(أ) كلمات جوهرية عن كشف كيفيَّة إفساد الشيطان الجنس البشريّ
65. كان آدم وحواء اللذين خلقهما الله في البدء شخصين مقدسين، أي أنهما كانا مقدسين في جنة عدن، وغير ملوثين بالدنس، وهذا لأنهما كانا أيضًا مُخلصيْن ليهوه ولم يعرفا شيئًا عن خيانة يهوه. هذا لأنهما كانا غير منزعجين بتأثير الشيطان، وكانا بدون سُم الشيطان، وكانا أنقى البشر جميعًا. كانا يعيشان في جنة عدن، غير ملوثيْن بأي دنس، ولا يستعبدهما الجسد، ويتقيان يهوه. لكن فيما بعد، عندما أغواهما الشيطان، دخلهما سُم الحية، ورغبا في خيانة يهوه، فعاشا تحت تأثير الشيطان. في البدء كانا مقدسين واتقيا يهوه؛ وبهذا وحده حُسِبا بشرًا. لكنهما لاحقًا بعد أن أغواهما الشيطان، أكلا من ثمرة شجرة معرفة الخير والشر، وعاشا تحت تأثير الشيطان. لقد أفسدهما الشيطان تدريجيًا، وفقدا الصورة الأصلية للإنسان. أخذ الإنسان في البدء نسمة من يهوه، ولم يكن لديه أدنى درجة من التمرد، ولم يكن في قلبه أي شر. كان الإنسان حينها إنسانًا حقًا. أصبح الإنسان وحشًا بعد أن أفسده الشيطان: صارت أفكاره مليئة بالشر والدنس، وليس الخير أو القداسة. أليس هذا هو الشيطان؟
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. اختبارات بطرس: معرفته بالتوبيخ والدينونة
66. منذ ظهور العلوم الاجتماعية، أصبح قلب الإنسان منشغلًا بالعلم والمعرفة. ثم أصبح العلم والمعرفة أدوات للسيطرة على الجنس البشري، تاركة الإنسان بلا مساحة كافية ليعبد الله، وبدون كثير من الظروف المواتية لعبادة الله. وانحدرت مكانة الله أكثر وأكثر في قلب الإنسان. ودون وجود مكان لله في قلب الإنسان، يكون عالمه الداخلي مُظلمًا وبلا رجاء وفارغًا. ومن ثم، برز العديد من علماء الاجتماع، والمؤرخين، والساسة في المقدمة ليُعبِّروا عن نظريات العلوم الاجتماعية، ونظرية تطور الإنسان، ونظريات أخرى تتعارض مع الحق القائل بخلق الله للإنسان، وليملؤوا قلوب البشر وعقولهم بها. وبهذه الطريقة، يصبح مَن يؤمنون بأن الله خلق كل شيء أقل فأقل، ويتزايد عدد المؤمنين بنظرية التطوُّر أكثر فأكثر. ويتعامل المزيد والمزيد من الناس مع سجلَّات عمل الله وكلامه خلال عصر العهد القديم باعتبارها خرافات وأساطير. في قلوبهم، يصبح الناس غير مكترثين بكرامة الله وعظمته، ويصبحون غير مكترثين بوجود الله والاعتقاد بأن الله له السيادة على جميع الأشياء. لم يعد بقاء الجنس البشري ومصير الدول والأمم مهمين بالنسبة إليهم، ويعيش الإنسان في عالم فارغ يهتم فقط بالمأكل والمشرب والسعي وراء الملذَّات. ... قليل من الناس هم من يحملون على عاتقهم مهمة البحث عن مكان عمل الله اليوم، أو البحث عن كيفية سيادته على غاية الإنسان وترتيبه لها. وبهذه الطريقة تصبح الحضارة الإنسانية – دون دراية الإنسان – عاجزة أكثر فأكثر عن تحقيق آمال الإنسان، بل ويوجد العديد من البشر الذين يشعرون أنهم – بعيشهم في مثل هذا العالم – صاروا أقل سعادة ممن ماتوا بالفعل. حتى الأشخاص الذين يعيشون في دول كانت في غاية التحضر يعبرون عن مثل هذه الشكاوى. فبدون إرشاد الله، حتى لو أجهد الحكام وعلماء الاجتماع عقولهم للحفاظ على الحضارة الإنسانية، فلا فائدة من ذلك. لا يمكن لأي شخص أن يملأ خواء قلب الإنسان، لأنه لا يمكن لأي شخص أن يكون حياة الإنسان، ولا يمكن لأي نظرية اجتماعية أن تحرر الإنسان من متاعب الخواء. إنَّ العلم والمعرفة والحرية والديمقراطية والمتعة والراحة لا تجلب للإنسان سوى تعزية وقتية. وحتى مع هذه الأشياء، لا يزال الإنسان يخطئ حتمًا ويشكو من ظلم المجتمع. لا يمكن لامتلاك هذه الأشياء أن يعوق شوق الإنسان ورغبته في الاستكشاف. وذلك لأن الإنسان خلقه الله ولا يمكن لتضحياته واستكشافاته التي لا معنى لها سوى أن تجلب عليه الضيق بصورة متزايدة، وتجعل الإنسان في حالة قلق دائمة، لا يعرف كيف يواجه مستقبل البشرية أو كيف يواجه الطريق الذي أمامه، إلى حد أنَّ الإنسان يصبح خائفًا حتى من العلم والمعرفة، ويصبح أكثر خوفًا من الشعور بالخواء. في هذا العالم، سواء كنت تعيش في بلد حر أو بلد بلا حقوق إنسان، فأنت عاجز تمامًا عن الهروب من قدر البشرية. وسواء كنت حاكمًا أو محكومًا، فأنت عاجز تمامًا عن الهروب من الرغبة في استكشاف قدر البشرية وأسرارها وغايتها، فضلًا عن أنك غير قادر على الهروب من الشعور بالخواء الذي لا تفسير له. إن مثل هذه الظواهر مشتركة بين جميع البشر، ويسميها علماء الاجتماع ظواهر اجتماعية، ورغم ذلك لا يمكن لأي إنسان عظيم أن يتقدم لحل مثل هذه المشكلات.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. مُلحق 2: الله يسود على مصير جميع البشرية
67. لقد بقيت هذه الأرض أرض الدنس لآلاف الأعوام. إنها قذرة بصورة لا تُحتمل، وزاخرة بالبؤس، وتجري الأشباح هائجة في كل مكان، خادعة ومخادعة ومقدِّمة اتهامات(1) بلا أساس، وهي بلا رحمة وقاسية، تطأ مدينة الأشباح هذه، وتتركها مملوءة بالجثث الميّتة؛ تغطي رائحة العفن الأرض وتنتشر في الهواء، وهي محروسة بشدة(2). مَن يمكنه أن يرى عالم ما وراء السماوات؟ يحزم الشيطان جسد الإنسان كله بإحكام، إنه يحجب كلتا عينيه، ويغلق شفتيه بإحكام. لقد ثار ملك الشياطين لعدة آلاف عام، وحتى يومنا هذا، حيث ما زال يراقب عن كثب مدينة الأشباح، كما لو كانت قصرًا منيعًا للشياطين. في هذه الأثناء تحملق هذه الشرذمة من كلاب الحراسة بعيون متوهجة وتخشى بعمق أن يمسك بها الله على حين غرة ويبيدها جميعًا، ويتركها بلا مكان للسلام والسعادة. كيف يمكن لأناس في مدينة أشباح كهذه أن يكونوا قد رأوا الله أبدًا؟ هل تمتعوا من قبل بمعزة الله وجماله؟ ما التقدير الذي لديهم لأمور العالم البشري؟ مَن منهم يمكنه أن يفهم مشيئة الله التوَّاقة؟ أعجوبة صغيرة إذًا أن يبقى الله المتجسد مختفيًا بالكامل: في مجتمع مظلم مثل هذا، فيه الشياطين قساةٌ ومتوحشون، كيف يمكن لملك الشياطين، الذي يقتل الناس دون أن يطرف له جفن، أن يتسامح مع وجود إله جميل وطيب وأيضًا قدوس؟ كيف يمكنه أن يهتف ويبتهج بوصول الله؟ هؤلاء الأذناب! إنهم يقابلون اللطف بالكراهية، وقد بدأوا يعاملون الله كعدو منذ وقت طويل، ويسيئون إليه، إنهم وحشيون بصورة مفرطة، ولا يظهرون أدنى احترام لله، إنهم ينهبون ويسلبون، وليس لهم ضمير على الإطلاق، ويخالفون كل ما يمليه الضمير، ويغوون البريئين إلى الحماقة. الآباء الأقدمون؟ القادة الأحباء؟ كلّهم يعارضون الله! ترك تطفّلهم كل شيء تحت السماء في حالة من الظلمة والفوضى! الحرية الدينية؟ حقوق المواطنين المشروعة ومصالحهم؟ كلها حيلٌ للتستّر على الشر! مَن تبنّى عمل الله؟ مَن وضع حياته أو سفك دمه من أجل عمل الله؟ لأنه من جيل إلى جيل، من الآباء إلى الأبناء، قام الإنسان المُستَعبَد باستعباد الله بكل وقاحة. كيف لا يثير هذا الغضب؟ استقرّ بُغض آلافِ السنين من الكره في القلب، ونُقشت ألفُ سنة من الخطية فيه. كيف لا يثير هذا الاشمئزاز؟ انتقمْ لله، بَدِّدْ عدوَّه بالكامل، لا تدعه يستفحل أكثر، ولا تسمح له بأن يحكم كطاغية! هذا هو الوقت المناسب: قد جمع الإنسان كلّ قواه منذ زمن بعيد، وكرّس كل جهوده ودفع الثمن كله من أجل هذا، ليمزّق الوجه القبيح لهذا الإبليس، ويسمح للناس الذين أُصيبوا بالعمى، والذين تحملوا جميعَ أنواع الآلام والمشقات، للنهوض من آلامهم والتمرد على هذا الشيطان القديم الشرير. لماذا يضع مثل هذه العقبة المنيعة أمام عمل الله؟ لماذا يستخدم مختلف الحيل لخداع قوم الله؟ أين هي الحرية الحقيقية والحقوق والمصالح المشروعة؟ أين العدل؟ أين الراحة؟ أين الدفء؟ لماذا يستخدم حيلًا مختلفة لخداع شعب الله؟ لماذا يستخدم القوّة ليقمع مجيء الله؟ لماذا لا يسمح لله أن يجول بحرية في الأرض التي خلقها؟ لماذا يطارد الله حتى لا يجد مكانًا يسند فيه رأسه؟ أين الدفء بين البشر؟ أين الترحيب به بين الناس؟ لماذا يتسبب لله في مثل هذا التلهف المستميت؟ لماذا يجعل الله ينادي مرارًا وتكرارًا؟ لماذا يدفع الله إلى حيث لا بد له أن يقلق على ابنه المحبوب؟ هذا المجتمع مظلم جدًا – لماذا لا تسمح كلاب حراسته المثيرة للازدراء لله بأن يأتي ويذهب بحرية في العالم الذي خلقه؟ لماذا لا يفهم الإنسان، الإنسان الذي يعيش وسط الألم والمعاناة؟ تحمَّل الله من أجلكم عذابًا جمًّا، وبألم عظيم أنعم بابنه الحبيب، جسده ودمه، عليكم، فلماذا لا تزالون تغمضون أعينكم؟ في مرأى ومسمع الجميع، ترفضون مجيء الله، وترفضون صداقته. لماذا أنتم عديمو الضمير؟ هل ترغبون في تحمل الظلم في مثل هذا المجتمع المظلم؟ لماذا تتخمون أنفسكم "بقذارة" ملك الشياطين بدلًا من أن تملؤوا بطونكم بآلاف السنوات من العداوة؟
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. العمل والدخول (8)
الحواشي:
(1) "مقدمة اتهامات بلا أساس" تشير إلى الطرق التي يؤذي بها الشيطان الناس.
(2) "محروسة بشدة" تشير إلى أن الطرق التي يبلي بها الشيطان الناس لئيمة، وأنه يسيطر على الناس بشدة لدرجة أنه لا يترك لهم مساحة للتحرُّك.
68. لقد أزعج الشيطانُ عملَ الله من أعلاه إلى أدناه ومن بدايته إلى نهايته، وعمل على معارضته. كما أن جميع هذه الأحاديث عن "التراث الثقافي العريق"، و"المعرفة القيمة للثقافة القديمة"، و"تعاليم الطاوية والكونفوشيوسية"، و"التقاليد الكونفوشيوسية والطقوس الإقطاعية" أخذت الإنسان إلى الجحيم. لم يعد ثمة وجود للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة الحديثة، والصناعة بالغة التطور، والزراعة، والأعمال التجارية في أي مكان على الإطلاق. وبدلًا من ذلك، فإن كل ما يفعله الشيطان هو أنه يُشدّد على الطقوس الإقطاعية التي روجت لها "قِرَدَة" الأزمنة القديمة لتعطيل عمل الله ومعارضته وتدميره عمدًا. وهو لم يواصل تعذيب الإنسان حتى يومنا هذا فحسب، بل إنه يريد حتى أن يبتلع الإنسان بالكامل(1). إن نقل التعاليم المعنوية والأخلاقية للإقطاعية وتوريث المعرفة بالثقافة القديمة قد أصاب البشر منذ زمن طويل وحولهم إلى شياطين كبيرة وصغيرة. قلَّةٌ من هم مستعدون لأن يستقبلوا الله بسعادة، وقلَّةٌ من هم يرحبون بقدومه بابتهاج. وجه البشرية جمعاء مملوء بنوايا القتل، وريح القتل تملأ الهواء في كل مكان. يسعون إلى إخراج الله من هذه الأرض؛ وفي أيديهم السكاكين والسيوف، ينظمون أنفسهم في تشكيلٍ قتالي "للقضاء" على الله. تنتشر الأصنام عبر أرض الأبالسة حيث يُدَرَّسُ الإنسان باستمرار أنه ليس هناك من إله، وتنتشر في هوائها رائحة الورق والبخور المحترق المقززة، وهي كثيفةٌ جدًا بحيث أصبحت خانقة. إنها كرائحة الحمأة التي تنبعث من تلوِّي الحية السامة، وهي شديدة بالقدر الذي يجعل المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من التقيؤ. إلى جانب ذلك، يُمكن أن يُسمَعَ صوتُ الشياطين الشريرة وهي تترنم بكتب مقدسة بصوت خافت، صوت يبدو وكأنه قادمٌ من بعيد في الجحيم، وهو شديدٌ لدرجة أن المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من الشعور بالرعشة. تتناثر الأصنام في كل مكان عبر هذه الأرض بكل ألوان قوس قزح، محوّلة الأرض إلى عالم من الملذات الحسّيّة، بينما يواصل ملك الشياطين الضحك بخبث، كما لو أن مؤامرته الدنيئة قد نجحت. في هذه الأثناء، يبقى الإنسان غافلًا تمامًا عن هذا الأمر، ولا تكون لديه أي فكرة عن أن الشيطان قد أفسده بالفعل إلى درجة أنه أصبح فاقد الإحساس ويُنكِّسُ رأسه مهزومًا. يرغب الشيطان في القضاء على كل شيء يتعلق بالله بضربة واحدة، وفي انتهاك قدسيّته مرة أخرى والفتك به؛ إنه مصمم على تدمير عمله وإيقاع الاضطراب فيه. كيف يمكنه أن يسمح لله أن يكون على قدم المساواة معه؟ كيف يمكنه أن يتساهل مع "تدخُّل" الله في عمله بين الناس في الأرض؟ كيف يسمح الشيطان لله أن يفضح وجهه البغيض؟ كيف يمكنه أن يسمح لله أن يجعل عمله في حالة من الفوضى؟ كيف يمكن لهذا الشيطان المستشيط غضبًا أن يسمح لله بأن يسيطر على بلاطه الإمبراطوري في الأرض؟ كيف يمكنه الانحناء طواعيةً لقوة الله العظيمة؟ لقد كُشف وجهه البغيض على حقيقته، وهكذا يجد المرء أنه لا يدري أيضحك أم يبكي، ومن الصعوبة حقًا التحدث عن الأمر. أليس هذا هو جوهر الشيطان؟ ما زال يعتقد أنه جميلٌ بشكل لا يًصدق مع أنه يمتلك نفسًا قبيحة. يا لها من عصابة من الشركاء في الجريمة(2)! ينزلون إلى عالم البشر لينغمسوا في الملذات ويحدثوا ضجة ويثيروا الفوضى إلى درجة تجعل العالم يصبح مكانًا متقلِّبًا وغير ثابت، ويصبح قلب الإنسان مملوءًا بالرعب وعدم الارتياح. وقد تلاعبوا بالإنسان كثيرًا حتى أصبحت ملامحه مثل ملامح وحوش البرّيّة الهمجية، الشديدة القبح، والتي فقدت آخر أثر للإنسان الأصيل المقدس، حتى إنهم علاوة على ذلك يرغبون في تولي سلطة السيادة على الأرض. إنهم يعوقون عمل الله كثيرًا فلا يستطيع التقدم إلا بصعوبة، ويعزلون الإنسان بإحكام كما لو كان وراء جدران من النحاس والفولاذ. وبعد أن ارتكبوا العديد من الخطايا الفظيعة، وتسبّبوا بالكثير من الكوارث، هل ما زالوا يتوقعون شيئًا غير التوبيخ؟ لقد اندفعت الشياطين والأرواح الشريرة مسعورة في الأرض لبعض الوقت، وعزلت كلًّا من مقاصد الله وجهوده المضنية بإحكام لتجعلها عصيَّة على الاختراق. يا لها من خطيَّة مميتة حقًّا! كيف لله ألا يقلق؟ كيف لا يشعر بالغضب؟ فقد عطَّلَت عمل الله بشدَّة وعارضته، يا لها من متمرّدة!
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. العمل والدخول (7)
الحواشي:
(1) "يبتلع الإنسان بالكامل" تشير إلى السلوك العنيف لملك الشياطين الذي يسلب الناس بالكامل.
(2) "الشركاء في الجريمة" هم أيضًا من نفس عائلة "عُصبة قطّاع الطرق".
69. لقد أسهمت معرفة الثقافة والتاريخ القديمين على مدى عدة آلاف من السنين في إغلاق تفكير الإنسان ومفاهيمه ونظرته الذهنية بإحكام لتصبح عصيّة على الاختراق والتحول(1). فالناس يعيشون في الدائرة الثامنة عشرة من الجحيم، كما لو أن الله قد حجبهم في الزنازين بحيث لا يرون النور أبدًا. وقد قَمَعَ التفكيرُ الإقطاعيُّ الناس حتى أصبحوا بالكاد قادرين على التنفس ويشعرون بالاختناق. ليس لديهم مثقال ذرة من القوة للمقاومة؛ ولهذا كل ما يفعلونه هو أنهم يتحمّلون ويتحمّلون بهدوء...لم يجرؤ أحدٌ أبدًا على النضال أو الدفاع عن العدالة والإنصاف. ببساطة يعيش الناس حياةً أسوأ من حياةِ الحيوان، ويتعرضون عامًا بعد عام، ويومًا بعد يوم، للصفعات وسوء المعاملة الناجمين عن نظام الأخلاقيات الإقطاعية، ولم يفكروا مطلقًا في البحث عن الله ليتمتّعوا بالسعادة في العالم الإنساني، وكأنما قد سُحِقَ الناس إلى أن غدوا كأوراق الخريف المتساقطة، والذابلة والجافة وذات اللون البني المصفر. لقد فقد الناس ذاكرتهم منذ فترة طويلة، ويعيشون بائسين في الجحيم المدعو العالم البشري، منتظرين مجيء اليوم الأخير ليهلكوا مع هذا الجحيم، كما لو أن اليوم الأخير الذي يتوقون إليه هو اليوم الذي سيتمتع فيه الإنسان بالسلام والراحة. لقد أخذت الأخلاقيات الإقطاعية حياة الإنسان إلى "الهاوية"، مما زاد في إضعاف قدرة الإنسان على المقاومة. أجبر القمعِ بجميع أشكاله الإنسانَ على السقوط تدريجيًا في أعماق الهاوية، ليزداد بعدًا عن الله، إلى أن أصبح الإنسان في يومنا هذا غريبًا تمامًا عن الله ويسارع إلى تجنبه حينما يلتقيان. لا يبالي الإنسان بالله، بل يتركه يقف وحيدًا في جانب واحد كما لو أنه لم يعرفه أو يره من قبل. ومع ذلك كان الله ينتظر الإنسان طوال رحلة الحياة البشرية الطويلة، ولم يوجِّه غضبه الكاسح نحوه، بل اكتفى بالانتظار بهدوء وبصمت ليتوب الإنسان ويبدأ من جديد. جاء الله منذ أمد طويل إلى عالم البشر ليتحمل معاناة عالم البشر مع الإنسان. طوال السنوات التي عاشها مع الإنسان لم يكتشف أحد وجوده. يتحمل الله بصمت تعاسة الفقر في عالم البشر، في حين يقوم بتنفيذ العمل الذي أتى به بنفسه، ويستمر في التحمل من أجل إرادة الله الآب واحتياجات البشر، متحمِّلًا آلامًا لم يسبق أن تحملها الإنسان من قبل. أمام الإنسان، انتظره بهدوء، وتواضع في حضور الإنسان تلبية لإرادة الله الآب ولحاجات البشرية أيضًا. إن المعرفة بالثقافة القديمة سرقت الإنسان خلسة من حضرة الله وسلَّمته إلى ملك الشياطين وذريته. وقد نقلت الكتب الأربعة والكلاسيكيات الخمس(أ) تفكير الإنسان وتصوراته إلى عصر آخر من العصيان؛ مما جعله يتملق أكثر من أي وقت مضى أولئك الذين صنفوا الكتب والكلاسيكيات، وزاد ذلك في سوء تصوراته عن الله. ودونما إدراك من الإنسان، قام ملك الشياطين بنزع الله من قلبه بقسوة، ثم استحوذ هو عليه تخامره غبطة الانتصار. ومنذ ذلك الحين أصبح للإنسان روح قبيحة وملامح ملك الشياطين. امتلأ صدر الإنسان بكراهية الله، ويومًا بعد يوم تغلغل حقد ملك الشياطين داخله إلى أن التهمه تمامًا؛ فلم يعد يتمتع بأدنى قدر من الحرية، ولم يعد أمامه سبيل للتحرر من شَرَكِ ملك الشياطين. لم يعد لديه خيار سوى أن يؤسر في الحال، وأن يستسلم وأن يهوي في خضوع في حضرته. منذ أمد بعيد، عندما كان قلب الإنسان وروحه لا يزالان في طور الطفولة، زَرعَ ملك الشياطين فيهما بذرة ورم الإلحاد، معلّمًا الإنسان أباطيلَ مثل "دراسة العلوم والتكنولوجيا، وإدراك الحداثات الأربع، ولا يوجد ما يُسمَّى بالإله في العالم". ليس ذلك فحسب، بل إنه يصرخ قائلًا في كل فرصة: "دعونا نعتمد على عملنا الدؤوب لنبني وطنًا جميلًا"، طالبًا من كل شخص أن يكون مستعدًا منذ الطفولة لخدمة بلده بإخلاص. أُحضر الإنسان دون قصد إلى حضرته، وقد نسب إلى نفسه الفضل دون تردد (أي فضل الله المتمثل في كونه يمسك بالبشرية كلها في يده). لم يخامرْه أي شعور بالخجل. وعلاوة على ذلك، استحوذ دون خجل على شعب الله وجرَّهم إلى منزله، حيث قفز كالفأر على الطاولة وجعل الإنسانَ يعبده كالله. يا له من مجرم! إنه ينادي بعبارات فضائحية صادمة مثل: "لا يوجد ما يسمى بالإله في العالم. تأتي الريح من تحولات ناجمة عن قوانين الطبيعة، ويتشكل المطر حين يتكثف بخار الماء عند التقائه بدرجات حرارة منخفضة فيتحول إلى قطراتٍ تسقط على الأرض. والزلزال اهتزاز لسطح الأرض بسبب التغيرات الجيولوجية، والقحط سببه جفاف الجو الناجم عن اضطراب نووي على سطح الشمس. هذه ظواهر طبيعية. أين يوجد عمل الله في كل هذا؟". حتى إن هنالك من ينادون بتصريحات مثل التصريح التالي، وهي تصريحات لا ينبغي التعبير عنها: "تطوَّرَ الإنسان من قِرَدَة في الماضي السحيق، ومنشأ العالم اليوم من سلسلة من المجتمعات البدائية التي بدأت منذ دهر جيولوجي تقريبًا. وسواء ازدهرت دولة ما أو سقطت، فهذا معتمد كليًّا على شعبها". في الخلفية يجعل الشيطانُ الإنسانَ يعلّقُ صورته على الجدران أو يضعها على الطاولات ليقدم الولاء والتقدمات له. وفي الوقت نفسه الذي يصرخ فيه الشيطان قائلًا "لا يوجد إله"، يُنصِّبُ نفسه إلهًا، دافعًا بالله خارج حدود الأرض بفظاظة، بينما يقف في مكان الله ويقوم بدور ملك الشياطين. كم هو فاقد لعقله! إنه يجعل المرء يكرهه حتى النخاع. يبدو أن الله وهو عدوّان لدودان ولا يمكنهما التعايش؛ فهو يخطط لطرد الله بعيدًا بينما يتجول بحرية خارج نطاق القانون(2). يا له من ملكٍ للشياطين! كيف يمكن تحمّل وجوده؟ لن يهدأ حتى يشوّش على عمل الله تاركًا إياه منهارًا في فوضى كاملة(3)، كما لو أنه يريد أن يعارض الله حتى النهاية المريرة، حتى تموتَ الأسماك أو تتمزّق الشبكة. إنَّه يقاوم الله عمدًا ويضغط أكثر من أي وقت مضى. لقد انكشف وجهه البغيض تمامًا منذ فترة طويلة، وأصبح الآن معطوبًا ومحطمًا(4)، وفي وضع مؤسف، إلّا أنَّهُ لن يلين في كراهيته لله، كما لو أنَّه لن يتمكن من التنفيس عن الكراهية المكبوتة في قلبه إلا إذا التهم الله في لقمةٍ واحدة. كيف يمكننا تحمّله، هذا عدو الله! لن تثمر أمنيتنا في الحياة سوى بالقضاء عليه واجتثاثه تمامًا. كيف يُمكِنُ السَّماحَ له بأنْ يَستَمِرَّ بالجري هائجًا؟ لقد أفسد الإنسان إلى درجة أن الإنسان يجهلُ شمس السماء وقد أصبح ميتًا ومتبلد الحس. لقد فقد الإنسان عقله الإنساني الطبيعي. لماذا لا نضحي بكياننا كله للقضاء عليه وحرقه كي ننهي جميع المخاوف على المستقبل ونسمح لعمل الله أن يتألّق قريبًا بصورةٍ غير مسبوقة؟ لقد حلَّت عصابة الأوغاد هذه في عالم البشر وحولته إلى حالة من الاضطراب. لقد أحضروا البشر جميعًا إلى حافة هاوية وخططوا سرًا لدفعهم وإسقاطهم عنها ليحطّموهم إربًا إربًا وليتمكنوا من التهام جثثهم. إنهم يأملون عبثًا في إنهاء خطة الله والتباري معه مقامرين بكل شيء برمية حجر نرد واحدة(5). هذا ليس سهلًا بأية حال! فالصليب قد أُعدَّ أخيرًا لملك الشياطين المذنب بارتكابه لأبشع الجرائم. لا ينتمي الله إلى الصليب، وقد ألقى به بالفعل للشيطان. لقد خرج الله منتصرًا منذ زمن بعيد قبل الآن ولم يعد يشعر بالأسى على خطايا البشرية، لكنه سوف يجلب الخلاص للبشرية جمعاء.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. العمل والدخول (7)
الحواشي:
(1) الغرض من "عصيّة على الاختراق والتحول" هنا هو السخرية، أي أن الناس جامدون في معرفتهم وثقافتهم ونظرتهم الروحية.
(2) تدل عبارة "يتجول بحرية خارج نطاق القانون" على أن الشيطان يندفع هائجًا ويجري مسعورًا.
(3) "في فوضى كاملة" تشير إلى أنه لا يمكن تحمل سلوك الشيطان العنيف.
(4) "معطوبًا ومحطمًا" تشير إلى الوجه القبيح لملك الشياطين.
(5) "مقامرين بكل شيء برمية حجر نرد واحدة" تعني مغامرة المرء بكل نقوده في رهان واحد على أمل الفوز في النهاية. هذه استعارة لخطط الشيطان الشريرة والشائنة، ويستخدم هذا التعبير على سبيل السخرية.
(أ) الكتب الأربعة والكلاسيكيات الخمس هي الكتب المرجعية للكونفوشيوسية في الصين.
70. وضع الشيطان قليلًا من فلسفته للتعاملات الدنيوية وفكره في معرفة الإنسان المزعومة. وكما يفعل الشيطان هذا، يسمح للإنسان بأن يعتنق تفكيره وفلسفته ووجهات نظره حتَّى يتمكَّن الإنسان من إنكار وجود الله وإنكار سيادة الله على جميع الأشياء وعلى مصير الإنسان. وهكذا، مع تقدُّم دراسات الإنسان، واكتسابه المزيد من المعرفة، يشعر أن وجود الله يصبح غامضًا، وربّما لا يعود يشعر حتَّى أن الله موجود. لأن الشيطان غرس أفكارًا ووجهات نظرٍ ومفاهيم محددة في الإنسان، فمبجرد أن يكون الشيطان قد غرس هذا السُمّ في الإنسان، ألا يكون الإنسان قد ضُلِّلَ وفسد بواسطة الشطيان؟ إذًا ماذا ستقولون إن أناس اليوم يعيشون بموجبه؟ ألا يعيشون بموجب المعرفة والأفكار التي غرسها الشيطان؟ والأشياء المخفيّة في هذه المعرفة وهذه الأفكار – أليست فلسفات الشيطان وسُمَّه؟ يعيش الإنسان بفسلفات الشطان وسُمِّه. وما الذي يكمن في صميم إفساد الشيطان للإنسان؟ يريد الشيطان أن يجعل الإنسان ينكر الله ويقاومه ويعارضه كما يفعل هو؛ فهذا هدف الشيطان من إفساد الإنسان وهي أيضًا الوسيلة التي يفسد بها الشيطان الإنسان.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد خامسًا
71. في أثناء عملية اكتساب الناس للمعرفة، من خلال استخدام جميع أنواع الأساليب، سواء كان ذلك بسرد القصص، أو مجرد تزويدهم ببعض المعرفة، أو السماح لهم بإشباع رغباتهم أو تطلعاتهم، ما الطريق الذي يريد الشيطان أن يقود الناس إليه بالضبط؟ يظن الناس أنه لا يوجد خطأ في تعلم المعرفة، وأنه أمر طبيعي ومبرر تمامًا. ولصياغة الأمر بطريقة تبدو جذابة، فإن وضع تطلعات سامية أو امتلاك طموحات يعني امتلاك عزم، وينبغي أن يكون هذا هو الطريق الصحيح في الحياة. إذا استطاع المرء تحقيق تطلعاته الخاصة، أو بناء مسيرة مهنية ناجحة في حياته، أليست هذه طريقة أكثر مجدًا للعيش؟ بهذه الطريقة، لا يستطيع المرء تكريم أسلافه فحسب، بل تتاح له أيضًا الفرصة لترك بصمته للأجيال القادمة – أليس هذا شيئًا جيدًا؟ هذا شيء جيد في نظر الناس الدنيويين، وبالنسبة إليهم ينبغي أن يكون أمرًا لائقًا وإيجابيًا. ومع ذلك، هل يقود الشيطان، بدوافعه الشريرة، الناس إلى مثل هذا الطريق ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد؟ بالطبع لا. في الواقع، بغض النظر عن مدى عظم تطلعات الإنسان، وبغضّ النظر عن مدى واقعيّة رغبات الإنسان أو مدى مشروعيتها، فإن كلّ ما يريد الإنسان تحقيقه، كل ما يسعى إليه، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكلمتين. هاتان الكلمتان مُهمّتان للغاية بالنسبة إلى كلّ إنسان على مدار حياته كلها، وهما شيئان يعتزم الشيطان غرسهما في الإنسان. ما هاتان الكلمتان؟ هما "الشهرة" و"الربح". يستخدم الشيطان طريقةً لطيفةً جدًّا، وهي طريقةٌ تتماشى إلى حد كبير مع مفاهيم الناس، وليست عدائية جدًا، لكي يجعل الناس يقبلون – دون وعي منهم – وسائله وقواعده للبقاء، ولكي يشكلوا أهداف الحياة واتجاهاتها، ولتصبح لديهم تطلعات في الحياة. مهما بدت أوصاف الناس لتطلعاتهم الحياتية منمقة، فهذه التطلعات تدور دائمًا حول الشهرة والربح. كل شيء يطارده أيّ شخصٍ عظيم أو مشهور في حياته بأكملها – أو في الواقع أي شخص – يتعلَّق بكلمتين فقط: "الشهرة" و"الربح". يعتقد الناس أنه بمُجرَّد حصولهم على الشهرة والربح، يصبح لديهم رأس مال للتمتع بالمكانة العالية والثروة الكبيرة والاستمتاع بالحياة. يعتقدون أنهم فور أن يحصلوا على الشهرة والربح، يكون لديهم رأس مال للبحث عن اللذة والانخراط في المتعة الجسدية الفاسقة. يسلِّم الناس عن طيب خاطرٍ ودون درايةٍ، أجسادهم وقلوبهم، وحتى كلّ ما لديهم بما في ذلك آفاقهم وأقدارهم إلى الشيطان من أجل هذه الشهرة والربح اللذين يرغبون فيهما. يفعلون هذا دون تحفظ، ودون حتى شكٍ للحظةٍ واحدة، ودون أن يخطر ببالهم قط استرداد كلّ ما كان لديهم من قبل. هل يمكن للناس أن يحتفظوا بأي سيطرة على أنفسهم بعد أن سلَّموها إلى الشيطان وأصبحوا مخلصين له بهذه الطريقة؟ لا بالتأكيد. فالشيطان يتحكَّم بهم تمامًا وبشكل مطلق. كما أنهم قد غرقوا تمامًا وكليًا في هذا المُسْتَنْقَع، وهم عاجزون عن تحرير أنفسهم. بمُجرَّد أن يتورَّط شخصٌ ما في الشهرة والربح، فإنه لا يعود يبحث عمّا هو مُشرِقٌ أو ما هو عادل أو تلك الأشياء الجميلة والصالحة. هذا لأن إغراء الشهرة والربح للناس هائلٌ للغاية، وهذه أشياء يمكن للناس السعي إليها بلا نهاية طيلة حياتهم وحتَّى إلى الأبد. أليس هذا هو الوضع الفعلي؟ سوف يقول بعض الناس إن تعلُّم المعرفة ليس أكثر من قراءة الكتب وتعلُّم بعض الأشياء التي لا تعرفها بالفعل لأجل مواكبة الزمان ولكي لا يتركك العالم وراءه. لا تُكتسب المعرفة إلا من أجل كسب قوت اليوم، أو من أجل مستقبلك، أو من أجل توفير الضروريّات الأساسيّة. هل هناك أيّ شخصٍ سيتحمَّل عَقدًا من الزمان في الدراسة الشاقّة من أجل تأمين الاحتياجات الأساسيّة فقط ومن أجل حلّ مشكلة الغذاء فقط؟ كلا، لا يوجد أُناسٌ هكذا. من أجل ماذا إذًا يعاني المرء هذه المشقّات طوال هذه السنوات؟ إنه من أجل الشهرة والربح. الشهرة والربح ينتظرانه في الأفق ويدعوانه إليهما، وهو يعتقد أنه لا يمكنه أن يخطو في الطريق الذي يؤدي إلى تحقيق الشهرة والربح إلّا من خلال اجتهاده الخاصّ، ومشاقّه، وكفاحه، وهكذا يربح هذه الأشياء. يجب على شخص كهذا أن يعاني هذه المشاقّ في سبيل مساره الخاصّ في المستقبل ومن أجل التمتُّع في المستقبل وكسب حياة أفضل. ما هذه المعرفة تحديدًا، هل يمكنكم أن تخبروني؟ أليست هي قواعد العيش وفلسفاته التي يغرسها الشيطان في الإنسان، مثل: "أحب الحزب، وأحب البلد، وأحب ديانتك"، و"الرجل الحكيم يخضع للظروف"؟ أليست هي "التطلعات السامية" للحياة التي يغرسها الشيطان في الإنسان، مثل أفكار الناس العظماء واستقامة المشاهير أو الروح الشجاعة للشخصيّات البطوليّة، أو شهامة ولُطف الفرسان والمبارزين بالسيف في روايات الفنون القتاليّة؟ تُؤثِّر هذه الأفكار والأقوال في جيلٍ تلو الآخر؛ كثيرون من الناس يقبلون هذه الأفكار، ويسعون إلى هذه "التطلعات السامية"، ويكافحون من أجلها، وهم حتى مستعدون للتضحية بحياتهم من أجل تحقيقها. بهذه الوسيلة وبهذه الطريقة، يستخدم الشيطان المعرفة من أجل إفساد الناس. لذا، بعد أن يقود الشيطان الناس على هذا المسار، هل يكونون قادرين على الخضوع لله وعبادته؟ وهل هم قادرون على قبول كلمات الله والسعي إلى الحق؟ بالقطع لا؛ لأن الشيطان قد قادهم إلى الضلال. لنفكر الآن في هذا: في داخل المعرفة والأفكار والآراء التي يغرسها الشيطان في الناس، هل توجد حقائق الخضوع لله وعبادته؟ هل توجد بها حقائق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ؟ وهل بها أي من كلام الله؟ وهل فيها أي شيء هو من الحق؟ كلا على الإطلاق؛ هذه الأشياء غائبة تمامًا.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا
72. يستخدم الشيطان الشهرة والربح للتحكُّم بأفكار الإنسان، فيجعله لا يفكر في شيء سوى هذين الأمرين، ويدفعه إلى النضال من أجل الشهرة والربح، ومعاناة المشاق من أجل الشهرة والربح، وتحمل الإذلال وحمل أعباء ثقيلة من أجل الشهرة والربح، والتضحية بكلّ ما لديه من أجل الشهرة والربح، واتخاذ أيّ حُكمٍ أو قرارٍ من أجل الشهرة والربح. وبهذه الطريقة، يفرض الشيطان على الإنسان أغلالًا غير مرئيّةٍ، وبوجود هذه الأغلال عليه، لا يملك القدرة ولا الشجاعة للتحرر. ومن دون وعي منه، يحمل الإنسان هذه الأغلال ويتقدم بتثاقل خطوة خطوة، بصعوبة كبيرة. من أجل هذه الشهرة وهذا الربح، تضل البشرية عن الله وتخونه وتصبح خبيثة أكثر فأكثر. وبهذه الطريقة، يُدمَّر جيلٌ تلو الآخر وسط شهرة الشيطان وربحه. بالنظر الآن إلى أعمال الشيطان، أليست دوافعه الخبيثة بغيضة للغاية؟ ربّما ما زلتم لا تستطيعون اليوم أن تُدرِكوا دوافع الشيطان الخبيثة، لأنكم تعتقدون أنه دون الشهرة والربح، لن يكون للحياة معنى، ولن يعود الناس قادرين على رؤية الطريق أمامهم، ولن يعودوا قادرين على رؤية أهدافهم، وسيصبح مستقبلهم مُظلِمًا، وقاتمًا، ومعتمًا. ومع ذلك، ببطء، سوف تدركون جميعًا ذات يوم أن الشهرة والربح أغلالٌ هائلة يضعها الشيطان على الإنسان. وعندما يأتي ذلك اليوم، سوف تقاوم بشكل كامل سيطرة الشيطان عليك وتقاوم بشكل كامل الأغلال التي جلبها الشيطان لك. وعندما ترغب في تحرير نفسك من جميع هذه الأشياء التي غرسها الشيطان فيك، فسوف تنفصل تمامًا عن الشيطان، وسوف تكره حقًّا كل ما جلبه لك. وحينها فقط سوف تكون لديك مَحبَّةٌ وتوق حقيقيان لله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا
73. ما يفعله العلم هو مجرد أن يسمح للأشخاص برؤية الأشياء في العالم الماديّ، وأن يرضي فضول الإنسان، لكنه لا يمكِّن الإنسان من أن يرى النواميس التي يملك بها الله السيادة على جميع الأشياء. يبدو أن الإنسان يجد الإجابات في العلم، ولكن تلك الإجابات محيِّرة ولا تُؤدِّي سوى لإشباع مؤقت، وهو إشباع لا يُؤدِّي إلّا لتقييد قلب الإنسان بالعالم الماديّ. يشعر الإنسان أنه حصل بالفعل على الإجابات من العلم، ولذلك فكُلَّما ظهرت مسألةٌ ما، فإنه يستخدم وجهات نظره العلمية كأساس لإثبات تلك المسألة أو قبولها. يغوي العلم قلب الإنسان ويستحوذ عليه للدرجة التي لا يعود عندها للإنسان عقلٌ لمعرفة الله وعبادته والإيمان بأن جميع الأشياء تأتي من الله، وأن الإنسان يجب أن ينظر إليه للحصول على إجاباتٍ. أليس هذا صحيحًا؟ كُلَّما كان الشخص أكثر اعتقادًا بالعلم، بات أكثر سخفًا، معتقدًا أن كلّ شيءٍ له حلٌّ علميّ وأن البحث يمكنه أن يحلّ أيّ شيءٍ. إنه لا يطلب الله ولا يعتقد أنه موجودٌ؛ بل ويوجد حتَّى العديد من المؤمنين الذين آمنوا بالله لسنواتٍ عديدة الذين عندما يواجهون مشكلة ما يستخدمون حاسوبًا للبحث عن الأشياء وإيجاد إجابات؛ أنهم لا يؤمنون سوى بالمعرفة العلمية. لا يؤمنون أن كلام الله هو الحق، ولا يؤمنون أن كلام الله يمكنه أن يحل كل مشاكل البشر؛ إذ إنهم لا ينظرون إلى مشاكل البشر العديدة من منظور الحقّ. إنهم لا يصلون إلى الله أو يسعون إلى الحل من خلال البحث عن الحق في كلام الله مهما كانت المشكلة التي يواجهونها. يفضلون في كثير من الأمور الاعتقاد بأن المعرفة يمكنها أن تحل المشكلة؛ إذ يرون أن العِلم هو الحل النهائي. الله غائب تمامًا عن قلوب مثل هؤلاء الناس. إنهم غير مؤمنين، ولا تختلف وجهات نظرهم حول الإيمان بالله عن آراء العديد من الأكاديميين أو العلماء المتميزين، الذين يحاولون دائمًا فحص الله باستخدام الأساليب العلمية. على سبيل المثال، يوجد العديد من الخبراء الدينيّين الذين ذهبوا إلى الجبل الذي استقرّ عليه الفُلك قديمًا، وبهذا أثبتوا حقيقة وجود الفُلك. لكنهم، ومع ظهور الفُلك، لا يرون حقيقة وجود الله. إنهم لا يؤمنون سوى بالقصص وبالتاريخ وهذا نتيجة بحثهم العلميّ ودراستهم للعالم الماديّ. إذا كنت تبحث في الأشياء الماديّة، سواء أكانت علم الأحياء المجهريّة أم علم الفَلك أم الجغرافيا، فلن تجد أبدًا أيّ نتيجةٍ تحدِّد أن الله موجودٌ أو أنه يملك السيادة على جميع الأشياء. ماذا يفعل العلم للإنسان إذًا؟ ألا يُبعِد الإنسان عن الله؟ ألا يدفع الناس إلى إخضاع الله للدراسات؟ ألا يجعل الناس أكثر تشكّكًا بخصوص وجود الله وسيادته ومن ثمَّ ينكرون الله ويخونونه؟ هذه هي النتيجة. لذلك عندما يستخدم الشيطان العلم لإفساد الإنسان، ما الهدف الذي يريد الشيطان تحقيقه؟ إنه يريد استخدام الاستنتاجات العلميّة لتضليل الناس وتخديرهم، واستخدام إجابات غامضة لتثبيتها في قلوب الناس حتَّى لا يبحثوا عن وجود الله أو يؤمنوا بوجوده. أقول لهذا السبب إن العلم واحدٌ من الطرق التي يُفسِد بها الشيطان الناس.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد خامسًا
74. لقد اختلق الشيطان واخترع العديد من القصص الشعبيّة أو القصص التي تُروى في كتب التاريخ وترك للناس انطباعات عميقة عن الشخصيات الثقافية التقليدية أو الخرافية. على سبيل المثال توجد في الصين قصص خرافية مثل: "الخالدون الثمانية الذين يعبرون البحر"، و"رحلةٌ إلى الغرب"، و"إمبراطور اليشم"، و"نيزها ينتصر على الملك التنين"، و"تنصيب الآلهة". ألم تصبح هذه القصص مُتجذِّرةً بعمقٍ في عقول البشر؟ حتَّى لو كان بعضكم لا يعرف جميع التفاصيل، فأنتم ما زلتم تعرفون القصص بشكل عام، وهذا المحتوى العام هو الذي يلتصق بقلبك وعقلك ولا يمكن أن تنساه. تلك أفكار أو أساطير متنوعة أعدَّها الشيطان للإنسان منذ زمنٍ بعيد، وقد نشرها في أزمنة مختلفة. تضر هذه الأشياء أرواح الناس ضررًا مباشرًا وتهدرها وتضع الناس تحت تأثير تعويذةٍ تلو الأخرى. يعني هذا أنه بمُجرَّد قبولك لمثل هذه الثقافة التقليدية أو القصص أو الأمور الخرافية، وبمُجرَّد أن تترسَّخ في عقلك، وتلتصق بقلبك، فستكون عندئذ كما لو أنك تحت تأثير تعويذة، فتصبح متورِّطًا ومُتأثِّرًا بهذه الثقافات وبهذه الأفكار والقصص التقليدية. إنها تُؤثِّر على حياتك ونظرتك إلى الحياة وتُؤثِّر أيضًا في حُكمك على الأشياء. والأكثر من ذلك أنها تُؤثِّر على سعيك إلى الطريق الحقيقي في الحياة: إنها في الواقع تعويذةٌ شريرة. تحاول قدر استطاعتك ولكن لا يمكنك التخلُّص منها؛ تقطع أطرافها ولكن لا يمكنك أن تستأصل جذورها؛ تحاول أن تتغلَّب عليها ولكن لا يمكنك التغلُّب عليها. بالإضافة إلى ذلك، بعد أن يوضع الإنسان دون درايةٍ تحت تأثير هذا النوع من التعويذات، فإنه يبدأ دون عمدٍ في عبادة الشيطان مما يُعزِّز صورة الشيطان في قلبه. يعني هذا أنه ينصب الشيطان صنمًا له وكائنًا ليعبده ويتطلَّع إليه بل ويتمادى حتَّى إلى درجة أن يعتبره الله. ودون درايةٍ، تتحكم هذه الأشياء التي في قلوب الناس في كلماتهم وأفعالهم. بالإضافة إلى ذلك، فإنك في البداية تعتبر تلك القصص والأساطير زائفة، ثم لا تلبث أن تعترف دون درايةٍ بوجودها، وتجعل من شخصياتها شخصيات حقيقية وتُحوِّلها إلى أشياء حقيقية موجودة. تتلقَّى هذه الأفكار ووجود هذه الأشياء في جهالةٍ وبطريقةٍ لا شعورية. وتتلقَّى أيضًا بطريقةٍ لا شعورية الأبالسة والشيطان والأصنام في منزلك وفي قلبك، هذه في الواقع تعويذةٌ.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا
75. الأنشطة الخرافية التي يقوم بها الناس هي أكثر ما يكرهه الله، ولكن العديد من البشر ما زالوا غير قادرين على التخلي عنها، مع ظنهم أن تلك الأنشطة الخرافية هي من قِبل الله، وأنه حتى اليوم لا يجب عليهم تركها بالكامل. مثال تلك الأنشطة هي ما يقوم به بعض الشباب من ترتيبات لولائم الزفاف وتجهيزات العرائس، والعطايا النقدية ومآدب الطعام وما شابه من طرق الاحتفال بالمناسبات السعيدة، والأساليب القديمة التي توارثناها، وكل ما يقام من أنشطة خرافية بلا معنى من أجل الأموات وجنائزهم، وهي مكروهة أكثر من قِبَل الله. حتى يوم العبادة (بما في ذلك السبت كما يحتفل به العالم الديني) مكروه لديه؛ والعلاقات الاجتماعية والتعاملات الدنيويّة بين الإنسان والإنسان موضع ازدراء أكبر من الله. حتى مهرجان الربيع ويوم عيد الميلاد اللذان يحتفل بهما الجميع، لم يحدّدهما الله، فضلًا عن الدُّمى والزينات لعطل الأعياد هذه؛ مثل المقاطع الشعريّة والألعاب النارية والمصابيح والعشاء الرباني وهدايا وحفلات عيد الميلاد – أليست أصنامًا في ذهن الإنسان؟ يُعد كسر الخبز يوم السبت والنبيذ والملابس الكتانيّة الفاخرة أيضًا أصنامًا صريحةً. كل أيام المهرجانات التقليدية الشهيرة في الصين، مثل يوم رأس التنين ومهرجان قارب التنين ومهرجان منتصف الخريف ومهرجان الللابا ويوم رأس السنة الصينية والمهرجانات التي يقيمها العالم الديني، مثل عيد الفصح ويوم المعمودية ويوم عيد الميلاد وكل تلك الاحتفالات غير المُبرّرة، رتّبها العديد من الناس وتوارثوها منذ الأزمنة القديمة وحتى اليوم. إن خيال البشرية الغني وقدرتها على الابتكار هما اللذان سمحا لها بتوارث كل ذلك حتى اليوم. إنها تبدو خالية من العيوب، ولكنها في الحقيقة ألاعيب ينسجها الشيطان حول البشرية. كلما زاد تواجد الشياطين في مكان ما، وكلما كان ذلك المكان عتيقًا ومتأخرًا، ازدادت درجة تأصُّل عاداته الإقطاعية. تقيّد هذه الأشياء الناس بقوّة ولا تسمح بأي مساحة للحركة. تبدو العديد من المهرجانات في العالم المتديّن على قدر كبير من التجديد والاتصال بعمل الله، ولكنها في الحقيقة روابط غير مرئية يربط بها الشيطان البشر ويمنعهم من القدوم إلى معرفة الله – إنها جميع حيل الشيطان الشريرة. في الحقيقة، عندما تنتهي مرحلة من مراحل عمل الله، يكون قد دمّر بالفعل الأدوات والطريقة التي كانت تستخدم في ذلك الوقت، دون ترك لها أي أثر. ولكن "المؤمنين المخلصين" يستمرون في عبادة تلك الأشياء المادية؛ في حين يُودِعون ما لدى الله في قاع ذهنهم، ولا يدرسونه فيما بعد، ويبدو أنهم مملوؤون بمحبة لله ولكنهم في الواقع طردوه خارج البيت منذ وقت طويل ووضعوا الشيطان على المائدة ليعبدوه. يقدّس الناس أيقونات يسوع والصليب ومريم ومعمودية يسوع والعشاء الأخير مثل رب السماوات، وهم يرددون طوال الوقت بصوت عالٍ: "أيها الرب، الآب السماوي". أليس هذا كله نكتة؟ حتى يومنا هذا، يوجد العديد من الأقوال والممارسات التي توارثتها البشرية والتي تعد بغيضة في عين الله؛ إنها تعيق حقًا مضي الله إلى الأمام، كما أنها تتسبب في نكسات كبرى لدخول البشرية. ومع تنحية مدى تخريب الشيطان للبشرية جانبًا، سنجد داخل الناس أمورًا كثيرة تملأهم بالكامل مثل قانون ويتنس لي واختبارات لورنس واستطلاعات وتش مان ني، وعمل بولس. ببساطة لا يوجد طريق لعمل الله على البشر لأن لديهم في داخلهم الكثير من روح الفردية والقوانين والقواعد والأحكام والأنظمة وما شابه؛ وقد استحوذت هذه الأشياء – بالإضافة إلى ميول الناس نحو المعتقدات الإقطاعية – على البشرية والتهمتها. إنه كما لو كانت أفكار الناس عبارة عن فيلم يحكي أسطورة بالألوان مع وجود كائنات رائعة تركب السحاب، وخيالية لدرجة أن تسحر البشر، وتترك الناس منبهرين وعاجزين عن الكلام. في الحقيقة، العمل الذي يأتي الله اليوم لعمله هو في المقام الأول لتهذيب الصفات الخرافية لدى البشر ونبذها وإحداث تحول كامل في نظرتهم العقلية. لم يَدُمْ عمل الله حتى اليوم نتيجة ما توارثته البشرية عبر الأجيال؛ إنه عمل يبدؤه ويتممه هو دون أية حاجة إلى استمرار إرث رجل روحاني عظيم ما، أو توارث أي عمل ذي طابع تمثيلي يقوم به الله في زمن آخر. لا يحتاج البشر إلى أن يهتموا بأي من هذه الأمور. لدى الله اليوم أسلوب جديد للتحدث والعمل، فلِمَ يتكبّد البشر العناء؟ إذا سار البشر على درب اليوم في الاتجاه الحالي مع الاستمرار في الحفاظ على موروثات "أجدادهم"، فلن يصلوا إلى وجهتهم. يشعر الله باشمئزاز عميق من هذا النمط من التصرفات الإنسانية، كما يلعن سنوات وشهور وأيام العالم الإنساني.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. العمل والدخول (3)
76. الشيطان يُفسد الإنسان ويتحكم به من خلال الاتّجاهات الاجتماعيّة. تشمل هذه الاتّجاهات الاجتماعيّة جوانبَ كثيرة، بما في ذلك مجالات مختلفة مثل عبادة الشخصيات الشهيرة والعظيمة، فضلًا عن المعبودين من مشاهير السينما والموسيقى، وعبادة المشاهير، والألعاب عبر الإنترنت، وما إلى ذلك. هذه كلها جزء من الاتجاهات الاجتماعية، وليست هناك حاجة للخوض في التفاصيل هنا. سوف نتحدَّث فقط عن الأفكار التي تجلبها الاتّجاهات الاجتماعيّة للناس، والطريقة التي تجعل الناس يتصرَّفون بها في العالم، وأهداف الحياة والتوقَّعات التي تجلبها للناس. هذه أمور مُهمّةٌ جدًّا؛ إذ يمكنها التحكُّم بأفكار الناس وآرائهم. تنشأ هذه الاتجاهات الواحد تلو الآخر وتحمل كلها تأثيرًا شريرًا يؤدي باستمرار إلى تدهور البشر، وإلى فقدانهم لضمائرهم وإنسانيتهم وعقولهم باستمرار، ويؤدي إلى انحطاط أخلاقهم، ونوعية شخصياتهم أكثر فأكثر، إلى حد أنه يمكننا القول إن غالبية الناس لا يتمتعون اليوم بأي نزاهة أو إنسانية، ولا يمتلكون أي ضمير، ولا حتى أي عقل. فما هذه الاتجاهات الاجتماعية إذًا؟ إنها اتجاهات لا يمكنك رؤيتها بالعين المجردة. عندما يكتسح اتجاه جديد العالم، ربما لا يكون سوى عدد قليل من الناس في الطليعة ويتصرفون كمروجين لهذا الاتجاه. ويبدأون في فعل شيء جديد، ثم يقبلون هذا النوع من الأفكار، أو هذا النوع من وجهات النظر. ومع ذلك، سيتأثر غالبية الناس بهذا النوع من الاتجاهات وسينجذبون ويستوعبونه باستمرار، دون علم منهم، حتى يتقبلوه جميعًا لاإراديًا ودون أن يدروا ويصبحوا منغمسين فيه ويسيطر عليهم. تدفع هذه الأنواع من الاتجاهات واحدًا تلو الأخر الناس الذين لا يملكون أجسادًا وعقولًا سليمة، ولا يعرفون أبدًا ما هو الحق، ولا يستطيعون أن يميِّزوا بين الأشياء الإيجابية والسلبية، إلى أن يقبلوا طواعية هذه الاتجاهات، ووجهات نظر الحياة، والقيم التي تأتي من الشيطان. يقبلون ما يخبرهم به الشيطان عن كيفية التعامل مع الحياة وطريقة العيش التي "يمنحها" لهم الشيطان. وهم لا يملكون القوة، ولا القدرة، ولا حتى الوعي للمقاومة. ...
...يستخدم الشيطان هذه الاتجاهات الاجتماعية لاستدراج الإنسان خطوة بخطوة إلى وكر للأبالسة، بحيث يوقّر الإنسان دون أن يدري المال، والرغبات المادية، والشر، والعنف وسط الاتجاهات الاجتماعية. وبمجرد أن تدخل هذه الأشياء قلب الإنسان، فماذا يصبح الإنسان إذن؟ يصبح إبليسًا وشيطانًا! هذا لأن قلب الإنسان يصبح مشغولًا بما يوقره؛ فعندما يوقر الإنسان الأشياء السلبية، يبدأ في حب الشر والعنف، ولا يحب الجمال والخير، فضلًا عن السلام. يصبح غير راغب في عيش حياة بسيطة بإنسانية طبيعية، بل يرغب بدلًا من ذلك في التمتع بمكانة عالية وثروة عظيمة، والاستمتاع بالجسد، ولا يدخر جهدًا لإرضاء جسده الخاص، بلا قيود أو أغلال؛ بعبارة أخرى، يفعل كل ما يريده. لذا عندما يصبح الإنسان منغمسًا في هذه الأنواع من الاتجاهات، هل يمكن للمعرفة التي تعلَّمتها أن تساعدك على التحرّر؟ هل يمكن لفهمك للثقافة التقليديَّة والخرافات أن يساعدك على التخلُّص من هذا المأزق الرهيب؟ هل يمكن للأخلاق والشعائر التقليدية التي يعرفها الإنسان أن تساعد الناس على ممارسة ضبط النفس؟ خذ المختارات والتاو تي تشينغ على سبيل المثال، هل يمكنها أن تساعد الناس على سحب أقدامهم من مستنقع هذه الاتجاهات؟ بالقطع لا. وهكذا، بدرجةٍ أكبر فأكبر، يصبح الناس خبثاء، ومتكبرين، ومغرورين إلى أبعد حد، وأنانيين وحقودين. لا تعود هناك أي مودة وولاء بين الناس، ولا يعود هناك أي حب بين أفراد الأسرة، ولا يعود هناك أي تفاهم بين الأقارب والأصدقاء؛ العلاقات الإنسانية مليئة بالعنف. الجميع بلا استثناء يسعون إلى العيش بين الآخرين بوسائل وأساليب عنيفة، وإلى اقتناص سبل العيش لأنفسهم باستخدام العنف، وكسب مناصبهم والحصول على منافعهم باستخدام العنف، واستخدام طرق عنيفة وخبيثة لفعل أي من الأشياء التي يريدونها. أليست هذه البشرية مروعة؟ بلى، مرعبة جدًا: إنهم لم يصلبوا الله فحسب، بل قد يذبحون كل من يتبعه، لأن الإنسان شرير جدًا.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا
77. القول بأن "المال يجعل العالم يدور" هو فلسفة من فلسفات الشيطان. إنها فلسفة سائدة جدًا بين البشرية، وسط كلّ مجتمعٍ؛ يمكنك القول بأنها اتّجاهٌ. والسبب هو أنها صارت مغروسةً في قلب كل إنسان، لم يقبل في البداية هذا القول، لكنه قبلها ضمنيًا عندما اختبر الحياة الواقعيّة، وبدأ في الشعور بأن هذه الكلمات صادقة حقًا. أليست هذه عمليّة يُفسد بها الشيطان الإنسان؟ ربما لا يكون لدى الناس الدرجة نفسها من المعرفة المباشرة بهذا القول، لكن الجميع لديهم درجات مختلفة من التفسير والإقرار بهذا القول بناءً على الأشياء التي حدثت من حولهم وبناءً على كل شيء اختبروه شخصيًا. أليس الحال كذلك؟ بغض النظر عن مقدار اختبار الشخص لهذا القول، ما التأثير السلبي الذي أحدثه على قلبه؟ أن البشر في هذا العالم – ويمكن القول إن هذا يشمل كل واحد منكم – يكشفون شيئًا من شخصياتهم. ما هذا الشيء؟ إنه عبادة المال. هل من السهل إزالة هذا من قلب الإنسان؟ كلا، هذا ليس سهلًا! وهذا يوضح أن إفساد الشيطان للإنسان عميق بالفعل! يَستخدِم الشيطان المال لإغواء الناس، ويُفسِدهم جميعًا ليصبحوا أشياء تعبد المال والرغبات المادية. وكيف تتجلى عبادة المال هذه في الناس؟ ألا تعتقدون أنه في هذا العالم لا يمكنكم البقاء على قيد الحياة بدون مال، وأنه لا يمكنكم قضاء يوم واحد بدونه؟ إن مقدار المال الذي يمتلكه الناس يحدد مدى ارتفاع مكانتهم؛ مقدار المال الذي يمتلكه الناس يحدد مدى تميزهم. لا يستطيع الفقراء أن يقفوا بشموخ وفخر، بينما يتمتع الأغنياء بمكانة عالية، ويقفون بشموخ وفخر، ويمكنهم التحدث بصوت مرتفع والعيش بطريقة مزهوة وجامحة. ماذا يجلب هذا القول وهذا الاتجاه للإنسان؟ أليس صحيحًا أن الكثير من الناس على استعداد لتقديم أي تضحية من أجل كسب المال؟ ألا يفقد الكثير من الناس كرامتهم واستقامتهم في السعي وراء المزيد من المال؟ ألا يفقد الكثير من الناس فرصة القيام بواجبهم واتباع الله من أجل المال؟ أليس فقدان فرصة ربح الحق ونيل الخلاص هو أعظم الخسائر على الإطلاق للناس؟ فقط باستخدام هذه الطريقة وهذا القول، يُفسِد الشيطان الإنسان إلى هذا الحد. أليس مقصد الشيطان خبيثًا؟ أليست هذه حيلة حقودة؟ إنه فقط قول شائع، ومع ذلك فإنك تنتقل من عدم الاتفاق معه إلى الاعتقاد أخيرًا أنه الحق، وبحلول تلك النقطة يكون قلبك قد وقع بالكامل في أسر الشيطان، ومن ثمَّ تعيش بحسب هذا القول بشكل لا إرادي. إلى أيّ درجةٍ أثَّر هذا القول فيك؟ ربّما تعرف الطريق الصحيح، وربّما تعرف الحقّ، ولكنك تعجز عن اتّباعه. ربّما تعرف بوضوحٍ أن كلام الله هو الحق، ولكنك غير راغبٍ في دفع الثمن، أو غير راغبٍ في المعاناة حتى تربح الحق. وتُفضِّل بدلًا من ذلك التضحية بمستقبلك ومصيرك لكي تقاوم الله حتَّى النهاية. بغضّ النظر عمّا يقوله الله، وبغضّ النظر عمَّا يفعله الله، وبغضّ النظر عمَّا إذا كنت تفهم مدى عمق وعظمة محبّة الله لك، سوف تصمم في عنادٍ على اتباع طريقك ودفع ثمن هذا القول. وهذا يعني أن هذا القول ضلَّلك وتحكَّم بالفعل بأفكارك، وقد حكم سلوكك، وأنك تُفضِّل أن تتركه يتحكَّم بمصيرك على أن تتخلَّى عن سعيك وراء الثروة. إن الناس يتصرفون هكذا، ويمكن لكلمات الشيطان أن تتحكَّم وتتلاعب بهم. أليس هذا معناه أن الشيطان ضلَّلهم وأفسدهم؟ ألم تتجذَّر فلسفة الشيطان وعقليته وشخصيّته في قلبك؟ عندما تتبع الثروة اتباعًا أعمى، وتتخلى عن السعي وراء الحق، ألا يكون الشيطان قد حقَّق هدفه بتضليلك؟ هذه هي الحال بالضبط. إذًا، هل يمكنك أن تشعر عندما يضلِّلك الشيطان ويفسدك؟ لا يمكنك. إذا لم تكن ترى الشيطان واقفًا مباشرة أمامك، أو تشعر بأن الشيطان يتصرف في الخفاء، فهل يمكنك أن ترى خبث الشيطان؟ هل يمكنك أن تعرف كيف يفسد الشيطان البشرية؟ الشيطان يُفسِد الناس في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن. يجعل الشيطان من المستحيل عليهم مقاومة هذا الفساد ويجعلهم عاجزين أمامه. الشيطان يجعل الناس يقبلون أفكاره ووجهات نظره والأشياء الخبيثة التي تأتي منه في المواقف التي يكونون فيها بلا درايةٍ وعندما لا يكون لديهم إدراكٌ بما يحدث لهم، وبعد أن يقبلوا هذه الأشياء، لا يعترضون عليها. إنهم يعتزّون بهذه الأشياء ويتمسَّكون بها كما لو كانت كنزًا، ويسمحون لهذه الأشياء بأن تتلاعب بهم وتلهو بهم؛ وهذه هي الطريقة التي يعيش بها الناس تحت سيطرة الشيطان، ويطيعونه بلا وعي، ويصبح إفساد الشيطان للإنسان أعمق وأعمق.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد خامسًا
78. توجد سِتّ حِيَلٍ أساسيّة يستخدمها الشيطان لإفساد الإنسان
الحيلة الأولى هي التحكُّم والإكراه. يعني هذا أن الشيطان سوف يفعل كلّ شيءٍ ممكن للتحكُّم بقلبك. ماذا يعني "الإكراه"؟ إنه يعني استخدام التهديد والأساليب القسرية، لكي يجعلك تطيعه، بحيث تُفكِّر في العواقب إذا لم تُطعه. أنت تشعر بالخوف ولا تجرؤ على تحدّيه، ولذلك تستسلم.
الحيلة الثانية هي الغشّ والخداع. ما معنى "الغشّ والخداع؟". يختلق الشيطان بعض القصص والأكاذيب ويخدعك لتصديقها. إنه لا يُخبِرك أبدًا أن الإنسان خلقه الله، ولكنه لا يقول مباشرةً إن الله لم يخلقك. إنه لا يستخدم كلمة "الله" على الإطلاق، بل يستخدم بدلًا من ذلك شيئًا آخر كبديلٍ، مُستخدِمًا هذا الشيء لتضليلك حتَّى لا تكون لديك أيّ فكرةٍ عن وجود الله. يشمل هذا "الخداع" بالطبع العديد من الجوانب، وليس هذا الجانب فقط.
الحيلة الثالثة هي التلقين بالقوّة. بماذا يُلقَّن الناس بالقوّة؟ هل التلقين بالقوّة يتمّ باختيار الإنسان نفسه؟ هل يتمّ بموافقة الإنسان؟ بالتأكيد لا. حتى لو لم تكن موافقًا عليه، فلا يوجد ما يمكنك فعله حيال ذلك. فالشيطان يُعلمك ويغرس فيك تفكيره وقواعده في الحياة وجوهرها دون دراية منك.
الحيلة الرابعة هي التهديد والإغواء. يعني هذا أن الشيطان يستخدم حيلًا مختلفة حتَّى تقبله وتتبعه وتعمل في خدمته؛ إذ يحاول تحقيق أهدافه بأيّ وسيلةٍ ضروريّة. وهو يمنحك أحيانًا بعض النِعم الصغيرة ولكنه لا يزال يُغريك طوال الوقت لارتكاب الخطيئة. وإذا لم تتبعه فسوف يجعلك تعاني ويعاقبك ويستخدم طُرقًا مُتنوِّعة لمهاجمتك والتخطيط ضدك.
الحيلة الخامسة فهي "التضليل والشلَّل". يعني "التضليل والشلل" أن الشيطان يغرس في الناس بعض التصريحات والأفكار المنمقة التي تتماشى مع مفاهيمهم وتبدو معقولة، كي يبدو وكأنه يأخذ أجساد الناس بعين الاعتبار أو يُفكِّر في حياتهم ومستقبلهم، بينما لا يهدف في الحقيقة سوى إلى خداعك. ثم يشلّك بحيث لا تعرف ما الصواب وما الخطأ، وبحيث تُخدَع دون درايتك، وبالتالي تصبح تحت سيطرته.
أما الحيلة السادسة فهي إهلاك الجسد والعقل. ما الذي يُدمِّره الشيطان في الإنسان؟ يُدمِّر الشيطان عقلك، ممّا يجعلك عاجزًا عن المقاومة، وهذا يعني أن قلبك يتحوَّل شيئًا فشيئًا نحو الشيطان رغمًا عن نفسك. إنه يغرس هذه الأشياء فيك كلّ يومٍ، ويستخدم هذه الأفكار والثقافات للتأثير عليك وتنشئتك كل يوم، ويحطم إرادتك شيئًا فشيئًا، ممّا يجعلك لا تريد أن تكون شخصًا صالحًا بعد الآن، ولا تعود ترغب في الدفاع عمّا تُسمّيه "العدالة". لا تعود تملك دون دراية منك قوّة الإرادة لتسبح ضدّ التيّار، ولكنك بدلًا من ذلك تسايره. "التدمير" معناه أن الشيطان يُعذِّب الناس إلى درجة أنهم يصبحون ظلالًا لأنفسهم، ولا يعودون بشرًا، وحينها يستغل الشيطان الفرصة لالتهامهم.
كل واحدة من هذه الحيل التي يستخدمها الشيطان لإفساد الإنسان تجعل الإنسان عاجزًا عن المقاومة؛ وأي واحدة منها يمكن أن تكون قاتلة للإنسان. وبعبارة أخرى، أيّ شيءٍ يفعله الشيطان وأيّ حيلة يستخدمها يمكن أن تُسبِّب انحطاطك، ويمكن أن تجعلك تحت سيطرة الشيطان، ويمكن أن تُغرقك في مستنقع الشرّ والخطيئة. هذه هي الحيل التي يستخدمها الشيطان لإفساد الإنسان.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد سادسًا
79. الإنسان، الذي وُلد في مثل هذه الأرض القذرة، قد أعداه المجتمع إلى درجة خطيرة، كُيِّف بواسطة الأخلاق الإقطاعية، وتلقى التعليم في "معاهد التعليم العالي". التفكير المتخلّف، والأخلاقيات الفاسدة، والنظرة الوضيعة إلى الحياة، وفلسفة التعاملات الدنيوية الخسيسة، والوجود الذي لا قيمة له على الإطلاق، والعادات والحياة اليومية الدنيئة – كل هذه الأشياء ظلت تقتحم بشدة قلب الإنسان، وتتلف ضميره وتهاجمه بشدة. ونتيجة لذلك، أصبح الإنسان بعيدًا عن الله أكثر فأكثر، وراح يعارضه أكثر فأكثر. كما غدت شخصية الإنسان أكثر قسوة يومًا بعد يوم، ولا شخص واحد يتنازل عن أي شيء من أجل الله عن طيب خاطر، كما لا يوجد شخص واحد يخضع لله عن طيب خاطر، ولا يوجد حتى شخص واحد يطلب ظهور الله عن طيب خاطر. بدلًا من ذلك، يسعى الإنسان إلى اللذة بقدر ما يشاء، تحت سلطة الشيطان، ويفسد جسده في الوحل دون قيد. فالإنسان، الذي يعيشُ في الظلمة، لا رغبةَ لديه في ممارسة الحق حتى عندما يسمعه، ولا مَيل لديه للطلب حتى عندما يرى أن الله قد ظهر بالفعل. كيف يكون لبشرية منحطة على هذا النحو أي مساحة للخلاص؟ كيف يمكن لبشرية مُنحلة على هذا النحو أن تعيش في النور؟
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. البقاء بلا تغيير في الشخصية يعني العداء مع الله
80. مع أن الشيطان يُظهر الإنسانية والعدل والفضيلة، فإن جوهر الشيطان قاس وشرير
الشيطان يكتسب شهرته من خلال تضليل الناس، وغالبًا ما يقيم نفسه كطليعة ونموذج يحتذى به للعدل. وهو – تحت المظاهر الكاذبة للحفاظ على العدل – يضر بالناس ويلتهم نفوسهم، ويستخدم كل أنواع الوسائل لتخدير الإنسان وتضليله وتحريضه، وهدفه هو جعل الإنسان يوافق على سلوكه الشرير ويتوافق معه، وجعله ينضم إليه في معارضة سلطان الله وسيادته. لكن عندما يدرك المرء مخططاته ومؤامراته ويكتشف خصائصه الدنيئة، وعندما لا يرغب المرء في الاستمرار في الخضوع لقسوة الشيطان وتضليله أو استعباده، أو أن يتعرض للعقوبة والدمار معه، عندها يغير الشيطان من سماته الورعة السابقة ويمزق قناعه الزائف للكشف عن وجهه الحقيقي الشرير والخبيث والقبيح والهمجي، ولن يحب شيئاً كحبه إبادة كل الذين يرفضون اتباعه والذين يعارضون قواه الشريرة. عند هذه النقطة لا يعود بإمكان الشيطان أن يتظاهر بمظهر جدير بالثقة ونبيل، وبدلًا من ذلك، يُكشف عن ملامحه القبيحة والشيطانية الحقيقية في ملابس حملان؛ وبمجرد إبراز مخططات الشيطان وبمجرد كشف سماته الحقيقية، فإنه يستشيط غيظاً ويكشف عن وحشيته. بعدها، يكثف رغبته في الإضرار بالناس وإلحاق الأذى بهم. إنه يغضب لاستفاقة الإنسان إلى الحق، ويضمر نزعة كراهية وانتقام قوية تجاه الإنسان بسبب طموحهم في التوق إلى الحرية والنور والتحرر من سجنه، كما يهدف غضبه إلى الدفاع عن شره وتأييده، وهو أيضًا كشف حقيقي لطبيعته الوحشية.
في كل ما يفعله الشيطان، يكشف عن طبيعته الخبيثة. من بين كل الأعمال الشريرة التي قام بها الشيطان تجاه الإنسان – من جهوده المبكرة لتضليل الإنسان ليتبعه، إلى استغلاله للإنسان، حيث يجعله ينضم إليه في أعماله الشريرة، إلى انتقامه من الإنسان بعد أن انكشفت حقيقته وميَّزه الإنسان وتخلى عنه، وما إلى ذلك – لا يوجد عمل واحد من هذه الأعمال يفشل في فضح جوهر الشيطان الخبيث، أو إثبات حقيقة أن الشيطان ليس له أي علاقة بالأمور الإيجابية وأن الشيطان هو مصدر جميع الأشياء الشريرة. كل أفعاله تخدم حماية شره، وضمان استمرار أعماله الشريرة، ومعارضة الأمور العادلة والإيجابية، وتدمير قوانين وقواعد الوجود الطبيعي للبشرية. كل هذه الأفعال معادية لله، وسوف تُدمر بغضب الله. وعلى الرغم من أن الشيطان لديه حنقه الخاص، فإن حنقه هو مجرد وسيلة للتنفيس عن طبيعته الخبيثة. والأسباب التي تجعل الشيطان يغتاظ ويستشيط غضبًا هي هذه: انكشفت مكائده الفظيعة؛ ومن غير المرجح أن تنجح مؤامراته؛ وطموحه ورغبته الجامحة في أن يحل محل الله ويقدم نفسه على أنه الله قد سقطت وحُجبت؛ والآن تلاشى هدفه المتمثل في السيطرة على البشرية جمعاء ولم يعد يمكن تحقيقه أبدًا. إن ما مَنَع مكائد الشيطان من النجاح ووضع حد لظهور شر الشيطان وتفشيه هو نزول غضب الله المتكرر، مرة بعد مرة. ولهذا السبب فإن الشيطان يكره غضب الله ويخشاه في آنٍ واحد. في كل مرة ينزل فيها غضب الله، فإنه لا يكشف عن حقيقة الشيطان الدنيئة فحسب، بل يكشف أيضًا رغبات الشيطان الشريرة للنور، وفي الوقت نفسه، تتكشف أسباب غضب الشيطان ضد البشرية. إن ثوران غضب الشيطان هو كشف حقيقي لطبيعته الخبيثة وفضح لمكائده. وبالطبع، في كل مرة يغضب فيها الشيطان، فإن ذلك يُنذر بتدمير الأشياء الشريرة وحماية الأمور الإيجابية واستمرارها؛ إنه يُنذر بحقيقة أنه لا يمكن الإساءة إلى غضب الله!
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. الله ذاته، الفريد ثانيًا