الترعرع في غمرة العاصفة

2022 أغسطس 1

ذات يوم من شهر مارس 2013، كنّا، أنا وبضع أخوات، عائدين إلى المنزل من اجتماع، وما إن دخلنا المنزل حتّى رأينا أن المشهد كارثيّ فعلًا. تصوّرنا أن الشرطة قامت على الأرجح بتفتيش المكان، لذا تأهّبنا فورًا. مباشرة بعد تأهّبنا، قدِم بعض الأشخاص من ذلك المجتمع المحلي للاقتحام مع الشرطة. حاصرتنا الشرطة في حجرة الجلوس ثم ذهبت لتفتيش المكان. وعندما لم يكن أحد منهم ينظر، قمت بكسر شريحة الهاتف الخليوي التي كانت معي في جيبي. لاحَظَ أحد أفراد الشرطة ذلك وأجبرني على فتح يدي، وعند رؤيته الشريحة المكسورة، صاح بغضب: "قد تبدو شابة، ولكنها تعرف أمورًا كثيرة. خذوها إلى الاستجواب". كذلك طلب من إحدى الضابطات أن تفتشني، ثم وضعونا في سيارة الشرطة. كنت أشعر بخوف شديد، لذا صلّيت إلى الله: "يا الله، لا أعرف إلى أين يأخذونني أو كيف سيعذبونني. أرجوك أن ترشدني وتعطيني الإيمان. مهما عانيت، لا يمكنني أن أكون مثل يَهوذا. لا أستطيع أن أخونك". هدأت تدريجيًّا بعد الصلاة. اقتادتني الشرطة إلى حجرة الاستجواب في المخفر، وأمرتني برفع ذراعيّ والوقوف في وضعية القرفصاء. بعد مرور بضع دقائق، أصيبت ذراعاي بالإرهاق، وبدأت قدماي ترتجفان، كما شعرت بضيق في صدري. لقد انهارت قواي. بعدئذ أجلستني الشرطة على كرسي التعذيب وقيّدت قدميّ على نحو محكم بِساقَي الكرسيّ. بعد قليل، أحضرت شرطيّة مجرمة وسمينة بعض الوثائق إلى الغرفة وقالت لي: "نجري عملية اعتقال واسعة في جميع أنحاء البلاد، ونمسح المنطقة بحثًا عنكم أيها المؤمنون بالله القدير. قبضنا على جميع قادتكم وقمنا بتفكيك كنيستكم. فما فائدة الكِتمان عنّا؟ تكلّمي حتّى تستطيعي المغادرة". عند سماع ذلك، قدّرت أنها واحدة من خِدع الشيطان، وأن الشرطيّة تسعى من محاولتها إلى حملي على أن أكون مثل يهوذا. ولم يكن ينبغي عليّ الوقوع في الفخّ. حتى وإن تم اعتقال الكثير من الإخوة والأخوات، لا يمكنهم أن يفككوا عمل الله بمثل هذه السهولة. رددت بسرعة: يقول الله القدير، "نحن نثق أنه لا توجد دولة ولا قوة بإمكانها الوقوف في طريق ما يريد الله تحقيقه. أولئك الذين يعرقلون عمل الله، ويقاومون كلمته، ويُربِكون خطة الله ويعطّلونها سيعاقبهم الله في النهاية" (من "الله هو من يوجِّه مصير البشرية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). عند ذلك، تنحنحت وغادرت فحسب. بعدئذ شرع ضابط آخر في استجوابي: "متى أصبحت متديّنة؟ ومنذ متى وأنت في هذه المنطقة؟ من جميع الذين كنت على اتصال بهم؟ وأين كنت تقيمين؟". عندما لم أنبس ببنت شفة، هدّدني قائلًا: "إذا لم تتحدّثي، سنضربك حتى الموت ونلقي بجثتك عاليًا في الجبال". خطر في بالي أن هؤلاء الأشخاص يذبحون الآخرين كما لو أنّهم دجاج، وأن لا قيمة للحياة البشرية في نظرهم على الإطلاق. تساءلت عما إذا كانوا سيعمدون حقًا إلى ضربي حتى الموت. وعند شعوري بالخوف الشديد، تَلَوْت صلاة صامتة إلى الله ثم فكرت في كلماته هذه: "لا تخف، سيكون الله القدير رب الجنود بلا ريب معك؛ هو يحمي ظهركم وهو دِرعكم" (من "الفصل السادس والعشرون" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد"). علمت أن ذلك صحيح، وأن الله درعي، وأنه يسود على الجميع. إنّ جسدي وروحي بين يديه، لذلك فإن مسألة تعرضي للضرب حتى الموت من عدمها لا تعود للشرطة. أعطتني هذه الفكرة الإيمان والقوة. واصلت الشرطة استجوابي دون توقّف، ولكنني لم أخبرهم بأي شيء.

في الصباح الباكر من اليوم الثالث، قال أحدهم: "بِتِّ جاهزة للكلام؟". لم أنطق بأية كلمة. فغضب الشرطيّ، وأمسكني من ياقتي وصفعني على وجهي، ما أحدث طنينًا في أذنيّ وجعل وجهي يحترق. بعدئذ وفي غفلة عنّي، قام بإقحام بعض الأوراق داخل أنبوب وضربني به على عينيّ، الأمر الذي كان مؤلمًا جدًّا، حتّى أنني شعرت وكأنهما توشكان على السقوط. أغمضت عينيّ بشكل لاإراديّ. قال ضابط بغضب: "افتحي عينيك!". فتحت عينيّ ببطء، لكن لم يكن في وسعي رؤية أي شيء. ولم يكن في وسعي أن أبدأ في رؤية بعض الأشياء إلا بعد 10 دقائق على ذلك. كانت عيناي تؤلمانني كثيرًا وكل ما كنت أريده هو أن أغلقهما، لكن وبسبب اعتقادها بأنني مصابة بالنعاس الشديد، كانت الشرطة تضربني على رأسي بزجاجة ماء ثم يضربونني أحيانًا على رأسي وذراعيّ بواسطة أقدامهم. ولإبقائي متيقظةً، قاموا بتقييد شعري ويديّ بواسطة أشرطة لاصقة وربطهم بالجزء الخلفي من كرسي التعذيب. كان ينبغي عليّ أن أبقي رأسي بشكل منتصب. وفي محاولة للتخفيف من ألمي، كنت أناضل للاتّكاء على كرسي التعذيب فحسب. شعرت بدوار، وكان جسمي يؤلمني، واضطربت دقات قلبي، وكنت بائسة للغاية. خفت ألا أتمكّن من الصمود أكثر من ذلك، فظللت أصرخ إلى الله: "يا الله، أرجو أن تعطيني التصميم على المعاناة، أرجو أن تمنحني الإيمان. لن أنحني أبدًا أمام الشيطان!". في ألمي، فكرت في بعض كلمات الله: "ربما تتذكرون جميعكم هذه الكلمات: "لِأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا ٱلْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا". كلكم قد سمعتم هذه الكلمات من قبل، لكن أحدًا منكم لم يفهم معناها الحقيقي. أما اليوم فأنتم تدركون تمامًا أهميتها الحقيقية. هذه هي الكلمات التي سيحققها الله خلال الأيام الأخيرة، وستتحقق في أولئك الذين اضطُهِدوا بوحشية من قبل التنين العظيم الأحمر في الأرض التي يقطنها ملفوفًا. إنَّ التنين العظيم الأحمر يضطهِدُ اللهَ وهو عدوّه، ولذلك يتعرّضُ المؤمنون بالله في هذه الأرض إلى الإذلال والاضطهاد، وكنتيجة لذلك، تتحقق هذه الكلمات فيكم أيتها الجماعة من الناس. ولأنه يتم في أرضٍ تُعارضه، فإن عمل الله كله يواجه عقبات هائلة، كما أن تحقيق الكثير من كلماته يستغرق وقتًا، ومن ثمَّ تتم تنقية الناس كنتيجة لكلمات الله، وهذا أيضًا أحد جوانب المعاناة" (من "هل عملُ الله بالبساطة التي يتصورها الإنسان؟" في "الكلمة يظهر في الجسد"). من خلال كلمات الله رأيت أن الحزب الشيوعي هو عدوّ الله، وأن مُنتَسبيه يكرهون الله والحقّ. إنهم يريدون أن يفعلوا كلّ ما بوسعهم لمنعنا من الإيمان بالله، وحملنا على خيانته. لقد ولدت في بلد التنين العظيم الأحمر، فلا بدّ لي أن أعاني. لكن من خلال قمعه، رأيت كم أنّ الحزب الشيوعي شرير، وكم أنه يتعارض بشكل جوهري مع الله. أردت أكثر من أيّ وقت مضى أن أرفض الشيطان وأتطلّع إلى الله، وأتمتّع بالإيمان وأتمسّك بالشهادة، لإخزاء الشيطان ورؤيته يفشل. إن الحصول على هذه الفرصة للتمسّك بالشهادة لله هي بمثابة بركة منه، كما أنها نعمة خاصة. إن فهم ذلك أعطاني الإيمان ولم أعد أشعر بأن الأمر شاقّ جدًّا بالنسبة لي.

بعد ذلك شرعوا في استجوابي من جديد، وعندما بقيت صامتة، هدّدوني: "كلّما سارعتِ إلى الكلام، كلّما سهُل الأمر عليك. سنعطيك خمس دقائق للتفكير بذلك". بعدئذ وضعوا أمامي جهازًا لقياس الوقت، بدأ يعدّ بشكل تنازلي. وبينما كنت أرى هذه الفترة تَنقُص بدقائقها وثوانيها، صلّيت إلى الله بحرارة: "يا الله، لا أعرف ما الذي سيفعله بي هؤلاء الشياطين. أرجوك أن تحميَني. لن أسلِّم إخوتي وأخواتي مهما حدث". مرّت خمس دقائق، وعند رؤية أنني أصرّ على عدم الكلام، قيّد أحدهم يديّ بالأصفاد خلف ظهري، وأمسك بي من ياقتي واقترب من وجهي كثيرًا، ثم سألني بنبرة شرّيرة عمّن هو قائد الكنيسة وعمّن كنت على اتصال بهم. بقيت صامتة أيضًا، فأشعل سيجارة، ونفث الدّخان في وجهي المرّة تلو الأخرى. جعلني الدّخان أرغب في التقيؤ، وانهمرت الدموع على وجهي. بعدئذ صفعني على وجهي بقوّة وضربني على أذني اليمنى، فأصمّني. عند رؤية أنني أصرّ على عدم الكلام، انفغرت عيناه من الغضب وضغط على عنقي بكلتا يديه، قائلًا: "هل ستتحدّثين أم ماذا؟ إذا لم تفعلي، فسوف أكتم أنفاسك. لن تنسيَني أبدًا، وستراودك كل ليلة كوابيس عن ضربي لك". أحكم الشدّ على خناقي حتّى أنني لم أعد قادرة على التنفّس بشكل سليم، وشعرت أنني أوشك على لَفْظ آخر أنفاسي. أبلغته بأن ليس لديّ ما أقوله، حتّى وإن قام بخنقي. بعدئذ دخل ضابط طويل وأشار إلى الشخص الذي يشدّ على خناقي بأن الغرفة مزوّدة بكاميرات مراقبة، لذا ينبغي عليه أن يقتادني إلى إحدى الزوايا لضربي. تمكّنت أخيرًا من التنفّس. قام بسحبي من كرسيّ التعذيب وشدّني من أصفاد يديّ، ثمّ دفعني إلى إحدى زوايا الغرفة، وأمسك برأسي وأخذ يضربه في الحائط. لا أذكر إلى متى ظلّ يفعل ذلك، وفي آخر مرّة ضرب رأسي في لوحة تتدلّى من الحائط. شعرت وكأن قواي استُنفدت تمامًا، فسقطت على الأرض مُصدرةً صوت خبطة خافتة. شعرت وكأنّ العالم يدور من حولي، وكأنّ رأسي على وشك أن ينفجر، وكأنّ قلبي ممزق إلى أشلاء. لم يكن في وسعي أن أفتح عينيّ وشعرت وكأنني أختنق. كان ذلك مؤلمًا بشكل لا يصدق. صلّيت إلى الله: "يا الله، أرجوك أن تكتم أنفاسي فيّ فلا يتعيّن عليّ أن أعاني من هذا العذاب أكثر من ذلك". بعد فترة قصيرة، تمكّنت من فتح عينيّ بشقّ الأنفس، وتساءلت: "لِمَ لَمْ أمُتْ؟". ثمُّ أدركت أنه لا ينبغي عليّ أن أطلب من الله أن يكتم أنفاسي، وأنّ ذلك كان طلبًا غير عقلانيّ. لقد أرادني الله أن أستمرّ في الحياة، وأن أتمسّك بالشهادة وأخزيَ الشيطان. لكنني كنت آمل أن أهرب من تلك المعاناة، وأن أموت لأهرب منها. لم يكن ذلك بمثابة تقديم للشهادة. شعرت بنوع من الذنب عندما حدث لي ذلك.

وفي تلك اللحظة عينها، سمعت شرطيًا يصيح: "قومي! قومي!". ركلني عندما لم أرُدّ، وقال: "هل تتظاهرين بالموت؟". تَلَوت صلاة صامتة: "يا الله، إنّ هؤلاء الشياطين يقومون بتعذيبي لكي أخونك. أرجو أن تعطيني الإيمان. سأتمسّك بالشهادة لك حتى وإن كلّفني ذلك حياتي". أمسك أحدهم بي من كتفيّ وجذبني بشكل جزئي إلى الأعلى، ثم تركني فجأة لأرتطم بالأرض. كانت يداي وظهري يؤلمونني كثيرًا بسبب تقييد يديّ بالأصفاد طوال تلك الفترة، لذا طويت جسمي بشكل مستدير على الأرض في محاولة لتخفيف الألم بعض الشيء. بعدئذ جرّني ضابطٌ إلى أعلى، وجعلني أقف بشكل مستقيم في مواجهة الحائط، وقبل أن تسنح لي فرصة إظهار أية ردة فعل، ركلني على فخذي الأيسر. سقطت أرضًا وأنا أتلوّى من الألم فصاح في وجهي: "قفي!". لكن جسمي برمته كان يؤلمني لدرجة أنني عجزت عن النهوض. بعدئذ ركلني في خصري، فكتم أنفاسي للحظة. شعرت عندها وكأنني تعرضت لطعنة. جرّني شرطيّ آخر إلى زاوية الغرفة وصفعني على وجهي، متسبّبًا بنزيفٍ في طَرَفي فمي. بعدئذ أشعل سيجارة وقال: "إذا بقيتِ صامتة، سأحرق وجهك بهذه السيجارة، وستصبحين مشوّهة". ثم وضع السيجارة بمحاذاة وجهي. عندما شعرت بالسخونة المنبعثة من السيجارة، أُصِبت بخوف شديد، وفكّرت: "لو قام بإحراقي، فسيخلّف ذلك ندوبًا رهيبة وسيُحدّق الآخرون في وجهي ويسخرون منّي أينما ذهبت". كان التفكير في الناس وهم يشيرون إليّ ويغتابونني أمرًا مروّعًا. بعدئذ تذكرت كلمات الله هذه: "لا يتدرَّب جنود المملكة الأكفاء ليكونوا مجموعة من الناس ليس بوسعهم إلَّا الكلام عن الحقيقة أو التباهي؛ بل يتدرَّبون ليحيوا بحسب كلام الله دائمًا، وليبقوا أشدَّاء مهما قابلوا من انتكاسات، وليعيشوا وفق كلام الله، وألَّا يرجعوا إلى العالم. هذه هي الحقيقة التي يتحدَّث عنها الله، وهذا هو ما يطلبه الله من الإنسان" (من "ليس اقتناء الحقيقة إلَّا ممارسة الحق" في "الكلمة يظهر في الجسد"). من كلمات الله، فهِمتُ أنّ المؤمن الحقيقيّ يستطيع، مهما حدث، أن يظلّ ثابتًا في إيمانه بالله وألّا يستسلم أبدًا لقوى الظلام، أو يخون الله. أرادت الشرطة أن تهدّدني بتشويه ملامحي لكي أخون الله، وما كان يجدر بي أن أقع في الفخّ. وعلاوة على ذلك، حتّى وإن تعرّضت لتشويه ملامحي، ولم أتصرّف مثل يهوذا بل تمسّكت بالشهادة، سأتمكّن من ربح قبول الله وسأكون في سلام داخل قلبي. وفي المقابل، لو خنت الله لحماية نفسي، فسأظلّ أعيش بشكل مُشين، ولن يجد ضميري السّلام أبدًا. إن ذلك سيكون وضعًا لا يطاق. فكّرت في جزءٍ من ترنيمةٍ للكنيسة: "رغم أن رؤوسنا قد تنكسر ودماءنا قد تسيل، فإن العمود الفقري لشعب الله لا يمكن أن ينثني" (من "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). شعرت بطفرة من الإيمان وبالشجاعة لمواجهة تعذيب الضبّاط. أغمضت عينيّ وصلّيت بصمت: "يا الله! مهما عذّبوني، وحتّى إن قاموا بإحراق وجهي، سأتمسّك بالشهادة. أرجو أن تعطيني الإيمان والقوة لتحمّل ذلك". بعدئذ صررت أسناني وشددت قبضتَي يديّ. إثر ظنّه أنني أفعل ذلك بدافع الخوف، بدأ الشرطيّ يضحك بشكل جنوني. فتحت عينيّ ونظرت إليه مباشرة، فقال بابتسامة باردة: "لقد غيّرت رأيي. سأقوم عوضًا عن ذلك بإحراق لسانك، وإحراقه جيّدًا بحيث لا يعود باستطاعتك أن تتكلّمي حتّى". عند قوله ذلك، حاول أن يفتح فمي عنوة، لكنه فشل في ذلك رغم محاولاته الحثيثة. من فرط غضبه، أمسك بكتفيّ وداس على قدميّ، ثم قفز إلى الأعلى وداس بقدميه على قدميّ من جديد وحَدَلَهما إقبالًا وإدبارًا. بعدئذ أمسك بأصفاد يديّ وجذبهما بشدّة إلى الأمام ثم إلى الخلف، وجعلني في حال من الذهول. آلمني معصماي بشدّة وشعرت وكأن ذراعيّ ستنخلعان. قال ساخرًا: "أليس إلهك قديرًا؟ فليأتِ ويخلّصك!". صلّيت إلى الله، ودعوته بحرارة، وكنت مترعة بالحقد تجاه أولئك الوحوش.

بعد أن استنفد قواه، اتّكأ على الطاولة ليدخّن. تساءلت عن أساليب التعذيب الإضافية التي سيستخدمونها ضدّي وما إذا كان سينتهي بي المطاف ميّتة. وفي هذه الحال، تمنّيت لو أن ذلك يحدث بسرعة، لأن ذلك الجحيم الحيّ الذي كانوا يضعونني فيه آنذاك كان لا يطاق. لم أكن أعلم متى سينتهي كلّ ذلك. كلما فكّرت بذلك أكثر، كان خوفي يزداد. وفكّرت: "لا يمكنني إطلاقًا أن أغدُرَ بقادة الكنيسة أو الإخوة والأخوات، لذا ربّما أمكنني أن أكتفي بإطلاعِهم على كيفيّة تحوّلي إلى مؤمنة، فأنتهي من ذلك، ويتوقّفون عن ضربي". بعدئذ فكّرت: "إنّ والديّ مؤمنان. فإذا تكلّمت إليهم، فقد أورّطهم وأورّط بعض الإخوة والأخوات أيضًا. وسيجعلني ذلك مثل يهوذا وسيعاقبني الله". بعدئذ تذكرت هذه الترنيمة من كلمات الله: "الإيمان أشبه بجسرٍ خشبيّ مُشيَّد من جذع واحد، بحيث يجد الذين يتشبّثون بالحياة في وضاعةٍ صعوبةً في عبوره، أمّا أولئك المستعدون لبذل أنفسهم فيمكنهم المرور عليه واثقي الخطى من دون قلقٍ. إذا كانت لدى الإنسان أفكار جُبن وخوف، فلأن الشيطان قد خدعه؛ إذ يخشى الشيطان أن نعبر جسر الإيمان للوصول إلى الله. يحاول الشيطان بكلّ الطرق الممكنة توصيل أفكاره إلينا، فيجب علينا أن نُصلّي دائمًا إلى الله حتى ينيرنا بنوره، ونتكل عليه في كل لحظة لتطهيرنا من سُمّ الشيطان الذي بداخلنا، ونمارس في أرواحنا كل حين كيفية الاقتراب إلى الله، وندَع الله يملك السيادة على كياننا بأكمله" (من "وراء المرض محبة الله" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). أدركت أن التفكير بالتكلّم أمامهم بدافع الجُبن يعني الاستسلام لخِدع الشيطان. رأيت أن إيماني بالله كان ناقصًا حقًّا، وأنني كنت أفتقر إلى العزم على تحمّل المعاناة. لقد استطعت أن أصمد حتى تلك اللحظة، ليس بسبب قامتي، بل لأن كلمات الله كانت ترشدني خطوة بخطوة. عند ذلك الحدّ، شعرت أنني بحاجة ماسّة إلى الاتّكال على الله والتمتّع بالإيمان، ومهما عذّبوني، لم يكن في وسعي إطلاقًا أن أخون الله. قلت صلاة في قلبي: "يا الله، أضع حياتي بين يديك وسأقبل بترتيباتك. لن أكون مثل يهوذا حتى وإن عذّبوني حتّى الموت". بعدئذ، كم كانت دهشتي عظيمة عندما قام مدير الشرطيين باستدعائهم للمغادرة. قدّمت الشكر بصمت إلى الله.

بعد فترة وجيزة، أتى ضابط إلى مدخل الغرفة وقام بالتقاط صورة لي، ثم قال: "سأنشر صورتك عبر الإنترنت وأجعل منك "شخصية مشهورة" بحيث يتعرّف على ملامحك جميع أصدقائك وأقاربك والناس برمّتهم، ويرون أنكم، أنتم المؤمنين، معتوهون". لم يُخِفني ذلك إطلاقًا، وأجبت: "ألستم أنتم من جعلني أبدو هكذا؟ إن نشر هذه الصورة عبر الإنترنت لن يؤدي سوى إلى جعل الجميع يرون الحقيقة بشأن كيفية اضطهادكم للمسيحيين". قالت ضابطة: "حسنًا، أنا مقتنعة. لا أدري حقًّا كيف يبدو إلهكم أو من أين تأتي قوّتكم كلّها. بعد كل ذلك، ما زلت تصرّين على الاحتفاظ بمعتقداتك. لم أتخيّل أبدًا أن شابّة في مثل سنّك قد تكون بمثل هذه الصلابة". قدّمت الشكر لله في قلبي عندما سمعتها تقول ذلك. بعدئذ فكّرت في كلمات الله هذه: "لقوة حياة الله القدرة على السمو فوق أي قوة، بل والتفوق على أي قوة؛ فحياته أبدية وقوته غير عادية، ولا يمكن لأي مخلوق أو عدو قهر قوّة حياته" (من "وحده مسيح الأيام الأخيرة قادر أن يمنح الإنسان طريق الحياة الأبدية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). خلال كل تلك الأيام، كانوا يسعون إلى تدميري وتعذيبي، ولَكَم شعرت بالجبن والضعف، حتى أنني أردت الهروب من ذلك عن طريق الموت، لكن الله كان معي، وكان يحميني، ولقد أعطتني كلمات الله الإيمان والقوّة، وقادتني إلى التغلب على كل ذلك التعذيب الوحشي. قدّمت شكرًا صادقًا لله.

وعندما اقتادتني ضابطة إلى الحمّام بعد فترة وجيزة، قالت لي: "سيستجوبونك قريبًا من جديد، ويُستحسن بك أن تتكلّمي. وإلا فستوضعين في السجن لسنوات، وستخرجين من هناك مشلولة بعد قضاء فترة عقوبتك. هل تعرفين الطريقة التي تُعامل بها السجينات؟ إن النساء يضربن إحداهن الأخريات، وسيقُمن بإقحام قضبان خشبية بين رجليك. إذا وضعن قبضتهن عليك، فستَتَدمّرين". إن سماعها تقول ذلك أثار اشمئزازي وأخافني على حد سواء، وأمام احتمال أن أصبح معوّقة وأنا فقط في العقد الثاني من عمري، لم أكن أعرف حقًّا كيف يمكنني تدبّر أمري بعدئذ. بوصفي ولدًا وحيدًا، لن يكون لأبويّ أحدٌ يعتمدون عليه في حال أصبحت معوّقة. بعدئذ تذكّرت كلمات الله هذه: "لقد قدَّمَ إبراهيم اسحق، فما الذي قدمتموه أنتم؟ وقدَّم أيّوب كل شيء، فما الذي قدّمتموه أنتم؟ قدّم أشخاص كثيرون حيواتهم، وضحّوا بأرواحهم، وسفكوا دمائهم من أجل السعي وراء الطريق الصحيح. هل دفعتم هذا الثمن؟" (من "أهمية تخليص ذرّية مؤاب" في "الكلمة يظهر في الجسد"). لقد قدّم ابراهيم ولده الوحيد، وعندما جُرّب أيّوب بخسارة كل ما يملك كما بالدمامل التي غطّت كل أنحاء جسده، استهزأ به أصدقاؤه وسخرت منه زوجته، لكنه لم يلُم الله إطلاقًا، بل تمسّك بالشهادة. لقد تمتّع ابراهيم وأيوب بإيمان حقيقيّ بالله وقدّما شهادة مدوّية من خلال التجارب. كان ينبغي عليّ اتّباع مثَلَهم والتمسّك بالشهادة مهما عانيت، لإذلال الشيطان. تَلوت هذه الصلاة الصامتة إلى الله: "يا الله، أنا أؤمن أن جميع الأشياء خاضعة قطعًا لحكمك، وأنّ احتمال أن أصبح معوّقة من عدمه هو بين يديك. مهما حدث لي أو مهما عانيت، أنا مستعدّة للتمسّك بالشهادة وإرضائك". لذا قلت للضابطة: "إن ذلك سيكون أمرًا يعافه الضمير. لن يجد ضميري السلام إطلاقًا إذا غدرت بإخوتي وأخواتي. حتّى وإن حُكم عليّ بعقوبة، لن أقوم إطلاقًا بأمر أعلم أنه خاطئ". شعرت الضابطة بالإحراج، فأعادتني إلى حجرة الاستجواب دون أن تنطق بكلمة. في الصباح الباكر من الأوّل من أبريل، أتت الشرطة لاستجوابي، لكنني أصرَرت على عدم قول أيّ شيء. حوالي الساعة 2 من بعد ظهر ذلك اليوم، وضعوني في عربة لنقل السجناء لاقتيادي إلى مرفق غسيل الدماغ. أنشدت هذه الترنيمة من كلمات الله سرًّا في قلبي على طول الطريق المؤدية إلى هناك: "إن لم يكن لدى الناس أي ثقة، فليس من السهل عليهم مواصلة السير في هذا الطريق. يمكن لأي شخص أن يرى الآن أن عمل الله لا يتماشى مطلقًا مع مفاهيم الناس، لقد فعل الله قدرًا كبيرًا من العمل وقال كثيرًا من الكلام الذي لا يتماشى بالكامل مع المفاهيم الإنسانية، وبالتالي يجب أن يكون لدى الناس ثقة وقوة إرادة ليكونوا قادرين على الثبات على ما قد رأوه بالفعل وما اكتسبوه من خبراتهم. وبغض النظر عما يفعله الله في الناس، يجب عليهم أن يحافظوا على ما يمتلكونه بأنفسهم، ويكونوا مخلصين أمام الله، ويبقوا مكرسين له حتى النهاية. هذا هو واجب البشرية. على الناس المحافظة على ما ينبغي عليهم فعله" (من "يجب أن تلتزم بواجبك" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). كنت أعرف بالفعل أن الإيمان يعني التعرّض للقمع وتحمّل المعاناة، كما عزمت على التمسّك بالشهادة وإرضاء الله مهما كان نوع القمع أو المعاناة التي أواجهها، لكن عندما واجهت ذلك فعلًا، أدركت أن التمسّك بالشهادة ليس بالبساطة التي كنت أتصوّرها. لا يتعلّق الأمر فقط بأن يكون المرء مفعمًا بالحماس، بل يتطلّب التمتّع بالثقة والتصميم على تحمّل المعاناة. كان الله يختبرني من خلال هذه البيئة المتوحّشة ليكمّل إيماني، ويطهّرني، ويخلّصني. لقد آمنت أن الله سيرشدني مهما حدث. وبينما كنت أنشد الترنيمة كَبُرَ إيماني، وعرفت أنهم مهما عذّبوني، ينبغي عليّ الاتّكال على الله واتّباعه حتى النهاية.

عندما وصلنا إلى مجمّع التثقيف القانوني، كلّفت الشرطة ضابطين بمراقبتي على مدار الساعة، وطرح أسئلة عليّ عن الكنيسة والقيام بغسل دماغي، وحملي على كتابة شيء ما أنكر فيه إيماني. في صباح اليوم الثالث من وجودي هناك، قالوا إنهم سيعرضون عليّ مقطع فيديو قاموا بتصويره في بلدتي الأم. عند ذلك، انقبضت نفسي بشدة وتساءلت عما إذا كانوا قد قاموا بتفتيش منزلي، وعما إذا كان والداي قد وقعا في ورطة. كنت أخشى من أن ينعكس ذلك أيضًا على بعض الإخوة والأخوات في الكنيسة. تفاقم خوفي كثيرًا. لم يكن في وسعي التوقف عن التململ في كرسيّ وشعرت وكأنني فقدت الشعور بأطرافي. صلّيت إلى الله في قلبي. في مقطع الفيديو، بدا والدي وكأنه مصاب باليرقان وقال لي بضعة أشياء، شجّعني بلباقة من خلالها على الاتّكال على الله والتمسّك بالشهادة. عند سماع ذلك، انهمرت الدموع من وجهي وشعرت بانزعاج شديد. أدركت أيضًا أن الشرطة كانت تحاول التلاعب بمشاعري لحملي على خيانة الله واحتقرت الحزب الشيوعي بكل جوارحي. فكّرت بما قاله الله في هذا الخصوص: "الحرية الدينية؟ حقوق المواطنين المشروعة ومصالحهم؟ كلها حيلٌ للتستّر على الخطية!" (من "العمل والدخول (8)" في "الكلمة يظهر في الجسد"). إن الحزب الشيوعي يؤيّد الحرية الدينية بشكل ظاهريّ، لكنه في الحقيقة يعتقل المسيحيين ويضطهدهم بجنون، ويعذّبهم بوحشيّة، ويُصْدِر عليهم أحكامًا لا تستند إلى أية إثباتات. إنّه يُجبر عددًا لا يحصى من المسيحيين على البقاء متوارين عن الأنظار، فيعجزون عن رؤية أَبويهم أو تربية أبنائهم. إن الحزب الشيوعي يرتكب كل ذلك. وهو المسؤول الأساسي عن شق صفوف العائلات المسيحية. تنحّى الضباط جانبًا وأخذوا يستهزئون بي عندما رأوني أبكي، واعتقدوا أنني سأتكلم بالتأكيد بعد ذلك. لكن عندما بقيت مصرّة على عدم الكلام، ضربوا الطاولة وكالوا لي الشتائم، ثم استداروا وغادروا.

بعد شهر، عاد بضعة ضباط لاستجوابي من جديد وأروني صورًا، وطلبوا مني أن أتعرّف على هويّة الإخوة والأخوات. قال أحدهم: "إذا لم تعترفي بشيء، ستُعاقبين على جرائم الآخرين، وسأرى كم يمكننا تحميلُك. سينتهي بك المطاف محكومة بالسجن لثماني أو عشر سنوات، وعندها سنرى مدى صلابتك!". قال آخر في محاولة منه لإغرائي: "جارينا فحسب واكتبي بأنك تخلّيت عن الدّين وسنفعل كل ما تشائين". لم أتزحزح عن موقفي، فحاول أن يغريني من جديد: "أعلم أنك الولد الوحيد لأَبوَيك، وأنهما عملا بجدّ منقطع النظير لتربيتك. قد لا تأبهين بنيل عقوبة طويلة الأمد الآن، لكنّك ستبتأسين عندما يأتي ذلك اليوم فعلًا ويكون وقت الندم قد ولّى. أمامك خياران: 1. التخلّي عن دينك وإنكار الله القدير فنقوم بإعادتك مباشرة إلى المنزل. 2. الإصرار على الاحتفاظ بإيمانك والذهاب إلى السجن. يُستحسن أن تفكّري جيّدًا بذلك". كنت أشعر بنوع من الصراع الداخلي. إن قمت بكتابة ذلك التصريح عن عدم الإيمان، فسيشكّل ذلك خيانة لله، أمّا إن اخترت إيماني، فسأذهب إلى السجن. هل سيُتاح لي بعدئذ رؤية أَبويّ من جديد؟ إذا ذهبت إلى السجن، سيُسيء الناس حتمًا الظنّ بأبويّ، وسينتقِدُهم ذووهم من غير المؤمنين. وسيكون الأمر شاقًّا حقًّا بالنسبة لهم. في مقطع الفيديو الذي شاهدته، بدا وجه والدي صفراويًّا ومتورّمًا. فهل أنّه يعاني من مشاكل صحيّة؟ جعلتني هذه الفكرة أكثر ابتئاسًا، وواجهتُ صراعًا داخليًّا حقيقيًّا، فصلّيت: "يا الله، لا أستطيع أن أخونك، لكن لا يمكنني التخلّي عن والديّ. يا الله، ما الذي ينبغي عليّ القيام به؟". وفي تلك اللحظة عينها، خطرت في ذهني كلمات الله هذه: "لا يهم من يهرب، فأنت لا يمكنك ذلك. لا يؤمن الآخرون، إنما أنت عليك أن تؤمن. يتخلى الآخرون عن الله، إنما عليك أنت أن تتمسك بالله وتقدم الشهادة له. يشتم الآخرون الله، إنما أنت لا يمكنك ذلك. ... عليك أن تبادله المحبة وأن يكون لديك ضمير؛ لأن الله بريء" (من "أهمية تخليص ذرّية مؤاب" في "الكلمة يظهر في الجسد"). "أن يكون لديك ضمير"؛ إن هذه الكلمات بقيت تتردد في أذنيّ. على مدى سنواتي في الإيمان، تمتّعت بالكثير من نعمة الله وبركاته. تعلّمت كذلك بعض الحقائق، وأيّ نوع من الأشخاص ينبغي عليّ أن أكون. ربحت الكثير من الله. إن خيانته ستكون أمرًا يَعافَه الضمير. لكن عند التفكير في الله من جهة، وفي أبَوَيّ من جهة أخرى، بدا القرار الذي ينبغي اتّخاذه موجِعًا. إنّها معركةً شرسةً جدًا كانت تدور في داخلي. تلَوت بصمت صلاة، وسألت الله أن يرشدني ويعطيني الإيمان. تواردت إلى ذهني كلمات الله هذه بعد صلاتي: "أليس هناك العديد بينكم ممن تأرجحوا بين الحق والباطل؟ وفي المنافسة بين الإيجابيات والسلبيات، والأبيض والأسود، أنتم تدركون حقًّا الخيارات التي قمتم بها بين العائلة والله، وبين الأطفال والله، وبين الطمأنينة والتشتت، وبين الغنى والفقر، وبين المكانة والحالة العادية، وبين أن تتلقوا الدعم وأن يتم التخلي عنكم، وغير ذلك من الخيارات. عند الاختيار بين العائلة الهادئة المطمئنة والعائلة الممزقة، قمتم باختيار الأولى، وفعلتم ذلك دون أدنى تردد، وكذلك عند الاختيار بين الغنى والواجب قمتم باختيار الأول حتى دون أن توجد لديكم إرادة العودة إلى بر الأمان(أ) وعند الاختيار بين الرفاهية والفقر قمتم باختيار الأولى، أما وعند الاختيار بين أبنائكم وبناتكم وزوجاتكم وأزواجكم وبيني فقد اخترتم الأولى عليّ، وعند الاختيار بين التصورات والحق اخترتم الأولى أيضاً. وبعد أن قُوبلتُ بكل ضروبِ أعمالكم الشريرة فقدتُ ببساطة الثقة فيكم. يُذهلني تمامًا أن قلوبكم عصيّةٌ جدًا على أن تلين، ... إذا ما طُلب منكم الاختيار من جديد، فماذا سيكون موقفكم؟ هل سيبقى هو الأول؟ هل ستظلّون تسببون لي خيبة الأمل والحزن البائس؟ هل ستبقى قلوبكم تمتلك النزر اليسير فقط من الدفء والحماس؟ هل ستظلون غير مدركين ما ينبغي أن تفعلوا لتريحوا قلبي؟ ما هو اختياركم في هذه اللحظة؟" (من "إلى مَنْ تكون مخلصًا؟" في "الكلمة يظهر في الجسد"). شعرت أن الله كان يقف في جانبي مباشرة، وينتظر جوابًا مني. علمت أنه لا يمكنني أن أخون الله من أجل روابطي الجسدية، للتمتع بالانسجام الأسري. إن الله قدير، وإن صحة أَبَويّ وحياتهم هي بين يديّ الله. إن القلق المستمر عليهم بيّن فحسب أنني كنت أفتقر إلى الإيمان بالله. قد لا يتمكّن أحدنا من رؤية الآخر، لكنني عرفت أننا ما دمنا نتّكل على الله، فسيرشدنا. إن هذه الفكرة أحْيَت إيماني، وشعرت بأنني مستعدّة لإهمال جسدي في سبيل إرضاء الله. تَلَوت صلاة: "يا الله، أنا مستعدّة لأن أضع أَبَويّ بين يديك وأخضع لترتيباتك". لذا شددت قبضتيّ، ووقفت منتصبة، وقلت: "لقد اتّخذت قراري، وأنا أختار المضيّ قُدُمًا مع الله القدير. إنه الإله الواحد الحقّ الذي خلق السموات والأرض وجميع الأشياء، وهو الرب يسوع العائد. لن أنكر الله أبدًا". ما إن قلت ذلك حتّى شعرت أنني في سلام تامّ. لولا إرشاد كلمات الله، لكنت واجهت مشقّة عظيمة في التغلّب على حيل الشيطان. أظهر الضابط شراسته ما إن رأى مدى صلابتي. ضرب حزمة سميكة من الأوراق على الطاولة أمامه ثم صفعني بها على وجهي، وصرخ عليّ: "إن قضيّتك خاسرة! هل تظنّين أنك من خلال عدم الكلام، ستجعليننا عاجزين عن معرفة أي شيء؟ دعيني أوضّح لك ذلك لقد كنّا نتعقّبكم بالفعل على مدى ثلاثة أشهر، فهل تظنّين أننا لا نعرف كل شيء عنكم؟ نريد فقط أن نرى ما إذا كنتم ستتخذون الموقف الصحيح، لذا فكّروا جيّدًا في ذلك". قلت: "لن أنكر الله، ولن أخونه، حتّى وإن عنى ذلك التعرّض لعقوبة السجن". بعدئذ، اقتادوني إلى مركز الاعتقال التابع للبلديّة.

كنت أصاب غالبًا بحمّى شديدة، وكانت قدماي ويداي متورّمتان، وكانوا يجعلونني أجلس متربّعة على مدى ساعتين كل يوم. كنت أتعرّض للركل في خصري خلال الاستجواب، ما تسبب بضرر في كُلْيتي، لذا كان خصري يؤلمني بشدّة لدرجة أنني كنت أعجز عن الجلوس بشكل مستقيم. ولم يكن في وسعي حقًّا التخلّص من ذلك الألم إلا بعد الذهاب إلى النوم في كل يوم، كما أنّهم كانوا يوقظونني غالبًا لحضور الفترة المسائية. بعد بضعة أسابيع، بدأت أواجه صعوبات في التبوّل، وتورّمت معدتي وأخذت تؤلمني، وشعرت بألم في خصري كذلك. وعلاوة على ذلك، في حوالي الساعة السادسة أو السابعة من مساء كل يوم، كانت حرارتي ترتفع بشكل سريع وفُجائيّ وكان وجهي يلتهب. فحصني طبيب، وقال إن لديّ جِرابًا في كُلْيتي اليسرى بِعَرض ثلاثة سنتيمترات تقريبًا، وإنه كان ملتهبًا. عندما كان يؤلمني فعلًا، كنت أصلّي إلى الله وأدنو منه، وأنشد ترانيم التسبيح له، فأنسى ألمي.

بعد قضائي 27 يومًا في مركز الاعتقال، أخلوا سبيلي بكفالة على ذمة المحاكمة، وظننت أنّه أصبح باستطاعتي فعلًا الذهاب إلى المنزل. لكن كم دُهشت عندما اقتادتني شرطة بلدتي الأم ومسؤولو الحكومة المحلية مباشرة إلى منشأة أخرى لغسل الدماغ لقضاء 48 يومًا إضافية من الهداية وغسيل الدماغ، اقتادوني بعدها إلى مخفر الشرطة المحلّية من أجل التسجيل. استدعاني قائد الشرطة إلى مكتبه وقال: "أنت الآن حرّة بكفالة على ذمة المحاكمة، لذا فإن قضيّتك معلّقة. فَعَلى مدى سنة كاملة، لا يحقّ لك مغادرة تخوم المدينة، وحتى إن تعيّن عليك الخروج منها في مهمّة اضطرارية إلى منطقة محاذية، يتعيّن عليك أن تأتي إلى هنا أوّلًا لإعلامنا بذلك وطلب الإذن، وينبغي عليك أيضًا أن تكوني مستعدّة للمجيء لمواجهتنا فور تبلّغك بذلك". عدت إلى المنزل، ولكنني لم أكن أتمتع بأية حريّة، وكان أحدهم يتعقّبني في كل مرّة كنت أتوجّه فيها إلى المدينة. بعد مرور عدّة أشهر، اضطرت لمغادرة منزلي من أجل أداء واجبي. فَأرسلت الشرطة أحدهم للتحرّي عنّي في المنزل وتقصّي حالتي الدينية، وأبلغ عائلتي بأنني إذا استمررت في ممارسة إيماني سأتعرّض للاعتقال من جديد، وأن عليّ أن أحضُر إلى مخفر الشرطة. شعرت بالغيظ عندما سمعت ذلك. لكنّني فكّرت: "بالطبع لديّ إيمان، وليس ذلك فقط، بل سأقوم بمشاركة الإنجيل وتقديم الشهادة رغم كل شيء! سأمضي بالتأكيد قُدُمًا إلى الأمام من خلال الاتّكال على الله". شكرًا لله!

الحواشي:

(أ) "العودة إلى بر الأمان": تعبير صيني معناه: "عودة المرء عن طرقه الشريرة".

كيف يمكن لنا نحن المسيحيون أن نتحرَّر من رباطات الخطية ونتطهَّر؟ لا تتردد في الاتصال بنا لتجد الطريق.

محتوى ذو صلة

النضال لأجل النزاهة

يقول الله القدير، "ملكوتي يطلب الصادقين، لا المنافقين ولا المخادعين. أليس الحال أنّ المخلصين الصادقين لا يحظون بشعبية في العالم؟ أنا على...

اتّباع طريق الإيمان بالله

بقلم: رونغوانغ، مقاطعة هيلونغجيانغ عام 1991، وبنعمة الله، بدأت أتّبع الله القدير بسببِ داءٍ. في ذلك الوقت، لم أكن أعلم شيئًا عن الإيمان...

روحٌ مُتشامخة قبل السقوط

بقلم بايكسو – مدينة شينيانج نُقِلْتُ إلى منطقة عمل أخرى نظرًا لحاجة العمل؛ وفي ذلك الوقت، كنت في غاية الامتنان لله. كنت أشعر أنه كان ينقصني...