قصة التعرّض للاعتقال مرتين

2022 أغسطس 1

ذات مساء من شهر سبتمبرأيلول 2002، كنا، أنا وأخ أصغر مني سنًّا، في طريق العودة إلى المنزل من مشاركة الإنجيل، حين فوجئنا برجلين قادمين نحونا، كل وحد من أحد جانبي الطريق، وهما مزوّدان بمصابيح عمال المناجم. بعد أن سلّطا أضوائهما الساطعة مباشرة على وجوهنا، حاصرانا بينهما. أخرج أحدهما وثيقة، وقال: "نحن الشرطة!". انتزعا حقيبتي من سلة دراجتي وأمرانا بالجلوس في وضع القرفصاء للتفتيش. شعرت بتوتر شديد، ذلك أنني لم أكن أعلم كيف ستعاملنا الشرطة. صلّيت إلى الله بصمت وطلبت منه أن يمنحني الإيمان. لم أكن أريد أن أكون مثل يهوذا، مهما كلّف ذلك. تذكرت ما قاله الله في هذا الصدد: "الإيمان أشبه بجسرٍ خشبيّ مُشيَّد من جذع واحد، بحيث يجد الذين يتشبّثون بالحياة في وضاعةٍ صعوبةً في عبوره، أمّا أولئك المستعدون لبذل أنفسهم فيمكنهم المرور عليه واثقي الخطى من دون قلقٍ" (من "الفصل السادس" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد"). كنت أعلم أنه ينبغي عليّ الاتّكال على الله والتمتع بالإيمان، وأن أكون جاهزًا لتقديم حياتي، لأن تلك هي الطريقة الوحيدة التي تمكّنني من التمسّك بالشهادة.

دفعتنا الشرطة إلى داخل سيارتهم، وبعدئذ انتظرت إلى أن كانا غير منتبهين، وثبّت جهاز المناداة الذي أمامي على جانب المقعد وضغطت عليه بشدة فكسرته، ثم أخفيته تحت المقعد. في المخفر، اقتادتنا الشرطة إلى مكتب ورفع شخص جهاز المناداة المكسور الخاص بي وصاح: "من قال إنك تستطيع أن تكسر هذا؟". بعدئذ أحاط بي خمسة أو ستة أشخاص وبدأوا بتوجيه اللكمات والركلات إليّ. بعد نوبة من الضرب المبرح، رموني بشدة على مقعد قاسٍ لدرجة أن طبقته العليا تهشّمت على الفور. ثم رفعوني ورموا بي على المقعد من جديد. كنت أرى النجوم وأصبح كل جسمي يؤلمني. صليت إلى الله بلا انقطاع، وطلبت منه أن يمنحني القوة لتحمل الألم. بعدئذ، أمسك أحد الضباط ببطاقة هويتي عاليًا، وسألني عن اسمي، فقلت إنه مدوّن على البطاقة. حملق فيّ وقال: "أجب عن السؤال، وإلا فتحت فمك هذا عنوة!". تجاهلته، فأحضر سلكًا بلاستيكيًّا بسماكة عيدان الطعام ولفّه بإحكام حول جسدي برمّته، مُبتدئًا من القدمين. بعدئذ دلّى قطعة من السبورة السوداء من عنقي وجعلني أقف بشكل مستقيم ومن دون حراك. كنت أتنفس بصعوبة بالغة، وكان ذلك مريعًا بالفعل. استمرّوا في استجوابي: "من قائدك؟ أين كنت تنشر إنجيلك؟ إلى من كنت تتحدث؟". لم أنبس ببنت شفة، فحمل أحدهم حذاءً رسميًّا وصار يقرع به على السبورة المدلّاة من عنقي بينما استخدم آخرون عيدانًا لخبط السبورة وتهديدي. عند رؤية أنني ما زلت أرفض الكلام، ركلني بضعة منهم فسقطت أرضًا، ثمّ اندفعوا وقاموا بفكّ السلك البلاستيكي. وضع أحد الضباط ركبتيه تمامًا على عمودي الفقري، ثم سحب يدي اليمنى إلى فوق كتفي يدي اليسرى إلى خلف ظهري. بعدئذ شدّوا يديّ إحداهما إلى الأخرى، وقيّدوهما بالأصفاد على هذا النحو. كان بإمكاني أن أشعر بالعظام في ذراعيّ وهي تنخلع وتفرقع، وصرت أتصبب عرقًا من شدّة الألم. بعدئذ أمسكوا بذراعيّ وجذبوني عنوة إلى الأعلى، وقاموا بربط السلك بالأصفاد خلف ظهري وشدّوه إلى الخلف وطالبوني بأن أتكلّم. جلبوا المزيد من الأحذية وأقحموها بين ظهري والأصفاد. كانت ذراعاي تؤلمانني كثيرًا، وشعرت وكأنهما سينشقّان إلى نصفين – كان الألم مبرّحًا جدًا وسقطت على الأرض. سحبوني من جديد إلى فوق واستمروا يطلبون مني تقديم معلومات. فكّرت: "إذا ظلّوا يعذّبونني بهذه الطريقة، فسينتهي بي المطاف إما ميتًا أو مشوّهًا". كان خوفي يزداد باطّراد، وكنت أدعو الله بلا انقطاع، قائلًا: "يا الله، أرجو أن تمنحني الإيمان والعزم على تحمل ذلك. أريد أن أتمسّك بالشهادة لك أمام الشيطان". بعدئذ، فكرت في كلمات الله هذه: "عندما تواجه المعاناة، يجب أن تكون قادرًا على التخلِّي عن الاهتمام بالجسد وعدم التذمّر من الله. عندما يحجب الله نفسه عنك، يجب أن تكون قادرًا على أن يكون لديك الإيمان لتتبعه، وأن تحتفظ بمحبتك السابقة دون أن تسمح لها بأن تتعثَّر أو تتبدَّد. مهما كان ما يفعله الله، يجب أن تخضع لتخطيطه، وتكون مستعدًا للعن جسدك بدلاً من التذمر من الله. عندما تواجهك التجارب، يجب عليك إرضاء الله حتى إن بكيت بمرارةٍ أو شعرت بالتردّد في التخلّي عن شيء تحبه. هذا وحده هو الحب والإيمان الحقيقيان" (من "أولئك المُزمَع تكميلهم لا بدّ أنْ يخضعوا للتنقية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أعطتني كلمات الله الإيمان والقوة، وعلمت أن الله يستخدم هذا العذاب لتكميلي، لذا كان ينبغي عليّ الاتّكال على إيماني وتقديم الشهادة لله، من أجل إذلال الشيطان. بعدئذ تبادر إلى ذهني المزيد من كلمات الله: "فقط أبقوا رؤوسكم مرفوعة! لا تخافوا: أنا – أبوكم – هنا لأدعمكم، ولن تعانوا. ما دمتم تُصلّون وتتضرعون أمامي باستمرار، فسأمنحكم كل الإيمان" (من "الفصل الخامس والسبعون" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد"). هذا صحيح – أنا أؤمن بالله القدير، حاكم الكون وجميع الأشياء. إن كان الله لم يسمح بموتي، فلن تتمكن الشرطة إطلاقًا من القضاء عليّ. ظلّ رجال الشرطة يعذبونني طوال الليل دون الحصول على كلمة واحدة مني. أخيرًا، صاح شرطي بغضب: "أنت بغل لعين!". ثم غادر. شكرت الله بصمت.

مرت ساعتان تقريبًا. ظللت مقيّدًا بأصفاد اليدين هكذا لفترة طويلة بحيث أن معصميّ أصبحا متورّمين حقًا وبحيث فقدت كل إحساس في يديّ. قدِم رجال الشرطة لإزالة أصفاد اليدين، لكنها كانت مُنغرسة بشدة في اللحم. قام شخص بتثبيتي في مكاني بينما سحب آخر ذراعيّ بالقوة إحداهما على الأخرى. صرت أتصبب عرقًا من شدة الألم. كانت جميع أصابع يديّ متورمة لدرجة أنني كنت أعجز حتى عن الفصل بينها. أصبحت أرجوانيّة وسوداء اللون، تمامًا مثل باذنجانة ناضجة. اقتادوني بعدئذ إلى صف من الأقفاص المعدنية، فصُعقت. رأيت الأخت الأكبر مني سنًّا التي كانت تستضيفني، وزوجها وهو غير مؤمن، مسجونين في أقفاص. لقد بدت واهنة حقًا، ومجرّدة من القوة تمامًا، أما زوجها فلاحت من عينيه نظرات بلهاء، وظهرت تعابير الاستسلام عليه. إن رؤية هذين الشخصين، وكلاهما في العقد السابع من العمر، يتعرضان لسوء المعاملة بهذه الطريقة كانت بمثابة مشهد فظيع، لم أستطع بعده كبح دموعي. أبلغوني بأن أخلع جميع ملابسي، وسمحوا لي فقط بالإبقاء على ملابسي الداخلية، ثم دفعوني إلى داخل أحد الأقفاص وأقفلوه، وأمروني بالوقوف مستقيمًا دون أن أغلق عينيّ أو اتكئ على الحائط. وتناوب أربعة من رجال الشرطة على مراقبتي، بشكل دوريات ثنائية. كانوا يقرعون باستمرار على القضبان بعيدان معدنية، وكان صوت القعقعة المرتفع يجعل قلبي يقرع بشدة. كنت على وشك الانهيار، وشعرت أنني محاط بالشياطين في الجحيم. فكّرت: "إذا أبقوني هنا لأكثر من بضعة أيام، فحتى إن لم يضربوني، سأفقد عقلي من هذا العذاب. هل سأموت هنا؟ وإذا متّ، كيف سيتدبّر زوجتي وأولادي أمورهم؟". كلما كنت أفكّر في الأمر أكثر، كان مقدار الألم الذي يسببه ذلك لي يزداد. ولم أعد قادرًا على كبح دموعي. بعد أن أدركت أن قلبي انحرف بعيدًا عن الله، قلت بسرعة صلاة: "يا الله! أرجو أن تعطيني الإيمان والقوة. أنا مستعدّ لأن أبقى وفيًّا لك طوال هذه المحنة". تذكرت ترنيمة من كلمات الله: "لا تيأس ولا تضعف، فسوف أكشف لك. إن الطريق إلى الملكوت ليس ممهدًا بتلك الصورة، ولا هو بتلك البساطة! أنت تريد أن تأتي البركات بسهولة. سيكون على كل واحد اليوم مواجهة تجارب مُرَّة، وإلا فإن قلبكم المُحبّ لي لن يقوى، ولن يكون لكم حب صادق نحوي. حتى وإن كانت هذه التجارب بسيطة، فلا بُدَّ أن يمرّ كل واحد بها، إنها فحسب تتفاوت في الدرجة. ... أولئك الذين يشاركونني مرارتي، حتمًا سوف يشاركونني حلاوتي. هذا وعدي وبركتي لكم" (من "ألم التجارب بركة من الله" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). عززت كلمات الله إيماني وفهمت أن الله سمح بحدوث هذه المعاناة التي حلّت بي، وأن نيته الحسنة تكمن في داخلها. إن إيماني ومحبتي لا يمكن أن يكتملا إلا من خلال هذا النوع من المشقة والمعاناة. كان ذلك بركة من الله. إن الحصول على تلك الفرصة لتقديم الشهادة لله في مواجهة الشيطان عنى أن الله يرفع من شأني. لقد أزالت هذه الفكرة خوفي وأعطتني التصميم على تحمّل المعاناة وإرضاء الله.

بعد ظهر اليوم التالي، دفعني أفراد الشرطة إلى حجرة الاستجواب وفور دخولي، أحاط بي سبعة أو ثمانية منهم، وعلّقوا كلًّا من يديّ بقضبان حديدية بعد أن كبّلوهما بالأصفاد، وتركوا جسدي معلقًا في الهواء. بعدها سألني أحدهم بنبرة تهديد: "من قائدك؟ أين يعيشون؟ من بشّرت بالإنجيل؟ تكلّم! في اللحظة التي تخبرنا فيها كل شيء عن كنيستك، سنُنْزِلك. وإلا فلن تعرف نهاية لمعاناتك. أيها المؤمنون بالله، يمكننا ضربكم حتى الموت، ولا يُعدّ ذلك جريمة حتّى". بعدئذ، فتح شرطي إحدى عينيّ عنوة وبصق بشراسة في داخلها مباشرة، ثم بدأ يقهقه بشكل متوحّش. بدا وكأن ذلك الضحك يخرج من الجحيم. لقد كان مخيفًا حقًّا. عندما ظللت أرفض الكلام، رفع ضابط نحيف قضيبًا بلاستيكيًا بطول حوالي متر وبسماكة مرقاق العجين وضربني به على معدتي. تأرجح جسدي من قوة الضربة ثم ركلني من الخلف الشرطي الذي يقف ورائي مباشرة. أخذ جسدي يتأرجح ذهابًا وإيابًا، ويرتطم بالقضبان الحديدية. انغرزت الأصفاد في لحمي من جديد، وكان الألم نافذًا لدرجة أنني بدأت أصيح. صرخ شرطيّ في وجهي: "هل ستتكلم، أم لا؟ انطق!". بقيت صامتًا. أعلى الرجل النحيف القضيب البلاستيكي الذي كان يمسك به وضربني به على رأسي، ما جعل رأسي يطنّ. وصرت لا أرى سوى السواد، وفقدت الوعي. عندما استعدت وعيي، أدركت أنني كنت مستلقيًا على الأرض، وأن أحدهم كان يرشّ الماء البارد على وجهي بلا انقطاع. رأت الشرطة أنني استعدت وعيي، لذا أمسك اثنان من أفراد الشرطة، كل واحد منهما واحدًا بإحدى قدميّ، وسحباني إلى داخل القفص من جديد، وحبساني في داخله. استلقيت على الأرض، مسحوقًا من الألم، وعاجزًا تمامًا عن الحركة. كان رأسي يطنّ ويؤلمني بشكل رهيب. وبينما كنت أتحسسه بيدي، وجدت أن هناك كتلة ضخمة على رأسي فَتَلوت في صمت صلاة إلى الله: "يا الله، بفضل قوّتك العظيمة تمكّنت من النجاة هذا اليوم. أقدّم الشكر لك!".

في ثالث يوم لي هناك، بدأت الشرطة تتناوب على تعذيبي من أجل إنهاكي. لقد جعلوني أبقى واقفًا في القفص ليل نهار دون السماح لي بالنوم أو حتى بإغلاق عينيّ، وكانوا يقدمون لي كل يوم فحسب مقدار نصف وعاء من الأرز المنقوع في مياه ساخنة. من الناحية الجسدية، كانت قواي مُستنزفة تمامًا بعد تعرضي للتعذيب طوال تلك الفترة، وعندما كان نعاسي يبلغ حدًا لا يطاق، كنت أنام واقفًا فحسب. بعدئذ تعمد الشرطة إلى الضرب على القضبان بعصاها المعدنية، فأستيقظ مذعورًا المرة تلو الأخرى، وأصبح في حالة تأهب قصوى دائمة. كذلك ضربتني الشرطة بعمود من الخيزران بطول 3 أمتار. لم يكن هناك من مكان للاختباء داخل ذلك القفص، فكانت العلامات السوداء والزرقاء تملأ جميع أنحاء جسدي. كان كل جزء من جسدي يؤلمني، وكانت قدماي متورمتان وخدرتان. كنت أقف حافي القدمين على البلاط طوال ذلك الوقت، لذا كانت التشققات تغطي كعبيّ، اللذين كانا يؤلمانني بشكل فظيع. ما إن كان النعاس يهاجمني بشدة لدرجة أنني لا أستطيع الإحجام عن النوم، وأسقط بشكل لا إرادي على الأرض غافيًا، كان أفراد الشرطة يهرعون إلى القفص وهم يحملون ممسحة يضربونني بها بوحشية، ويلطمونني عشرات المرات. كنت أضع ذراعي بشكل غريزي فوق رأسي، فينتهي المطاف بيدي مرضوضتين ومتورّمتين من الضرب، وأشعر وكأن رأسي على وشك الانفجار. ولم يكونوا ليتوقفوا قبل أن يصابوا بالإنهاك، وكانوا يأمرونني بأن أظل واقفًا. كنت بائسًا بشكل لا يوصف، وكنت خائفًا من التعرض حقًّا للتعذيب حتى الموت. لم أكن أريد أن أبقى هناك لدقيقة إضافية واحدة. استخدمت أحد أظافر يديّ لشقّ خطّ في الحائط كعلامة مميّزة لكل يوم يمر، على أمل التحرر من ذلك الجحيم الحيّ في أسرع وقت ممكن. كنت أتساءل: "إن لم أخبرهم بأية معلومة، بل استمررت في التمييع على هذا النّحو، كم يمكنني التحمّل أكثر من ذلك؟ وماذا سيفعلون غير ذلك لتعذيبي؟ أمّا إذا اكتفيت بإخبارهم نذرًا يسيرًا، فقد يسمحون لي بالمغادرة، وبعدئذ لن أكون بحاجة إلى تحمّل كل ذلك. لكن إذا أفصحت لهم، فقد يجعل ذلك مني يهوذا، ما قد يشكّل خيانة خطيرة لله، وسأُلعن منه". كنت أشعر بحال سيئة جدًا ولم يكن في وسعي سوى البكاء. صليت من خلال دموعي: "يا الله، لم يعد في استطاعتي حقًا أن أتحمل ذلك، لكن لا يمكنني الغدر بالإخوة والأخوات ولا خيانتك. أرجو أن تعطيني الإيمان والقوة كي أستطيع أن أشهد في هذه البيئة!". بعدئذ تذكرت هذه الكلمات من الله: "لن أمنح مزيدًا من الرحمة لأولئك الذين لم يظهروا لي أي ذرة من الولاء في أوقات الشدة، لأن رحمتي تسع هذا فحسب. علاوة على ذلك، ليس لديَّ أي ود لأي أحد سبق وأن خانني، ولا أحب مطلقاً أن أخالط الذين يخونون مصالح أصدقائهم. هذه هي شخصيتي، بغض النظر عمّن يكون الشخص. يجب عليَّ أن أخبركم بهذا: كل مَنْ يكسر قلبي لن ينال مني رأفة مرة ثانية، وكل مَنْ آمن بي سيبقى إلى الأبد في قلبي" (من "أَعْدِدْ ما يكفي من الأعمال الصالحة من أجل غايتك" في "الكلمة يظهر في الجسد"). شعرت بوضوح أن شخصية الله لن تتسامح مع أيّ إثم، ومهما كانت الظروف، لا يمكنني أن أكون مثل يهوذا أو أن أخون الله. بعدئذ خطر في بالي أنه عندما تم توقيفي، كان يوجد في حقيبتي كتاب لكلمات الله مع دفتر ملاحظات. وكل ذلك وقع بيد الشرطة. فإن لم أعترف، سيعذبونني بوحشية وبلا هوادة، وربما يقتلونني خلال تلك العملية. إن التفكير في ذلك جعلني أكثر بؤسًا. وشعرت بنزاع داخلي رهيب. كذلك خطر في بالي فجأة أنني إذا أنكرت أنني مؤمن فقد لا يستمرون في استجوابي وتعذيبي. وعندها لن أضطر إلى تحمّل الكثير من المعاناة وقد يسمحون لي حتى بالمغادرة.

بعد ظهر اليوم الرابع، أخذتني الشرطة إلى حجرة الاستجواب وقالوا: "إن من الأفضل لك أن تخبرنا بشيء ما قريبًا. كلما سارعت في الكلام، نسارع إلى إطلاق سراحك". قالوا أيضًا إن الأخ الأصغر الذي تم توقيفه معي اعترف بالفعل بكل شيء، وإنهم سمحوا له بالعودة إلى المنزل. بعدئذ، أحضروا كتابًا لكلمات الله، إضافة إلى الكتاب المقدس ودفتر ملاحظاتي، وسألوا عما إذا كانت ملكيتها تعود لي. لم أجبهم. رفع أحدهم قدمه اليمنى وركلني على فخذي عدة مرات وقرص اللحم في صدري بشدة بالغة، واستمرّ يسألني بكراهيّة. قلت: "لقد أخبرتك بالفعل. لقد عثرت فحسب على الأشياء في تلك الحقيبة. أنا لست مؤمنًا". لم يصدقوني إطلاقًا وصفعوني بقوة، ثم لكموني وركلوني. بعدئذ أجبروني على العودة إلى القفص وجعلوني أبقى واقفًا. كنت غاضبًا جدًا، ومغتاظًا جدًا. لم أكن أتخيل أنني إذا رفضت الاعتراف بأنني مؤمن، فسيستمرون بعدم السماح لي بالمغادرة. بعد البقاء واقفًا طيلة ساعات النهار والليل، شعرت أن قواي استُنفدت بشكل رهيب بحيث ما عدت أعرف إلى متى يمكنني التحمّل أكثر من ذلك. كنت أعاني بمرارة. صليت إلى الله مرارًا في قلبي، وشعرت أنني يجب أن أكون معه في كل لحظة. وعندما بلغ بؤسي نقطة الحرج، جلبت الشرطة نسخة من كتاب "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة،" ودفتر ملاحظات. وفتحوا الكتاب على صفحة "أغنيَّة الغالبين" وأشاروا إلى قسم ينبغي عليّ كتابته خمس مرات. كنت أعرف أنهم يريدون التحقق من خط يدي واستخدام ذلك كدليل لمقاضاتي، لذلك قمت بتغيير خط يدي عمدًا أثناء نسخ القسم. كان الجزء الذي نسخته من كلمات الله هو هذا: "هل قبلتم من قبلُ البركات التي مُنحت لكم؟ هل سعيتم يومًا وراء الوعود التي قطعتها لكم؟ بالتأكيد، في ظل إرشاد نوري، ستخترقون معقل قوى الظُّلمة. وبالتأكيد، في وسط الظلمة، لن تخسروا النور الذي يرشدكم. بالتأكيد ستكونون أسياد الخليقة، وبالتأكيد ستكونون غالبين أمام الشيطان، وبالتأكيد، عند سقوط مملكة التنين العظيم الأحمر، ستقفون وسط عدد لا يُحصى من الحشود تقدمون شهادة عن نصري. بالتأكيد ستقفون صامدين ولن تتزعزعوا في أرض سينيم. من خلال المعاناة التي تتحمَّلونها، سترثون بركاتي، وسوف تُشِعّون بالتأكيد مجدي في سائر أنحاء الكون" (من "أغنيَّة الغالبين" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). أثناء نسخ ذلك القسم، كنت أغني الترنيمة لنفسي في قلبي، وكلما غنيت أكثر، شعرت بأنني أكثر تأثرًا. في أشد لحظاتي ضعفًا، جعل الله الشرطة تضع كلماته بين يديّ. كنت ممتنًا جدًا لله. كان هذا الجزء مميّزًا بشكل خاص: "وبالتأكيد، عند سقوط مملكة التنين العظيم الأحمر، ستقفون وسط عدد لا يُحصى من الحشود تقدمون شهادة عن نصري". لقد عززت هذه الكلمات حقًا إيماني واختفى كل البؤس الذي كنت أشعر به. كذلك أعطتني هذه الكلمات الثقة في أن أتمسّك بالشهادة لله من خلال كل الاضطهاد الوحشي للتنين العظيم الأحمر. كان وجهي مغطّى بالدموع وقتئذ، وتلوت هذه الصلاة في قلبي: "يا الله، عندما كنت في أشد حالاتي عجزًا، أيّدتني ودعمتني بكلماتك، ما أعطاني الإيمان والقوة. يا الله، أشكرك حقًا! الآن، أعلم أن هناك فحوى لمعاناتي. لا أريد أن أخذل نواياك الصادقة تجاهي، لكنني أريد أن أقدّم لك شهادة مدوية أمام الشيطان".

في 9 سبتمبر، دخل شرطيان إلى القفص ووضعا أمامي زجاجة ماء ممتلئة بسائل صافٍ. ابتسما وقالا: "كيف حالك؟ أنت عطشان جدًّا، أليس كذلك؟ هيّا، اشرب هذا". عند رؤية ابتساماتهما المتزلفة، أدركت أن تلك واحدة أخرى من خدعهما. كنت أخشى من أن تناول ذلك سيُصيبني بالدوار، فأغدر بإخوتي وأخواتي غصبًا عني. هززت برأسي. عند رؤيتي أرفض، كشّرا عن أنيابهما بالفعل. أمسك الشرطيّ النحيف بالقسم العلوي من ذراعي اليمنى بينما لوى ذراعي اليسرى خلف ظهري، ثم استخدم يده الأخرى للضغط على عنقي ودفعي إلى حجرة الاستجواب. دخل خمسة أو ستة ضباط آخرين بعدنا مباشرة إلى الحجرة. دفعوني إلى الأرض ووجهي إلى الأعلى. دعوت الله بشكل طارئ: "يا الله! لقد حاول هؤلاء الشرطيين الأشرار جعلي أشرب سائلًا كان بحوزتهم في تلك الزجاجة، لكنني أخشى أن تناوله سيجعلني أفشي لهم بمعلومات عن الكنيسة. يا الله، أرجو أن تحميني. أفضل الموت على أن أبيع إخوتي وأخواتي أو أخونك". شعرت بطفرة من القوة بعد صلاتي. وضع أربعة من أفراد الشرطة أقدامهم، كل واحد قدمًا، على يديّ ورجليّ، بينما أمسك شرطيّ سمين رأسي بكلتا يديه وضغط إلى الأسفل، بينما قام ضابط آخر بصبّ محتويات الزجاجة داخل فمي. كنت أرفض تناوله، لذا أحضر قضيبًا معدنيًا سميكًا لإبعاد فكّي أحدهما عن الآخر عنوة، ودفع السائل إلى داخل فمي. كافحت بكل قوتي وفي النهاية تمكنت من بصق السائل برمته إلى الخارج. عند رؤية ذلك، لطمني الشرطي السمين على وجهي عدة مرات وداس الآخرون على يديّ، ثم استخدموا أقدامهم لسحق ذراعيّ نزولًا إلى يديّ بحيث تجمع كل الدم في يديّ. كانت يداي ممتلئتان بدم كثير، وكانتا متورّمتين وخدرتين ومؤلمتين إلى حدّ أنني كدت أعجز عن التنفس. صررت على أسناني وصبرت، وصرخت في قلبي إلى الله القدير ليحميني. لم يطل الوقت حتى خفّ الألم. ظلّت الشرطة تدوس عليّ بجنون، وتسحقني، لكنني لم أعد أشعر بألم شديد. شعرت حقًّا بالسلام. كنت ممتنًا جدًا لله. فكّرت في بعض كلمات الله: "عندما يكون الناس حزانى، آتي لأعزيهم، وعندما يكونون ضعفاء، آتي لمساعدتهم. ... وعندما يبكون أمسح دموعهم" (من "الفصل السابع والعشرون" "كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). كان الله يزيل ألمي ويجلب لي السلام.

سحبوني مجددًا إلى القفص واستلقيت على الأرض ووجهي إلى الأعلى. بعد فترة وجيزة، أصبت بالدوار، وكانت معدتي تحترق، وبدأت أشعر بالتشتت. لكن في قلبي، كنت صافي الذهن تمامًا. اعتبرت أن ذلك يعود إلى أن العقار الذي أعطوني إياه قد بدأ يسري مفعوله. في تلك اللحظة بالضبط، رأيت شخصًا قادمًا وفتحت عينيّ، رغم أنّ ذلك كان يتطلب جهدًا هائلًا. رأيت ضابطًا سمينًا يستخدم الأصفاد لتحريك رأسي إلى الأمام ثم إلى الخلف، ويقول: "أنا قائد الشرطة، وأولئك من بيننا الذين في الحزب الشيوعي، يهتمون بالناس. أريد أن أخبرك أن ابنتك تعرضت لحادث سيارة وهي في حالة حرجة في المستشفى. بوصفك أبًا، هل يسعك حقًا ألا تذهب لرؤيتها؟ أخبرنا كل شيء عن كنيستك، وسنقتادك إلى هناك. إذا كنت تجول من مكان إلى آخر للتبشير بإنجيلك، متخلّيًا عن عائلتك، فمن سيهتم بزوجتك وابنتك؟ أخبرنا بما نريد أن نعرفه ويمكنك العودة لتكون مع عائلتك". صلّيت إلى الله بصمت: "يا الله، تمثّل الشرطة الآن دور الجهة الوديعة لتضليلي، وتحاول إغرائي بخيانتك من خلال استغلال مشاعري تجاه ابنتي. يا الله، أرجوك أن ترشدني للانتصار على غواية الشيطان هذه". عند رؤية أنني ما زلت أرفض الكلام، تابع قائد الشرطة: "إن ابنتك تتلقى رعاية في العناية الفائقة وهناك حاجة ماسة إليك. تحدث إلينا فحسب! أعطنا فحسب بضعة أسماء لمؤمنين آخرين، وبعدئذ سنأخذك لرؤية ابنتك..." استمر يحاول لمدة نصف ساعة، وبدأت أشعر بنزاع داخلي. إذا ظللت أرفض التكلّم، هل سيعذبونني حقًّا حتى الموت؟ زد على ذلك أنني شخص ليس بتلك الأهمية؟ بعدئذ اعتبرت أنهم سيسمحون لي بالمغادرة. ثم خطرت في بالي فجأة كلمات الله هذه: "أقول لكم، حتى لو ماتت أجسادكم، لن تزول أقسامكم. في النهاية، سأدينكم بناءً على أقسامكم" (من "شخصياتكم جميعًا وضيعة للغاية!" في "الكلمة يظهر في الجسد"). تذكرت أنني أقسمت أمام الله على ألا أخونه أبدًا. كان عزمي قد بدأ يضعف بسبب شيء من المعاناة الجسدية. ألم يكن ذلك خداعًا لله؟ ما أراده الله مني في تلك اللحظة هو أن أتمسّك بالشهادة له أمام الشيطان وكان الشيطان ينتظر بدوره ليرى ما الذي سأفعله. لم يكن في وسعي أن أخذل الله. صليت إليه: "يا الله، لن أكون يهوذا، حتى وإن أدّى ذلك إلى موتي!". عندما أصبحت مستعدًّا للتخلي عن حياتي لتقديم الشهادة لله، أخزِي الشيطان وهُزم من جديد. استمر رئيس الشرطة في محاولاته لوقت طويل، لكنني بقيت صامتًا، فغادر منسلًّا.

عندما فشلت طريقتا العصا والجزرة على حد سواء، انتقلت الشرطة إلى اعتماد تكتيك آخر لإذلالي وتعذيبي. ذات يوم، وقف ثلاثة ضباط شرطة خارج القفص، وقال لي أحدهم بطريقة غريبة حقًا: "هل تعرف ما أكثر الأشياء إيلامًا في حياة الإنسان؟ سأخبرك ... إنه أن يفقد آخر قدر ضئيل من حريته الشخصية". منذ ذلك الحين، توقفوا عن السماح لي بالذهاب إلى المرحاض لقضاء حاجتي. كنت أشعر أنني بحاجة طارئة لاستخدام المرحاض، لكنهم ما كانوا ليسمحوا لي بذلك، وعندما لا يعود في وسعي أن أضبط نفسي أكثر من ذلك، كان يتعيّن عليّ التبول في ملابسي. عند رؤية ذلك، قدِم ضابطان يحملان ممسحة وضرباني بها على رأسي وهما يصيحان: "إذا تبوّلت على نفسك مرة أخرى، سيتعين عليك تناول البول!". فكّرت: "سأصاب حقًا بالجنون إذا استمر ذلك. ربما يمكنني التظاهر بأنني فقدت عقلي، وعندها سيتوقفون على الأرجح عن استجوابي وسوف لن يعذبونني بنفس القدر". بدأت في التظاهر بأنني أصبت بالجنون. كنت أحدق أحيانًا بانشداه في نقطة عشوائية، وأحيانًا أخرى كنت أكتفي بالتحديق في أفراد الشرطة. وعندما كانوا يتلفّظون باسمي صارخين، كنت أتظاهر بعدم السمع. توقفت عن طلب الإذن للذهاب إلى المرحاض عندما كان يتعيّن عليّ التبوّل، فكنت أتبول على نفسي فحسب. ثم بدأوا يلقون عليّ نظرات كثيرة خاطفة ليروا تعابير وجهي وحركاتي، ويحاولوا معرفة ما إذا كنت أتكلّف ذلك. نزعوا عني زوج ملابسي الداخلية الوحيد، وأخذوني إلى الردهة، وجعلوني أقف هناك منكشفًا وعاريًا تمامًا. بعد سير ضابطات الشرطة بمحاذاتي أثناء مرورهن أحيانًا، كنّ يقفن قليلًا جانبًا للسخرية مني. شعرت حقًا بالإذلال وكنت مغتاظًا. لقد كرهت حقًّا أولئك الخنازير الذين يتخذون شكلًا بشريًّا! بعد حوالي 20 دقيقة، احتجزوني في القفص من جديد. شعرت أنني بائس تمامًا، وأنه لم يبق فيّ ذرة من الكرامة. أردت حقًا أن أخوض مواجهة الأنداد معهم. في أسوأ الأحوال سيقتلونني، وإذا متّ لن يتعيّن عليّ أن أعاني هذا الإذلال. بعدئذ فكرت في الرب يسوع عندما صُلب، وفي ما قاله الله عنه: "في الطريق إلى أورشليم، شعر يسوع بألم شديد، كما لو أن سكينًا قد غُرست في قلبه، ومع ذلك لم تكن لديه أدنى نية للرجوع عن كلمته؛ فقد وُجدت دائمًا قوة قوية تدفعه إلى الأمام إلى حيث سيُصلَب، وفي نهاية المطاف، سُمّر على الصليب وصار في شبه جسد الخطية، مكمَّلاً ذلك العمل لفداء البشر، ومرتفعًا فوق أغلال الموت والهاوية. فأمامه فقد الموت والجحيم والهاوية قواها، وهزمها. ... لقد تحمَّل طوال حياته معاناة لا حد لها من أجل الله، وكان الشيطان يجرّبه مرات لا تُحصى، لكنه لم يثبّط من عزيمته قط" (من "كيف تخدم في انسجام مع إرادة الله" في "الكلمة يظهر في الجسد"). لقد أثارت محبة الله حقًا مشاعري. فكّرت عندما تعرّض الربّ يسوع للسخرية والإذلال من الجنود الرومان. لقد جلدوه ووضعوا عليه إكليلًا من الشوك. حتى أنهم جعلوه يسير نحو الجلجلة حاملًا صليبًا ثقيلًا على ظهره، وفي النهاية سمّروه عليه. ومن أجل افتداء كل الجنس البشري من خطايانا، عانى إذلالًا لا يُصدّق دون أن يتذمّر ولو بكلمة واحدة، وكان على استعداد تام لوضع نفسه بين يديّ الشيطان. لقد ظهر الله القدير، وهو يعمل في الأيام الأخيرة، وقد طاردته الحكومة، وأدانه العالم الدينيّ وكفّره، ورفضه هذا الجيل. لقد تحمّل كل هذا الإذلال، ولا يزال يعبّر عن الحقائق لإنقاذ البشرية. إن محبة الله لنا عظيمة جدًا! إنّ التفكير في محبة الله جعلني أدرك كم كنت أنانيًا وحقيرًا. كنت إنسانًا فاسدًا، أتّبع الله في السعي إلى الخلاص، إلا أن تحمّل النذر اليسير من الإحراج جعلني أتمنى الموت. إن ذلك لا يماثل الشهادة في شيء! فكرت في الرب يسوع عندما قال: "أَمَّا ٱلْكَأْسُ ٱلَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا" (مرقس 10: 39). أدركت أن اتباع الله في هذا العصر المظلم الشرير، يعني تحمّل بعض الإذلال، لكن ذلك يعني أيضًا الحصول على نصيب في مشقات المسيح وملكوته. من خلال إذلالي وتعذيبي، كان أفراد الشرطة يبيّنون فحسب كم أنهم أشرار ومتوحّشون. كانوا في الواقع يحرجون أنفسهم. في اليوم التالي، طلبت الشرطة من طبيب الحضور للتحقق مما إذا كنت قد أصبت بالجنون حقًا. دخل إلى القفص وجلس في وضعية القرفصاء على لوح خشبي، واستخدم ضوءًا ساطعًا بسماكة إصبع اليد تقريبًا، فسلّطه مباشرة في عينيّ لمدة خمس ثوانٍ أو ما شابه، ثم حرّكه بسرعة لمعرفة ما إذا كانت حدقتاي تستجيبان. فعل ذلك لمرتين أو لثلاث مرات. بعدئذ، أمسك بإحدى ذراعيّ ورفعها إلى فوق، ثم مرّر مقصًّ صغيرًا على طول إبطي ذهابًا وإيابًا. في العادة لم أكن لأستطيع منع نفسي من الضحك بعد التعرض للدغدغة بهذا الشكل، لكن من المدهش أنني لم أشعر بأي شيء على الإطلاق وقتئذ. تبادلوا النظرات وكأنهم اتفقوا في الرأي، ثم هزّ الطبيب برأسه وغادر. توقفوا عن استجوابي بعد ذلك، لكنهم استمروا في تعذيبي ولم يكونوا يسمحون لي بالنوم سوى لساعتين أو ثلاث ساعات في اليوم.

مرت بضعة أسابيع. ذات يوم، اقتادتني الشرطة إلى مكتب وطلبت مني التوقيع على قرار قضائي، يقضي عليّ بالخضوع لعام من إعادة التأهيل من خلال الأعمال الشاقة، بسبب الكرازة غير الشرعية وتعطيل الانتظام الاجتماعي. رفضت التوقيع عليه، فأمسك شرطيان بيدي وأجبراني على الإمضاء ببصمة إبهامي. تلوت صلاة: "يا الله، لقد رأيت حقًا كم أن الحزب الشيوعي شرير ومتوحّش. أحتقر هؤلاء الشياطين وأقسم بحياتي أن ذلك الحزب سيكون عدوي اللدود إلى الأبد. يا الله، مهما تكن الحياة في السجن قاسية، أنا مستعد للتمسّك بالشهادة وإذلال الشيطان". صدمت عندما قالت الشرطة في اليوم التالي إنها ستعيدني إلى المنزل. تأثرت حقًا عندما تلقيت الخبر. اكتشفت لاحقًا أن معسكرات الأعمال الشاقة لا تقبل المصابين بأمراض عقليّة، لذا لم يكن أمامهم سوى السماح لي بالمغادرة.

بعد تلك التجربة، فكّرت أن تحمّل كل ذلك التعذيب دون خيانة أيّ من الإخوة والأخوات يعني أنني أتمتع بقامة معيّنة. استمر ذلك الاعتقاد إلى أن قرأت هذا المقطع من كلمات الله: "ليس الأمر أن الإنسان لا يعرفني في جسدي فحسب؛ بل أكثر من ذلك أنه فشل في فهم ذاته نفسها التي تسكن في جسد بشري. على مدى سنين عديدة، كان البشر يخدعونني، ويعاملونني كضيف من الخارج؛ ولذلك أغلقوا مراتٍ عديدة "أبواب بيوتهم" في وجهي، وفي مرات عديدة أخرى كانوا واقفين أمامي ولم يكترثوا بي، وتخلّوا عني مرارًا وسط أناس آخرين. لقد أنكروني أمام الشيطان مرارًا؛ وفي مرات عديدة جدًا هاجموني بأفواههم المشاكسة. لكنني لا أحتفظ بسجل لنقاط ضعف الإنسان، ولا بسبب عصيانه أطالب بالقصاص على أساس مبدأ سن بسن. كل ما فعلته هو أنني أستخدم الدواء لعلاجه من مرضه، لكي أشفي أمراضه المستعصية، وبذلك أعيد إليه الصحة، لعله يصل إلى معرفتي" (من "الفصل الثاني عشر" "كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). على وجه الخصوص، إن قراءة الكلمات التالية: "لقد أنكروني أمام الشيطان" أصاب الهدف المتوخّى بدقة وجعلني أشعر بالأسى. شعرت أن هذه الكلمات موجّهة إليّ أنا تحديدًا. كنت شخصًا أنكر الله أمام الشيطان. عندما تم اعتقالي وتعذيبي بوحشية، أنكرت أنني كنت مؤمنًا، وحاولت الهروب من شيء من المعاناة الجسدية. كنت مؤمنًا لسنوات طويلة، لكنني لم أعترف حتى بالله الذي آمنت به. كان ذلك يستدعي الشفقة. أي نوع من الإيمان هذا؟ وكيف يمكنني أن أطلق على نفسي اسم مسيحي؟ شعرت بأنني تافه فعلًا، وبأنني أناني وحقير حقًا. فكرت في التجارب التي مر بها أيوب. لقد فقد ممتلكاته وأولاده، وغطّت الدمامل جميع أنحاء جسده. وحتى زوجته انقلبت عليه، وطلبت منه التخلي عن إيمانه، لكنه استمر في تأييد اسم يهوه الله، قائلًا: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا" (أيوب 1: 21). وعلى مرّ العصور، عندما كان القديسون يتعرضون للاضطهاد، كانوا يقدّمون الشهادة لاسم الله، حتى وإن كلّفهم ذلك الاستشهاد. لكنني أنكرت أنني مؤمن عندما واجهت الاضطهاد وتحديدًا، لم أعترف باسم الله القدير. كنت ضعيفًا وعديم الفائدة، وتشبّثت بالحياة على نحو جشع. قال الرب يسوع، "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، وَلَكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ" (متى 10: 32-33). كلما فكرت في ذلك، كنت أشعر بالمزيد من الندم والذنب وشعرت كما لو أنني لا أستحق العيش أمام الله. تلوت صلاة: "يا الله، عندما تم تعذيبي في مرفق احتجاز الشرطة، لم أعترف أبدًا أمام الشيطان بأنني كنت مؤمنًا. رأيت أنني كنت مولَعًا جدًا بحياتي وسمحت للشيطان بأن يسخر منّي. أنا ضعيف ومتخاذل جدًّا. لست مستحقًا أن أتبعك أو أن آكل وأشرب كلامك". كانت تلك فترة عصيبة بالنسبة لي. شعرت أنني لم أقدّم شهادة جيّدة، وأن ذلك يشكّل وصمة عليّ، وأنني لم أكن مستحقًا أن أعيش أمام الله.

قرأت لاحقًا بعض المقالات عن شهادات قدّمها الإخوة والأخوات الذين اعتُقلوا، والذين لم ينكروا الله أو يخونوه أبدًا، حتى خلال التعذيب المروّع الذي تعرّضوا له. ومن بين تلك الشهادات واحدة تركت أعمق انطباع لديّ، قدّمتها أخت في العقد الثالث من عمرها. لقد عُذّبت طوال ساعات النهار والليل لمدة تسعة أيام، ولم يكن يُسمح لها بإغلاق عينيها. ضربوها على فمها بالأصفاد، فحولوا داخل فمها إلى عجينة دامية، ومع ذلك لم تنطق بكلمة واحدة. كان التعذيب الذي عانت منه أكثر توحشًّا من ذلك الذي تعرضت له، لكنها لم تنكر اسم الله أبدًا. شعرت بالخجل بالمقارنة معها. رأيت أن قامتي كانت صغيرة جدًا لدرجة أنني كنت ضعيفًا حقًا. تساءلت عن السبب الذي دفعني إلى إنكار الله الذي أؤمن به عندما عُذّبت. ألم يكن ذلك بسبب خوفي من التعرّض للتعذيب حتى الموت؟ قرأت هذا لاحقًا في كلمات الله: "عندما يكون الناسُ مُستعدين لأن يضحّوا بحياتهم يصبح كلُّ شيء تافهاً، ولا يمكن لأيٍّ كان أن ينتصر عليهم. ما الذي يُمكِنُ أن يكون أكثر أهمية من الحياة؟ وبذلك يصبح الشيطان عاجزاً عن إحداث مزيد من التأثير في الناس؛ إذ لن يكون هناك ما يمكنه فعله مع الإنسان. على الرغم من أنه في تعريف "الجسد" يقال إن الجسد يفسده الشيطان، إن وهب الناس أنفسهم لله بالفعل، ولم يحركهم الشيطان، لن يستطيع أحد أن ينتصر عليهم" (من "الفصل السادس والثلاثون" في "تفسيرات أسرار كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أدركت أن الشيطان قد استغل خوفي من الموت، وهاجمني من خلاله لحملي على إنكار الله وجعلي أفشل في تقديم شهادتي. لكن الحقيقة هي أن الحياة والموت كليهما بين يدي الله. كذلك فإن تعرضي للضرب حتى الموت من عدمه، خاضع لحكم الله، وكان يتعيّن عليّ القبول بخطته. حتى وإن فقدت حياتي، سأتمسّك بالشهادة لله وسيحيي الله ذلك. وذلك يستحق أن يموت المرء من أجله. صلّيت إلى الله: "يا الله، إذا حدث أنني اعتُقلت من جديد، بصرف النظر عن نوع التعذيب الذي سأواجهه، أنا مستعد للتمسك بالشهادة وإرضائك".

بعدئذ تعرّضت في شهر ديسمبر 2012للاعتقال من جديد مع خمسة إخوة وأخوات آخرين، بينما كنا في جولة لمشاركة الإنجيل. في سيارة الشرطة، صلّيت إلى الله بلا انقطاع: "يا الله، أعتقد أن نيتك الحسنة تكمن وراء اعتقالي من جديد. أنا مستعدّ للتمسّك بالشهادة لك أمام الشيطان". عندما وصلنا إلى المخفر، سألتنا الشرطة لمن تعود تلك الكتب. فكرت كيف أنني، قبل 10 سنوات، أنكرت أنني مؤمن، ولم أقدم شهادة حقيقية. علمت أنني ينبغي عليّ أن أقول بصراحة هذه المرة أنني مسيحي بدلاً من إنكار الله للتشبّث بوجودي المخزي. اقتادتنا الشرطة إلى ردهة المبنى لتسجيلنا الواحد تلو الآخر. قاموا بالتحقق من هوياتنا وعناويننا، وأخذوا بصمات أصابعنا وأقدامنا. أعطيتهم اسمي الحقيقي، لكنهم لم يجدوا أي سجل لي في النظام. كان يتعيّن عليهم سحب الملفات القديمة للعثور على معلوماتي الشخصية. أدركت أن الشرطة قامت بإلغاء تسجيلي في محل إقامتي، ولذا لم يكن هناك أي سجلّ لاعتقالي في المرة السابقة. قدّمت الشكر لله بصمت. وقتئذ، كان هناك ضابط في الردهة يجدف على الله بلا انقطاع، ويشتم ويهذر: "أين هو هذا الكائن الإلهي؟ أين هو هذا الإله بحق الجحيم؟ إذا كان لا بد من أن تؤمن بشيء، آمن بي!". قلت بغضب: "إنك تجدّف على الله، وهذه خطيئة لن تُغفر لا في الدنيا ولا في الآخرة!". جمع قبضة يده وبدأ يلوّح بذراعه نحوي. شعرت بتوتر شديد وتَلَوت صلاة. في تلك اللحظة، قام ثلاثة أو أربعة ضباط آخرين بإيقافه، واقتادوه إلى خارج الغرفة. بعدئذ استجمعت كل شجاعتي وقلت: "في الأيام الخوالي، كان الجميع يقرّون بالسماء، لا بل ويعبدونها. كانوا يقولون: "الناس يفعلون والسماء تراقب،" و"الإنسان يفكّر والله يدبّر". لقد خلق الله السموات والأرض وجميع الأشياء. إن الله يحكم الفصول الأربعة، ويدير الرياح والمطر والثلج بشكل متقن. إن جميع الأشياء تنمو بفضل الله، وبقاءُنا لا ينفصم عن رزقه ورعايته. لا يمكن لشخص واحد بعينه أن يفصل نفسه عن حكم السماء. إنها حقيقة!". استمعوا لي وأنا أقول ذلك، ثم غادروا دون أن ينبسوا ببنت شفة.

بعد ظهر اليوم التالي، اقتادتني الشرطة إلى حجرة استجواب مغلقة. أجبروني على الجلوس على كرسي للاحتجاز، وقيدوا يديّ بالأصفاد كل واحدة على حدة، وربطوا كل واحدة من رجليّ. كان هناك ضوءان ساطعان جدًا تم تسليطهما على وجهي، كل واحد من جهة. ساد في الغرفة شعور بنذير شؤم. أخذ ضابطان يحدقان في وجهي مباشرة، وبدأت أشعر بقلق شديد. تلوت صلاة إلى الله، وطلبت منه أن يعطيني الإيمان. بعدئذ نظر إليّ أحد الضابطين وقال: "أنتم تنشرون الإنجيل في كل مكان، وتقولون إن كارثة عظيمة ستحلّ. ألستم تعطّلون بذلك الانتظام الاجتماعي؟". قلت: "لقد أنبأ سفر الرؤيا في الكتاب المقدس عن كارثة عظيمة ستحدث في الأيام الأخيرة، وهذه حقيقة لا جدال فيها. نحن نشارك الإنجيل ونشهد لله لكي يقبل الناس الحق وينالوا الخلاص من الله. إن ذلك يهدف إلى تخليص الناس. أين الجريمة في ذلك؟ إن الكارثة الكبرى ستحلّ قريبًا جدًّا. إذا رفضت أن تثوب إلى رشدك، واستمررت في اعتقال المسيحيين واضطهادهم، ووقفت بذلك حجر عثرة في طريق عمل الله الخلاصيّ، فهذا عمل ضد الله وإغضاب لشخصيته. وسيعاقبك الله". عند رؤية تعابير وجوههم الصارمة، تلوت أمامهم مقطعًا من كلمات الله: يقول الله القدير، "كل مَنْ يتحدى عمل الله سيُرسَل إلى الجحيم؛ أية دولة تتحدى عمل الله ستُدَمَر؛ وأية أمَّة تقوم ضد عمل الله ستُمحى من على هذه الأرض ولن يعود لها وجود. إنني أدعو الشعوب من جميع الأمم ومن جميع الدول وحتى من جميع الصناعات إلى أن ينصتوا إلى صوت الله، وينظروا إلى عمل الله، ويعيروا انتباهًا لمصير البشريَّة لكي يجعلوا الله الأقدس والأكرم والأعلى وهدف العبادة الوحيد بين الجنس البشري، وأن يسمحوا للبشرية كلها أن تحيا في ظل بركة الله تمامًا" (من "الله هو من يوجِّه مصير البشرية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). عند سماع كلمات الله، وقف أحد الضابطين يحدق في الفراغ، وهو جامد في مكانه. حرّك آخر رأسه وقال: "لقد قمنا بالكثير من الأشياء الفظيعة. إن الله القدير قد لا يريدنا". لقد أعطتني رؤية ذلك إحساسًا بقوة كلام الله، ومنحتني المزيد من الإيمان. قلت: "يمكنكما التوقّف عن فعل الشر، والتوقف عن اعتقال المسيحيين واضطهادهم واعتراض طريق عمل الله لتخليص الجنس البشري. إنّ الله بارّ وهو يتعامل معنا ويجازينا استنادًا إلى أفعالنا". بعد ذلك، سمح لي أفراد الشرطة بتفحص ملاحظاتهم، وفكّوا القيود عن يديّ وقدميّ، وتركوني أغادر. لقد سمحوا لي أن أغادر بمنتهى البساطة. كان الأمر برمته غير معقول وغير متوقّع بالنسبة لي. كنت قلقًا بشأن الخدع الأخرى التي قد يكونون يخططون لها في الخفاء، ولذلك قدت دراجتي بشكل دائري عندما غادرت، للتأكد من أن أحدًا لا يتعقبني إلى المنزل.

إن التعرض للاعتقال والاضطهاد من جانب الحزب الشيوعي جعلني متيّقنًا من جوهره الفاسد الشرير، وأنه يتكوّن بالكامل من شياطين تقاوم الله. إنه أكثر قوى الشيطان شراً وظلامًا على هذه الأرض. لقد رفضته ولعنته من قلبي. أدركت أيضًا قدرة الله وسيادته وأعماله العجيبة. إن النجاة من هجوم الحزب الشيوعي هذا ما كانت لتحدث لولا رعاية الله وحمايته. عندما كنت يائسًا، أنارتني كلمات الله وأرشدتني، وأعطتني الشجاعة للمضي قدمًا. عندما قدّمت الشهادة لله، أُخزِيَ الشيطان وهُزِم. لقد بيّن لي ذلك قوّة كلمات الله وسلطانها ومنحني المزيد من الإيمان بالله. رأيت أن حكمة الله تتم دائمًا باستخدام حيل الشيطان، وأن التنين العظيم الأحمر هو مجرد بيدق في يد الله، وأداة في خدمة الله من أجل تكميل شعبه المختار. إن امتلاك هذا النوع من الخبرة والفهم كان من بركة الله ونعمته. أقدّم الشكر لله القدير!

التالي: عواقب توصيتي

كيف يمكن لنا نحن المسيحيون أن نتحرَّر من رباطات الخطية ونتطهَّر؟ لا تتردد في الاتصال بنا لتجد الطريق.

محتوى ذو صلة

أنا محظوظ بخدمة لله

يقول الله القدير، "بماذا يتحقق تكميل الله للإنسان؟ بواسطة شخصيته البارّة. تتكوَّن شخصية الله في المقام الأول من البر والنقمة والجلال...

مارس الحق حتى لو أغضب الآخرين

في مايو 2020، قبلت عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. غالبًا ما كنت أقرأ كلام الله، وأشارك في الكنيسة بنشاط، وأؤدي من الواجبات ما أمكنني....

تغيرت من خلال واجبي

في العام الماضي، انتُخبت كقائدة فريق، مسؤولة عن أعمال التصميم الغرافيكي. في البداية، ولأنني لا أفهم مباديء وتفاصيل جميع الجوانب، درست بجد،...