ز. كلمات كلاسيكيَّة عن معرفة الله ذاته، الفريد

26. ولفهم شخصية الله البارة، لا بد أولًا من فهم مشاعر الله: ما يكره، وما يبغض، وما يحب، ومن يسامح، ومن يرحم، وما نوع الشخص الذي يحظى بتلك الرحمة. وهذه نقطة من المهم معرفتها. أضف إلى ذلك أنه مهما يكن الله مُحبًّا، ومهما يكن حجم الرحمة والحب لديه للناس، فإنه لا يتسامح مع أي شخص يسيء إلى مكانته ومركزه، كما لا يتسامح مع أي أحد يمس جلاله. وعلى الرغم من أن الله يحب البشر فإنه لا يفسدهم بالدلال، بل يهبهم محبته ورحمته وتسامحه، لكنه لم يغوِهم مطلقًا؛ فهو لديه مبادئه وحدوده. بغض النظر عن درجة شعورك بمحبة الله فيك، وبغض النظر أيضًا عن مدى عمق تلك المحبة، يجب ألا تتعامل مع الله كما تتعامل مع شخص آخر. وعلى الرغم من صحة القول إن الله يعامل الناس على أنهم قريبون منه، إن كان شخص ينظر إلى الله على أنه شخص آخر، وكما لو أنه كان مجرد شخص آخر من الخلق، كصديق أو كمعبود، فسوف يخفي الله وجهه عنهم وينبذهم. هذه هي شخصيته، فهو لا يتسامح مع أحد يعامله بإهمال في هذه القضية، وذلك كثيرًا ما يقال عن شخصية الله في كلامه: مهما كان عدد الطرق التي سافرت فيها، والأعمال التي قمت بها، أو مدى تحملك، بمجرد أن تسيء إلى شخصية الله فسوف يجزي كلًا منكم بناء على ما فعلت. ما يعنيه هذا هو أن الله يعتبر بعض الأشخاص قريبين منه، ولكن يتعين على الناس ألا يتعاملوا مع الله كصديق أو قريب. لا تنظر إلى الله على أنه صاحبك. فمهما كان نصيبك من محبة الله لك، ومهما وهبك من تسامح وصفح، عيك ألا تعامل الله على أنه مجرد صديق. هذه هي شخصية الله البارة.

من "الله ذاته، الفريد (ز)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

27. يمثل عدم تسامح الله مع الإساءة جوهره الشامل، وغضب الله هو تصرفه الشامل، كما أن جلالة الله وعظمته هي جوهره الحصري. يبرهن المبدأ الكامن وراء غضب الله على الهوية والمكانة التي يمتلكهما الله وحده، ولا يحتاج المرء إلى ذكر أنه أيضًا رمزٌ لجوهر الله الفريد نفسه. إن شخصية الله هي حقيقته الجوهرية، ولا تتغير على الإطلاق بمرور الوقت، كما لا تتغير بتغير الأماكن. إن شخصيته المتأصلة هي جوهره الفطري، وبغض النظر عمن يقوم هو بتنفيذ عمله عليه، فإن جوهره وشخصيته البارة لا يتغيران. عندما يُغضب أحدٌ الله، فإن ما يطلقه هو شخصيته المتأصلة؛ حيث لا يتغير في هذا الوقت المبدأ الكامن وراء غضبه، كما لا تتغير هويته ومكانته الفريدتان. وهو لا يغضب بسبب تغير في جوهره أو لأن شخصيته أنتجت عناصر مختلفة، ولكن لأن مخالفة الإنسان له تسيء إلى شخصيته. إن الاستفزاز الصارخ لله من جانب الإنسان يمثل تحدياً قوياً لهوية الله ومكانته. وعندما يتحداه الإنسان، فهو – في نظره – يعارضه ويختبر غضبه. وعندما يعارض الإنسان الله، ويناصبه العداء، وعندما يختبر الإنسان باستمرار غضب الله – وهذا أيضًا عندما تنتشر الخطيئة – يبرز غضب الله ويتجلى بالطبع. لذلك، فإن تعبير الله عن غضبه يرمز إلى حقيقة أن كل قوى الشر سوف تختفي من الوجود، كما يرمز إلى أن جميع القوى المعادية سيتم تدميرها. هذا هو تفرد شخصية الله البارة، وهو تفرد غضب الله. عندما يتم تحدي كرامة الله وقداسته، وعندما يتم إعاقة القوى العادلة ولا يراها الإنسان، يرسل الله غضبه. وبالنظر إلى جوهر الله، فإن كل تلك القوى على الأرض التي تناصب الله العداء وتعارضه وتجادله تعتبر شريرة وفاسدة وغير عادلة، وتأتي من الشيطان وتنتمي إليه. ولأن الله عادل، ومن النور وقدوس منزه عن العيوب، فإن كل الأشياء الشريرة، الفاسدة التي تنتمي إلى الشيطان، سوف تختفي مع إطلاق غضب الله.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

28. إن استخدام الله للنار لإهلاك مدينة سدوم يعتبر أسرع طريقة لإبادة بشر أو شيء، إن حرق أهل سدوم قد دمر ما هو أكثر من أجسادهم المادية؛ لقد أهلك أيضًا أرواحهم وأنفسهم وأجسادهم بالكامل، تأكيدًا على أن الناس داخل هذه المدينة سوف يتم محوهم من الوجود في كل من العالم المادي والعالم غير المرئي للإنسان. هذه هي إحدى الطرق التي يكشف بها الله عن غضبه ويعبّر عنه، وتعتبر طريقة الكشف والتعبير هذه أحد جوانب جوهر غضب الله، تمامًا كما أنها بطبيعة الحال أيضًا إعلان عن جوهر شخصية الله البارة. فعندما يطلق الله غضبه، يتوقف عن إظهار أي رحمة أو شفقة ناشئة عن الحب، ولا يُظهر أي قدر من تسامحه أو صبره، ولا يوجد شخص أو شيء أو سبب يمكن أن يقنعه بالاستمرار في التحلي بالصبر، أو منح رحمته أو إبداء تسامحه مرة أخرى. بدلًا من هذه الأشياء، وبدون أن يتردد للحظة، سوف يطلق الله غضبه وعظمته، ويفعل ما يريد، وسوف يفعل هذه الأشياء بطريقة سريعة ونقية وفقًا لإرادته الخاصة. هذه هي الطريقة التي يرسل بها الله غضبه وجلاله، ويجب ألا يسيء أحد إليها، وهي أيضًا تعبير عن جانب واحد من شخصيته البارة. عندما يرى الناس أن الله يظهر القلق والحب تجاه الإنسان، لا يستطيعون كشف غضبه، أو رؤية جلاله، أو الشعور بعدم التسامح مع الإساءة. لقد دفعت هذه الأمور دائمًا الناس إلى الاعتقاد بأن شخصية الله البارة ما هي إلا شخصية الرحمة والتسامح والمحبة. لكن عندما يرى المرء الله وهو يهلك مدينة أو يكره بشراً، فإن غضبه في هلاك الإنسان وجلاله يسمحان للناس بأن يلموا بالجانب الآخر من شخصيته البارة. ذلك هو عدم تسامح الله مع الإساءة. إن شخصية الله الذي لا يتسامح مع أية مخالفة تتخطى خيال أي كائن مخلوق، ولا يمكن لأي من الكائنات الأخرى غير المخلوقة التدخل أو التأثير فيها؛ بل ولا يمكن تجسيدها أو تقليدها. وهكذا، فإن هذا الجانب من تصرفات الله هو الذي يجب أن تعرفه البشرية أكثر من غيره؛ فالله وحده هو الذي لديه هذا النوع من التصرفات، والله وحده هو الذي يمتلك هذا النوع من الشخصية. يتمتع الله بهذا النوع من الشخصية البارة؛ لأنه يكره الشر والظلمة والتمرد وأفعال الشيطان الشريرة التي تفسد وتهلك البشر، ولأنه يكره كل أفعال الخطيئة في عدائها له، وبسبب جوهره وذاته المقدسة والطاهرة؛ ولهذا السبب، فإنه لن يتحمل من أي كائن مخلوق أو غير مخلوق أن يناصبه علانية العداء أو المعارضة، حتى الشخص الذي كان قد أظهر له مرة الرحمة أو الاختيار لا يحتاج إلا إلى استفزاز شخصيته وتجاوز مبدئه في الصبر والتسامح، وسوف يطلق ويعلن عن شخصيته البارة دون أدنى رحمة أو تردد – شخصية لا تتسامح مع أية إساءة.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

29. على الرغم من أن تدفق غضب الله هو أحد مظاهر التعبير عن تصرفه العادل، فإن غضب الله ليس عشوائيًا بأي حال من الأحوال من حيث هدفه، وليس بدون مبدأ، بل على العكس من ذلك، فإن الله ليس سريع الغضب على الإطلاق، ولا يكشف عن غضبه وجلاله بدون روية. بالإضافة إلى ذلك، فإن غضب الله منضبط ومتزن بشكل كبير، كما لا يمكن مقارنته بكيفية اتقاد غضب الإنسان أو التنفيس عن غضبه. يتضمن الكتاب المقدس العديد من المحاورات بين الإنسان والله. ويعتبر كلام بعض هؤلاء الأفراد ضحل وجاهل وطفوليّ، لكن الله لم يُنزل بهم عقابه، ولم يُدِنْهم. وعلى وجه الخصوص، أثناء محنة أيوب، كيف كان يهوه الله يعامل أصدقاء أيوب الثلاثة والآخرين بعد أن سمع الكلمات التي تحدثوا بها مع أيوب؟ هل أدانهم؟ هل استشاط الله غضبًا بهم؟ إنه لم يفعل شيئًا من هذا القبيل! وبدلًا من ذلك أمر أيوب أن يتضرع وأن يصلّي من أجلهم، ومن ناحية أخرى، لم يأخذ الله أخطاءهم على محمل الجد. كل هذه الحالات تمثل الموقف الأساسي الذي يعامل به الله الإنسانية الفاسدة الجاهلة. لذلك، فإن إطلاق غضب الله ليس بأي حال من الأحوال تعبيرًا عن مزاجه أو تنفيسه. ليس غضب الله ثورة غضب كاملة كما يفهمها الإنسان، كما أن الله لا يطلق غضبه لأنه غير قادر على التحكم في مزاجه أو لأن غضبه بلغ ذروته ولا بد أن ينفجر، بل على العكس من ذلك، يعتبر غضبه عرضاً لتصرفاته العادلة وتعبيراً حقيقياً عن تصرفه العادل. إنه كشف رمزي لجوهره المقدس. إن الله يغضب، ولا يتسامح مع أية مخالفة – وهذا لا يعني أن غضب الله لا يميز بين الأسباب أو أنه مجرد من المبادئ، بل البشرية الفاسدة هي التي لديها تجرد ظاهر من المبادئ وانفجارات غضب عشوائية لا تميز بين الأسباب. بمجرد أن يتمتع الإنسان بمكانة ما، فإنه سيجد أن من الصعوبة بمكان السيطرة على مزاجه، وبالتالي سوف يستمتع باستغلال المواقف للتعبير عن عدم رضاه وتنفيس عواطفه، وغالبًا ما يستشيط غضبًا من دون سبب واضح، ليكشف عن قدرته ويدع الآخرين يعرفون أن مكانته وهويته تختلفان عن الأشخاص العاديين. وبطبيعة الحال، فإن الأشخاص الفاسدين دون أي مكانة يفقدون السيطرة في كثير من الأحيان، وغالبًا ما يحدث غضبهم بسبب الضرر الذي يصيب منافعهم الفردية. ولكي يحمي الفاسدون مكانتهم وكرامتهم، ينفّسون في كثير من الأحيان عن عواطفهم ويكشفون عن طبيعتهم المتعجرفة. يستشيط الإنسان غضبًا وينفس عن مشاعره للدفاع عن وجود الخطيئة، وهذه الأعمال هي الطرق التي يعبر بها الإنسان عن عدم رضاه. هذه الأعمال تطفح بالدنس وتفيض بالمخططات والمؤامرات، وتمتلئ بفساد البشر وشرهم؛ وأكثر من ذلك، تعجّ بطموحات ورغبات الإنسان الجامحة. عندما تتنافس العدالة مع الشر، لن يستشيط الإنسان غضبًا للدفاع عن العدالة؛ بل على النقيض من ذلك، عندما تتعرض قوى العدالة للتهديد والاضطهاد والاعتداء، فإن موقف الإنسان هو التجاهل أو التهرب أو التراجع. أما عندما يواجه الإنسان قوى الشر، فإن موقفه يتمثل في التموين والانحناء والبقاء على قيد الحياة. ولذلك، فإن تنفيس الإنسان هو هروب لقوى الشر، وتعبير عن السلوك الشرير المتفشي والجامح للإنسان الشهواني. لكن عندما يرسل الله غضبه، سيتم إيقاف جميع قوى الشر، كما سيتم إيقاف جميع الخطايا التي تؤذي الإنسان، وأيضًا سوف تكون جميع القوى المعادية التي تعيق عمل الله ظاهرة ومعزولة وملعونة، كما سيتم عقاب واقتلاع جميع المتواطئين مع الشيطان الذين يعارضون الله، وسوف يتم عمل الله دون أي عقبات، كما ستستمر خطة تدبير الله في التطور خطوة بخطوة وفقًا للجدول الزمني، وسيكون شعب الله المختار خاليًا من إزعاج الشيطان وخداعه. أولئك الذين يتبعون الله سوف يتمتعون بقيادة الله ورزقه في محيط هادئ ومسالم. إن غضب الله هو ضمانة تمنع كل قوى الشر من التكاثر والانتشار، وهي أيضًا ضمانة تحمي الوجود وتنشر كل الأشياء العادلة والإيجابية وتحميها أبديًا من القمع والتخريب.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

30. وبغض النظر عما إذا كان المرء غاضبًا أمام الآخرين أو خلف ظهورهم، فإن لكل شخص نية وغرضاً مختلفين. ربما كانوا يبنون مكانتهم، أو ربما يدافعون عن مصالحهم الخاصة، أو يحافظون على صورتهم أو يصونون كرامتهم. البعض منهم يمارسون ضبط النفس في غضبهم، في حين أن آخرين هم أكثر تهورًا واستشاطة في غضبهم كلما رغبوا في ذلك دون أدنى مجهود لضبط النفس. باختصار، غضب الإنسان مستمد من شخصيته الفاسدة. وبغض النظر عن الغرض منه، فهو من الجسد والطبيعة، وليس له علاقة بالعدالة أو بالظلم؛ لأنه لا يوجد في طبيعة الإنسان وجوهره ما يتفق مع الحقيقة. لذلك، يجب عدم ذكر مزاج الإنسانية الفاسد وغضب الله في الوقت نفسه. وبدون استثناء، يبدأ سلوك الإنسان الذي أفسده الشيطان بالرغبة في حماية الفساد، ويستند إلى الفساد؛ وهكذا، لا يمكن ذكر غضب الإنسان في وقت واحد مع غضب الله، بغض النظر عن مدى ملاءمته من الناحية النظرية. عندما يطلق الله غضبه، يتم كبح قوى الشر، وتدمر الأشياء الشريرة، في حين أن الأشياء العادلة والإيجابية تحظى برعاية الله وحمايته، ويسمح لها بالاستمرار. يرسل الله غضبه؛ لأن الأشياء الظالمة والسلبية والشريرة تحجب أو تزعزع أو تدمر النشاط العادي كما تمنع تطور الأشياء العادلة والإيجابية. إن هدف غضب الله ليس حماية مكانته وهويته الخاصة، بل ضمان وجود أشياء عادلة وإيجابية وجميلة وجيدة، لحماية القوانين وحماية البقاء الطبيعي للبشرية. هذا هو السبب الجذري لغضب الله. إن غضب الله هو إعلان مناسب وطبيعي وصحيح عن شخصيته. لا توجد نوايا وراء غضبه، ولا يوجد غش أو تآمر؛ أو حتى أكثر من ذلك، لا يحتوي غضبه على أي أثر من الرغبة أو الاحتيال أو الخبث أو العنف أو الشر أو أي شيء آخر مما يشترك فيه جميع البشر الفاسدين. قبل أن يرسل الله غضبه، كان يدرك مسبقاً حقيقة كل أمر بشكل واضح وكامل، وقد وضع بالفعل تعريفات واستنتاجات دقيقة وواضحة. وهكذا، فإن هدف الله في كل أمر يفعله واضح تمامًا، مثلما هو موقفه. فهو ليس مشوشًا، ولا أعمى، ولا مندفعًا ولا مهملًا؛ أضف إلى ذلك أنه غير مجرد من المبادئ. هذا هو الجانب العملي لغضب الله، وبسبب هذا الجانب العملي لغضب الله، فإن البشرية قد حققت وجودها الطبيعي. بدون غضب الله، ستنحدر البشرية إلى ظروف معيشية غير طبيعية؛ فكل الأشياء العادلة والجميلة والجيدة ستدمر وتنتهي من الوجود. وبدون غضب الله، فإن قوانين ونظم وجود الخلق سوف تتعطل أو حتى تتحطم تمامًا. منذ خلق الإنسان، استخدم الله باستمرار شخصيته البارة لحماية الوجود الطبيعي للإنسانية والحفاظ عليه. وبما أن شخصيته البارة تشتمل على الغضب والجلال، فإن كل الأشخاص الأشرار، والأشياء، والكائنات وكل الأشياء التي تزعج وتضر بالوجود الطبيعي للإنسانية يتم معاقبتها والسيطرة عليها وتدميرها بسبب غضبه. على مدى آلاف السنين الماضية، استخدم الله باستمرار شخصيته البارة في ضرب وتدمير كل أنواع الأرواح النجسة والشريرة التي تعارضه والتي تعمل متواطئة مع الشيطان وتساعده في عمله لإدارة الإنسانية. وهكذا، تقدم عمل الله لخلاص الإنسان دائمًا وفقًا لخطته، وهذا يعني أنه بسبب وجود غضب الله، فإن القضية الخيَّرة بين الناس لم يتم تدميرها مطلقاً.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

31. بغض النظر عن مدى غضب الله على أهل نينوى، فبمجرد إعلانهم عن الصوم وارتدائهم المُسوح وجلوسهم على الرماد، رقَّ قلبه تدريجيًا، وبدأ يُغيّر قلبه. عندما أعلن لهم أنه سيدمر مدينتهم، في اللحظة التي سبقت اعترافهم وتوبتهم عن خطاياهم، كان الله لا يزال غاضبًا منهم. ولكن عندما مروا بسلسلة من أعمال التوبة، تحول تدريجيًا غضب الله تجاه أهل نينوى إلى رحمةٍ لهم وغفرانٍ لخطاياهم. ليس ثمة تعارض في تزامن الإعلان عن هذين الجانبين من شخصية الله في الحدث نفسه. كيف ينبغي أن يفهم الإنسان ويعرف عدم التعارض هذا؟ عبّر الله وكشف تباعًا عن جوهر هذين القطبين المتضادين حينما تاب أهل نينوى، ليسمح للناس أنْ يروا واقعية جوهر الله وتنزهه عن الإساءة. استخدم الله موقفه هذا ليُخبر الناس بما يلي: ليس الأمر هو أن الله لا يسامح الناس، أو أنه لا يريد أن يُريهم رحمتَه؛ ولكن حقيقة الأمر أنهم نادرًا ما يتجهون بتوبة حقيقية إلى الله، وأنه لمن النادر أنْ يتحول الناس عن طرقهم الشريرة ويهجروا الظُلم الذي في أيديهم. وبعبارة أخرى، عندما يغضب الله من الإنسان، فهو يأمل أن يتمكن الإنسان من التوبة الحقيقية، ويرجو أن يَرى توبة الإنسان الصادقة، وعندها يستمر بسخاء في منح رحمته وتسامحه للإنسان. وهذا يعني أنَّ سلوك الإنسان الشرير يستجلب غضب الله، بينما تُمنح رحمة الله وتسامحه للذين يستمعون إلى الله ويتوبون توبة حقيقية أمامه، ولأولئك الذين يستطيعون الابتعاد عن طرقهم الشريرة والتخلي عن الظُلم الذي في أيديهم. كان موقف الله مُعلنًا بوضوح شديد في تعامله مع أهل نينوى: إنَّ رحمة الله وتسامحه ليسا بالصعوبِة التي تحول دون الحصول عليهما؛ فهو يطلُب من الإنسان أن يتوب توبًة حقيقيًة. وما دام َ الناس يبتعدون عن طرقهم الشريرة ويتخلون عن الظُلم الذي في أيديهم؛ فَسيغيّر الله قلبه ويُغيّر موقفه تجاههم.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

32. على الرغم من أن مدينة نينوى كانت تعج بأُناس فاسدين وأشرار وظالمين مثل أهل سدوم، جعلت توبتهم الله يُغير قلبه ويُقرر عدم إهلاكهم. وبالنظر إلى أن استجابتهم لكلمات الله وتعليماته أظهرت موقفًا مباينًا بشكلٍ صارخ لموقف أهل سدوم، وبسبب خضوعهم الصادق لله وتوبتهم الصادقة عن خطاياهم، فضلًا عن سلوكهم الحقيقي والمخلص من كل ناحية، أظهر الله مرةً أخرى شفقته الصادقة ومنحهم إياها. إنَّ مكافأة الله للإنسان وشفقته عليه من المستحيل لأي شخص أنْ يستنسخها؛ فلا أحد باستطاعته أن يملك رحمة الله أو تسامحه، ولا مشاعره الصادقة نحو الإنسانية. هل يوجد شخص تعدّه عظيمًا، رجلًا كان أم امرأة أو حتى رجلًا خارقًا، يتحدث من مستوى أعلى أو نقطة أعلى بصفته رجلًا عظيمًا أو امرأةً عظيمةً، ويُقدم هذا النوع من البيان للجنس البشري أو للخليقة؟ من يستطيع من بين البشر أنْ يعرف الظروف المعيشية للبشر كما يعرف راحة كفّه؟ من يقدر أن يتحمل عبء ومسؤولية الوجود الإنساني؟ من يقدر على إعلان تدمير مدينة؟ ومن له القدرة أن يعفو عن مدينة؟ من يستطيع أن يقول إنهم خليقته المحبوبة؟ وحده الخالق! الخالق هو وحده الذي لديه شفقة تجاه هذا الجنس البشري. الخالق وحده هو الذي يُظهر هذا الحنان والعطف تجاه الجنس البشري. الخالق وحده هو الذي يحمل حبًا حقيقيًا لا ينفصم نحو هذا الجنس البشري. كذلك فإن الخالق وحده هو الذي يستطيع أن يمنح رحمتَه للجنس البشري ويرعى بحنان جميع خليقته. يقفز قلبه ويتوجع أمام كل فعل من أفعال الإنسان: فهو يغضب ويغتمّ ويحزن على شر الإنسان وفساده، كما أنه يُسر ويفرح ويغفر ويبتهج بتوبة الإنسان وإيمانه، وكل فكرة من أفكاره وآرائه إنَّما تُوجَدُ من أجل البشريَّة وتتمحور حولها. يُعبّر تعبيرًا كاملاً عمّا لدى الله ومَنْ هو من أجل البشريّة. عواطفه بأكملها متشابكة مع الوجود البشري. كذلك يتحرك ويندفع من أجل البشرية، ويُعطي بصمت كل جزء من حياته، ويُكرس كل دقيقة وكل ثانية من حياته... لم يعرف أبدًا كيف يشفق على نفسه، ومع ذلك دومًا ما يشفق ويعتز بالإنسانية التي خلقها بنفسه... إنه يُعطي البشرية كل ما لديه... يضمن لها رحمته وتسامحه غير المشروطين ودون توقع أي تعويض. يفعل هذا فقط كي تستمر البشرية باقية أمام عينيه، وتتلقى رزقه للحياة، يفعل هذا فقط حتى تقف البشرية يومًا ما بين يديه وتعرف أنه الواحد الذي يُغذّي الوجود الإنساني ويُشبِع حياة جميع المخلوقات.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

33. على الرُغم من أنَّ يونان قد أُوكل إليه إعلان كلمات يهوه الله إلى أهل نينوى، فإنه لم يفهم مقاصد يهوه الله، ولا فَهِمَ همومه وتوقعاته من أجل شعب تلك المدينة؛ وقد قصد الله من هذا التأنيب أنْ يُخبره أن الإنسانية كانت هي نتاج عمل يديه، وأنَّ الله بذل جهدًا مضنيًا من أجل كل شخص؛ فكل الأشخاص يحملون معهم آمال الله، وكل شخص يتمتع بإمداد الحياة له من الله، وقد دفع الله لكل شخص تكلفةً باهظة. أخبر يونان بهذا التوبيخ أيضًا بأنَّ الله يعتني بالبشرية، التي هي نتاج عمل يديه، كما اعتنى يونان نفسه باليقطينة. لم يكن الله بأي حال من الأحول ليتخلى عنهم قبل آخر لحظة ممكنة، وعلاوة على ذلك، كان هناك الكثير من الأطفال والبهائم البريئة داخل المدينة. فعندما تتعامل مع هذه المنتجات الصغيرة والجاهلة من خليقة الله، التي لا تستطيع حتى أن تميز بين أياديها اليمنى واليسرى، كان الله غير قادر على إنهاء حياتهم وتحديد نهاياتهم بهذه الطريقة المتهورة. كان الله يأمل في أن يراهم ينمون، كما كان يرجو ألَّا يسلكوا في السبل نفسها التي سار فيها آباؤهم من قبلهم، وأنهم لن يضطروا إلى سماع تحذير يهوه الله مرة أخرى، وهكذا فإنهم يقدمون الشهادة عن ماضي نينوى. أضف إلى ذلك أن الله كان يأمل أنْ يرى نينوى بعد توبتها، ليرى مستقبلها الذي يتبع توبتها، والأهم من ذلك، أنْ تُرى نينوى تعيش تحت رحمة الله مرة أخرى. ومن ثَم، ففي نظر الله، كان هؤلاء العناصر من الخليقة الذين لا يستطيعون تمييز أياديهم اليمنى من اليسرى هم مستقبل نينوى. كانوا سيحملون ماضي نينوى المهين، بالضبط كما سيحملون الواجب الهام في تقديم الشهادة عن ماضي نينوى ومستقبلها بإرشاد يهوه الله. في هذا الإعلان لمشاعره الحقيقية، قدم يهوه الله رحمة الخالق للإنسانية بكاملها. لقد أظهر للبشرية أنَّ "رحمة الخالق" ليست عبارة فارغة، وليست وعدًا أجوف؛ بل إنها تحمل مبادئ وأساليب وأهداف ملموسة. إنه صادق وحقيقي، ولا يستخدم البُهتان أو التخفي، وبنفس هذه الطريقة مُنحت رحمته اللانهائية للبشرية في كل زمان وفي كل عصر. غير أنه حتى يومنا هذا، يعتبر الحديث المتبادل بين الخالق ويونان هو بيان الله الأوحد والحصري الشفهي حول سبب إظهار الله رحمته للبشرية، وكيف أظهر هذه الرحمة للبشرية، وكم كان متسامحًا تجاه البشرية، وكم كان مقدار مشاعره الحقيقية للبشرية. عبرت المحادثة الموجزة ليهوه الله عن أفكاره الكاملة من أجل البشرية، وهي تعبير حقيقي عما بقلبه تِجاه الإنسانية، كما أنها أيضًا دليل مادي على إغداق رحمته الوفيرة على الإنسانية. لم تُمنح رحمته للأجيال السابقة في الإنسانية فحسب، بل منحت أيضًا إلى الأعضاء الجدد في الإنسانية، تمامًا كما كانت دومًا، من جيٍل إلى جيل. وبالرغم من أنَّ غضب الله كثيرًا ما يأتي على الأماكن المحددة وفي عصور محددة للبشرية؛ فإن رحمة الله لم تتوقف أبدًا! برحمته، يرشد ويوجه جيلاً بعد جيل من خليقته، ويمدهم ويغذيهم أيضاً جيلاً بعد جيل؛ لأن مشاعره الحقيقية تِجاه الإنسانية لن تتغير أبداً، بالضبط مثلما قال يهوه الله ليونان: "أَفَلَا أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى...؟" فهو دائمًا يعتني بخليقته. وهذه هي رحمة شخصية الخالق البارة، وهي أيضًا التفرد الخالص للخالق!

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

34. إن رحمة الله وتسامحه موجودان بالفعل، ولكن قداسة الله وبرّه عندما يُعلِن غضبه يُظهِران للإنسان جانب الله الذي لا يحتمل أيّة إساءةٍ. عندما يكون الإنسان قادرًا تمامًا على طاعة وصايا الله والتصرّف وفقًا لمتطلّباته، يكون الله كثير المراحم تجاه الإنسان. وعندما يكون الإنسان مملوءًا بالفساد والكراهية والعداء ضده، يكون الله غاضبًا جدًّا. وإلى أيّ مدى يكون غضبه شديدًا؟ سوف يستمرّ غضبه حتّى لا يرى الله مقاومة الإنسان وأعماله الشريرة، وحتّى لا تكون أمام عينيه. عندها فقط سيختفي غضب الله. وهذا يعني أنه بغضّ النظر عن طبيعة الشخص، إذا ابتعد قلبه بعيدًا عن الله وحاد عن الله ولم يرجع قط، فبغضّ النظر عن الكيفيّة التي يريد بها عبادة الله واتّباعه وطاعته في جسده أو في فكره، فيما يتعلّق بجميع مظاهره أو من حيث رغباته الذاتيّة، فبمُجرّد أن يبتعد قلبه عن الله سوف يُعلِن الله عن غضبه دون توقّفٍ. وعندما يُعلِن الله غضبه الشديد، بعد أن يكون قد منح الإنسان فرصًا كثيرة، فبمُجرّد إعلان الغضب لن توجد طريقةٌ لصدّ غضبه، ولن يكون متسامحًا أو متساهلًا مع ذلك الشخص مرةً أخرى. هذا جانبٌ من جوانب شخصيّة الله لا يحتمل أيّة إساءةٍ. ... إنه متسامحٌ ورحوم تجاه الأشياء اللطيفة والجميلة والجيّدة، ولكنه شديد الغضب تجاه الأشياء الشريرة والخاطئة والفاسدة، وكأن غضبه لا يتوقّف. هذان هما الجانبان الرئيسيّان البارزان في شخصيّة الله، إضافة إلى أنهما الجانبان اللذان كشف عنهما الله من البداية إلى النهاية: الرحمة الوفيرة والغضب الشديد.

من "عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

35. إن تغيير الله لنواياه تجاه شعب نينوى لم يكن يعتريه أي تردد أو غموض، بل بالأحرى، كان التحول من الغضب الخالص إلى التسامح الخالص. هذا هو كشف حقيقي عن جوهر الله؛ إن الله لا يتزعزع أبدًا في أفعاله أو يتردد حيالها. إن المبادئ والمقاصد وراء تصرفاته واضحة وشفافة ونقية وخالية من العيوب، مع عدم وجود أي شوائب أو مكائد على الإطلاق. بمعنى آخر، لا يحتوي جوهر الله على ظلام أو شر. كان غضب الله من أهل نينوى لأن أعمالهم الشريرة وصلت إلى نظره. في ذلك الوقت كان غضبه مستمدًا من جوهره. لكنه عندما اختفى غضب الله ومنح تسامحه لأهل نينوى مرة أخرى، كل ما كشف عنه كان لا يزال جوهره. كان كل هذا التغيير بسبب تغير في موقف الإنسان تجاه الله. خلال هذه الفترة الزمنية بأكملها، لم تتغير شخصية الله التي لا تقبل الإساءة إليها؛ لم يتغير جوهر الله المتسامح، كما لم يتغير جوهر الله المحب الرحيم. عندما يرتكب الناس الأفعال الشريرة ويسيئون إلى الله، سوف يُنزل غضبه عليهم. عندما يتوب الناس حقًا، سيتغير قلب الله، وسيتوقف غضبه. وعندما يستمر الناس في معارضة الله بعناد، سيكون غضبه غير متوقف؛ وسيضغط عليهم غضبه شيئًا فشيئًا حتى يتم هلاكهم. هذا هو جوهر شخصية الله. بغض النظر عما إذا كان الله يعبر عن الغضب أو الرحمة والمحبة، فإن سلوك الإنسان واتجاهه وموقفه تجاه الله في أعماق قلبه يملي ما يعبر عنه من خلال الإعلان عن شخصية الله. إن أخضع الله شخصًا لغضبه باستمرار، فلا ريب في أن قلب هذا الشخص يعارض الله. ولأنه لم يتب بصدق أبدًا، أو لم يركع أمام الله أو لم يكن يمتلك إيمانًا حقيقيًا بالله، فإنه لم يحصل قط على رحمة الله وتسامحه. أما إن كان المرء كثيرًا ما يحصل على رعاية الله، وغالبًا ما يحصل على رحمته وتسامحه، فإن هذا الشخص، بدون شك، لديه إيمان حقيقي بالله في قلبه، ولا يعارض قلبه الله. إنه كثيرًا ما يتوب أمام الله؛ لذلك، حتى لو كان تأديب الله كثيرًا ما ينزل على هذا الشخص، فإن غضبه لن ينزل عليه.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

36. شخصية الخالق البارة حقيقية وحيّة

عندما غيّر الله قلبه تجاه أهل نينوى، هل كانت رحمتُه وتسامحه تُعدان واجهة زائفة؟ بالطبع لا! إذًا، ماذا يمكنك أن ترى في التحول بين هذين الجانبين في شخصية الله أثناء الأمر نفسه؟ إنَّ شخصية الله هي كلٌّ كاملٌ لا يتجزّأ مطلقًا. وبغض النظر عما إذا كان يعبّر عن غضبِه أو رحمته وتسامُحِه تِجاه الناس، فهذه كُلها ما هي إلّا تعبيرات عن شخصيته البارّة، فشخصية الله واقعية وحية، وهو يُغيّر أفكاره ومواقفه تبعًا لتطور الأمور. إنَّ التحول في موقفه تِجاه أهل نينوى يُخبر البشرية بأنه يملك آراءه وأفكاره؛ فهو ليس إنسانًا آليًا، أو تمثالًا حجريًا ولكنه الله الحيُّ بذاته. باستطاعته أنْ يكون غاضبًا من شعب نينوى، كما أنه يستطيع أنْ يَغفر لهم ماضيهم تبعًا لمواقفهم، ويمكنه أن يقرر جلب البلاء على أهل نينوى، كما يمكنه أيضًا أنْ يُغيرَ قراره نتيجةً لتوبتهم. يُفضل الناس تطبيق القواعد بطريقًة آليًة، ويفضلون استخدام القواعد لتحديد الله وتعريفه، تمامًا كما يفضلون استخدام صيغ للتعرف على شخصية الله. ولذلك، ووفقًا لعَالَم الفكر الإنساني، فإن الله لا يُفكر، وليس لديه أي أفكار جوهرية. والواقع أنَّ أفكار الله تتغير باستمرار وفقًا للتغيرات في الأشياء وفي البيئات، وفي الوقت الذي تتغير فيه هذه الأفكار، تتكشف جوانب مُختلفة في جوهر الله. وأثناء عملية التغير هذه، وفي اللحظة التي يُغير فيها الله قلبه، يُعلن للبشرية حقيقة وجود حياته، ويعلن أن شخصيته البارة حقيقية وحيّة. علاوًة على ذلك، يستخدم الله إعلاناته الحقيقية ليُثبت للبشرية حقيقة وجود نقمته ورحمته وحنانه وتسامحه. سيستعلن جوهره في أي وقت وفي أي مكان وفقًا لتطورات الأشياء؛ فهو يَملُك غضب الأسد ورحمة الأم وتسامحها. ولا يُسمَح لأي شخص بالتشكيك في شخصيته البارة أو انتهاكها أو تغييرها أو تشويهها. من بين جميع الأمور وجميع الأشياء، يمكن أن تستعلن شخصية الله البارة، أي غضب الله ورحمته، في أي وقتٍ وفي أي مكانٍ. وهو يُعبر بشكل حي عن هذه الجوانب في كل زاوية وركن في الطبيعة وينفذها بشكلٍ جليَّ في كل لحظة. شخصية الله البارة غير محدودة لا بالزمان ولا بالمكان، أو بمعنى آخر، إنَّ شخصية الله لا يُعبر عنها بطريقة آلية أو يُكشف عنها حسب ما تُمليه حدود الزمان أو المكان. بالأحرى، إنَّ شخصية الله البارة يُعَبَّرُ ويعلن عنها بحرية في أي زمان وأي مكان. عندما ترى الله يغيّر قلبه ويوقف التعبير عن غضبه، ويكف عن تدمير مدينة نينوى، هل يمكنك القول إنَّ الله رحيم ومُحب فقط؟ هل يمكنك القول إنَّ غضب الله يتكون من كلام فارغ؟ عندما يُعبّر الله عن غضبه الشديد ويتراجع عن رحمته، هل تستطيع أن تقول إنه لا يشعُر بحب حقيقي تِجاه البشرية؟ يُعبر الله عن غضبه الشديد ردًا على أفعال الناس الشريرة، وغضبه هذا لا يكون مَعيبًا. يتأثر قلب الله بتوبة الناس؛ وهذه التوبة هي التي تغير قلبه. إن تأثره وتغير قلبه، فضلًا عن رحمته وتسامحه تجاه الإنسان، كُلها تامة دون أي نقصٍ؛ فهي طاهرة ونقية وخالصة لا تشوبها شائبة. إنَّ تسامح الله هو تسامح محض، ورحمته هي رحمة محضة. وستُعلن شخصيته غضبه، فضلًا عن رحمته وتسامحه، وفقًا لتوبة الإنسان وسلوكياته المُختلفة. وبغض النظر عما يُعلنه الله ويُعبر عنه، فهذه جميعُها مستقيمة، وجوهرها متميز عن جوهر أي شيء في الخليقة. إنَّ مبادئ الأفعال التي يُعبر عنها الله، وأفكاره وآرائه، أو أي قرار محدد، فضلًا عن أي إجراء خاص، هي خالية من أي عيوب أو الشوائب. فكما يقرر الله ويتصرف، كذلك يُكَمل تعهداته. وهذه الأنواع من النتائج دقيقة وبلا عيب بسبب أنَّ مصدرها بلا عيب، ولا تشوبه شائبة. إن غضب الله بلا عيب، وكذلك رحمة الله وتسامحه، اللذان لا تمتلكهما أي خليقة، ويتصفان بالقدسية والكمال، ويمكنهما الوقوف في وجه المناقشة والاختبار.

بعد فهمنا لقصة نينوى، هل ترون الجانب الآخر لجوهر شخصية الله البارة؟ هل ترون الجانب الآخر من شخصية الله البارة الفريدة؟ هل يمتلك أي شخص من البشر هذا النوع من الشخصية؟ هل يَملُك أي أحد هذا النوع من الغضب مثل الله؟ هل يمتلك أي أحد رحمة وتسامحًا مثل الله؟ مَنْ مِن بين الخليقة يستطيع أن يستجمع قوة نقمته الشديدة ويُقرر أنْ يُدمر أو يجلب كارثة على البشرية؟ ومَنْ هو مؤهل كي يمنح الرحمة، والمسامحة والعفو للإنسان؛ وبذلك يغير قراره تدمير الإنسان؟ يُعبر الخالق عن شخصيته البارة من خلال طرائقه ومبادئه الفريدة؛ فهو لا يخضع لسيطرة أو قيود أي شعب، أو أحداث، أو أشياء. وبشخصيته الفريدة، لا يقدر أحد أنْ يُغير من أفكاره أو خُططه، ولا يقدر أحد أنْ يُقنعه أن يُغير أيًا من قراراته. يتواجد كامل سلوك وأفكار الخليقة تحت دينونة شخصية الله البارة. لا أحد يستطيع أنْ يتحكم فيما إذا كان يمارس الغضب أو الرحمة؛ إن جوهر الخالق وحده، أو بتعبير آخر، شخصية الخالق البارة، قادرة على تقرير ذلك. هذه هي الطبيعة الفريدة لشخصية الخالق البارة!

فبمجرد أنْ نُحلل ونفهم تحول موقف الله تِجاه أهل نينوى، هل تقدرون أن تستخدموا كلمة "فريد" لوصف الرحمة الموجودة داخل شخصية الله البارة؟ قلنا قبلًا إن غضب الله هو جانب من جوهر شخصيته البارة الفريدة. يتعين عليّ الآن أن أعرّف جانبين، غضب الله ورحمة الله، على أنهما شخصيته البارة. شخصية الله البارة مُقدسة، وهي منزهة عن الإساءة أو الشكوك. فهي شيء لا يمتلكه أحد من الكائنات المخلوقة وغير المخلوقة. إنها فريدة وحصرية لله وحده. وهذا معناه أنَّ غضب الله مُقدس، وغير قابل للإساءة، وفي الوقت نفسه، يعتبر الجانب الآخر من شخصية الله البارة – رحمة الله – مُقدسًا ولا يمكن الإساءة إليه. لا يمكن لأحد ما من الكائنات المخلوقة أو غير المخلوقة أن يحل محل الله أو يُمثله في أفعاله، كما لا يمكن لأحد أن يحل محله أو يمثله في دمار سدوم أو في خلاص نينوى. وهذا هو التعبير الحقيقي عن شخصية الله الفريدة والبارة.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

37. يجب ألاّ يعتمد المرء على التجربة والخيال في معرفة شخصية الله البارة

عندما تجد نفسك تواجه دينونة الله وتوبيخه، هل ستقول إن كلمة الله مزيفة؟ هل ستقول إن هناك حكاية وراء غضب الله، وإن غضبه زائف؟ هل ستقوم بالافتراء على الله، قائلًا إن تصرفه ليس بالضرورة عادلًا بالكامل؟ عندما تتعامل مع كل عمل من أعمال الله، يجب أن تكون على يقين من أن شخصية الله البارة خالية من أي عناصر أخرى، وأنها مقدسة ولا تشوبها شائبة. هذه الأعمال تشمل ضربات الله وعقابه وتدميره للإنسانية. فكل عمل من أعمال الله، بدون استثناء، يتم بالتوافق الكامل مع شخصيته المتأصلة وخطته – وهذا لا يشمل معرفة الإنسانية، وتقاليدها وفلسفتها – ويمثل كل عمل من أعمال الله تعبيراً عن شخصيته وجوهره، ولا علاقة لهما بأي شيء ينتمي إلى الإنسانية الفاسدة. يرى الإنسان في تصوراته أن محبة الله ورحمته وتسامحه تجاه الإنسانية هي الوحيدة المقدسة والنقية والمنزهة عن العيوب. ومع ذلك، لا يعلم أحد أن غضب الله وسُخطه هما كذلك غير زائفين. وعلاوة على ذلك، لم يفكر أحد في أسئلة؛ مثل التساؤل عن سبب عدم تسامح الله مع أي مخالفة أو عن سبب غضبه الشديد. بل على العكس، يخطئ البعض في توصيف غضب الله بسبب مزاج الإنسانية الفاسد؛ حيث إنهم يفهمون غضب الله على أنه غضب على الإنسانية الفاسدة، حتى إنهم يفترضون خطأ أن غضب الله يشبه تمامًا الكشف الطبيعي لشخصية الإنسانية الفاسدة. إنهم يعتقدون خطأً أن إطلاق غضب الله هو تماماً بمنزلة الغضب من الإنسانية الفاسدة والذي ينشأ عن الاستياء، حتى إنهم يعتقدون أن إطلاق غضب الله هو تعبير عن مزاجه. بعد هذه الشركة، آمل ألا يكون لدى أي منكم – بعد الآن – أي مفاهيم خاطئة أو تصورات أو افتراضات حول شخصية الله البارة، وآمل أنه بعد سماع كلامي يمكن أن يكون لديكم معرفة صحيحة في قلوبكم بشخصية الله البارة، كما آمل أن يمكنكم أن تضعوا جانبًا أي فهوم خاطئة سابقة لغضب الله، وأن تتمكنوا من تغيير معتقداتكم وأفكاركم الخاطئة عن جوهر غضب الله. وعلاوة على ذلك، آمل أن يكون لديكم تعريف دقيق لشخصية الله في قلوبكم، وأنكم لن تعود لديكم أية شكوك فيما يتعلق بشخصية الله البارة، وأنكم لن تفرضوا أي استنتاجات أو تخيلات بشرية عن شخصية الله الحقيقية. إن شخصية الله البارة هي الجوهر الحقيقي لله، إنها شيء غير مقولب أو مكتوب من قبل الإنسان. إن شخصيته البارة هي شخصيته البارة، ولا علاقة أو صلة لها بأي من الخليقة، إن الله ذاته هو الله ذاته. لن يصبح أبدًا جزءًا من الخليقة، وحتى إن أصبح فرداً بين المخلوقات، فلن تتغير شخصيته المتأصلة وجوهره. لذلك، فإن معرفة الله ليست معرفة أي كائن، إنها ليست تحليلاً لشيء، ولا هي عبارة عن فهم لشخص ما. إذا كنت تستخدم مفهومك أو طريقتك في معرفة شيء ما أو فهم شخص ما لمعرفة الله، فلن تتمكن أبدًا من تحقيق معرفة الله. إن معرفة الله لا تعتمد على الخبرة أو الخيال، وبالتالي يجب عليك ألا تفرض خبرتك أو خيالك مطلقاً على الله. بغض النظر عن مدى ثراء خبرتك وخيالك، فإنهما ما يزالان محدودين، بل ما هو أكثر من ذلك، إن خيالك لا يتوافق مع الحقائق، ناهيك عن أنه لا ينسجم مع الحقيقة، ولا يتماشى مع الشخصية والجوهر الحقيقيين لله. لن تنجح أبدًا إذا اعتمدت على خيالك لفهم جوهر الله. الطريق الوحيد هو: قبول كل ما يأتي من الله، ثم تجربته وفهمه تدريجيًا. سيكون هناك يومٌ يقوم فيه الله بتنويرك لفهمه ومعرفته على نحو صحيح بسبب تعاونك وبسبب جوعك وتعطشك للحقيقة.

من "الله ذاته، الفريد (ب)" في "الكلمة يظهر في الجسد"

السابق: (أ) كلمات عن سلطان الله

التالي: (ج) كلمات عن قداسة الله

إن كنت تواجه صعوبات أو أسئلةً في إيمانك، يرجى الاتصال بنا في أي وقت.
اتصل بنا
تواصل معنا عبر ماسنجر

محتوى ذو صلة

وعود لأولئك الذين كمّلهم الله

ما الطريق الذي يكمِّل الله من خلاله الإنسان؟ ما هي الجوانب التي يشتمل عليها؟ هل ترغب في أن يكملك الله؟ هل أنت على استعداد لقبول الدينونة...

إعدادات

  • نص
  • مواضيع

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

المسافة بين الأسطر

المسافة بين الأسطر

عرض الصفحة

المحتويات

بحث

  • ابحث في هذا النص
  • ابحث في هذا الكتاب