51. عندما لم أستطع أن أكون بجانب والدي لأبرَّه
كان ضوء شمس ظهيرة الشتاء دافئًا وناعمًا، يتسلل عبر النافذة ليسقط على حافتها المليئة بالنباتات، وكانت عدة أصص من الزهور والنباتات تتشرب بنهم ضوء الشمس المغذي. نظرت لان يو من النافذة، وشعرت بنسمة من الحرية. لقد حُكم عليها بالسجن ثلاث سنوات وأربعة أشهر بسبب إيمانها بالله، وكانت قد أُطلق سراحها للتو. اعتُقلت أختها الكبرى أيضًا مرتين، كما اعتُقل والدها وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ونصف. وبعد إطلاق سراحهم، ظلوا تحت المراقبة اللصيقة بصفتهم أهدافًا رئيسية لحكومة الحزب الشيوعي الصيني. لقد افترقوا جميعًا لأكثر من عشر سنوات، ولم يتمكنوا من لم الشمل. لاحقًا، وبمساعدة إخوتها وأخواتها، تواصلت لان يو مع والدها، فانفجر الشوق الذي ظل حبيسًا لأكثر من عقد من الزمان. أخيرًا، ستتمكن من رؤية والدها الذي طالما اشتاقت إليه! أسرعت لان يو مملوءة بالحماس إلى المكان الذي ستلتقي فيه بوالدها. وعندما أوشكت أن تصل إلى وجهتها، رأت لان يو من نافذة السيارة رجلًا مسنًّا يقف عن بعد بجوار سيارة أجرة، وقد غطت كمامة نصف وجهه. تفحصت لان يو الرجل المسن بعناية، وفجأة، قطّبت حاجبيها وحدّقت في الرجل العجوز بعينين متسعتين – ألم يكن هذا والدها الذي لم تره منذ أربعة عشر عامًا؟ كانت خصلات شعره الرمادي تطل من تحت قبعته، والرجل القوي الذي تذكره لم يعد يقف منتصبًا كما كان. وقف الرجل النحيل على جانب الطريق، يتلفت باحثًا عن شيء ما. وعندما انعطفت سيارتها وتوقفت، فتحت لان يو باب السيارة بلهفة وهُرعت إلى والدها. حاولت جاهدة أن تمنع دموعها التي كادت تنهمر ونادت بهدوء: "أبي!". فرد والدها: "مرحبًا!". كانت عيناه رطبتين بالدموع بالفعل حين أجاب، ويحثها قائلًا: "أسرعي، اصعدي إلى السيارة. لنعد إلى المنزل".
غربت الشمس في الأفق، وصبغ الشفق المسائي كل ركن من أركان البلدة باللون الأحمر. بدأ برد الشتاء يشتد تدريجيًا، ورغم أن الريح داعبت وجه لان يو، فإنها لم تشعر بالبرد. بعد دخولها المنزل، أسرع والدها في ترتيب الفراش، وسأل لان يو عما تود تناوله من طعام، فأحاط بها شعور بالدفء والسعادة. وعندما أدارت رأسها، رأت فجأة صورة أشعة مقطعية معلقة على الحائط، وعندما فتحت باب الغرفة الداخلية، لاحظت أكياس دواء على الطاولة. خمَّنت لان يو أن والدها لا بد أنه يعاني من اعتلال في صحته، ولم تستطع كبح مشاعر القلق. بعد العشاء، تحدثت لان يو ووالدها عن اختباراتهما على مر السنين، وعلمت أن والدها أُصيب بالسل مرتين في السجن. تضررت رئتاه بشدة، وكان يصاب بضيق في التنفس ويسعل بمجرد أن يصاب بالبرد. وفي العامين الماضيين، شُخّصت إصابته بحصوات في المرارة أيضًا. وكان يتناول الدواء مؤخرًا للسيطرة عليها؛ وإذا ساءت حالته، فسيحتاج إلى عملية جراحية. وبسبب المضايقات المستمرة من قوات شرطة الحزب الشيوعي الصيني، لم يجرؤ والدها على الاتصال بالإخوة والأخوات لأكثر من تسع سنوات، ولم يتمكن من عيش حياة الكنيسة، ولم يكن بوسع الإخوة والأخوات إلا أن يرسلوا إلى أبيها سرًا أحدث كلمات الله، وفيديوهات الشهادات الاختبارية، وما إلى ذلك. شعرت لان يو بانزعاج شديد وهي تستمع إلى والدها يسرد هذه الأشياء. لقد عانى والدها الكثير بسبب اضطهاد الحزب الشيوعي الصيني، وهي، بصفتها ابنته، لم تفعل شيئًا من أجله، وشعرتْ بأنها كانت غير بارة تمامًا. لاحقًا، عندما علم أقارب لان يو بإطلاق سراحها من السجن، اتصلوا بها، مُلحِّين عليها مرارًا وتكرارًا: "والدكِ يتقدم في السن، وصحته ليست على ما يرام؛ إنه يحتاج إلى من يعتني به. والآن بعد أن عدتِ، ينبغي لكِ أن تجدي عملًا، وتكسبي المال، وتعتني به". ترددت كلمات أقاربها في قلبها، وفكرت: "لقد رباني أبي، وهو أيضًا من قادني إلى الله، وعلمني أن أختار الطريق الصحيح في الحياة. الآن بعد أن كبر في السن ومرض، ينبغي لي أن أفي بمسؤوليتي بصفتي ابنة، وأن أكون بجانبه لأتحدث معه وأعتني به حتى يقضي أيامه سعيدًا". عندئذٍ، استشارت لان يو الأطباء عبر الإنترنت بخصوص حالة والدها، وعملت بجد لكسب المال حتى لا يقلق والدها بشأن عدم كفاية المال للدواء والعلاج. أرادت لان يو حقًّا قضاء وقت أطول مع والدها، وفي كل مرة كانت ترى ابتسامة تعلو وجه والدها، كانت تشعر بسعادة.
ذات يوم، عادت لان يو إلى المنزل بعد العمل، وأخبرها والدها بوصول رسالة من القادة. جاء في الرسالة أنه نظرًا إلى أن الشرطة قد تأتي وتضايق لان يو في أي وقت وهي في المنزل، وأنها لا تستطيع القيام بواجبها هناك، وبما أن الكنيسة بحاجة ماسة إلى أُناس للقيام بواجبات تتعلق بالعمل النصي، فإنهم يأملون أن تتمكن من مغادرة المنزل للقيام بواجبها. بعد قراءة الرسالة، شعرت لان يو بمزيج من الفرح والقلق. لم تقم بواجبات لعدة سنوات، وبصفتها كائنةً مخلوقةً تتمتع بكل ما وهبه الله لها، أنّبها ضميرها. لكن لان يو لم تستطع التوقف عن القلق على والدها. مؤخرًا، اشتد مرض والدها، وكانت مرارته تؤلمه كل يوم. فإذا غادرت، فمن سيعتني به إن احتاج إلى جراحة يومًا ما؟ وإذا غادرت لتقوم بواجباتها، فلن يكون إلى جانبه أحد ليحضر له ماءً أو دواءً. تذكرت لان يو أنها سمعت والدها يقول ذات مرة: "بسبب أن أختك مطلوبة وأنكِ اعتُقلتِ وحُكم عليكِ، انتقدني أقاربنا وتذمروا مني، وتجنبني أهل القرية". لم يكن لدى والدها من يشاركه ألمه، وأصبح سلبيًا وضعيفًا لدرجة أنه فكر حتى في إنهاء حياته. لكنه لاحقًا، بتذكره كلمات الله، خرج من سلبيته. كانت لان يو قلقة للغاية، وفكرت: "ماذا لو غادرت المنزل لأقوم بواجبي، وفعل أبي شيئًا أحمق وهو يعاني؟ إنه يتقدم في السن ويحتاج إلى من يعتني به؛ فماذا سيظن أقاربي وأصدقائي بي إذا غادرت المنزل؟ ألن يقولوا إنني غير بارة وبلا إنسانية؟ لكنني لن أتمكن من القيام بواجبي في المنزل. فمنذ إطلاق سراحي من السجن، اتصلت الشرطة عدة مرات بالفعل، تطلب مني الحضور إلى المركز والتوقيع على إقرار توبة". بمجرد التفكير في مستقبل من مضايقات الشرطة التي لا تنتهي، حيث لن تتمكن من حضور الاجتماعات أو القيام بواجبها، قررت لان يو في النهاية مغادرة المنزل للقيام بواجبها. لكنها عندما خرجت من غرفة نومها ورأت هيئة والدها الهزيلة عبر نافذة غرفة المعيشة، كان الأمر كأنها رأته وحيدًا في المنزل بعد رحيلها، لا أحد معه. عادت إلى غرفة نومها، وهي تبكي وتصلي إلى الله: "يا الله، أريد أن أقوم بواجبي، لكنني قلقة من ألا يكون هناك من يعتني بأبي. أبي يتقدم في السن، لكنني لن أكون بجانبه لأبرّه. يُخالجني شعور دائم بأنني بقيامي هذا، أكون مجردة تمامًا من الإنسانية. يا الله، هذا القرار صعب للغاية. أرجوك أنرني وأرشدني حتى أفهم مقاصدك".
بعد الصلاة، قرأت لان يو كلمات الله: "بناءً على بيئتك المعيشية والسياق الذي تجد نفسك فيه، إذا كان إكرام والديك لا يتعارض مع إتمامك لإرسالية الله وأداء واجبك، أو بمعنى آخر، إذا كان إكرام والديك لا يؤثر على أدائك المخلص لواجبك، فيمكنك ممارسة كليهما في الوقت نفسه. لا تحتاج إلى الانفصال خارجيًا عن والديك، ولا تحتاج إلى التخلي عنهما خارجيًا أو رفضهما. في أي وضع ينطبق هذا؟ (عندما لا يتعارض إكرام الوالدين مع أداء المرء واجبه). ذلك صحيح. وبعبارة أخرى، إذا كان والداك لا يحاولان إعاقة إيمانك بالله، وكانا أيضًا مؤمنين، وكانا يدعمانك ويشجعانك حقًا على أداء واجبك بإخلاص وإكمال إرسالية الله، فإن علاقتك بوالديك ليست علاقة جسدية بين الأقارب بالمعنى المعتاد للكلمة، بل علاقة بين إخوة وأخوات في الكنيسة. وفي تلك الحالة، بخلاف التعامل معهما كإخوة وأخوات في الكنيسة، يجب عليك أيضًا تتميم بضع من مسؤوليات البر بالوالدين تجاههما. يجب أن تُظهِر لهما القليل من الاهتمام الإضافي. ما دام ذلك لا يؤثر على أداء واجبك، أي ما دام قلبك غير مقيد بوالديك، فيمكنك الاتصال بهما للاطمئنان على أحوالهما وإظهار القليل من الاهتمام بهما، ويمكنك مساعدتهما على حل القليل من الصعوبات والتعامل مع بعض مشكلاتهما الحياتية، ويمكنك مساعدتهما على حل بعض الصعوبات التي يواجهانها فيما يخص دخولهما في الحياة؛ يمكنك فعل جميع هذه الأشياء. بعبارة أخرى، إذا كان والداك لا يعرقلان إيمانك بالله، فينبغي أن تحافظ على هذه العلاقة معهما وأن تتمم مسؤولياتك تجاههما. ولماذا ينبغي أن تُبدي الاهتمام بهما وتعتني بهما وتطمئن على أحوالهما؟ نظرًا لأنك ابنهما. بما أن لديك هذه العلاقة بهما، فإنك تتحمل نوعًا آخر من المسؤولية، ويجب أن تطمئن عليهما أكثر قليلًا وتزودهما بالمزيد من المساعدة. ما دام ذلك لا يؤثر على أداء واجبك، وما دام والداك لا يعيقان إيمانك بالله وأداءك لواجبك أو يزعجانه، وكانا لا يمنعانك أيضًا، فمن الطبيعي والمناسب لك أن تُتمِّم مسؤولياتك تجاههما، ويجب عليك فعل هذا إلى الحد الذي لا يوبخك فيه ضميرك؛ هذا هو أدنى معيار يجب أن تستوفيه. إذا لم تتمكن من إكرام والديك في المنزل بسبب تأثير ظروفك وإعاقتها لك، فليس عليك الالتزام بهذا التنظيم. ينبغي أن تضع نفسك تحت رحمة تنظيمات الله وأن تخضع لترتيباته، ولستَ بحاجة إلى الإصرار على إكرام والديك" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. ماذا يعني السعي إلى الحق (4)]. "يطلب الله أشياء مختلفة من مختلف الناس، ولديه متطلبات متميزة منهم. أولئك الذين يخدمون كقادة وعاملين قد دعاهم الله، ولذلك ينبغي أن يقبلوا إرسالية الله وأن يتخلوا عن كل شيء ليتبعوه؛ فهم غير قادرين على البقاء مع والديهم وإكرامهم. ذلك أحد أنواع المواقف. لكن الله لم يدعُ الأتباع العاديين، ولذا يمكنهم البقاء مع والديهم وإكرامهم. لا توجد مكافآت على فعل هذا، ولن يربحوا أي بركات نتيجةً لذلك، ولكن إذا لم يُظهروا البر بالوالدين، فإنهم يفتقرون إلى الإنسانية. في الواقع، إكرام الوالدين هو مجرد نوع من المسؤولية ولا يرقى إلى مستوى ممارسة الحق. أما الخضوع لله فهو ممارسة الحق، وقبول إرسالية الله أحد مظاهر الخضوع لله، وأولئك الذين يتخلون عن كل شيء لأداء واجباتهم هم أتباع الله. وخلاصة القول، فإن المهمة الأهم الماثلة أمامك هي أداء واجبك جيدًا. تلك هي ممارسة الحق وأحد مظاهر الخضوع لله" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. ماذا يعني السعي إلى الحق (4)]. تفكرت لان يو في كلمات الله، وأدركت أن بر الوالدين هو مسؤولية ينبغي للمرء أن يؤديها، وأنه في ظل الظروف التي لا يؤثر فيها ذلك على واجب المرء ويسمح به الوضع، يمكن للمرء أن يفي بمسؤولياته تجاه والديه. ولكن، إذا لم تسمح الظروف بذلك، فيجب على المرء أن يختار بناءً على الوضع والواجب الذي يقوم به. تمامًا مثل بعض الإخوة والأخوات الذين لم يعتقلهم الحزب الشيوعي الصيني ولا يتولون أعمالًا مهمة في الكنيسة، يمكن لهؤلاء الأشخاص رعاية والديهم أثناء قيامهم بواجباتهم. لكن بعض الأشخاص يواجهون الملاحقة والاضطهاد من الحزب الشيوعي الصيني، ولا يمكنهم القيام بواجباتهم إذا لم يغادروا منازلهم، لذا في مثل هذه الحالات، لا يمكنهم التفكير في رعاية والديهم ببساطة، بل يجب عليهم إعطاء الأولوية لواجباتهم. فكرت لان يو في أنها على الرغم من قدرتها على رعاية والدها في المنزل، فإن شرطة الحزب الشيوعي الصيني كانت تضايقها وتهددها دائمًا، ولذلك لم تستطع القيام بواجباتها في المنزل. كان هناك نقص في عدد الناس الذين يقومون بالواجب القائم على النص، وكان عليها أن تراعي عمل الكنيسة. فبصفتهم كائنات مخلوقة، فإنه علاوة على مسؤولياتهم تجاه والديهم، ينبغي للناس أيضًا أن يعبدوا الخالق ويتمموا واجباتهم بصفتهم كائنات مخلوقة. تذكرت لان يو أن الرب يسوع قال: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي" (متى 10: 37). يطلب الله من الناس أن يتخلوا عن كل شيء لإرضائه، تمامًا كما فعل بطرس ويوحنا. لقد استطاعا اتخاذ قرار بترك والديهما ومودتهما العائلية ليتبعا الرب ويبشرا بالإنجيل، وفي نظر الله، كانا يتمتعان بالإنسانية. كانت لان يو تعتقد أن أولئك الذين لا يبرُّون والديهم هم الأسوأ إنسانية، لكنها فهمت الآن أن الله يقيس ما إذا كان الشخص يتمتع بالإنسانية ليس بناءً على برِّه بوالديه بل بناءً على ما إذا كان يستطيع أن يُحسن القيام بواجباته بصفته كائنًا مخلوقًا ليرضيه. فكرت لان يو في كيفية ترددها وإفراطها في التفكير عندما كانت تواجه واجبها، وقلقها الدائم بشأن والدها، وعجزها عن القيام بواجبها. ولكن حتى لو أصبحت ابنة بارة تحظى بثناء كبير، فإنها لن تكون مخلصة لله، ولن يستحسنها الله. أدركت أن أهم شيء في هذه المرحلة هو القيام بواجب الكائن المخلوق، وأن هذا وحده هو قيمة حياتها. وبهذا الفهم، شعرت لان يوي بالتحرر وكانت مستعدة لمغادرة المنزل للقيام بواجبها.
أنهت لان يو لم شملها مع والدها الذي دام ثلاثة أشهر. وغادرت المنزل للقيام بواجبها في مكان آخر. لكن في أعماقها، كانت لا تزال تشعر بقلق واهتمام تجاه والدها، وشعرت بالذنب، وكانت تفكر دائمًا في متى يمكنها العودة مرة أخرى لزيارته. ذات مرة، عادت أخت تتعاون معها إلى منزلها للاهتمام بأمر ما، وعندما فكرتْ في كيفية لم شمل هذه الأخت مع عائلتها، لم تعد قادرة على الحفاظ على هدوء قلبها. وبينما كانت عيناها مثبتتين على حاسوبها، امتلأ ذهنها بصورة والدها جالسًا على كرسي ينتظر عودتها إلى المنزل. هل ضايقته الشرطة؟ كيف كانت حالته؟ هل تفاقم مرضه؟ ماذا سيقول أقاربها وأصدقاؤها عن مغادرتها المنزل بينما والدها لا يزال مريضًا؟ استحوذت هذه الأفكار على عقل لان يو، فلم تستطع التركيز على عملها الحالي. أدركت أن حالتها كانت خطأ، فصلّت إلى الله. وفي أثناء عباداتها، قرأت كلمات الله. يقول الله القدير: "يختار معظم الناس ترك المنزل لأداء واجباتهم جزئيًا لظروف موضوعية شاملة تحتم عليهم ترك والديهم؛ فلا يستطيعون البقاء بجانب والديهم لرعايتهم ومرافقتهم. ليس الأمر أنهم اختاروا بإرادتهم ترك والديهم؛ هذا هو السبب الموضوعي. ومن ناحية أخرى، السبب الشخصي هو أنك تخرج لأداء واجباتك ليس لتجنب مسؤوليتك تجاه والديك، ولكن بسبب دعوة الله لك. من أجل التعاون مع عمل الله، وقبول دعوته، وأداء واجبات الكائن المخلوق، لم يكن أمامك خيار سوى ترك والديك؛ لم يكن بإمكانك البقاء إلى جانبهما لمرافقتهما ورعايتهما. أنت لم تتركهما للتهرب من المسؤوليات، أليس كذلك؟ تركك لهما للتهرب من مسؤولياتك واضطرارك إلى تركهما لتلبية دعوة الله وأداء واجباتك، أليس هذان أمرين مختلفين في طبيعتهما؟ (بلى). لديك في قلبك ارتباطات عاطفية بوالديك وتفكر فيهما؛ فمشاعرك ليست خاوية. إذا سمحت الظروف الموضوعية، وكان بإمكانك البقاء إلى جانبهما مع أداء واجباتك أيضًا، فستكون على استعداد للبقاء إلى جانبهما ورعايتهما بانتظام والقيام بمسؤولياتك. ولكن بسبب ظروف موضوعية، يجب عليك أن تتركهما؛ لا يمكنك البقاء إلى جانبهما. المسألة ليست أنك لا تريد الوفاء بمسؤولياتك باعتبارك ابنهما، المسألة هي أنه لا يمكنك ذلك. ... في الواقع، أنت لست غير بار بوالديك، الأمر ليس أنك وصلت إلى درجة انعدام الإنسانية، حيث لا تريد حتى الاهتمام بوالديك أو الوفاء بمسؤولياتك تجاههما. أنت غير قادر على تتميم مسؤولياتك لأسباب موضوعية عديدة، لذا فأنت لست غير بار بوالديك" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (16)]. كانت كلمات الله غاية في الوضوح. عندما يترك الناس والديهم للقيام بواجباتهم بسبب إيمانهم بالله، فهذا لا يُعدُّ عقوقًا، لأن نيتهم ليست التهرب من المسؤولية، بل القيام بواجب الكائن المخلوق. فأولئك المسيحيون في عصر النعمة، على سبيل المثال، تركوا والديهم وأطفالهم لنشر إنجيل الله في جميع أنحاء العالم، وكان الشيء الأعدل بين البشر. أرادت لان يو أيضًا أن تبر بوالدها، وتمنت أن تلازم والدها وتساعده على قضاء سنواته الأخيرة في سلام. وأرادت أيضًا أن تجتمع عائلتها كلها، وتقرأ كلمات الله، وتشارك فهمها الاختباري. ولكن بما أنها كانت تعيش في دولة ملحدة لا تتمتع فيها بالحرية الدينية، لم يكن الحزب الشيوعي الصيني يسمح للناس بالإيمان بالله أو سلوك الطريق الصحيح، وإذا بقيت بجانب والدها، فلن تتمكن من القيام بواجبها. علاوة على ذلك، فإن عمل الله يوشك أن ينتهي، وقد بدأت الكوارث العظمى بالفعل، ولا يزال كثير من الناس لم يقبلوا عمل الله في الأيام الأخيرة. كان الترويج لإنجيل الله والإتيان بأُناس أكثر أمامه هو واجبها، وكانت مختلفة عن أولئك الذين يتجنبون مسؤولياتهم ولا يرغبون في برِّ والديهم. وبفهمها لهذه الأشياء، لم يعد قلبها منزعجًا أو مقيدًا. لاحقًا، في وقت فراغها من القيام بواجباتها، كتبت لان يو رسائل إلى والدها لتطلعه على حالتها. بعد فترة، تلقت رسالة من والدها، قال فيها إن ابنة عمها قد وجدت وصفة لعلاج حصوات المرارة لديه، وأنه الآن يتناول دورته الثانية من الدواء. كانت الحصوات في مرارته أصغر من ذي قبل؛ ولم يكن يشعر بألم كما كان من قبل، وقد تحسنت حالته كثيرًا. عند قراءتها هذا، اغرورقت عينا لان يو بالدموع تأثرًا، وشعرت برحمة الله وبركته.
ذات مرة، كانت لان يو تتحدث مع أخت مضيفة، وقالت الأخت إن أبناءها يرسلون لها المال بين الحين والآخر، وأنهم عندما يزورونها، يشترون لها أشياء. فكرت لان يو في أنها كانت بعيدة عن المنزل منذ ما يقرب من عام، لكنها لم تجرؤ على الاتصال بوالدها أو شراء ملابس أو مكملات غذائية له بسبب اضطهاد الحزب الشيوعي الصيني. وبصفتها ابنة، لم تفعل شيئًا قط لوالدها على الرغم من أنها قد كبرت بالفعل. كانت تشعر باستمرار بأنها مدينة لوالدها، وكان في قلبها شعور بعدم الارتياح. لاحقًا، سعت، متفكِّرةً في سبب شعورها الدائم بأنها مدينة لوالدها. قرأت كلمات الله. يقول الله القدير: "بسبب تأثير الثقافة الصينية التقليدية، في المفاهيم التقليدية لشعب الصين، يؤمنون بضرورة برّ المرء لوالديه. ومن لا يراعي برّ والديه يُعدّ ولدًا عاقًا. هذه الأفكار غُرِست في الناس منذ الطفولة، وتُدرّس في كل منزل تقريبًا، وكذلك في كل مدرسة وفي المجتمع بشكل عام. وعندما يمتلئ رأس المرء بمثل تلك الأمور، فإنه يفكر قائلًا لنفسه: "برّ الوالدين أهم من أي شيء. وإذا لم أراعي ذلك، لن أكون شخصًا صالحًا؛ بل سأكون ولدًا عاقًا وسأتعرض للاستهجان من المجتمع. سأكون شخصًا لا ضمير له". هل هذا الرأي صحيح؟ لقد رأى الناس الكثير من الحقائق التي عبّر عنها الله؛ فهل طلب الله أن يُظهِر المرء البرّ تجاه والديه؟ هل هذه واحدة من الحقائق التي يجب على المؤمنين بالله فهمها؟ كلا، إنها ليست كذلك. لقد عقد الله شركةً فقط حول بعض المبادئ. بحسب أي مبدأ يطلب كلام الله من الناس التعامل مع الآخرين؟ أحْبِبْ ما يحبه الله، واكره ما يكرهه الله: هذا هو المبدأ الذي ينبغي التمسك به. إن الله يحبّ هؤلاء الذين يسعون إلى الحق ويستطيعون اتّباع مشيئته؛ وهؤلاء هم أيضًا الأشخاص الذين ينبغي أن نحبهم. أمّا أولئك غير القادرين على اتباع مشيئة الله، الذين يكرهون الله ويتمردون عليه، فهؤلاء يمقتهم الله، وعلينا أن نمقتهم أيضًا. هذا ما يطلبه الله من الإنسان. ... يستخدم الشيطان هذا النوع من الثقافة التقليدية والمفاهيم الأخلاقية لتقييد أفكارك وعقلك وقلبك، ليتركك عاجزًا عن قبول كلام الله. لقد استحوذتْ عليك هذه الأمور الشيطانية فجعلتك غير قادر على قبول كلام الله. عندما تود ممارسة كلام الله، تُحدث هذه الأمور إزعاجًا في داخلك، وتدفعك إلى معارضة الحق ومتطلبات الله، وتجعلك عاجزًا عن التخلص من نير الثقافة التقليدية. وبعد المعاناة لفترة، تتنازل: إذ تفضل الاعتقاد بأن المفاهيم التقليدية عن الأخلاق صحيحة، وأنها تتماشى مع الحق، ومن ثم ترفض كلام الله أو تنبذه. إنك لا تتقبل كلام الله على أنه الحق، وتستخف بخلاص نفسك، وتشعر أنك لا تزال تعيش في هذا العالم، وأنك لا يمكنك النجاة سوى بالاعتماد على هذه الأشياء. وبما أنك غير قادر على تحمل إدانة المجتمع، فإنك تختار التخلي عن الحق وعن كلام الله، والاستسلام للمفاهيم التقليدية عن الأخلاق ولتأثير الشيطان، مفضلًا الإساءة إلى الله وعدم ممارسة الحق. أخبروني، أليس الإنسان مثيرًا للشفقة؟ أليس في حاجة إلى خلاص الله؟" (الكلمة، ج. 3. محادثات مسيح الأيام الأخيرة. لا يمكن للمرء أن يتحوّل حقًّا إلّا من خلال معرفة آرائه الخاطئة). أدركتْ من كلمات الله أنها منذ طفولتها، تأثرت بالأفكار التقليدية على غرار "البر بالوالدين فضيلة يجب أن تكون فوق كل اعتبار" و"لقد رباني والداي وأنا صغيرة، لذا يجب أن أعتني بهما في كبرهما". كانت تظن أنه بما أن والديها قد بذلا سنوات عديدة من الجهد في تربيتها، فينبغي لها أن تبرَّهما، وعندما يشيخا، ينبغي لها أن تعتني بهما وتودعهما في النهاية، شاعرةً بأن هذا هو معنى التحلي بالضمير. لذا كانت مترددة في مغادرة المنزل والقيام بواجبها، خشية أن تُتهم بأنها ابنة غير بارة وجاحدة. عندما رأت شريكتها تعود إلى المنزل لزيارة والديها، شعرت لان يو بالغبطة، وبينما كانت غارقة في شعورها بأنها مدينة لوالدها، لم تستطع التركيز على واجباتها. أدركت أن الشيطان يستخدم تحديدًا هذه الأفكار والآراء التي تبدو معقولة ليُضلَّ الناس ويسيطر عليهم، ما يجعل الناس لا يفكرون إلا في رد إحسان والديهم ولا يتممون واجباتهم بصفتهم كائنات مخلوقة. وإذا استمرت في التمسك بهذه الأفكار التقليدية، فسينتهي بها الأمر بأن يخدعها الشيطان ويؤذيها، وفي النهاية، ستبتعد عن الله، وتخون الله، وينبذها الله في نهاية المطاف. إن الشيطان حقًا ماكر وحقود!
ثم قرأت لان يو المزيد من كلمات الله واكتسبت طرقًا للممارسة. يقول الله القدير: "على أي حال، من خلال تربيتك، يفي والداك بمسؤولية والتزام. إن تربيتك حتى تصبح راشدًا هي التزام ومسؤولية يقعان على عاتقهما، ولا يمكن تسمية ذلك إحسانًا. بما أنها لا يمكن تسميتها إحسانًا، فهل يمكن القول إن هذا شيء يجب أن تستمتع به؟ (بلى). هذا نوع من الحقوق التي يجب أن تتمتع بها. ينبغي أن يربيك والداك، لأن الدور الذي تلعبه قبل أن تبلغ سن الرشد هو دور الابن الذي يتم تربيته. لذلك فإن والديك يقومان فقط بنوع من الوفاء بالمسؤولية تجاهك، وأنت تتلقى ذلك فحسب، ولكنك بالتأكيد لا تتلقى منهما نعمة أو إحسانًا. بالنسبة إلى أي مخلوق حي، إنجاب الأطفال ورعايتهم، والتكاثر، وتربية الجيل التالي هو نوع من المسؤولية. على سبيل المثال، يجب على الطيور، والأبقار، والأغنام، وحتى النمور، أن تعتني بصغارها بعد تكاثرها. لا توجد كائنات حية لا تربي صغارها. من الممكن أن تكون هناك بعض الاستثناءات، ولكنها تظل غير معروفة لنا. إنها ظاهرة طبيعية في وجود الكائنات الحية، إنها غريزة لدى الكائنات الحية، ولا يمكن أن تُعزى إلى الإحسان. إنها مجرد التزام بقانون وضعه الخالق للحيوانات وللبشر. لذا فإن تربية والديك لك ليست نوعًا من الإحسان. وبناءً على هذا، يمكن القول إن والديك ليسا دائنيك. إنهما يفيان بمسؤوليتهما تجاهك. ومهما كان مقدار دم قلبهما الذي يبذلانه من أجلك وكم من المال ينفقانه عليك، فلا ينبغي لهما أن يطلبا منك تعويضهما، لأن هذه مسؤوليتهما كوالدين. وبما أنها مسؤولية والتزام، فينبغي أن تكون مجانية، ولا ينبغي لهما أن يطلبا منك تعويضًا. من خلال تربيتك، كان والداك يفيان بمسؤوليتهما والتزامهما فحسب، وينبغي أن يكون ذلك دون مقابل، ولا ينبغي أن يكون معاملة تجارية. لذا، لا تحتاج إلى أن تقارب والديك أو تتعامل مع علاقتك معهما على أساس فكرة تعويضهما. أما إذا كنت تعامل والديك وترد لهما إحسانهما وتتعامل مع علاقتك بهما وفق هذه الفكرة، فهذا غير إنساني. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يجعلك هذا مقيدًا ومكبلًا بمشاعرك الجسدية، وسيكون من الصعب عليك الخروج من هذه التشابكات، لدرجة أنك قد تفقد طريقك" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (17)]. بعد قراءة كلمات الله، فهمت أن تربية الأبناء جزء من مسؤولية الوالدين وهو قانون ومبدأ وضعه الله للناس. لقد رباها والدها وأحضرها أمام الله، وكانت هذه هي المسؤولية التي أوكلها الله إليه. لا ينبغي لها أن تتعامل مع تربية والديها وتعليمهما لها على أنهما معروف، ولا ينبغي لها أن تفكر باستمرار في محاولة رده، بل ينبغي لها أن تحسن التعامل مع الأمر. أدركت أيضًا أن الله هو من رتب والديها وعائلتها، وهو من كان يحرسها ويحميها. تذكرت عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها. ذات مرة، في طريق عودتها إلى المنزل بعد العمل، اصطدمت بدراجتها النارية بكومة كبيرة من التراب على جانب الطريق. فطارت في الهواء وانقلبت لتهبط على ظهرها في منتصف الطريق بينما كانت شاحنة كبيرة تقترب. ضغط السائق على المكابح بقوة، وتوقف قبل أن يدهسها ببضعة أقدام فقط. في تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت، حتى لو كان والداها بجانبها، لما استطاعا حمايتها. ففي الخفاء، كان الله هو من حفظها، وسمح لها بالنجاة. فكرت أيضًا في السنوات التي قضتها في السجن. لم يكن بيد والدها إلا القلق، لكنه كان عاجزًا عن فعل أي شيء. وكلما شعرت بالسلبية والضعف، كانت تتذكر ترانيم كلمات الله، ومن خلال إرشاد كلمات الله، فهمت مقاصد الله واكتسبت الإيمان. فاختبرت أن الله وحده سندها الحقيقي، وأنه هو من تدين له بالفضل أكثر من أي شخص آخر، وأنه ينبغي لها أن تخضع لله وتتمم واجبها لترد لله محبته. فإذا فكرت فقط في بر والديها دون القيام بواجبها، لكان ذلك سلوك شخص يفتقر إلى الإنسانية. بعد فهمها لهذه الأشياء، اكتسبت طريقًا واضحًا للممارسة في قلبها، وأصبحت مستعدة لأن تحسن القيام بواجبها لتعزِّي قلب الله.
قبل أن تدرك ذلك، قد مضى ما يقرب من عامين منذ آخر مرة رأت فيها والدها. كانت تتلقى منه رسائل من حين لآخر، يخبرها فيها أن الشرطة لا تزال تضايقه، وأنه كان مريضًا ويتناول الدواء، وأنه في بعض الأحيان يشعر بسلبية وضياع ووحدة. وعندما كانت تقرأ هذه الأشياء، كانت تشعر ببعض القلق والانشغال بشأن والدها، ولكن حينها كانت تتذكر كلمات الله: "فإن والديك بين يدي الله، فما الذي لا يزال يدعو للقلق؟ لا داعي لأي قلق قد يراود المرء. سيعيش كل شخص بسلاسة وفقًا لسيادة الله وترتيباته حتى النهاية، ويصل إلى نهاية طريقه، دون أي انحراف. لذلك، لا يحتاج الناس إلى أن يقلقوا أنفسهم بشأن هذا الأمر بعد الآن. سواء كنت بارًا بوالديك، أو ما إذا كنت قد وفيت بمسؤولياتك تجاه والديك، أم ما إذا كان عليك أن تردّ إحسان والديك؛ هذه أمور لا ينبغي أن تفكر فيها، بل هي أمور يجب أن تتخلى عنها" [الكلمة، ج. 6. حول السعي إلى الحق. كيفية السعي إلى الحق (16)]. فأدركت أن والدها هو الآخر في يدي الله، وأن كل الأوضاع التي كان عليه أن يختبرها قد رتبها الله، وأن ترتيبات الله هي الأنسب دائمًا. فكرت لان يو في أنه عندما كانت في المنزل، كان والدها يعاني من ألم شديد في المرارة، ولكن على الرغم من شعورها بالضيق، لم تكن قادرة على القيام بأي شيء للمساعدة. كل ما استطاعت فعله هو تذكير والدها بتناول دوائه، لا شيء آخر. وفكرت أيضًا في أن والدها كان سلبيًا وضعيفًا، حتى أنه أراد الانتحار، ومن دونها إلى جانبه، كان الله هو مَن أناره وأرشده ليفهم مقاصد الله. لقد كانت كلمات الله هي التي قادته وأرشدته، ومنحته الإيمان ليختبر هذه الأوضاع. رأت أن الله يحرس الناس ويحميهم دائمًا في الخفاء، وأن مخاوفها لا داعي لها، وأنه ينبغي لها أن تأتمن الله على والدها وتركز ببساطة على حُسن القيام بواجبها. حينما فكََّرتْ بهذه الطريقة، استطاعت أن تتخلَّى عن قلقها ومخاوفها بشأن والدها. ومتى ما سنحت لها الفرصة، كانت تراسل والدها وتتحدث عن حالتها، وتشارك رُؤاها ومكاسبها الأخيرة، وعندما كانت حالة والدها سيئة، كانت تقدم له شركة بكلمات الله. لم تعد لان يو غارقة في شعورها بأنها مدينة لوالدها؛ بل تمكنت من تهدئة قلبها والتركيز على واجبها. ومن أعماق قلبها، شكرت الله على إرشاده!