أما الشخص الذي يمتلك إنسانية، فلن يطلب منك معروفًا مهما كان تعامله مع بعض الأمور من أجلك جيدًا. وعندما تعبر عن شكرك له، يقول: "لم يكن شيئًا مميزًا. كان في طريقي". كما ترى، إنه يخبرك بالحقيقة فحسب. في الواقع، لقد قام بالفعل بعمل رائع وساعدك كثيرًا. حتى أقرب الناس إليك قد لا يعاملونك بهذه الطريقة، لكن الشخص الذي يمتلك صفات الإنسانية يمكنه أن يفعل ما لا يستطيع حتى أحباؤك فعله. إنه يتعامل مع الأمر بشكل جيد للغاية ولا يسعى إلى أي شيء في المقابل. تشعر دائمًا أنك مدين له بمعروف، لذلك تعطيه بعض الفاكهة أو أي شيء آخر من وقت لآخر، وتضعه دائمًا في اعتبارك عندما يظهر شيء جيد. لكنه لا يعتبر ذلك أمرًا كبيرًا في ذهنه، ويشعر أن مساعدتك في إنجاز شيء ما لم تتطلب منه أي جهد تقريبًا، وكان أمرًا طبيعيًا جدًا أن يفعل ذلك. كما أنه يخبرك أنه إذا كان هناك أي شيء تحتاج إلى المساعدة فيه في المستقبل، فسيظل يساعدك. كما ترى، ألا توجد اختلافات بين الناس؟ (بلى، توجد). دعني أخبرك، الأشخاص الذين يمتلكون إنسانية يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة، وفي أي وقت كان، فإن الأشخاص من هذا النوع هم الأكثر موثوقية. أمثال هؤلاء الأشخاص وحدهم هم الجديرون بالثقة، لأن لديهم حدًا لأفعالهم. والسبب في أن لديهم حدًا لأفعالهم هو أنهم يمتلكون صفات إنسانية مثل الاستقامة والطيبة.
عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين لا يمتلكون صفات الإنسانية، فحتى لو كان شخصًا لم تسئ إليه قط، فما دمت تفعل شيئًا يمس مصالحه، فسوف يبحث عن فرصة للانتقام منك. وعلى النقيض من ذلك، عندما يكون شخصًا يمتلك صفات الإنسانية، فحتى لو كنت قد آذيته من قبل، أو حتى أضررت بمصالحه، فإنه لن يحقد عليك أو ينتقم منك على الإطلاق. وحتى لو كان لديه موقف سيئ إلى حد ما عند التحدث إليك، أو بدت كلماته قاسية بعض الشيء، أو وبخك قليلًا، فهذه مظاهر طبيعية نابعة من الإنسانية؛ هو لن يحاول مطلقًا الانتقام منك بلا نهاية أو كرهك إلى الأبد كما يفعل شخص شرير. على ماذا يعتمد هذا؟ إنه يعتمد على الحد الذي يضعه لسلوكه الذاتي. وتحديدًا لأن لديه ضمير وعقل، ويمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته، فإنه لن يتجاوزوا أبدًا حده في سلوكه الذاتي. إذا أساء إليه أي شخص، فحتى لو أراد الانتقام، فإن ضميره لن يسمح له بذلك على الإطلاق. وإذا شعر بالغضب، فسوف يكتفي بقول بعض الكلمات الغاضبة للتنفيس قليلًا، وسينتهي الأمر عند هذا الحد؛ لن يفعل أي شيء للانتقام على الإطلاق. هذه هي صفة الشخص الذي يمتلك إنسانية. كما ترى، حتى عندما لا يتعرض بعض الناس للإساءة، فإنهم يظلون يرغبون في تعذيب الآخرين، ويريدون التنافس والتشاجر معهم، ويتساءلون دائمًا عن كيفية تدبير المكائد لهم من وراء ظهورهم. هذه أيضًا صفة من صفات الإنسانية؛ إنها الصفة التي يمتلكها الأبالسة الأشرار والشياطين الشريرة في إنسانيتهم. وعلى العكس من ذلك، فإن الشخص الذي يمتلك صفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيته لا يستطيع حمل نفسه على تعذيب الآخرين. وإذا فعل مثل هذه الأشياء، فإن ضميره سيوبخه ويؤدبه. فحتى لو لم يؤدبه الله، ولم يوبخه الروح القدس، ولم يوبخه الإخوة والأخوات، فإن ضميره يكبح جماحه. عندما يكون الشخص مقيدًا بضميره، فإنه لا يبالغ في أفعاله، ويكون لديه حد لما يفعله. وحتى لو أسأت إليه، أو آذيته، أو حتى فعلت شيئًا يتجاوز الحدود، فلن يرغب في إفراغ غضبه عليك. في أسوأ الأحوال، سيتجنبك ويتجاهلك، ولن يرافقك أو يتفاعل معك أو يعمل معك. لكنه لن يؤذيك على الإطلاق أو يحاول الإيقاع بك؛ لن يدبر لك المكائد من وراء ظهرك أو يستخدم أساليب للإيقاع بك؛ لن يفعل مثل هذه الأشياء على الإطلاق. انظروا لتروا مَن مِن الأشخاص حولكم من هذا النوع؛ هؤلاء أشخاص صالحون على أعلى مستوى. يمكنك أن تشعر بالراحة التامة في التفاعل معهم. حتى لو آذيتهم لدرجة أنهم دُمروا تمامًا، ففي أقصى الأحوال، سيكرهونك في داخلهم، ولن يرغبوا في إعارتك أي اهتمام بعد الآن، ولن يكونوا أصدقاء لك أبدًا، لكنهم لن يدبروا لك المكائد، ولن يبحثوا عن فرصة للانتقام منك، فضلًا عن أن يقولوا: "لا يفوت الأوان أبدًا على رجل نبيل ليأخذ بثأره". هذه هي الاستقامة والطيبة الحقيقيتان. إن القدرة على تحقيق هذا ليست شيئًا يمكن تزييفه على الإطلاق؛ هذه صفة حقيقية للإنسانية. الشخص الذي يمتلك صفات الإنسانية وحده هو الذي سيكون لديه المبادئ والحدود الصحيحة لسلوكه الذاتي. وأثناء تفاعلك معه ومصاحبتك له، ستتمكن من رؤية هذه السلوكيات والمظاهر فيه، بالإضافة إلى هذه الكشوفات الطبيعية لإنسانيته.
نظرًا لاختلاف تصنيفات الناس، فإن ردود أفعالهم تجاه الأشياء المختلفة تختلف أيضًا. كما ترى، عندما يستغل أولئك الأشرار، أولئك المتناسخون من أبالسة، الآخرين، فما هو رد فعلهم إذا فضحهم شخص ما؟ سيقولون: "من الذي لا يستغل الآخرين؟ أليست المنافع موجودة لتُغتنم؟ ما الخطأ في اغتنام منفعة بسيطة؟ إذا كانت هناك منفعة يمكن اغتنامها ولم تغتنمها، ألست أحمق وحمارًا؟" هذا هو منطق قاطع طريق. ليس لديهم أي وعي بالضمير في قلوبهم، ولا حس بالخزي، ولا مشاعر خجل. ونظرًا لأنهم بلا ضمير، فليس لديهم معيار لتقييم مسألة استغلال الآخرين. مبدأهم هو أن المنافع موجودة لتُغتنم، وبمجرد أن تغتنمها، تصبح ملكك. وعدم اغتنامها يُعد إهدارًا، ويجعلك أحمق. أليس هذا منطق قاطع طريق؟ وكيف ينظر الأشخاص المتناسخون من حيوانات إلى مسألة استغلال الآخرين؟ إذا قلت لهم: "ما تفعله هو استغلال؛ ليس من الجيد استغلال الآخرين، وليس من الجيد أن تكون مدينًا لهم بشيء"، فبماذا يفكرون؟ "هذه المنفعة تخصني. أنا لست مدينًا لهم بشيء إذا استغللتهم. ما الخطأ في الاستغلال؟ القدرة على الاستغلال هي مهارة؛ إذا لم تكن لديك المهارة، فسوف تخسر". هذا هو منطق الأوغاد. ليس لديهم حد، ولا حس بالخزي، ولا مشاعر خجل، فضلًا عن أي شعور بالضمير. ليس لديهم معيار للحكم على أي شيء. وحتى لو أخبرتهم بالمعيار الصحيح، فإنهم لا يعتبرونه معيارًا، ولا يعرفون أن هذا المعيار صحيح. إنهم لا يمتلكون عقلانية الشخص الطبيعي ولا يمكنهم التمييز بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح. إنهم يقضون الوقت كله في حالة من الضبابية؛ فلا يمكن لأي شيء تقوله أن يمنحهم الوضوح أو يجعلهم يفهمون. إنهم أشخاص مشوشو الذهن فحسب. أما الأشخاص الذين لديهم ضمير وعقل، فيمتلكون صفات الإنسانية. إذا استغلوا شخصًا ما عن غير قصد وأوضحت لهم ذلك، فسوف يرتبكون بداخلهم وتحمر وجوههم: "هل استغللته؟ كيف لم أدرك ذلك؟ يا له من أمر محرج أن يشير شخص آخر إلى الأمر!" سيقولون: "مهما كان حجم استغلالي له، يجب أن أرد له حقه بالكامل؛ بل يمكنني حتى أن أضيف فائدة". لا بد لهم من إيجاد طريقة لإنقاذ الموقف. إنهم لا يرغبون في أن تكون لهم سمعة بأنهم يحبون استغلال الآخرين. وإذا حدث ذلك، لشعروا بالخزي التام. لذا، بمجرد أن يشير شخص ما بالفعل إلى مشكلتهم، فلن يحاولوا تبرير أنفسهم؛ لن يقولوا: "لم أستغله، ولم أرد أن أستغله". لن يستخدموا هذا النوع من منطق الأوغاد للمجادلة وتبرير أنفسهم. ونظرًا لأن لديهم عنصرًا من الاستقامة في داخلهم، فبمجرد أن يطرح شخص ما الأمر، فسيواجهونه بشكل صحيح، وسيفعلون كل ما في وسعهم لتصحيح الأمر وتعويض الطرف الآخر، ولن يفعلوا هذا النوع من الأشياء مرة أخرى أبدًا؛ وإذا فعلوا، فسيصفعون أنفسهم على وجوههم. إنهم يشعرون بأنه من المخزي أن يفضح شخص ما ما فعلوه، وأن ينتقدهم الناس الآن من وراء ظهورهم ويوبخوهم في وجوههم. ليس لديهم مكان يخفون فيه خزيهم، ويتمنون لو استطاعوا أن يجدوا حفرة في الأرض يزحفون إليها، ويفضلون لو أن حياتهم كلها مرت دون حدوث هذا النوع من الأشياء. ونظرًا لأن لديهم ضميرًا، فإنهم يشعرون بالخزي في قلوبهم بعد استغلال الآخرين. إنهم يشعرون بحرج أشد من أن يبرروا أنفسهم، ويشعرون أن ما فعلوه مُخزٍ أكثر مما ينبغي، لذا يعجزون عن الكلام، ولا يكون لديهم ما يقولونه دفاعًا عن أنفسهم؛ إنهم يريدون فقط تعويض الطرف الآخر. أمثال هؤلاء الأشخاص يختلفون عن الأشرار والأبالسة. فمهما كانت الأشياء التي يفعلها الأبالسة مخزية، فإنهم لا يشعرون بأي خزي. عندما يسمع الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية عن مثل هذه الأشياء، تحمر وجوههم على الفور: "الكثير من الناس يعرفون بهذا؛ يا له من أمر مهين!" إنهم يشعرون بالحرج والخزي التام، ويشعرون بالانزعاج وعدم الارتياح الشديد في قلوبهم. كما ترى، في أعماق قلوبهم، يمتلك الأشخاص ذوو التصنيفات المختلفة وجهات نظر ومواقف مختلفة تجاه المسألة نفسها. وبسبب الاختلافات في صفات إنسانيتهم، فإن لدى مختلف أنواع الناس مواقف مختلفة تجاه المسألة نفسها. إذا كان لدى المرء مشاعر الخجل، فهذا يثبت أن لديه أيضًا حس بالخزي، وهو ما يثبت بدوره أنه يمتلك صفات الإنسانية. وعلى العكس من ذلك، إذا لم يكن لدى المرء حس بالخزي، وبعد ارتكاب أعمال شريرة والقيام بأشياء مخزية يحاول المجادلة دفاعًا عن نفسه، أو حتى يرفض الاعتراف بما فعله ويتظاهر بالغباء، فهو شخص بلا صفات إنسانية. الأشخاص الذين لا يمتلكون صفات الإنسانية هم، على أقل تقدير، ليسوا أشخاصًا يتسمون بالاستقامة والطيبة؛ ليس لديهم إنسانية أو عقل، ولا يستحقون أن يُطلق عليهم اسم بشر. عندما يفعل الأشرار والأبالسة أشياء سيئة ويرتكبون أعمالًا شريرة، ويهز أعداؤهم أصابعهم ويكيلون لهم الإهانات، فإنهم يردون الإهانة، ويشعرون بأنهم مبررون تمامًا في القيام بذلك. بل إنهم يفعلون كل ما في وسعهم لتبرير أنفسهم والدفاع عنها، معبرين عن منطق ملتوٍ، وكأنه في الواقع منطق سليم، ويُطلقون ألسنتهم بوقاحة ويتحدثون بلا انقطاع؛ إنهم ببساطة عصيون على العقل وعديمو الحياء تمامًا! أما بالنسبة للأشخاص المتناسخين من حيوانات، فعندما يستغلون الآخرين ويتعرضون للانتقاد بسبب ذلك، فإنهم يشعرون بأنهم مظلومون في داخلهم، ويفعلون أيضًا كل ما في وسعهم للإتيان بأعذار وأسباب. وعند تبرير أنفسهم، يتحدثون أيضًا بلسان معسول ويستمرون في الحديث بلا توقف، ومثل الأشرار، ليس لديهم أيضًا أي مشاعر خجل. ونظرًا لأنهم حيوانات بلا أي وعي بالضمير، ويقضون اليوم كله في حالة من الضبابية وغير قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ في أي مسألة، فليس لديهم أي وعي عندما يتعلق الأمر بهذا النوع من الأشياء؛ فيقدمون بعض الأعذار الواهية لمحاولة التهوين مما فعلوه، ثم يشعرون أن الأمر قد سُوي. إنهم لا يعتقدون أن هذه مشكلة في سلوكهم الذاتي، بل يعتقدون أنهم ما داموا يقدمون ما يكفي من الأعذار والأسباب، فيمكنهم التهرب من المسؤولية ولن يعرف أحد بما فعلوه. سوف يخدعون أنفسهم، مفكرين: "لقد انتهى الأمر بالفعل. لم أفعل هذا النوع من الأشياء قط، ولم أرتكب هذا الخطأ قط. لا تظن أنني شخص سيئ. أنا من ناحيتي لست شخصًا يستغل الآخرين. انظر كم أنا طيب القلب ولطيف، وكم أنا متفهم للآخرين!" كما ترى، هذا شخص مشوش الذهن. وحدهم الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية يكونون حساسين للغاية تجاه قضايا مثل هذه التي تنطوي على الكرامة. وحتى لو لم يعرف أحد ما فعلوه، فإذا أدركوا ذلك هم أنفسهم، فسوف يشعرون بعدم الارتياح والذنب في داخلهم، بل وسيشعرون وكأن الناس يراقبونهم. وإذا اكتشف عدد قليل من الأشخاص الذين يعرفونهم جيدًا ما فعلوه بالفعل، فسوف يشعرون بعدم ارتياح أكبر وسيكونون أشد خزيًا من أن يحاولوا تبرير أنفسهم. سيفعلون كل ما في وسعهم للتعويض عنه بسرعة، ولن يفعلوا هذا النوع من الأشياء مرة أخرى أبدًا، حيث يجدون ذلك محرجًا للغاية! هذه هي المظاهر المختلفة لتصنيفات الناس الثلاثة في المسألة نفسها.
ذكرنا للتو أن الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية عادة ما تكون لديهم مبادئ في كيفية معاملتهم للآخرين. عندما يبلغون عن حالة شخص ما، أو يقدمون معلومات عنها، أو عندما يقيّمون شخصًا ما، يمكنهم رؤيته ومعاملته بناءً على إنسانيتهم المستقيمة والطيبة. وحتى لو لم يفهموا الحق، فإنهم يظلون يمتلكون بعض الحدود الأساسية. على سبيل المثال، سيقيّمون الشخص العادي على النحو الآتي: "إنه لم يفعل أي شيء سيئ. إنه يعيش حياة لائقة. إنه شخص عادي في هذا العالم، ويمكن اعتباره شخصًا طيب السريرة". كما ترى، سيقيّمون الشخص العادي تقييمًا صحيحًا بناءً على ضميرهم. بل ويمكنهم أيضًا أن يعاملوا ويقيّموا بصورة صحيحة أولئك الذين أساؤوا إليهم، أو آذوهم، أو أضروا بمصالحهم في الماضي. وهذا يكشف بقدر أكبر عن صفات الاستقامة والطيبة التي يمتلكها هؤلاء الأشخاص في إنسانيتهم. يعني هذا أنهم يستطيعون تقييم الشخص العادي تقييمًا صحيحًا؛ فإذا كان جيدًا فهو جيد، وإذا لم يكن جيدًا، فهكذا يصفونه أيضًا. وإذا طُلب منهم الكذب، فلا يمكنهم فعل ذلك؛ إنهم يشعرون أن فعل ذلك يتعارض مع إرادتهم. إنهم يقولون الحقيقة كما هي ويسمون الأشياء بمسمياتها. ويمكنهم أيضًا التصرف وفقًا لهذا المبدأ تجاه الأشخاص الذين أساؤوا إليهم. وحتى لو كان هناك شخص لا يحبونه أو يشعرون بالنفور منه، فإذا طُلب منهم الإبلاغ عن هذا الشخص أو تقييمه، فإنهم يفضلون عدم اتخاذ موقف، قائلين: "أخشى ألا يكون تقييمي لهذا الشخص موضوعيًا لأن لدي مظالم شخصية وضغائن ضده، لذلك أمتنع عن ذلك. يمكنكم تقييمه بناءً على تقييم الجميع له". هذا هو ما يستطيع الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية تحقيقه في الأساس. وعلى وجه الخصوص، عندما يظل شخص ذو مكانة قادرًا على معاملة الآخرين بإنصاف، فإن ذلك يكشف عن صفات إنسانيته بشكل أكبر. إن كيفية معاملتهم للناس عندما تكون لديهم مكانة هي ما يمكن حقًا أن يسمح للآخرين أن يروا بوضوح تحديدًا ما إذا كانوا يمتلكون صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم. عندما لا تكون للمرء مكانة، يبدو قادرًا على معاملة الناس بإنصاف، وتكون تقييماته لهم موضوعية نسبيًا. هذا في حد ذاته قد لا يشير إلى أي شيء؛ فعندما تكون لديه مكانة، انظر كيف يعامل أولئك الذين أساؤوا إليه أو آذوه، وكيف يعامل أولئك الذين استبعدوه سابقًا أو حتى قمعوه عن قصد. ونظرًا لأن الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية حقًا يمتلكون الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم، فعندما تكون لديهم مكانة، يمكنهم أن يعاملوا أولئك الذين أساؤوا إليهم، أو آذوهم، أو حتى قمعوهم عن قصد في الماضي بطريقة صحيحة. قد يكون الأمر أنهم عندما لا يفهمون الحق، لا يمكنهم معاملة الناس وفقًا لمبادئ الحق بكل دقة، ولكن لديهم أيضًا حدودهم ومبادئهم الخاصة في كيفية معاملتهم للناس. على سبيل المثال، في الكنيسة، إذا انتخب الإخوة والأخوات الآخرون فردًا معينًا كمرشح أو كقائد، وصادف أن هذا الشخص هو شخص أساء إليهم من قبل، فإنهم لن يتدخلوا في الانتخابات أو يعرقلوها عن قصد على الإطلاق عندما يرون أن الإخوة والأخوات جميعهم يقولون إن هذا الشخص ليس سيئًا وقد تغير. قد لا يحبون هذا الشخص كثيرًا على المستوى الشخصي، ولكن إذا كان بيت الله يستخدم هذا الشخص وينتخبه الإخوة والأخوات، فسوف يتعاملون مع الأمور حسب القواعد ويتصرفون وفقًا للمبادئ، في ظل ظروف لم يدركوا فيها حقيقة هذا الشخص تمامًا. لن يعاملوا هذا الشخص بظلم على الإطلاق لأن لديهم مظالم شخصية معه، ولن يتعمدوا التسلط عليه أو تعذيبه. في بعض الأحيان، بسبب شخصياتهم الفاسدة أو ضعف إنسانيتهم، قد يقومون – في ظل ظروف خاصة – بمضايقته لفظيًا بأشياء لا ينبغي قولها، لأن الجميع لديهم شخصيات فاسدة ولا أحد يخلو من العيوب. غير أنه يمكنهم التمسك بالمبادئ الأساسية؛ أي أنهم لن يلاحقوا الأشخاص الذين لديهم عداوة معهم أو يقمعوهم أو ينتقموا منهم لمجرد أنهم هم أنفسهم يتمتعون بمكانة. وإذا حدث هذا بين حين وآخر، فإن ضميرهم سيؤنبهم بعد ذلك، قائلًا لهم: "لقد كان من الخطأ أن تفعل هذا. الآن وقد أصبحت لديك مكانة، استخدمت السلطة التي تتمتع بها للانتقام من هؤلاء الأشخاص؛ هذا غير لائق!" سوف يتأملون في أنفسهم، وسيوبخهم ضميرهم، وعلاوة على ذلك، فإن عقلهم سيقيدهم عن قمع الآخرين والانتقام منهم، وسينظم سلوكهم، مذكرًا إياهم باستمرار: "هذا غير لائق". وهكذا، سيكونون متزنين في كلامهم، ولن يبالغوا في الأشياء التي يفعلونها. هذه بعض المظاهر الأساسية للأشخاص الذين يمتلكون ضمير الإنسانية الطبيعية وعقلها في كيفية معاملتهم للآخرين. وحتى لو أرادوا مؤقتًا التصرف وفقًا لمزاجهم لاستهداف الأشخاص الذين يحملون ضغائن ضدهم أو الذين آذوهم في الماضي، وحتى لو وجد أشخاص آخرون أنه من المعقول تمامًا بالنسبة إليهم أن ينتقموا الآن، فإنهم يظلون متزنين فيما يفعلونه، ويكون لديهم حد لن يتجاوزوه على الإطلاق. لو أنهم تجاوزوا حدهم وانتقموا بجنون، لَما كانوا أشخاصًا يمتلكون صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم. وتحديدًا لأن لديهم نقاط ضعف الإنسانية ويعيشون ضمن الإنسانية الطبيعية، فإنهم يشعرون أيضًا بالكراهية والغضب تجاه أولئك الذين آذوهم، ويريدون أيضًا الانتقام. غير أن إنسانيتهم تمتلك صفات الاستقامة والطيبة، ولأنهم مقيدون ومنضبطون بضميرهم وعقلهم، فعندما يريدون الانتقام من شخص ما، سيؤنبهم ضميرهم ويتحكم فيهم عقلهم، مفكرين في قرارة أنفسهم: "انسَ الأمر. سيكون ذلك غير لائق. ما فعله من قبل لم يؤذني حقًا، وحتى لو انتقمت منه الآن، فلن يحل ذلك أي مشكلات". سوف يستخدمون وسائل عقلانية لممارسة ضبط النفس وكبح أنفسهم، مع إقناع أنفسهم واستمالتها أيضًا. وفوق ذلك، إذا فهموا أيضًا بعض الحقائق، فإن سلوكهم في هذا الصدد سيصبح أفضل ويتوافق أكثر مع مبادئ الحق. باختصار، عندما يتعلق الأمر بكيفية معاملتهم للآخرين، فإنهم سيكشفون عن صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم من وقت لآخر، وغالبًا ما سيكشفون عن بعض الأفكار والسلوكيات التي تسترشد بصفات الإنسانية. ما تسمعهم يقولونه غالبًا هو: "انسَ الأمر. إذا انحدرت إلى مستواه، ألن أكون مثله تمامًا؟ وإضافة إلى ذلك، ما حدث قد مضى. نحن جميعًا ناضجون؛ فهل ثمة جدوى من الرد بالمثل بهذا الشكل؟" ستكون لديهم بعض الأفكار ووجهات النظر النابعة من صفات الإنسانية لتقييدهم. وبالطبع، فإن أفكارهم ووجهات نظرهم الناشئة تحت إرشاد ضميرهم وعقلهم تنظم، وتقيد، وتتحكم، وتكبح كلماتهم وأفعالهم باستمرار. وبعد ذلك، فإن تلك الأفكار المتعلقة بالانتقام من الآخرين والتي تتجاوز حدود العقل ستتلاشى شيئًا فشيئًا في قلوبهم. وفي ظل التصحيح المستمر للضمير والعقل، بالاقتران مع السعي إلى الحق وزيادة النضج مع تقدم العمر، فإن أفكار وأفعال أولئك الذين يمتلكون صفات مثل الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم سوف تميل – مع سعي هؤلاء الأشخاص إلى الحق – نحو الإيجابية بشكل متزايد، وتتوافق مع مبادئ الحق بشكل متزايد، وتصبح منضبطة بشكل متزايد. يعني هذا أنه من خلال هذه العملية، سيتخلى الناس تدريجيًا عن الكراهية، ويتخلون عن المظالم، ويتخلون عن المشكلات الشخصية المختلفة التي ينتجها تفكيرهم ضيق الأفق. إذا كان المرء محكومًا بالضمير والعقل فحسب ومقيدًا بهما، فلا يمكنه سوى التخلي ببساطة عن الكراهية والمظالم، والقول ببساطة: "انسَ الأمر، لقد أصبح من الماضي". ولكن إذا كان المرء يستطيع أن يسعى إلى الحق ويفهم الحق، فلن يكتفي بمجرد التخلي وترك الأمور تمر وتنتهي؛ وإنما سيكون قادرًا على تطبيق مبادئ الحق، وبدافع من الضمير والعقل، سيعيش بصورة أكثر صوابًا، ويعالج هذه القضايا ويعامل أولئك الذين كانت لديه مظالم مختلفة معهم بالطريقة التي يعلّمها الله. لذا، لا يمكن للمرء أن يدخل تدريجيًا في واقع الحق وأن يصل إلى الممارسة وفقًا لمبادئ الحق إلا إذا كان لديه مبادئ أساسية لمعاملة الآخرين، وعلى هذا الأساس يفهم الحق أيضًا.
إن المبادئ التي يعامل بها الأشخاص الذين لديهم ضمير وعقل الآخرين مقيدة بصفتي الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم. لذا فإن الأشخاص الذين لا يمتلكون صفتي الاستقامة والطيبة هذه في إنسانيتهم ليس لديهم مبادئ في كيفية معاملتهم للآخرين. كما ترى، عندما لا تكون لبعض الناس مكانة، فإذا آذاهم أي شخص أو احتقرهم وكان الانتقام خارج نطاق قدرتهم، فإنهم يبدون وديعين للغاية، وكأن الطريقة التي يسلكون بها نبيلة جدًا، وقد تشعر أنهم صالحون جدًا، ولن تراهم أبدًا ينتقمون من أي شخص أساء إليهم، ولكن هذا لا يمكن أن يحدد السمات التي تمتلكها إنسانيتهم في الواقع. ينبغي لك أن تنظر إلى كيفية معاملتهم للناس – ما إذا كان يمكنهم معاملة الناس بإنصاف، وما إذا كان يمكنهم معاملة أولئك الذين أساؤوا إليهم في الماضي بناءً على الضمير والعقل، وما إذا كان يمكن أن تكون لديهم مبادئ في معاملة الناس – عندما تكون لديهم مكانة، وسيطرة على الخطاب، وسلطة اتخاذ القرار. هذا يخبرك بما هو تصنيف شخص ما في الواقع. يتظاهر الأشخاص الذين ليس لديهم صفات الإنسانية بأنهم حسنو السلوك للغاية عندما لا تكون لديهم مكانة. عندما يكون الانتقام من الآخرين خارج نطاق قدرتهم، فإنهم لا يجرؤون على السعي إليه، لكنهم في قلوبهم يتذكرون كل إساءة صغيرة. عقولهم مليئة بالكراهية، ومليئة بالانتقام، ومليئة بطرق لتعذيب الناس وتدبير المكائد ضدهم. سوف يتريثون ويتحينون الفرص للانتقام، منتظرين رؤية أولئك الذين أساؤوا إليهم في الماضي يلاقون سقوطهم. وبمجرد أن تصبح لديهم مكانة، وعندما يرسخون هذه المكانة، فإن موقفهم تجاه أولئك الذين أساؤوا إليهم في الماضي أو الذين هم على خلاف معهم يختلف تمامًا عن الموقف الذي سيتخذه الأشخاص الذين لديهم ضمير وعقل. ببساطة، لا بد لهم أن ينتقموا، وسيُجهدون عقولهم بحثًا عن طرق للقيام بذلك. لن يتخلوا عن كراهيتهم على الإطلاق، ولن يتخلوا عن أي مظالم. لن يكونوا مثل الأشخاص الذين يمتلكون صفات الإنسانية على الإطلاق، والذين قد يقولون: "انسَ الأمر. لقد مرت سنوات عديدة. أنا أتدبر أموري على ما يرام، وما فعله لم يؤذني حقًا. وعلاوة على ذلك، ماذا سيحقق الانتقام؟" لن يقولوا "انسَ الأمر" على الإطلاق؛ بل سيحتفظون بالضغينة في قلوبهم. وعندما تصير لديهم مكانة، يقولون: "هل ظننت أنني نسيت كراهيتي؟ لقد أسأت إليَّ، وآذيتني، وقمعتني من قبل؛ هل ظننت أن ذلك أصبح مجرد شيء من الماضي الآن؟ هذا مستحيل! لدي مكانة الآن، والأمور تختلف عما كانت عليه من قبل، فكيف لا أنتقم منك؟ سأستخدم السلطة التي أتمتع بها لأريك ما أنا قادر عليه، ولأعلمك أنني لست شخصًا عاديًا!" عالمهم الداخلي مليء بالكراهية، وعقولهم مليئة بطرق للانتقام وطرق لتحويل الهزيمة إلى نصر، محاولين فعل ذلك بحيث لا ينسى أحد مدى بأسهم، وبحيث لا يعود الناس يتسلطون عليهم كما كان الأمر من قبل، بل يخشونهم. كما ترى، أليس هذا النوع من الأشخاص مختلفًا عن شخص يمتلك صفات الإنسانية؟ (بلى). ما الذي يفكر فيه باستمرار في رأسه؟ "سأريك مدى بأسي. سأريك أنني لست شخصًا يُستهان به. سأجعلك تشعر بالخوف كلما رأيتني، وسأجعلك لا تجرؤ أبدًا على التسلط عليَّ مرة أخرى!" أخبرني، هل تعتقد أنه يمكنه التصرف بناءً على هذه الأفكار؟ (نعم). يمكنه ذلك بالتأكيد. قلبه مليء بالكراهية، وما هو أكثر من ذلك، تصنيفه هو تصنيف إبليس، وليس لديه معيار يقيس به ما إذا كان التفكير بهذه الطريقة صحيحًا أم خاطئًا. عندما يفكر بهذه الطريقة، لا يكون لديه ضمير وعقل لتقييده، لا شيء يمكنه تقييده أو ضبطه. وبينما تتضخم هذه الأشياء الخبيثة والشرسة وتفيض بداخله باستمرار، فإنه يدبر المكائد أيضًا باستمرار ويبحث عن فرص للقيام بالأشياء التي يريد القيام بها. الآن لديه مكانة؛ لقد حانت فرصته أخيرًا. أخبرني، هل تعتقد أنه سيلين؟ لن يلين على الإطلاق. سوف يغتنم هذه الفرصة ويستخدم السلطة التي يتمتع بها الآن لتحويل كل أفكاره إلى واقع، جاعلًا أولئك الذين آذوه في الماضي وأعداءه يخشونه، ومظهرًا لهم جميعًا مدى كفاءته وقدرته، وجاعلًا هؤلاء الأشخاص جميعًا يعجبون به في قلوبهم، بحيث تكون له مكانة في قلوبهم. الشيء التالي الذي سيفعله هو إحراج هؤلاء الأشخاص، واستخدام الكلمات والأفعال لقمعهم وملاحقتهم. سينظر إلى من أساء إليه في الماضي ويفكر: "يجب أن أرسله بعيدًا ليبشر بالإنجيل في أكثر الأماكن مشقة وخطورة. إذا لم يرغب في الذهاب، فسوف أهذبه. وإذا ظل لا يريد الذهاب بعدها، فسوف أشوه سمعته وأطرده! وأي شخص يدافع عنه سيلقى المصير نفسه!" لقد أساء إليه بعض الناس في الماضي، وقد اختير هؤلاء الآن كقادة، لكنهم لا يزالون مرؤوسين له. إنه يفكر: "ما العظة التي يمكنني أن أعظ بها لأقضي على هيبته تمامًا؟ إذا تصرف بشكل جيد واستمع إليَّ في جميع الأمور، فسوف أبدأ معه صفحة جديدة. ولكن إذا لم يكن مطيعًا، وكان يجدني منفرًا، ولم يكن راضيًا عني، بل ويريد الإبلاغ عن مشكلاتي، فسيتعين عليَّ أن ألقنه درسًا! سأفعل كل ما في وسعي لجعل الإخوة والأخوات يعزلونه ويعفونه، وأفعل ذلك بطريقة تجعله لا يستطيع أبدًا تغيير مجرى الأمور! سأرسله بعيدًا إلى مزرعة ليزرع الأرض أو يربي الخنازير. وإذا ظل لا يستمع، فسأجد له أخطر مكان يذهب إليه ويقوم بواجبه فيه، حيث يمكن للشرطة اعتقاله في أي وقت!" مجرد التفكير في مثل هذه الأفكار هو أمر خطير للغاية بالفعل؛ إنه يتجاوز الحدود بالفعل. إن قدرته على التفكير بهذه الطريقة تثبت بالفعل أنه ليس لديه أي ضمير أو عقل حقًا. وإذا كان يمكنه فعل هذه الأشياء حقًا، فعلاوة على عدم امتلاكه ضميرًا وعقلًا، فإن لديه أيضًا عنصرًا من الطبيعة الشيطانية بداخله. لا يقتصر الأمر على أن قلبه خالٍ من الإنسانية، بل يحتوي أيضًا على طبيعة شيطانية. أليس إبليسًا؟ عندما لا تكون لهذا النوع من الأشخاص مكانة، فإنه يكون بارعًا جدًا في إخفاء حقيقته وتحمل الأشياء. لقد أتقن "النوم على الحطب ولعق المرارة". لقد تعلم من عبارات مثل: "لا يفوت الأوان أبدًا على رجل نبيل ليأخذ بثأره"، و"لا تزال لديك فرصة ما دمت على قيد الحياة"، وكذلك "قلب رئيس الوزراء كبيرُ بما يكفي لأن يبحر فيه قارب". لقد أخفى حقيقته حتى الآن، وأخيرًا، ظهر على حقيقته. أي نوع من الأوغاد هو؟ إنه ليس بشرًا، إنه إبليس. امضِ وانظر أي الأشخاص يكونون حسني السلوك عندما لا تكون لديهم مكانة، لكنهم يبدون على الفور وكأنهم أشخاص مختلفون بمجرد نيلهم لها. إنهم يستفسرون بسرعة عن مكان وجود أي شخص أساء إليهم وعن أوضاعه، وعن الواجبات التي يقوم بها حاليًا. ثم يبحثون عن فرص لإثارة المتاعب مع هؤلاء الأشخاص وتضخيم مشكلاتهم، ويلاحقون هؤلاء الأشخاص إلى الحد الذي يصبحون فيه منصاعين ويستسلمون لهم، وعند هذه النقطة، يعتقدون أن عمل الكنيسة قد أُنجز بشكل جيد. أمثال هؤلاء الأشخاص هم أبالسة أشرار ويجب إعفاؤهم بسرعة. إذا لم يُعفوا، فسوف تعاني أنت مع الآخرين؛ فعاجلًا أو آجلًا، سيلاحقونك أنت أيضًا.
أي نوع من الأشخاص ينبغي انتخابه قائدًا في الكنيسة؟ من ناحية، ينبغي أن يكون لديه عبء للقيام بواجبه وأن يمتلك مستوى قدرات كافيًا. ومن ناحية أخرى، ينبغي أن تتسم إنسانيته بالاستقامة والطيبة، وينبغي أن يكون قادرًا على معاملة الناس بإنصاف. عندما لم تكن لديه مكانة، كان هناك في الواقع بعض الإخوة والأخوات الذين أساؤوا إليه أو كانوا على خلاف معه، ولكن بعد أن أصبح قائدًا، يمكنه معاملة هؤلاء الأشخاص بشكل صحيح، فيرقيهم عندما ينبغي ترقيتهم، ويستخدمهم عندما ينبغي استخدامهم. يقول له بعض الناس: "لقد تحدث هذا الشخص بالسوء عنك من قبل"، لكن يمكنه التغاضي عن ذلك. إنه يعطي الأولوية لعمل بيت الله، قائلًا: "بيت الله بحاجة إلى أشخاص في الوقت الحالي. إذا كان مناسبًا للقيام بهذا الواجب، فينبغي لنا استخدامه". ومهما حاول أي شخص زرع الشقاق، فإنه لا يتأثر بذلك. وحتى لو كان هذا هو الشخص الذي عامله بأسوأ طريقة، فإذا كان هذا الشخص يتوافق مع مبادئ بيت الله في استخدام الأشخاص، فإن القائد سيستخدمه حسبما تقتضي الضرورة. وبغض النظر عما إذا كان مثل هذا الشخص يراعي مقاصد الله، أو ما مستوى قدراته، أو ما إذا كان بإمكانه القيام بالعمل بشكل جيد، فمن حيث تصنيفات الناس فحسب، فهو إنسان حقيقي بكل تأكيد. يمكنه معاملة الناس بإنصاف، ولا سيما أولئك الذين كانوا على خلاف معه، أو أولئك الذين قمعوه، أو آذوه، أو حتى أهانوه، أو تسلطوا عليه في الماضي؛ يمكنه معاملتهم جميعًا بشكل صحيح وبإنصاف. هذا يكفي بالنسبة لنا لنقول إن هذا الشخص يتسم بالاستقامة والطيبة بما يكفي؛ إنه يتوافق مع المبادئ ويستوفي الشروط لكي يجعله الله كاملًا. يقول بعض الناس: "إذًا، هل هذا الشخص هو شخص يسعى إلى الحق؟ إذا لم يسع إلى الحق، ألن يكون غير قادر على معاملة الناس بهذه الطريقة؟" هل هذا صحيح؟ أخبرني، حتى لو لم يسعَ شخص ما إلى الحق، فما دام يمتلك بطبيعته صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيته، فهل سيكون قادرًا على امتلاك مبدأ أساسي في كيفية معاملته للناس؟ (نعم). عندما تكون لديه مكانة، هل سيكون قادرًا على التخلي عن المظالم الشخصية، وعدم محاسبة الناس على أخطاء الماضي، وعدم معاملة الناس بناءً على مظالمه الشخصية؟ سيكون قادرًا على تحقيق ذلك. فإذا لم تستطع أنت تحقيق حتى هذا، فكيف يمكنك حتى أن تأمل في ممارسة الحق والخضوع لكلمات الله؟ إذا كان حتى هذا يفوق قدرتك، فأنت لست شخصًا يتسم بالاستقامة والطيبة؛ ويمكن القول أيضًا إنك لست شخصًا يمتلك صفات الإنسانية؛ أنت لست إنسانًا. وإذا لم تكن أنت إنسانًا ولم يكن لديك ضمير أو عقل، فبأي حق تحاول أن تسعى إلى الحق؟ إذا لم تلب الشروط الأساسية للخضوع لكلمات الله والسعي إلى الحق، فلا يمكنك ربح الحق ولا تستحق أن تُدعى إنسانًا. إذا لم تستطع معاملة الناس بإنصاف، فهل يمكنك أن تحب الحق؟ هل يمكنك ممارسة كلام الله؟ إذا لم تستطع حتى التخلي عن المظالم الشخصية البسيطة، وكان بإمكانك الانتقام من أي شخص يضر بك أو أساء إليك من قبل، ولم تكن لديك حتى أي معايير للضمير والعقل، فهل ستكون قادرًا على ممارسة كلام الله؟ هذا مستحيل! لذا، عند انتخاب قائد، ينبغي لك أولًا أن تنظر إلى كيفية معاملة الشخص للآخرين؛ فهذا أحد المعايير لقياس ما إذا كان شخص ما يمتلك صفات الإنسانية. أي أنه بغض النظر عمن أساء إليه في الماضي، فإنه لا يحمل ضغائن، ولم ينتقم قط من أي شخص، ويظل كما هو حتى بعد اكتساب المكانة. قد يتصرف بتعالٍ، أو تكون لديه قدر من الرغبة في المكانة، أو يتمتع بمنافع المكانة، لكنه يستخدم أولئك الذين أساؤوا إليه في الماضي بحسب الحاجة، ويتفاعل معهم كما ينبغي؛ ربما يتذكر تلك الضغائن في قلبه، لكنه لا يفعل أي شيء انتقامي. هذا شيء لا يمكن لأي شخص ليس لديه صفات الإنسانية أن يحققه؛ لا يمكن للبهائم أن تحققه، والأبالسة أقل قدرة على ذلك. الأشخاص الذين يمتلكون الضمير وحدهم هم من يمكنهم تحقيقه. عندما يفعل الأشخاص الذين لديهم ضمير أي شيء، فإن ضميرهم يحفزهم وينظم سلوكهم من الداخل، وعقلهم يكبح اندفاعاتهم وتهورهم؛ بل وأكثر من ذلك، فإنه يكبح أفكارهم وسلوكياتهم غير العقلانية ويضبطها. وحتى لو كانت لديهم مكانة، فلن يفعلوا أشياء للانتقام من الآخرين. هذه علامة واضحة على أن شخصًا ما يمتلك صفات الإنسانية. انظروا إلى الأشخاص من حولكم؛ كل من هو كذلك هو إنسان حقيقي. قد يكون مستوى قدراته متوسطًا، ولا يكون على قدر كبير من التعليم، ولا يزال شابًا يافعًا؛ وقد يبدو أيضًا أنه ليس متحمسًا جدًا ظاهريًا، ولا يبدو أنه يسعى كثيرًا، وقد لا يسعى إلى الحق في المستقبل، ولكن مثل هذا الشخص هو، على أقل تقدير، شخص جدير بثقتك، أليس كذلك؟ (بلى).
الآن بعد أن انتهينا من عقد شركة عن مظاهر الأشخاص المستقيمين والطيبين من حيث كيفية معاملتهم للآخرين، لنتحدث عن المظاهر والسمات المحددة التي يتمتع بها هذا النوع من الأشخاص عندما يفعل شيئًا خاطئًا ويرتكب تعديات. بصفتهم بشرًا فاسدين، إذا كانوا يمتلكون صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيتهم، فعندما يفعلون شيئًا خاطئًا، وبغض النظر عما إذا كانوا يدركون ذلك أم لا، فإنهم سيتأملون في كلماتهم وأفعالهم ويفحصونها. إذا تسببوا في أذى لشخص ما، أو إذا قدم شخص ما تعليقات سلبية عنهم أو تقييمًا سلبيًا لهم، فإنهم سيفحصون أنفسهم: "أي من كلماتي كانت خاطئة؟ ماذا فعلت بشكل خاطئ؟ هل كانت لديَّ أي مقاصد عندما كنت أتحدث حينها؟ هل كنت أستهدف ذلك الشخص؟ هل هو خطأي حقًا أنني جلبت له عواقب سيئة؟ هل هو مفرط في الحساسية، أم أنني لم أكن حذرًا بما يكفي في تفكيري وكان اختياري للكلمات غير لائق في ذلك الوقت؟" إنهم غالبًا ما يفحصون أنفسهم، ويكون لديهم موقف السلوك بتواضع. ينبع هذا الموقف من استقامتهم وطيبتهم، وبالطبع، ينبع أيضًا من عقلانيتهم. هذا أحد الجوانب. علاوة على ذلك، إذا اكتشفوا من خلال التأمل الذاتي أن لديهم بعض المشكلات، أو إذا أشار الآخرون إلى مشكلاتهم، فسوف يشعرون بالضيق وتخفق قلوبهم فجأة: "هل كنت مخطئًا في الطريقة التي تعاملت بها مع هذا الأمر؟ ألم يكن ينبغي لي أن أفعل ذلك بهذه الطريقة؟ لم أفعل ذلك عن قصد في ذلك الوقت، ولم تكن لديَّ أي مقاصد". بصفتهم بشرًا فاسدين، في ظل بعض الظروف الخاصة أو فيما يتعلق ببعض المسائل الخاصة، قد يقولون: "لم أفعل ذلك عن قصد أو بأي مقاصد"، من أجل إنقاذ كبريائهم، لكنهم سيشعرون بالذنب في داخلهم. أثناء عملية فحص أنفسهم والتأمل فيها باستمرار، إذا اكتشفوا أن ما فعلوه كان خاطئًا حقًا، فسوف يشعرون مرة أخرى بعدم الارتياح، شاعرين أنه ما كان ينبغي لهم أن يفعلوه بهذه الطريقة؛ سوف يشعرون بالندم والضيق، وسيحاولون إيجاد طرق للتعويض عما فعلوه أو فرص لتصحيحه، بل ويبادرون بالاعتذار والاعتراف بخطئهم. عند اكتشاف أنهم فعلوا شيئًا خاطئًا، سيشعر الأشخاص الذين لديهم صفات الإنسانية أولًا بوخزة من الضيق في قلوبهم، وستحمر وجوههم، وستنبض رؤوسهم بالألم؛ هذه ردود فعل طبيعية نابعة من الضمير. إلام تستند ردود الفعل الطبيعية هذه؟ إنها تستند إلى امتلاك الشخص لصفات الاستقامة، والطيبة، والعقلانية في إنسانيته. إنه لا يمتلك هذه المظاهر لأنه يريد إنقاذ كبريائه، ولا لأنه أحرج نفسه أو نظر إليه الآخرون بازدراء، بل لأنه يشعر بالذنب ويوبخ نفسه على فعل شيء خاطئ، شاعرًا أنه ما كان ينبغي له أن يفعله بتلك الطريقة. هذا موقف اعتراف بأخطائه، وهو أيضًا رد فعل ناشئ عن إدانة ضميره ووظيفة عقلانيته. سيكون لديه رد فعل؛ لن يكون متبلد الحس تمامًا على الإطلاق، ولن يحاول المجادلة وتبرير نفسه بوقاحة، ولن يحاول إيجاد طرق للتهرب من المسؤولية، بل سيكون لديه موقف المبادرة إلى الاعتراف والقبول، والاستعداد لتحمل المسؤولية. ولأن هذا النوع من الأشخاص يمتلك صفات الاستقامة والطيبة في إنسانيته، فإن مشاعر الخجل لديه تكون واضحة للغاية. إذا فعل شيئًا خاطئًا بعض الشيء، ففي اللحظة التي يشير فيها شخص ما إلى ذلك، لن يتمكن من إخفاء خزيه. وإذا جادل أكثر قليلًا، فسيشعر أنه: "من الواضح أنه خطأي، وقد أوضح ذلك بوضوح بالفعل، فما الذي لا أزال أجادل لأجله؟" سيعترف بخطئه مباشرة، شاعرًا بالخزي التام ومتمنيًا لو تنشق الأرض وتبتلعه. هل هذه هي تأثيرات الضمير والعقل؟ (نعم). إذا عرف الكثير من الناس ما فعله، فسيشعر بخزي أشد من أن يُظهر وجهه، وسيحاول إيجاد طرق للتعويض عن ذلك وتصحيح ما فعله. أي أنه بعد أن يفعل شخص لديه ضمير وعقل شيئًا خاطئًا، يكون لديه موقف أساسي يتمثل في الاعتراف بخطئه؛ ويكون قادرًا على قبول هذه الحقيقة ويمتلك مشاعر الخجل. علاوة على ذلك، لا يقتصر الأمر على مجرد اعترافه بخطئه والاكتفاء بذلك؛ بل سيحاول أيضًا إيجاد طرق للتعويض عنه. ولأن لديه ضميرًا، فإنه يضع قلبه فيما يفعله؛ فعندما يواجه موقفًا ما، فإنه يأخذه على محمل الجد ويتعامل مع الموقف بجدية ومسؤولية، ويُعمل عقله في التأمل في المشكلة المطروحة، ويتعامل معها بجدية، بدلًا من أن يكون لا مباليًا، أو يؤدي العمل شكليًا بلا اهتمام، فضلًا عن التهرب من المسؤولية. يمكنه تحمل المسؤولية، وقبول خطئه بجدية وبكل قلبه، ثم التحدث والتصرف بمسؤولية، سعيًا لتقليل الخسارة إلى الحد الأدنى. إنه ليس مثل الأشخاص أمثال الأبالسة على الإطلاق، الذين يستشيطون غضبًا في اللحظة التي ينتقدهم فيها شخص ما لارتكابهم شيئًا خاطئًا، والذين يفكرون في كل طريقة ممكنة للتهرب من المسؤولية والتنصل منها، والذين يحاولون بكل الوسائل إلقاء اللوم على الآخرين، والذين يتظاهرون بأنهم قديسون لا يفعلون شيئًا خاطئًا أبدًا. أما بالنسبة إلى أولئك المتناسخين من حيوانات، فهم أكثر من ذلك لا يعرفون ما هو صحيح وما هو غير صحيح في أي شيء يفعلونه. إذا أشرت إلى أنهم فعلوا شيئًا خاطئًا، فإنهم يعترفون بذلك، ولكن إذا سألتهم أين أخطأوا، يقولون: "لا أعرف، ولكن بما أنك تقول إنني مخطئ، فأنا مخطئ إذن". ومع ذلك، عندما يواجهون هذا النوع من الأمور مرة أخرى، فإنهم سيظلون يفعلونه بالطريقة نفسها. وأيًا كان عدد الأشياء الخاطئة أو الشريرة التي يفعلونها، أو عدد الشخصيات الفاسدة التي يكشفون عنها، فإنهم في النهاية يعودون دائمًا إلى تلك العبارات القليلة نفسها: "ما الخطأ الذي ارتكبته؟ هل كان من الخطأ أن أعاني وأدفع ثمنًا لسنوات عديدة؟ لو لم أؤمن بالله ولم يكن لدي ضمير وعقل، فهل كان بوسعي أن أعاني إلى هذا الحد؟" أولئك المتناسخون من حيوانات بسطاء العقول، وينتهي بهم الأمر دائمًا إلى تلك العبارات القليلة نفسها. لكن الأشخاص من أمثال الأبالسة أكثر مكرًا بكثير من أولئك المتناسخين من حيوانات؛ فهم سيستخدمون وسائل وأساليب مختلفة لارتكاب الشر وتضليل الناس، وبعض الناس ذوي القامة الصغيرة والذين ليس لديهم تمييز يمكن أن يُخدعوا حقًا. باختصار، لن يعترف الأبالسة بذلك على الإطلاق عندما يفعلون شيئًا خاطئًا. ولا يقتصر الأمر على أنهم لا يعترفون بأنهم أشخاص ذوو شخصيات فاسدة، بل يريدون أيضًا أن يعتقد الناس أنهم مقدسون ولا يُمسّون، وأشخاص بلا عيب لا يخطئون أبدًا. وأيًا كان الخطأ الذي يرتكبونه، فإنهم يعلنون دائمًا الأسباب التي دفعتهم لارتكابه، ويحاولون دائمًا تبرير أنفسهم. وفي النهاية، يعلنون أنهم لا يمكن أن يرتكبوا الأخطاء، وأنه حتى لو فعلوا شيئًا خاطئًا فلديهم سبب لذلك، وأنهم ليسوا أشخاصًا ذوي شخصيات فاسدة، وأنهم لن يفعلوا أي شيء خاطئ أبدًا، وأنهم ببساطة قديسون وأشخاص لا عيب فيهم. غير أن الأشخاص الذين يمتلكون صفتي الضمير والعقل في إنسانيتهم مختلفون. فنظرًا لأنهم أشخاص مستقيمون ليسوا معوجين أو مخادعين، فإذا قلت إنهم فعلوا شيئًا خاطئًا، حتى لو لم يفعلوه أو لم يكن له علاقة بهم، فإنهم مستعدون لقبوله أولًا. وعندما يقول لهم الآخرون: "هل أنت غبي؟ إذا قبلت ذلك، فسيتعين عليك تحمل المسؤولية"، يقولون: "كان لي أيضًا دور فيما حدث؛ لقد كنت متورطًا أيضًا". إنهم قادرون على قبوله؛ وموقفهم صادق ومستقيم. في بعض الأحيان سيرغبون أيضًا في التهرب من المسؤولية، لكنهم بعد ذلك يفكرون: "لماذا أتهرب من المسؤولية عن شيء يمكن لأي شخص لديه عينان أن يرى أنه حدث؟ علاوة على ذلك، الله يمحّص أعمق ما في قلوب الناس. إذا كنت متورطًا فيما حدث، فلن يعفيك الله. أمام الله، ينكشف جميع الناس، وتكون جميع أفعالهم وأعمالهم في العلن. هل يمكنك الهروب من أمام الله؟ لذا، ينبغي التعامل مع هذا الأمر وفقًا للقواعد؛ ويجب أن يتحمل المسؤولية صاحبها. إذا كنت مخطئًا في هذا الأمر، فسأتحمل المسؤولية. أنا مستعد لقبول العقوبة، ومستعد أيضًا لقبول التهذيب. سأقبل أي طريقة يتعامل بها بيت الله معي؛ فعلى أي حال، أنا من اخترت أن أخطئ". كما ترى، عندما يفعلون شيئًا خاطئًا ويواجهون التهذيب، فمن ناحية، يكون لديهم موقف قبول؛ ومن ناحية أخرى، يكونون قادرين على استيعابه بشكل صحيح. ومن ناحية ثالثة، ولأن هذا النوع من الأشخاص يُعمل عقله في التفكير في الموقف والتأمل في نفسه بعد فعل شيء خاطئ، فعندما يواجه النوع نفسه من الأمور مرة أخرى، سيفكر في كيفية تجنب ارتكاب الأخطاء. ونظرًا لأنه يمتلك مشاعر الخجل، ويهتم بكبريائه، فإنه قادر على التوبة عندما يفعل شيئًا خاطئًا.
كثيرًا ما يقول غير المؤمنين: "يمكنهم العيش في حاوية قمامة دون أن يظنوا أن رائحتها نتنة". بالنسبة إلى الأشخاص الذين ليس لديهم ضمير وعقل، فحتى لو فعلوا الشيء الخاطئ نفسه مائة مرة، فليس لديهم مشاعر الخجل ولا حس بالذنب. إنهم ليسوا بشرًا! إذا كان المرء إنسانًا، فبعد فعل الشيء الخاطئ نفسه مرة أو مرتين، سيشعر: "لقد فعلته حقًا الآن. متى سأتغير؟" سيصبحون قلقين ومهمومين، وسيأتون أمام الله ليصلوا ويعترفوا بخطاياهم. بل وسيتساءلون عما إذا كان لا رجاء في إصلاحهم؛ سيكون لديهم هذا الفهم الخاطئ. ونظرًا لأنهم يهتمون بكبريائهم ولديهم مشاعر الخجل، فإنهم يشعرون: "لقد ارتكبت هذا النوع من الأخطاء عدة مرات الآن؛ هل سيتعامل معي بيت الله؟ هل تخلى الله عني؟ أشعر بالخزي الشديد لدرجة أن الله لن يخلصني!" وبغض النظر عن أفهامه الخاطئة عن الله، باختصار، بعد فعل شيء خاطئ، فإن هذا النوع من الأشخاص سيستخلص بالتأكيد بعض الخبرة ويكتسب الدروس، وسيحاول إيجاد كل طريقة ممكنة للتعويض عن أخطائه وتصحيحها، ساعيًا بجهد لعدم ارتكابها مرة أخرى. سيفكر في نفسه: "أنا لا أطلب إرضاء الآخرين، ولكن على أقل تقدير يجب أن أكون في سلام مع نفسي. فقط عندما أكون في سلام مع نفسي يمكنني أن أجيب الله في حضرته. إذا لم أكن حتى في سلام مع نفسي، فكيف يمكن أن تكون لدي الجرأة لمواجهة الله؟" إذا كانت لدى المرء مثل هذه الأفكار، فهي مدفوعة حتمًا بصفتي الضمير والعقل في إنسانيته. إذا لم تكن لديك مثل هذه الأفكار، فسوف ترتكب الأخطاء نفسها مرارًا وتكرارًا، والأكثر من ذلك أنك لن ترغب في الاستماع إلى ما يقوله أي شخص أو قبوله؛ بل ربما لن يكون لديك أبدًا موقف التوبة، ولن ترغب أبدًا في الاعتراف بالحقائق أو الاعتراف بأخطائك، فضلًا عن تحمل المسؤولية. وهناك أيضًا أولئك الذين يكرهون كل من يشير إلى أخطائهم؛ فيجادلونهم، ويُصعبون الأمور عليهم، بل ويهاجمونهم وينتقمون منهم. أمثال هؤلاء الأشخاص لا رجاء في إصلاحهم؛ هؤلاء أشخاص ليس لديهم صفات الإنسانية. غير أن الأشخاص الذين لديهم صفات الإنسانية لن يتصرفوا بهذه الطريقة على الإطلاق. فبعد ارتكاب الخطأ نفسه مرة أو مرتين، سيفكرون: "لماذا لا أزال قادرًا على ارتكاب هذا الخطأ؟" إنهم قادرون على طلب الحق لمعالجة هذا الأمر. هل تقول إن هذا موقف تحول؟ (نعم). قدرة المرء على التأمل في ذاته عند فعل شيء خاطئ ورغبته في تصحيح أخطائه؛ هذا هو موقف التحول. إذن ما نوع الأشخاص الذين يمتلكون موقف التحول؟ أليس هذا موقفًا لا يمكن أن ينشأ إلا لدى الأشخاص الذين تمتلك إنسانيتهم صفتي الضمير والعقل؟ (بلى). إذا كان الناس لا يمتلكون ضمير الإنسانية وعقلها، فهل سيصنعون تحولًا؟ (كلا). هل سيشعرون بالندم ويكرهون أنفسهم؟ (كلا). هل سيتأثرون بعمق بالأشياء الخاطئة التي فعلوها والتعديات التي ارتكبوها؟ كلا بالتأكيد، أليس كذلك؟ وللدقة، الأشخاص الذين ليس لديهم ضمير ليس لديهم قلوب، لذا لن يضعوا قلوبهم فيما يفعلونه ولن يتأثروا بشدة عندما يفعلون شيئًا خاطئًا. وبما أنهم ليس لديهم قلوب، فلن يتأملوا في أنفسهم، ولن يقبلوا الحق؛ ليس لديهم هذه المَلَكة. الأشخاص الذين لديهم ضمير هم وحدهم من يمكنهم – عندما يسمعون الآخرين يقولون إنهم فعلوا شيئًا خاطئًا – التعامل مع الأمر بجدية وبكل قلوبهم، والتأثر به بعمق، ثم الشعور بالذنب والندم. وعلى أساس الشعور بالذنب والندم وحده يمكنهم أن يصنعوا تحوّلًا، وفقط عندما يصنعون تحوّلًا، يمكن أن تتاح لهم الفرصة للخضوع لكلام الله، وأن يمارسوا ويسلكوا وفقًا لكلام الله ومبادئ الحق. أما الأشخاص الذين ليس لديهم ضمير فلا يشعرون أبدًا بالذنب أو الندم؛ إنهم لا يتأثرون بالأمر أبدًا مهما كان الخطأ الذي يرتكبونه. ومهما كشف الآخرون عن مشكلاتهم، فإنهم لا يأخذون الأمر على محمل الجد ويصمون آذانهم عنه. نظرًا لأنهم ليس لديهم ضمير، فلن يتعاملوا مع الأمر بجدية وبكل قلوبهم، ولن يتفكروا فيه ويتأملوا فيه بكل قلوبهم. ودون أن يضعوا قلوبهم في التأمل في أنفسهم، لن يشعروا بالندم أو الذنب، ودون الندم والذنب، لن يصنعوا تحولًا. في هذه الحالة، من المستحيل تمامًا على هذا النوع من الأشخاص قبول الحق والخضوع لكلام الله؛ إنهم ببساطة أشخاص لا أمل لهم على الإطلاق في نيل الخلاص. لذا، من منظور إنساني، ليس الأمر أن الله لا يخلص هؤلاء الأشخاص الذين ليس لديهم صفات الإنسانية؛ بل لأن المرء لا يمتلك صفات الإنسانية – الشرط الأساسي لنيل الخلاص – فإنه لا يستطيع قبول الحق أو الخضوع له، ما يجعل أمله في نيل الخلاص عمليًا معدومًا. وبوضع هذا في الاعتبار، فهناك علاقة مباشرة بين امتلاك صفات الإنسانية ونيل الخلاص؛ هكذا هو الأمر بالضبط. إذا لم تمتلك صفات الإنسانية، فلن تعترف بالأمر حتى عندما تفعل شيئًا خاطئًا، ولن تتأثر به كثيرًا، ولن تتعامل معه بتفكير متأنٍّ، ولن تتأمل فيه بجدية، ولن تشعر بالذنب والندم، ومن ثم لن تصححه وتغيره. وإذا لم تستطعْ صنع تحول عندما يتعلق الأمر بشيء بسيط مثل ارتكاب خطأ، فستكون أقل قدرة على صنع تحول عندما يتعلق الأمر بالكشف عن شخصيات فاسدة. ونظرًا لأن الشخصيات الفاسدة تتعارض تعارضًا مباشرًا مع الله، فمن حيث طبيعتها وجوهرها، تُعد الشخصيات الفاسدة أكثر خطورة بكثير من فعل شيء خاطئ. إذا فشلت في معرفة شخصياتك الفاسدة ولم تطلب الحق لمعالجتها، فسيكون من الصعب جدًا معالجة شخصياتك الفاسدة. ونظرًا لأن الشخصيات الفاسدة متأصلة بعمق بطبيعتها، فإذا لم تكن شخصًا يسعى إلى الحق، فلن تكون لديك طريقة لمعالجة شخصياتك الفاسدة، ومن ثمَّ، لن تكون لديك وسيلة لتحقيق تغيير في شخصيتك الحياتية. وفي تلك الحالة، لن يكون نيل الخلاص مسألة صعوبة بالنسبة إليك؛ بل سيكون مستحيلًا. لذا فإن موقف المرء ورد فعله بعد أن يفعل شيئًا خاطئًا أو يرتكب تعديًا يتوقفان بشكل مباشر على ما إذا كان يمتلك صفات الإنسانية. من المهم جدًا فهم هذا بوضوح.
انظروا إلى الناس من حولكم، ويمكنك أن تميز ما إذا كانوا – بعد فعل شيء خاطئ – يبادرون إلى الاعتراف به وقبوله، وما إذا كانوا يشعرون بالندم والضيق، وما إذا كانوا يغيرون أنفسهم بعد فترة من الوقت؛ أي ما إذا كانوا يصنعون تحولًا فيما يتعلق بأفكارهم، ومواقفهم، وسلوكياتهم. إذا كانوا لا يغيرون أنفسهم، فهم ليسوا بشرًا بنسبة مائة بالمائة. أما إذا كان لديهم موقف صادق من قبول الحق في قلوبهم، من خلال أكل وشرب كلمات الله، أو من خلال استنارة الروح القدس، أو تأثير بيئتهم، أو مساعدة الإخوة والأخوات – أيًا تكن الوسيلة التي يُغير بها المرء نفسه – وكانوا يبررون أنفسهم أقل فأقل – إلى حد التوقف تمامًا عن التبرير – وبالنظر إلى كلماتهم وأفعالهم، يشعرون بالندم والضيق إزاء الخطأ الذي ارتكبوه سابقًا ويريدون إيجاد فرصة للتعويض عنه، فإن هذا الشخص لديه أمل في نيل الخلاص؛ هذا شخص يمتلك صفات الإنسانية. غير أن بعض الناس لا يشعرون بأي تأثر بعد ارتكاب خطأ ما. إنهم لا يتحدثون أبدًا عن الخطأ الذي ارتكبوه، ولا يعترفون بخطئهم، ولا يُشرّحون أنفسهم، ولا يشعرون بالضيق. يبدو أنه ليس لديهم أي مقصد لتغيير أنفسهم على الإطلاق؛ إنهم متبلدو الحس وبليدو الذهن، يقضون يومهم كله في مرح طائش، ولا يشعرون إطلاقًا أنهم ارتكبوا خطأ. وحتى لو اعترفوا بذلك، فإنهم يمرون عليه مرور الكرام ويكتفون بذلك. وتمامًا مثل الأوغاد الوقحين، يعترفون بأخطائهم في لحظة ويرتكبون الأخطاء في اللحظة التالية، ويستمرون في الاعتراف بأخطائهم بمجرد ارتكابها. يبدو الأمر كما لو كانوا يمزحون أو يعبثون؛ إنهم لا يأخذون الأمر بجدية. وإنما يتعاملون معه على أنه لعب أطفال، وعلى أنه إجراء ومسألة شكلية، بدلًا من قبول ما حدث والتغير من أعماق قلوبهم. أي نوع من الأشخاص هذا؟ هذا ليس إنسانًا. إنه لا يعرف كيف يسلك، ولا يعرف أي نوع من الطرق يختار لسلوكه الذاتي. إنه لا يفهم هذه الأمور؛ بل ينظر إليها على أنها بسيطة وسطحية للغاية. فبعد فعل شيء خاطئ، حتى لو لم يقل أي شيء في ذلك الوقت، فإنه يفكر دائمًا في طرق لتبرير نفسه وتبرئة ساحته بعدها. إنه يستغل الفرصة التي تتيحها الاجتماعات أو الأوقات التي يطرح فيها الجميع الأمر، فيريد دائمًا أن يجعل الجميع يعرفون ويفهمون الأشياء التي يريد قولها دفاعًا عن نفسه؛ أي ما كان يفكر فيه وكيف تصرف في ذلك الوقت، وأن مقاصده كانت صالحة، وأن أهدافه كانت صحيحة، وأنه لم يفعل أي شيء خاطئ. ولا يقتصر الأمر على أنه لا يشعر بالندم على أخطائه وتعدياته، بل لا يريد الاعتراف بها أيضًا، بل ويريد التهرب من المسؤولية وأن يُعفى منها، آملًا في إنقاذ صورته في أعين الجميع. على الرغم من أن أمثال هؤلاء الأشخاص يبدون لطفاء عندما يتحدثون، فبالنظر إلى مظاهرهم في جميع المجالات، فإنهم لا يعترفون ولا يقبلون حقيقة أنهم ارتكبوا خطأ. هل تقول إذن إنهم سيغيرون أنفسهم؟ لن يفعلوا ذلك. إنهم يثيرون هذا الأمر من حين لآخر، بل ويضطرون إلى سرده لكل من لا يعرفه. وبعد سرده، يفكرون في كل طريقة ممكنة لتقديم أداء جيد عند القيام بأشياء أخرى للتعويض عن صورتهم التي تضررت في تلك المسألة السابقة، وذلك من أجل كسب الناس إلى جانبهم. وبمجرد أن يتصرفوا بشكل جيد لفترة من الوقت وينسى الجميع ما فعلوه من قبل، يبدأون مرة أخرى في التفكير في تمجيد أنفسهم وتقديم الشهادة لها. إنهم يحصون باستمرار عدد المساهمات التي قدموها لبيت الله، وعدد الأشياء الجيدة التي فعلوها لبيت الله، وعدد الخسائر التي جنّبوا بيت الله إياها. إنهم ببساطة ليس لديهم أي مقصد لتغيير أنفسهم؛ وليس لديهم حس بالخزي. عندما يرتكب الأشخاص الذين يفتقرون إلى الحس بالخزي أخطاءً ويقترفون تعديات، لا يقتصر الأمر على أنهم لا يغيرون أنفسهم، بل إنهم يصبحون أسوأ من ذلك. إنهم يفكرون في أنفسهم: "من منا لم يرتكب أخطاء؟ ذلك الخطأ الذي ارتكبته من قبل لم يكن شيئًا في الأساس. وعلاوة على ذلك، لم أكن الوحيد المتورط. لكن لا يمكنني قول ذلك. يجب أن أجعل الجميع يرون أن أدائي مقبول وأن لديَّ موقف الندم، ثم سأفعل بعض الأشياء الصالحة للتعويض عن ذلك من أجل تشتيت انتباه الجميع وكسبهم قليلًا؛ ألن يفي ذلك بالغرض؟" في قلوبهم، هم لا يؤمنون بأن الله يمحص كل شيء. إنهم يريدون فعل هذه الأشياء أمام الآخرين؛ إنهم يعتقدون أن الله لا يستطيع رؤية ما يفكرون فيه في قلوبهم؛ فبالنسبة إليهم، تمحيص الله لأعماق قلوب الناس هو مجرد تعليم. إنهم لا يعرفون أن الله يمحص، ولا يعترفون أو يؤمنون بأن الله يمكنه أن يمحص أعماق قلوب الناس، لذا فإن كل ما يفعلونه هو ليراه الآخرون. في أعماقهم، هم عنيدون ومقاومون. إنهم يقاومون الحق، ويقاومون قبول الحقائق، ويقاومون الاعتراف بأخطائهم، ويقاومون تغيير أنفسهم أكثر من ذلك. إنهم لا يغيرون أنفسهم؛ أليس هذا مؤشرًا على وجود مشكلة؟ ومهما كانت فداحة الأخطاء التي يرتكبونها أو فداحة التعديات التي يقترفونها، فإنهم لا يغيرون أنفسهم. إنهم مثل بولس تمامًا، الذي عارض الله وصُرع مباشرة من قبل الله، ومع ذلك ظل يعتقد أنه صالح جدًا. يفكر هذا النوع من الأشخاص: "إذا ركضت هنا وهناك وبذلت نفسي، وربحت الكثير من الناس وحققت ثمارًا كثيرة من التبشير بالإنجيل، وقدمت مساهمات للتكفير عن خطاياي، فينبغي أن يعطيني الله إكليلًا. الأكاليل يستحقها أشخاص مثلي. إذا لم أنل إكليلًا، فمن سيناله؟ ما الأمر الجلل في ارتكاب خطأ؟ ما دمتُ راغبًا في تصحيح هذا، بعد أن قاومت الله، فلا بأس. إذا قمتُ فقط بالتبشير بالإنجيل أكثر في المستقبل، فلن يذكر الله تعدياتي". كما ترى، ما موقفهم تجاه الله؟ ما موقفهم تجاه الحق؟ هذا موقف خالٍ من الإنسانية؛ هذا هو موقف إبليس. إنهم لا ينظرون أبدًا إلى كلام الله، أو الحق، أو الطريق الصحيح في الحياة على أنها أشياء ينبغي لهم اختيارها والسعي إليها. لم يكن لديهم قط أي مقصد لتغيير أنفسهم، ولن يحنوا رؤوسهم ويعترفوا بخطاياهم أبدًا، ولن يعترفوا أبدًا بأخطائهم ويقروا بالهزيمة. كلمتا "فشل" و"خطأ" غير موجودتين في قاموسهم، فضلًا عن كلمة "تعدٍّ"، لذا فإن هذا النوع من الأشخاص لن يتوب. إذن، هل تقول إن هذا النوع من الأشخاص لديه ضمير وعقل؟ هل يمتلك صفات الاستقامة، والطيبة، ومشاعر الخزي في إنسانيتهم؟ (كلا). إنه لا يمتلكها على الإطلاق. مهما كان التعدي الذي ارتكبه عظيمًا، وحتى في ظل وجود الحقائق أمام عينيه مباشرة، فإنه لا يشعر بأي ذنب في قلبه. هذا أمر مخيف! إذا كنت شخصًا لديه ضمير، فستشعر بالتأكيد بالذنب عندما تفعل شيئًا خاطئًا وترتكب تعديًا. إذا ارتكبت خطأً فادحًا حقًا وجلبت خسائر لبيت الله، فستشعر بحزن شديد لدرجة أنك ستتمنى لو كنت ميتًا، وستلعن نفسك، وستشعر أنك لا تستحق العيش أمام الله؛ لكن الأشخاص الذين هم مثل بولس ليس لديهم هذا النوع من الندم. في بيت الله، كثيرًا ما نرى أن بعض الناس يشعرون بالتأنيب المستمر في قلوبهم بعد الكذب مرة واحدة أو فعل شيء واحد ينتهك المبادئ، وفقط بعد أن يعترفوا بخطئهم للآخرين، يشعرون وكأن عبئًا ثقيلًا قد أُزيح عن كاهلهم. ثمة عدد لا بأس به من الأشخاص على هذا الحال. أيًا كانت الأخطاء التي يرتكبونها، فإنهم قادرون على التأمل في أنفسهم، وفي الوقت نفسه، يمكنهم اتخاذ ذلك تحذيرًا ويعظون أنفسهم لكيلا يرتكبوا الخطأ نفسه مرة أخرى. إذا كان الشخص يهتم بكبريائه، وكان لديه حس بالخزي، وعلاوة على ذلك لديه عقل، فعندما يفعل شيئًا خاطئًا، يشعر بخزيٍ أشد من أن يحاول تبرير نفسه أو التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين. وبدلًا من ذلك، يكون راغبًا في تحمل المسؤولية، ويشعر بالذنب والضيق من وقت لآخر، ومن ثمَّ يغير نفسه. يشعر بعض الناس بالخزي عندما يفعلون شيئًا خاطئًا ويرتكبون تعديات، ويشعرون بخزي أشد من أن يواجهوا الله والإخوة والأخوات، في حين أن أولئك الذين ليس لديهم صفات الإنسانية لا تكون لديهم هذه المشاعر. كما ترى، على الرغم من أن كلا النوعين من الأشخاص هم بشر، فبالنسبة إلى البعض، إذا انتشرت شائعة بأنهم كانوا على علاقة غير لائقة بشخص ما من وراء ظهورهم – وقد يكون هذا شيئًا فكروا فيه لفترة وجيزة في رؤوسهم – فبمجرد أن يسمعوا عددًا قليلًا من الناس يتحدثون عن ذلك، يشعرون بخزي تام وخجل أشد من أن يواجهوا أي شخص. الأشخاص الذين لديهم حس بالخزي سيكون لديهم مثل هذه المظاهر. غير أن بعض الناس لا يهتمون حتى عندما يُضبطون في السرير مع شخص ما: "ما الخطأ الذي ارتكبته؟ ألم أكن أقيم علاقة جسدية فحسب؟ ما الأمر الجلل في ذلك؟ أليس هذا أمرًا شائعًا هذه الأيام؟" كما ترى، هذا أمر مختلف بوضوح، أليس كذلك؟ إذا سمع الأشخاص الذين لديهم صفات الإنسانية الآخرين يناقشون أمرهم فحسب، فإنهم يشعرون بالخزي والحزن الشديدين لدرجة أنهم لا يستطيعون تناول الطعام، ويشعرون بخزيٍ أشد من أن يُظهروا وجوههم ويشعرون أنهم لا يستطيعون الاستمرار في العيش، في حين أن بعض الناس لا يهتمون حتى عندما يُضبطون في السرير مع شخص آخر. الناس ببساطة مختلفون عن بعضهم البعض؛ فإذا لم يكن لدى الشخص حس بالخزي، فهو ليس إنسانًا. هل يمكن للأشخاص الذين ليس لديهم حس بالخزي أن يربحوا الحق؟ الأشخاص الذين ليس لديهم ضمير وعقل لا يحبون الحق. هذا لأنهم لا يكرهون الخطيئة، أو الأشياء الخبيثة، أو الأمور السلبية. وإضافة إلى ذلك، ليس لديهم حس بالخزي عندما يفعلون شيئًا خاطئًا، ويحاولون بوقاحة التهرب من المسؤولية. ونتيجة لذلك، لن يبادر هذا النوع من الأشخاص أبدًا إلى المجيء أمام الله لقبول دينونة كلمات الله وتوبيخها، أو يبادر إلى الاعتراف بفساده، أو يخضع للحق طواعية؛ ليس لديه مثل هذا الاحتياج، وهو يعتقد أن ذلك غير ضروري، وأنه لا يحتاج إليه. غير أنه بالنسبة إلى الأشخاص الذين لديهم حقًا ضمير وعقل، فنظرًا لأن مبادئهم وحدود سلوكهم الذاتي في جميع الجوانب تجعلهم يشعرون أن كلام الله ومتطلبات الله من الناس هي ما يحتاجون إليه، فإنهم راغبون في أن يمارسوا وفقًا لكلام الله؛ وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنهم يشعرون بعدم الارتياح في داخلهم. إذا سمعوا وفهموا متطلبات الله لكنهم لم يتصرفوا وفقًا لها، فمن ناحية، يشعرون أن أعين الإخوة والأخوات مسلطة عليهم، ومن ناحية أخرى، أكثر أهمية، يشعرون أن الله يراقبهم في الخفاء، وأنهم لا يستطيعون الهروب من تمحيصه أينما ذهبوا. إنهم يفكرون: "الله يعرف كل ما تقوله. إذا فعلت شيئًا خاطئًا لكنك لم تعترف به، ولم تشعر بالندم، ولم تأخذه على محمل الجد، ولم تصححه، ولم تغير نفسك على الإطلاق، فكيف سينظر الله إلى هذا؟" هذا السؤال – "كيف سينظر الله إلى هذا؟" – ينبع، من ناحية، من إيمانهم بالله واعترافهم به، ومن ناحية أخرى، ينبع بشكل أساسي من وظيفة ضميرهم وعقلهم. لذا، في نهاية المطاف، يحدد ضمير الشخص وعقله احتياجات إنسانيته، والطريق الذي يسلكه، بل ويحددان أكثر من ذلك مبادئه ومواقفه تجاه جميع أنواع الأشياء. وبالطبع، يحددان أيضًا ما إذا كان الشخص يمكنه الشروع في طريق السعي إلى الحق، ويحددان إلى حد أكبر ما إذا كان الشخص يمكنه في النهاية نيل الخلاص.
كان محتوى شركة اليوم يدور بالكامل حول مسائل تافهة مختلفة في الحياة تتعلق بالإنسانية، متطرقًا إلى ما إذا كان الشخص يحب استغلال الآخرين في كيفية سلوكه وتعامله مع الأمور، وما إذا كان الشخص طيب القلب وراغبًا في مساعدة الآخرين والتعاطف معهم، وما إذا كان راغبًا في العطاء، وما هي مبادئه في معاملة الآخرين، وما هي مواقف الشخص ووجهات نظره عندما يفعل شيئًا خاطئًا. على الرغم من أن هذه الأشياء مسائل تافهة في الحياة، وهي بعض المظاهر غير البارزة جدًا للإنسانية في الحياة اليومية للناس، فإن ما تعكسه وراء الكواليس هي صفات إنسانية الشخص. فبدافع من الضمير والعقل، سيلتزم الأشخاص الذين لديهم صفات الإنسانية بالحدود الأخلاقية الأساسية، في حين أن الأشخاص الذين ليس لديهم صفات الإنسانية لا يفهمون ببساطة ما هي حدود الإنسانية ومبادئ السلوك الذاتي. لذا فإن امتلاك الشخص للضمير والعقل يحدد الطريق الذي يسلكه. ويمكن القول أيضًا إنه يحدد مستقبل الشخص وغايته؛ هكذا هو الأمر ببساطة. حسنًا، لننهِ شركتنا لهذا اليوم هنا. إلى اللقاء!
18 مايو 2024