نرحب باتصال جميع الباحثين عن الحق.

تذوُّق مَحبَّة الله في وسط الشدَّة

1

بقلم تشين لو – إقليم تشيجيانغ

وُلِدتُ في ثمانينيَّات القرن العشرين في قريةٍ – وكُنَّا عائلةً من الفلاَّحين لأجيالٍ. عكفتُ على دراساتي حتَّى أتمكَّن من اجتياز اختبار الكُليَّة والفرار من حياة القرية التي تتَّسم بالفقر والتخلُّف. عندما بدأتُ الدراسة في المدرسة الثانويَّة، صادفتُ تاريخ الفن الغربيّ، وعندما رأيتُ العديد من اللوحات الجميلة مثل "التكوين" و"جنَّة عدن" و"العشاء الأخير"، أدركتُ حينها أنه كان يوجد إلهٌ في الكون خلق كُلّ شيءٍ. فلم يسع قلبي سوى أن يمتلئ بالتوقير لله. وبعد تخرُّجي من الكُليَّة وجدتُ وظيفةً جيِّدة بكُلّ سهولةٍ، وبعد ذلك وجدتُ شريك حياةٍ رائعًا. حقَّقت أخيرًا آمالي وآمال أسلافي: هربتُ من الحياة التي تتَّسم بإبقاء وجوهنا ناحية الأرض وظهورنا ناحية السماء. وفي سنة 2008 أضفت ولادة طفلٍ المزيد من الفرح على حياتي. بالنظر إلى كُلّ شيءٍ كان لي في حياتي اعتقدتُ أنه يجب أن أنعم بحياةٍ سعيدة ومريحة. ومع ذلك، بينما كنتُ أستمتع بتلك الحياة الجميلة التي أُحسَد عليها، لم أتمكَّن مطلقًا من التخلُّص من ذلك الشعور الغامض بالفراغ في أعماق قلبي. وقد جعلني هذا أشعر بالارتباك والعجز الشديدين.

تحدَّثت إليَّ عائلتي في نوفمبر/تشرين الثاني من سنة 2008 عن إنجيل الأيَّام الأخيرة لله القدير. فهمتُ أخيرًا من كلام الله أنه مصدر حياة البشر، وأن كلامه هو القوَّة الدافعة لحياتنا ودعامتها. إذا تخلَّينا عن قوت الله وإمداده لحياتنا، فسوف تكون نفوسنا خاوية وموحشة، ومهما كان التمتُّع الماديّ الذي لدينا لن نتمكَّن أبدًا من إشباع احتياجات نفوسنا. وهذا ما قاله الله القدير: "فالإنسان هو في المقام الأول مجرد إنسان، ومكانة الله وحياته لا يمكن استبدالها بأي إنسان. لا يحتاج الإنسان فقط إلى مجتمع عادل فيه يتمتع الجميع بالمأكل والمساواة والحرية، بل يحتاج أيضًا إلى خلاص الله وتدبيره لحياته. فقط عندما ينال الإنسان خلاص الله وتدبيره لحياته، تُحلُّ مشكلة احتياجات الإنسان واشتياقه للاستكشاف وفراغه الروحي" (من "الله هو من يوجِّه مصير البشرية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). غسلت كلماته نفسي كنبع ماءٍ في الصحراء، وحرَّرت قلبي من الارتباك. كنتُ منذ ذلك الحين أقرأ كلام الله بجوعٍ وعطش عظيمين، وكان يوجد دائمًا شعورٌ بالراحة لا يمكن التعبير عنه في قلبي لأنني قد استرددتُ نفسي. وسرعان ما رتَّبت الكنيسة لبعض الإخوة والأخوات مقابلتي، وعملوا على هذا باستمرارٍ مهما كانت قسوة الطقس. كانت توجد الكثير من الأشياء التي لم أفهمها خلال ذلك الوقت، وكان الإخوة والأخوات يتواصلون معي بروح الصبر. لم يكن يوجد أدنى قدرٍ من الضيق، بل كانوا يسترضونني، وشعرتُ شعورًا عميقًا من خلال هذا بصدق هؤلاء الإخوة والأخوات ومَحبَّتهم. وفيما كنتُ أفهم المزيد من الحقّ بدأتُ أفهم رغبة الله المُلحَّة لخلاص البشر، ورأيتُ أن الإخوة والأخوات كانوا يبذلون أنفسهم بحماسةٍ كبيرة ويكرزون بإنجيل الملكوت لله. أردتُ أيضًا أن أؤدِّي واجبي، ولكن طفلي كان صغيرًا ولم تكن لديَّ مُربيَّةٌ أخرى، ولذلك صلَّيتُ كي يُقدِّم لي الله حلًّا. علمتُ في وقتٍ لاحق أنه توجد أختٌ كانت مسؤولةً عن حضانةٍ، ولذلك أرسلتُ طفلي إليها. وعدت بمساعدتي في رعاية طفلي دون تردُّدٍ، ولم تقبل حتَّى استلام الرسوم الدراسيَّة أو مصاريف الوجبات. ومنذ ذلك الوقت، لم تساعدني تلك الأخت على رعاية طفلي أثناء النهار فحسب، بل كانت تساعدني أيضًا في الأمسيات أحيانًا. أثَّرت أفعال تلك الأخت فيّ تأثيرًا عميقًا، وعرفتُ أن هذا كُلّه منبعه مَحبَّة الله. ومن أجل الوفاء بمَحبَّته انضممتُ دون تردُّدٍ إلى صفوف أولئك الذين كانوا يُبشِّرون بالإنجيل. وأثناء التبشير بالإنجيل رأيتُ الحالات المؤسفة للأشخاص الذين لم ينيرهم إشراق الله، واحدًا تلو الآخر. سمعتُ مراثي مساراتهم المريرة في الحياة، ورأيتُ أيضًا وجوههم مليئة بالفرح والسعادة بعد أن نالوا خلاص الله للأيَّام الأخيرة. وقد أثار هذا شغفي بالبشارة أكثر فقرَّرتُ تقديم إنجيل الله إلى المزيد من الناس الذين يعيشون في الظلام وكانوا يتعطَّشون للنور! ولكن الاضطهاد من حكومة الحزب الشيوعيّ الصينيّ ومطاردة المؤمنين كان خلال ذلك الوقت أكثر حدَّةٍ؛ فقد تعرَّض الكثير من الإخوة والأخوات للاعتقال ولم أستطع الهروب من هذا المصير.

حدث ذلك في صباح 21 ديسمبر/كانون الأوَّل 2012. كان أكثر من اثني عشر من الإخوة والأخوات يعقدون اجتماعًا عند سماع سيلٍ مفاجئ من الطَرق والصراخ على الباب: "افتحوا الباب! افتحوا الباب! تفتيشٌ للمنزل!" بمُجرَّد أن فتحت إحدى الأخوات الباب، اقتحم المنزل ستَّةٌ أو سبعة من رجال الشرطة يمسكون هرَّاوات. دفعونا جانبًا بخشونةٍ، ثم بدأوا في تفتيش الأدراج والبحث في كُلّ مكانٍ. تقدَّمت أختٌ صغيرة وسألتهم: "نحن لم ننتهك القانون. فلماذا تُفتِّشون المنزل؟" فأجاب رجال الشرطة بعنفٍ: "احذري ممَّا تقولينه! إذا طلبنا منكِ الوقوف هناك، فقفي هناك وحسب. وإذا لم نطلب منكِ أن تتحدَّثي، فاخرسي!" ثم ألقوها بوحشيّةٍ على الأرض وصرخوا بعدوانيَّةٍ: "إذا كنتِ تريدين المقاومة، فسوف نضربكِ!" انخلع ظفرها وكان إصبعها ينزف. عندما رأيتُ الوجوه الوحشيَّة لرجال الشرطة شعرتُ بالكراهية والخوف، ولذلك صلَّيتُ صامتةً لله ليمنحني القوَّة والثقة ويحميني للشهادة. وبعد الصلاة هدأ قلبي كثيرًا. صادر رجال الشرطة العديد من المواد الإنجيليَّة ومجموعات من كلام الله، ثم أدخلونا إلى سيَّارات الشرطة.

بمُجرَّد أن وصلنا قسم الشرطة صادروا كُلّ شيءٍ كنَّا نحمله واستجوبونا عن أسمائنا وعناويننا وأسماء قادة كنيستنا. كنتُ خائفةً من توريط عائلتي فلم أقل أيّ شيءٍ؛ ولم تقل أختٌ أخرى أيّ شيءٍ أيضًا، لذلك اعتبرتنا الشرطة زعيمتيّ عصاباتٍ وأرادت محاكمتنا بشكلٍ منفصل. كنتُ خائفةً جدًّا حينها – فقد سمعتُ أن الشرطة كانت وحشيَّة خصوصًا مع المؤمنين بالله، وقد صُنِّفتُ هدفًا للاستجواب. من المُؤكَّد أن هذا سيكون مليئًا بالاحتمالات الكئيبة. عندما كنتُ في حالةٍ رهيبة وأعيشُ في خوفٍ، سمعتُ أختي التي كانت قريبة جدًّا مني تُصلِّي قائلةً: "يا الله، أنت صخرتنا وملجأنا. إبليس تحت قدميك، وأنا على استعدادٍ لأعيش حسب كلامك ولأشهد لإرضائك!" ابتهج قلبي بعد سماع ذلك. فكَّرتُ قائلةً: هذا صحيحٌ – فالله صخرتنا وإبليس تحت قدميه، فممَّا أخاف؟ طالما أتَّكل على الله وأتعاون معه، من الممكن هزيمة إبليس! وفجأةً لم أعد خائفة، ولكنني شعرتُ بالخجل أيضًا. فكَّرتُ في حقيقة أنه عندما واجهت تلك الأخت هذا استطاعت أن تعيش على أساس كلام الله وألَّا تفقد الثقة بالله، ولكنني كنتُ خجولة وجبانة. لم يكن لي ولو القدر القليل من عزيمة شخصٍ يؤمن بالله. وبفضل مَحبَّة الله ومن خلال صلاة تلك الأخت التي حفَّزتني وساعدتني، لم أعد أخاف من قوَّة الشرطة المُستبدَّة. قرَّرتُ بهدوءٍ: أنا عازمةٌ الآن بعد اعتقالي على الشهادة لإرضاء الله. لن أكون بالتأكيد جبانةً تُخيِّب أمل الله!

قيَّدني اثنان من رجال الشرطة بالأصفاد في حوالي الساعة العاشرة ونقلوني إلى غرفةٍ لاستجوابي لوحدي. استجوبني أحد رجال الشرطة باللهجة المحليَّة. لم أفهمه، وعندما سألته عمَّا قاله أثار هذا السؤال غضبه دون أن أتوقَّع. صرخ أحد رجال الشرطة الواقفين بالجوار قائلاً: "أنتِ لا تحترميننا!" وبينما كان يتكلَّم ركض للأمام وانتزع شعري وأخذ يهزَّني جيئةً وذهابًا. شعرتُ بالدوار وخارت قواي، وشعرتُ كما لو كانت فروة رأسي قد انخلعت وبعض شعري قد انشدّ. ركض شرطيٌّ آخر ناحيتي بعد ذلك مباشرةً وصاح: "هل علينا التصرُّف معكِ بخشونةٍ؟ تكلَّمي!" من طلب منكِ التبشير بالإنجيل؟" فاستشطتُ غضبًا وأجبته: "التبشير بالإنجيل هو واجبي". أمسكني الشرطيّ الأوَّل من شعري مرَّةً أخرى في اللحظة التي قلتُ فيها هذا وصفعني على وجهي فأصابني وقال صائحًا: "سوف أجعلكِ تُبشِّرين أكثر! سوف أجعلكِ تُبشِّرين أكثر!" كان يضرب وجهي حتَّى اِحمَرّ وتألَّم وبدأ يتورَّم. وعندما تعب من ضربي تركني، ثم أخذ الهاتف المحمول ومُشغِّل MP4 اللذين عثروا عليهما معي وطلب مني معلومات عن الكنيسة. اعتمدتُ على الحكمة في التعامل معهم. سأل شرطيٌّ ظهر فجأةً: "أنتِ لستِ من هنا. أنتِ تتحدَّثين لغة الماندرين [اللغة الصينيَّة الشماليَّة] جيِّدًا – لستِ بالتأكيد شخصًا عاديًّا. كوني صادقة! لماذا أتيتِ إلى هنا؟ من أرسلكِ إلى هنا؟ من قائدكِ؟ كيف تواصلتِ مع الكنيسة هنا؟ أين تقيمين؟" عندما رأيت أن رجال الشرطة هؤلاء اعتبروني شخصًا مُهمًّا وأصرَّوا على جمع معلومات عن الكنيسة مني، ارتعبت بشدَّةٍ ودعوتُ الله أن يمنحني الثقة والقوَّة. ومن خلال الصلاة هدأ قلبي قليلاً وأجبتُ: "لا أعرف أيّ شيءٍ". عندما سمعوني أقول ذلك، ضرب أحدهم الطاولة بشراسةٍ وصرخ قائلاً: "انتظري وحسب، فسرعان ما نرى شعوركِ!" ثم التقط مُشغِّل MP4 الخاصّ بي وضغط على زرّ التشغيل. كنتُ خائفةً جدًّا. لم أعرف الطُرق التي سوف يستخدمها للتعامل معي، ولذلك صرختُ صرخة استغاثةٍ عاجلة إلى الله. لم أتخيَّل أن ما تمّ تشغيله كان تسجيلاً لإحدى العظات: "هل تعتقد أن مثل ذلك الشخص يمكن خلاصه؟ إنه لا يُبدي تكريسًا للمسيح وفكره ليس متوافقًا مع المسيح. عندما يواجه الشدائد ينفصل عن المسيح ويمضي في طريقه. يدير ظهره لله، وبالتالي يتبع الشيطان. … في حكم التنِّين العظيم الأحمر، أثناء اختبار عمل الله، إذا تمكَّنت من أن تدير ظهرك للتنِّين العظيم الأحمر وتقف إلى جانب الله، بغضّ النظر عن كيفيَّة اضطهاده أو ملاحقته أو ظلمه لك، فيمكنك بالتأكيد طاعة الله وتكريس نفسك له حتَّى الموت. فمثل هذا الشخص هو وحده الذي يستحقّ أن يُسمَّى الغالب ويستحقّ أن يُسمَّى شخصًا متوافقًا مع الله" (الحقائق العشر لكلام الله التي ينبغي إدخالها من أجل نوالك الخلاص والكمال") عندما سمعتُ كلمتي "ينفصل عن"، شعرتُ بطعنة ألمٍ في قلبي. لم يسعني سوى أن أفكِّر أنه عندما كان الرَّبّ يسوع يعمل كان كثيرون يتبعونه وينعمون بنعمته، ولكن عندما سُمِّر على الصليب وكان الجنود الرومان يعتقلون المسيحيّين يمينًا ويسارًا، فرّ كثيرٌ من الناس بسبب الخوف. وقد تسَّبب هذا في ألمٍ رهيب لله! ولكن ما الفرق الذي كان بيني وبين أولئك الناس الجاحدين؟ عندما كنتُ أنعم بنعمة الله وبركاته، كنتُ مليئة بالثقة في اتّباع الله، ولكن عندما واجهتُ الشدائد التي كانت تتطلَّب أن أعاني وأدفع الثمن، كنتُ خجولة وخائفة. كيف كان يمكن بذلك إرضاء قلب الله؟ فكَّرتُ في حقيقة أن الله المهيب صار جسدًا حتَّى يُخلِّصنا نحن البشر الفاسدين – وجاء بتواضع وسريَّة إلى الصين، هذا البلد الذي يحكمه الملحدون، متحملًا لمطاردة هذه الشياطين وإدانتهم، وقد قادنا شخصيًّا إلى طريق طلب الحقّ. عندما رأيتُ أن الله قد فعل كُلّ شيءٍ لخلاصنا، لماذا لم أستطع بصفتي قد نلتُ نعمة خلاصه أن أسدِّد ثمنًا ضئيلاً لأشهد له؟ شعرتُ ضميريًّا بالتوبيخ وكرهتُ أنانيَّتي وتفاهتي الشديدتين. شعرتُ شعورًا عميقًا حقًّا أن الله كان يغمره الأمل مني والاهتمام بي. شعرتُ أنه كان يعرف جيِّدًا أنني كنتُ غير ناضجةٍ في قامتي وخائفة في وجه استبداد إبليس؛ سمح لي أن أسمع هذا من خلال تشغيل الشرطة لذلك التسجيل، ممَّا سمح لي بأن أفهم مشيئته حتَّى يمكنني في خضمّ الشدَّة والظلم أن أشهد لله وأرضيه. تأثَّرتُ للحظاتٍ تأثُّرًا كبيرًا بمَحبَّة الله لدرجة أن الدموع انسابت على وجهي، وقلتُ لله في صمتٍ: "يا الله! لا أريد أن أنفصل عنك وأؤذيك؛ أريد أن أبقى معك في الأفراح والأحزان. مهما عذَّبني إبليس، أنا عازمةٌ على الشهادة لك وإرضاء قلبك".

ثم حدث قرعٌ مفاجئ عندما أوقف الشرطيّ جهاز التسجيل واندفع نحوي قائلاً بكراهيةٍ: "هذا صحيحٌ، أنا التنيِّن العظيم الأحمر، وقد جئتُ اليوم لأعذِّبكِ!" ثم أمروني بالوقوف على الأرضيَّة حافية القدمين وقيَّدوا يدي اليمنى بحلقةٍ حديديَّة وسط كتلةٍ خرسانيَّة. طلبوا مني الوقوف بانحناءٍ لأن الكتلة كانت صغيرة جدًّا. لم يسمحوا لي بإحناء ركبتيَّ، ولم يسمحوا لي باستخدام يدي اليسرى لدعم ساقيَّ. لم أستطع الاستمرار في الوقوف بعد فترةٍ من الوقت وأردتُ إحناء ركبتيَّ، ولكن رجال الشرطة صرخوا: "لا لإحناء الركبتين! إذا كنتِ تريدين أن تكون معاناتكِ أقلّ، فأسرعي واعترفي!" فكان كُلّ ما استطعتُ فعله أن أصرّ على أسناني وأتحمَّل الأمر. لا أعرف مقدار الوقت الذي مرَّ. كانت قدماي كالثلج وساقاي ملتهبين وفاقدين للحسّ، وعندما لم أستطع الاستمرار في الوقوف حقًّا أحنيتُ ركبتيَّ. رفعني رجال الشرطة وأحضروا كوبًا من الماء البارد وسكبوه على رقبتي. فشعرتُ بالبرد الشديد وبدأتُ في الارتجاف. ثم أزالوا أصفادي ودفعوني للجلوس على مقعدٍ خشبيّ، وقيَّدوا كُلّ يدٍ بالطرف المقابل للمقعد، وفتحوا النوافذ وشغَّلوا جهاز تكييف الهواء. ضربتني زوبعةٌ مفاجئة من الرياح الباردة فكنتُ أرتجف من البرد. وكانت النتيجة أنني أصبتُ ببعض الضعف في قلبي، ولكن في خضمّ هذه المعاناة كنتُ أصلِّي دون انقطاعٍ وأتوسَّل إلى الله كي يعطيني الإرادة والقوَّة لتحمُّل هذا الألم ويسمح لي بالتغلُّب على ضعف الجسد. وعندها فقط أرشدتني كلمات الله من الداخل: "حتّى عندما يتحمّل جسدك المعاناة، لا تأخذ أيّة أفكارٍ من الشيطان. …الإيمان أشبه بجسرٍ خشبيّ مؤلف من جذع واحد، بحيث يجد الذين يتشبّثون بالحياة في وضاعةٍ صعوبةً في عبوره، أمّا أولئك الذين يستعدّون للتضحية بأنفسهم فيمكنهم المرور عليه دون قلقٍ" (من " الفصل السادس" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد"). جعلتني كلمات الله أفهم أن إبليس أراد أن يُعذِّب جسدي ليجعلني أخون الله، وأنه إذا أوليتُ أيّ اهتمامٍ للجسد فسوف أقع فريسةً لخداعه. واصلتُ التأمُّل في هاتين الجملتين من كلمات الله في ذهني، وأخبرتُ نفسي أنه كان ينبغي عليَّ التأهُّب ضدّ خداع الشيطان ورفض أفكاره. أخذ رجال الشرطة في وقتٍ لاحق وعاءً كبيرًا من الماء البارد وسكبوه بالكامل على رقبتي. فغرقت ملابسي كُلّها. شعرتُ في تلك اللحظة وكأنني سقطتُ في صندوق ثلجٍ. شعرتُ بالاستياء الشديد إزاء رؤية رجال الشرطة بكُلّ هذه الحقارة وكُلّ هذا الشرّ. فكَّرتُ قائلةً: سوف تتَّخذ هذه الجماعة من الشياطين أيَّة إجراءاتٍ لتجعلني أخون الله – ولن أسمح مطلقًا بنجاح خططهم! عندما رآني أحد رجال الشرطة الأشرار أرتعش ارتعاشًا رهيبًا، أمسك بجزءٍ من شعري ورفع رأسي للنظر إلى السحاب من خلال النافذة، ثم قال ساخرًا: "ألا تشعرين بالبرد؟ اطلبي من إلهكِ إذًا أن ينقذكِ!" وعندما رأى أنه لم يصدر عني ردّ فعلٍ سكب عليَّ وعاءً كبيرًا من الماء البارد مرَّةً أخرى وضبط جهاز تكييف الهواء على الوضع الأكثر برودة ثم وجَّهه ناحيتي مباشرةً. هبَّت عليَّ زوبعةٌ تلو الأخرى من الهواء البارد الذي يخترق العظام إلى جانب الرياح الباردة. شعرتُ بالبرد الشديد لدرجة أنني تكورت في مكاني وتجمَّدتُ بالفعل. شعرتُ أن جسمي كُلّه قد تصلَّب. بدأت ثقتي تتضاءل شيئًا فشيئًا، ولم يسعني سوى التفكير في الأفكار المجنونة: اليوم باردٌ للغاية، ومع ذلك يغرقونني بالماء البارد ويُشغِّلون جهاز التكييف. هل يحاولون تجميدي وأنا على قيد الحياة؟ إذا توفيتُ هنا، فحتَّى أقاربي لن يعرفوا ذلك. بينما كنتُ أغرق في الظلام واليأس، فكَّرتُ فجأةً في المعاناة التي تحمَّلها الرَّبّ يسوع حين كان مُسمَّرًا على الصليب لفداء البشر. وفكرت أيضًا في كلام الله: "المحبة التي اختبرَتْ التنقية هي محبة قوية، وليست ضعيفة. بغض النظر عن متى وكيف يُخضِعَك الله لتجاربه، ستستطيع ألَّا تبالي بالحياة أو الموت، وستتخلّى عن كل شيء من أجل الله بسرورٍ، وتتحمَّل كل شيء بسرورٍ من أجل الله، وهكذا ستكون محبتك نقيَّة وإيمانك حقيقي" (من "لا يمكن للإنسان أن يحب الله بحق إلا من خلال اختبار التنقية" في "الكلمة يظهر في الجسد") .حمَّستني كلمات الله هذه بالفعل – نعم! كان الله يرفعني في ذلك اليوم الذي استطعتُ فيه الشهادة له – فكيف يمكنني إيلاء أيّ اهتمامٍ بالجسد؟ كنتُ عازمةً على أن أكون مخلصةً لله حتَّى إن كان ذلك يعني خسارة حياتي. وفجأةً اصطخبت المشاعر في قلبي وشعرتُ بإلهامٍ شديد. صلَّيتُ بصمتٍ إلى الله: "يا الله! لقد منحتني هذا النَفَس، فإني أُفضِّل الموت على التشبُّث بالحياة وخيانتك!" لم أعد أشعر بالبرودة رويدًا رويدًا، ممَّا سمح لي بأن أشعر حقًّا برفقة الله وتعزيته. واصل رجال الشرطة استجوابي منذ منتصف النهار إلى السابعة مساءً تقريبًا. رأوا أنني لم أفتح فمي على الإطلاق، فحبسوني في غرفة الاستجواب وواصلوا نفخ الهواء البارد عليَّ.

كثَّف رجال الشرطة بعد العشاء من حدَّة استجوابهم. هدَّدوني بقسوةٍ قائلين: "أخبرينا! من قائد كنيستكِ؟ إذا لم تخبرينا، فلدينا وسائل أخرى. يمكننا أن نجعلكِ تشربين عصير الفلفل الحار والماء بالصابون وتأكلين الغائط ونُجرِّدكِ من ملابسكِ ونرميكِ إلى الطابق السفليّ ونجعلكِ تتجمَّدين حتَّى الموت! إذا لم تتحدَّثي اليوم، فسوف نسألكِ مرَّةً أخرى غدًا. لدينا متَّسعٌ من الوقت!" عندما قال رجال الشرطة الأشرار هذا، رأيتُ حقًّا أنهم لم يكونوا بشرًا على الإطلاق، بل كانوا مجموعة من الشياطين في هيئةٍ بشريَّة. كُلَّما هدَّدوني بهذه الطريقة كرهتهم بالأكثر في قلبي وصمَّمتُ على عدم الخضوع لهم. عندما رأوا أنني لم أستسلم، أحضروا حقيبةً من القماش ونقعوها بالماء ووضعوها على رأسي. ضغطوا بها على رأسي ومنعوني من الحركة ثم أحكموا خناقها. لم أستطع الحركة مطلقًا لأن يداي كانتا مُكبَّلتين بالمقعد. وبعد قليلٍ كنتُ على وشك الاختناق؛ شعرتُ أن جسمي كُلّه أصبح مُتيبِّسًا. ولكن ذلك لم يكن كافيًا لهم لتبديد كراهيتهم. أخذوا وعاءً من الماء البارد وسكبوه في أنفي وهدَّدوني قائلين إنه إذا لم أتحدَّث فسوف أختنق. لم تكن الحقيبة المُبتلَّة تسمح بمرور الهواء، وبالإضافة إلى ذلك كان الماء يُسكَب في أنفي. كان التنفُّس صعبًا للغاية وبدا كما لو كان الموت يطبق عليّ. صلَّيتُ بصمتٍ إلى الله: "يا الله، لقد وهبتني أنفاسي، واليوم يجب أن أحيا لك. مهما كان تعذيب رجال الشرطة الأشرار لي، فإني لن أخونك. إن طلبتَ مني التضحية بحياتي، فإنني على استعدادٍ لطاعة خُططك وترتيباتك دون أدنى شكوى …" بمُجرَّد أن بدأتُ أفقد الوعي وكنتُ على وشك التوقُّف عن التنفُّس أبعدوا أيديهم فجأةً. لم يسعني سوى الاستمرار في تقديم الشكر لله في قلبي. لقد اختبرتُ بوضوحٍ أن الله هو ربّ كُلّ شيءٍ، وأنه يحرسني ويحميني دائمًا، ومع أنني وقعتُ في أيدي رجال الشرطة الأشرار، لم يسمح لهم الله سوى بتعذيب جسدي ولم يسمح لهم بالسيطرة على حياتي. وقد نمت ثقتي بعد ذلك.

أخذني عددٌ من رجال الشرطة في اليوم التالي عند منتصف النهار تقريبًا مع أختٍ أخرى إلى سيَّارةٍ تابعة للشرطة ونقلونا إلى مركز الاحتجاز. قال لي أحدهم بلهجة تخويفٍ: "أنتِ لستِ من هذه المنطقة. سوف نحبسكِ لمدَّة ستَّة شهورٍ ثم نحكم عليكِ بالسجن لمدَّةٍ تتراوح بين 3 و5 سنواتٍ، فعلى أيّ حالٍ لن يعرف أحدٌ". "حُكم؟" بمُجرَّد أن سمعتُ أنه سوف يُحكَم عليَّ بالسجن أصبحتُ ضعيفةً. تساءلتُ كيف سأكشفُ عن وجهي إذا حُكِمَ عليَّ بقضاء مدَّةٍ في السجن وكيف سيراني الناس؛ سوف يحتقرونني بالتأكيد. عندما كنتُ متألِّمةً وضعيفة أظهر لي الله نعمته مرَّةً أخرى. أمَّا الأشخاص الآخرون في الزنزانة التي وُضِعتُ فيها فكُنّ جميعًا أخوات مؤمنات بالله القدير. ومع أنهن كُنّ في عرين الشياطين ذلك، فإنهنّ لم يُظهِرن أدنى خوفٍ، بل كُنّ يُشجِّعن ويدعمن بعضهن البعض، وعندما رأين أنني كنتُ سلبيَّةً وضعيفة تحدَّثن معي عن اختباراتهن الشخصيَّة وقدَّمن الشهادة، ممَّا منحني الثقة بالله. رتَّلن أيضًا ترتيلةً لتشجيعي: "لقد تواضع الله وصار جسدًا لخلاص البشر، يجول بين الكنائس، وعن الحق يعبِّر، ويعاني لسقايتنا، وفي إرشاد كل خطواتنا. لقد فعل هذا كل يوم لعقود، كل شيء لتطهير وتكميل الإنسان. لقد شهد العديد من فصول الربيع والصيف والخريف والشتاء، وذاق المر والحلو دون استياء. لقد ضحى بنفسه بدون أي ندم، وقدّم كل محبته للإنسان. لقد خضعتُ لدينونة الله وتذوقت مرارة التجارب. الحلو تبع المر، حتى تطهرّ فسادي، ولأرد محبة الله أقدم قلبي وجسدي. أكدُّ في ذهابي وإيابي، وأبذل من أجل الله ذاتي. أحبائي يتجاهلونني وآخرون على سمعتي يفترون، لكني سأحب الله حتى النهاية ولا أخون. أسعى لمشيئة الله بإخلاص كامل السمات. أتحمل الاضطهاد والضيقات، وأختبر المر والحلو في الحياة. حتى لو كنت أعيش حياة كلها مرارة، يجب أن أتبع الله وله أشهد بكل جدارة" (من "ردُّ محبةِ اللهِ والشهادةُ لهُ‎" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). عندما فكَّرتُ في هذه الترتيلة شعرتُ بقوَّة الحياة من هؤلاء الأخوات، فتشجَّعتُ كثيرًا. كان هذا حقيقيًّا، فقد كُنَّا نتبع الإله الحقيقيّ ونسلك طريق الحياة الصحيح في بلدٍ تحت حُكم حزبٍ ملحد كان يعتبر الله على أنه العدو. كان مصيرنا أن نعاني الكثير من المشاقّ، ولكن هذا كُلّه كان له معنى، وحتَّى البقاء في السجن كان أمرًا مجيدًا لأننا كُنَّا نُضطهَد من أجل السعي وراء الحقّ واتّباع طريق الله. كان الأمر يختلف تمامًا عن سجن أهل العالم لارتكابهم جرائم فظيعة. فكَّرتُ بعد ذلك في الأجيال المتتالية من القدّيسين الذين عانوا الاضطهاد والإذلال بسبب التمسُّك بالطريق الصحيح. ولكن الآن يتوافر لي بالمجَّان مقدارٌ كبير من كلمة الله – وفهمتُ الحقّ الذي لم تقدر أجيالٌ من الناس على فهمه، وعرفتُ أسرارًا لم تكن أجيالٌ تعرفها، فلماذا لم أتمكَّن من تحمُّل القليل من المعاناة للشهادة لله؟ عندما فكَّرتُ في هذا، انتقلتُ مرَّةً أخرى من حالة ضعفي، وكان قلبي مليئًا بالثقة والقوَّة، وصمَّمتُ على الاعتماد على الله ومواجهة تعذيب الغد وحملي على الاعتراف بكُلّ افتخارٍ.

أرسلتني الشرطة بعد عشرة أيَّامٍ إلى مركز الاحتجاز بمفردي. رأيتُ أن جميع الأشخاص الآخرين هناك محتجزين بتهمة الاحتيال والسرقة والأعمال التجاريَّة غير المشروعة. بمُجرَّد أن دخلت قالوا لي: "أيّ شخصٍ يأتي إلى هنا لا يخرج عمومًا. نحن جميعًا بانتظار صدور أحكامنا، وبعضنا ينتظر منذ شهورٍ". عندما رأيتُ هؤلاء الناس شعرتُ بالتوتُّر الشديد وكان قلبي على وشك الانفجار. شعرتُ بالخوف من أن يعاملونني معاملةً سيِّئة، وعندما فكَّرتُ في حقيقة أن الشرطة سوف تحبسني معهم اعتقدتُ أنهم سوف يحكمون عليَّ على الأرجح بعقوبة مجرمةٍ. كنتُ قد سمعتُ أن بعض الإخوة والأخوات سُجِنوا لمدَّةٍ تصل إلى ثماني سنواتٍ. ولم أعرف كم قد تطول مدَّة الحُكم عليَّ، فقد كنتُ في التاسعة والعشرين من عمري وحسب! لا يمكن أن أقضي شبابي في هذه الزنزانة المظلمة. كيف سأمضي أيَّامي من الآن فصاعدًا؟ بدا لي في تلك اللحظة أن موطني ووالديّ وزوجي وطفلي بعيدون عني فجأةً. كان الأمر أشبه بسكّينٍ يخترق قلبي بينما كانت الدموع تتجمَّع في عيني. عرفتُ أنني وقعتُ في شرك إبليس، ولذلك دعوتُ الله في حماسةٍ راجيةً أن يقودني للنجاة من هذه المعاناة. شعرتُ في منتصف صلاتي بتوجيهٍ واضح في داخلي: عندما تواجهين هذا يكون بسماحٍ من الله. ومثلما جُرِّبَ أيُّوب، لا تشتكين. وعلى الفور قدَّمت لي كلمات الله التنوير: "ستخضع لكل ترتيب أضعه (حتى وإن كان الموت أو الدمار)، أم ستهرب في منتصف الطريق لتتجنب توبيخي؟" (من "ماذا تعرف عن الإيمان؟" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أخجلتني الدينونة والتوبيخ في كلمات الله. رأيتُ أنني لم أكن صادقةً مع الله أدنى صدقٍ، لكنني قلتُ للتوّ إنني كنتُ أريد أن أكون شاهدةً صالحة له. ومع ذلك، عندما واجهتُ بالفعل خطر التعرُّض للسجن لم أرد سوى النجاة. لم تكن توجد لديّ أيَّة قدرةٍ عمليَّة على المعاناة في سبيل الحقّ. بالتفكير في لحظة اعتقالي، كان الله بجانبي في جميع الأوقات. لم يتخلَّ عني في أيَّة خطوةٍ على الطريق لئلا أُضيِّع طريقي أو أتعثَّر. كانت مَحبَّة الله لي صادقةً تمامًا وليست فارغة على الإطلاق. ولكنني كنتُ أنانيَّة وانتهازيَّة، ولم أفكِّر طوال الوقت إلَّا في المكاسب والخسائر الجسديَّة. لم أكن على استعدادٍ لتسديد أيّ ثمنٍ لله – فكيف كان من الممكن أن أتحلَّى بأيَّة إنسانيَّةٍ؟ وبأيّ ضميرٍ؟ عندما فكَّرتُ في ذلك، شعرتُ بالندم والمديونيَّة. صلَّيتُ بصمتٍ إلى الله وتبتُ قائلةً: يا الله! لقد كنتُ مخطئةً. لم يعد بوسعي أن أخدمك بشفتيَّ وأخدعك. أنا على استعدادٍ لأعيش الواقع لإرضائك. مهما كان الحُكم عليَّ سوف أكون بالتأكيد شاهدةً لك – أطلبُ منك وحسب أن تحمي قلبي. دخل رئيس السجناء في تلك اللحظة وقال لي: "لا أعرفُ سبب وجودكِ هنا، ولكن لدينا قولٌ: "اعترفي لترحمي نفسك وسوف تقضين عقوبتكِ في السجن إلى النهاية؛ قاومي بشدَّةٍ ويمكنكِ أن تعيشي حياتك". إذا كنتِ لا تريدين أن تتحدَّثي، فلا تتحدَّثي". قدَّمتُ الشكر لله على هذا الترتيب العجيب والحكمة التي نقلها لي رئيس السجناء لأعرف كيفيَّة التعامل مع الاستجواب التالي. بالإضافة إلى ذلك، ليس فقط أن السجناء الآخرون لم يزعجونني، بل أنهم اعتنوا بي وقدَّموا لي الملابس وأعطوني طعامًا إضافيًّا في أوقات الطعام وتشاركوا معي بالفاكهة والوجبات الخفيفة التي كانوا يشترونها بأنفسهم، كما ساعدوني في عملي اليوميّ. عرفتُ أن هذا كُلّه من تدبير الله وترتيبه؛ كان بدافع شفقة الله على قامتي الضئيلة. ومقابل مَحبَّته وحمايته اتّخذتُ قراري: مهما كان طول فترة الحُكم عليَّ سوف أشهد لله!

كان رجال الشرطة يستجوِّبونني في مركز الاحتجاز مرَّةً كُلّ بضعة أيَّامٍ. وعندما أدركوا أن انتهاج أسلوبٍ مُتشدِّد لم ينفع معي، تحوَّلوا إلى طريقةٍ متهاونة. تعمَّد رجال الشرطة الذين كانوا يستجوِّبونني انتهاج أسلوبٍ سهل وكانوا يتجاذبون أطراف الحديث معي ويُقدِّمون لي طعامًا شهيًّا وقالوا إنهم قد يتمكَّنون من مساعدتي على إيجاد وظيفةٍ جيِّدة. عرفتُ أن هذا كان خداع إبليس، ولذلك في كُلّ مرَّةٍ كانوا يستجوِّبونني فيها كنتُ أصلِّي إلى الله طالبةً منه حمايتي وعدم السماح لي بالوقوع فريسةً لهذه الحيل. كشف أحد رجال الشرطة أخيرًا في إحدى المرَّات التي كان يستجِّوبني فيها عن نواياه الشرِّيرة: "ليست لدينا مشكلة معكِ شخصيًّا، ولكننا نريد فقط أن نقمع كنيسة الله القدير. نأمل أن تتمكَّني من الانضمام إلينا". عندما سمعتُ هذه الكلمات الشرِّيرة شعرتُ بالغضب الشديد. فكَّرتُ قائلةً: خلق الله الإنسان واستمرّ في إعالتنا وقيادتنا إلى الآن. والآن جاء لخلاص أولئك الذين خلقهم ولمساعدتنا على النجاة من هاوية معاناتنا. فما الخطأ في ذلك أصلاً؟ ولماذا تكرهه وتحتقره هذه الشياطين هكذا؟ نحن خليقة الله. واتّباع الله وعبادته صحيحٌ ولائق، فلماذا يمنعنا إبليس بهذه الطريقة ويحاول أن ينتزع حريَّتنا في اتّباع الله؟ إنهم يحاولون الآن أن يجعلوني دميةً في سعيهم لإسقاط الله. إن حكومة الحزب الشيوعىّ الصينىّ مجموعةٌ من الشياطين حقًّا بعزمها على تحدّي الله. إنهم رجعيّون أشرار! كنتُ مستاءةً للغاية وكرهتُ الحزب الشيوعىّ الصينىّ بالأكثر، ولم أرد سوى أن أكون شاهدةً لله وأرضي قلبه. عندما رأى رجال الشرطة أنني ما زلتُ أرفض أن أتحدَّث، بدأوا باستخدام أساليب نفسيَّة ضدّي. توصَّلوا إلى زوجي من خلال شركة تشاينا موبيل وأحضروه مع ابني لإقناعي. كان زوجي موافقًا في الأصل على إيماني بالله، ولكن بعد أن خدعته الشرطة أخبرني مرارًا وتكرارًا: "أتوسَّل إليكِ أن تتركي إيمانكِ. فكِّري على الأقلّ في طفلنا إن لم تُفكِّري فيَّ أنا. سوف يتأثَّر تأثُّرًا مُروِّعًا بوجود والدته في السجن…". كنتُ أعرف أن زوجي يقول ذلك عن جهلٍ، لذلك قاطعته بالقول: "هل ما زلت لا تفهمني؟ عشنا معًا لسنواتٍ عديدة، فمتى رأيتني أفعل أيّ شيءٍ شرِّير؟ إذا كنتَ لا تفهم شيئًا فلا تتحدَّث فيما لا يخصّك". عندما رأى زوجي أن كلماته لا يمكنها تغيير رأيي تفوَّه بهذه الكلمات القاسية: "أنتِ عنيدةٌ جدًّا وترفضين السماع، وسوف أطلِّقكِ إذًا!" اخترقت كلمة "الطلاق" هذه قلبي بعمقٍ. وجعلتني أكره حكومة الحزب الشيوعيّ الصينيّ بالأكثر. فقد كان تشويهها للسُمعة وبثَّها للخلاف هما ما جعلا زوجي يكره عمل الله بهذه الطريقة ويخبرني بمثل هذه الكلمات القاسية. حكومة الحزب الشيوعيّ الصينيّ هي بالفعل الجاني الذي يجعل عامَّة الناس يهينون السماء! وقد كانت أيضًا الجاني في تقويض مشاعرنا الزوجيَّة! لم أرد عند هذا المستوى من التفكير أن أقول أيّ شيءٍ آخر لزوجي. اكتفيتُ بالقول في هدوءٍ: "أسرِعْ وخذ طفلنا إلى المنزل". عندما رأى رجال الشرطة أن هذه الطريقة لم تنفع استشاطوا غضبًا لدرجة أنهم تحرَّكوا ذهابًا وإيابًا أمام مكاتبهم وصرخوا في وجهي قائلين: "لقد عملنا بمنتهى الجديَّة ولم نحصل على ردٍّ واحد منكِ! إذا واصلتِ الامتناع عن الكلام، فسوف نُصنِّفكِ رئيسةً لهذه المنطقة، أي سجينةً سياسيَّة! إذا لم تتكلَّمي اليوم، فلن توجد فرصةٌ أخرى!" ولكن مهما كان ذعرهم واهتياجهم كنتُ أصلِّي وحسب إلى الله في قلبي طالبةً منه تقوية إيماني.

استمرَّت ترتيلةٌ من كلام الله في توجيهي من الداخل خلال استجوابي: "إيمان عظيم، حب عظيم مطلوبان منك في عمل الأيام الأخيرة. قد تتعثر إذا كنت مهملاً لأن هذا العمل ليس كالسابق. الله من يجعل إيمان البشر كاملاً. لا نقدر أن نراه، لا نقدر أن نلمسه. الله يحول الكلام لإيمان وحب وحياة. على الإنسان تحمل التنقية، وأن يمتلك إيماناً أعظم من أيوب. أن يعاني من عذابات جمة دون أن يبتعد عن الله. عندما يطيعون حتى الموتِ بإيمان عظيم، ستتم هذه المرحلة من عمل الله. هذا ليس بسيطاً كما تظن. كلما ابتعد عن مفاهيم الإنسان زادت أهميته. كلما اقترب من مفاهيم الإنسان قلت قيمته. ضع هذا في اعتبارك!" (من "الله يجعل الإيمان كاملاً" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). بفضل الإيمان والقوَّة اللذان تلقَّيتهما من كلام الله في فترة استجوابي، بدوتُ صامدةً جدًّا. ولكن عندما عدتُ إلى زنزانتي أصبحتُ ضعيفةً ومُتألِّمة بعض الشيء. بدا كما لو أن زوجي سوف يُطلِّقني بالفعل ولن يكون لي منزلٌ فيما بعد. كما أنني لم أكن أعرف مدَّة الحُكم عليَّ. ووسط هذا الألم فكَّرتُ في كلمات الله هذه:"ينبغي عليك أن تختبر مشاعر بطرس في ذلك الوقت: لقد اجتاحه الحزن، فأصبح غير مكترث بالمستقبل أو بأية بركات. لم يسع في طلب الربح أو السعادة أو الشهرة أو الثروة من هذا العالم؛ بل سعى فقط ليحيا حياة ذات معنى، وهي أن يرد لله محبته، وأن يكرّس لله كل ما هو غالي وثمين للغاية؛ وعندئذ فقط سوف يشعر بالرضا في قلبه" (من "الله يجعل الإيمان كاملاً" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). تأثَّرتُ تأثُّرًا عميقًا بأفعال بطرس، وقد حفّز هذا أيضًا إرادتي للتخلّي عن كُلّ شيءٍ لإرضاء الله. كان هذا صحيحًا. فعندما بلغ بطرس أدنى مرحلةٍ من كآبته، كان لا يزال قادرًا على تحمُّلها وإرضاء الله. لم يكن ذلك من أجل طموحاته أو مصيره أو مصلحته الخاصَّة، وفي النهاية عندما سُمِّر مُنكَّسًا على صليبٍ شهد شهادةً حسنة ومُدويَّة لله. ولكن كان من حُسن نصيبي اتّباع الله المُتجسِّد والتمتُّع بإعالته اللامتناهية لحياتي وكذلك نعمته وبركاته، ولكني لم أُسدِّد قط أيّ ثمنٍ حقيقيّ لله. فهل عندما أراد مني أن أكون شاهدةً له لم أستطع أن أرضيه مرَّة واحدة؟ هل سأندم مدى الحياة على تفويت هذه الفرصة؟ عندما فكَّرتُ في ذلك حدَّدتُ إرادتي أمام الله: يا الله، إني على استعدادٍ لاتّباع مثال بطرس. فمهما كان ما ينتظرني، حتَّى لو كان الطلاق أو قضاء مدَّةٍ في السجن، فلن أخونك! شعرتُ بعد الصلاة بموجةٍ من القوَّة تدبّ في داخلي. لم أعد أفكِّر فيما إذا كان سيصدر عليَّ حُكمٌ أم لا أو في مدَّة الحُكم ولم أعد أفكِّر فيما إذا كنتُ سوف أتمكَّن من العودة إلى المنزل أو الرجوع إلى عائلتي. لم أكن أفكِّر إلَّا في أن يومًا آخر في عرين الشياطين معناه يومًا آخر في الشهادة لله، وحتَّى إن قضيتُ مدَّة عقوبتي إلى النهاية فلن أستسلم لإبليس. عندما أخضعتُ نفسي تذوَّقتُ حقَّا مَحبَّة الله وحنانه. وبعد بضعة أيَّامٍ في وقت الظهيرة قال لي أحد الحرَّاس فجأةً: "اِجمعي أغراضكِ، فمن الممكن أن تعودي إلى المنزل". لم أجسر ببساطةٍ على تصديق أذناي! طلبت مني الشرطة قبل إطلاق سراحي التوقيع على وثيقةٍ. رأيتُ هذه الكلمات مكتوبةً بمنتهى الوضوح: "غير مذنبةٍ بسبب عدم كفاية الأدلَّة. يُطلَق سراحها". كنتُ في قمَّة سعادتي عندما رأيتُ هذا. لقد اختبرتُ مرَّةً أخرى كُليَّة قدرة الله وأمانته لدرجة أن "أولئك الذين يستعدّون للتضحية بأنفسهم فيمكنهم المرور عليه دون قلقٍ". لقد خسر إبليس هذه المعركة في الحرب الروحيَّة وتمجَّد الله في النهاية!

بعد أن أمضيتُ 36 يومًا من الاحتجاز والاضطهاد على يد شرطة الحزب الشيوعيّ الصينيّ، كان لديَّ فهمٌ حقيقيّ للطغيان الوحشيّ والمكنون المُتمرِّد الرجعيّ لحكومة الحزب الشيوعيّ الصينيّ. وقد زادت كراهيتي له منذ ذلك الحين. أعرفُ أنه خلال تلك الشدائد كان الله معي دائمًا ينيرني ويرشدني ويسمح لي بالتغلُّب على وحشيَّة إبليس وتجاربه في كُلّ خطوةٍ طوال الطريق. وقد قدَّم لي هذا اختبارًا حقيقيًّا لحقيقة أن كلام الله هو بالفعل حياة البشر وقوَّتهم. كما جعلني أدرك حقًّا أن الله هو ربَّنا ويملك على كُلّ شيءٍ، ومهما كانت حيل إبليس فإن الله سوف يهزمه دائمًا. حاول الحزب الشيوعيّ الصينيّ تعذيب جسدي لإجباري على خيانة الله والتخلّي عنه، ولكن تعذيبه القاسي ليس فقط لم يكسرني بل شدَّد من عزمي وسمح لي بأن أرى وجهه الشرِّير تمامًا وأختبر مَحبَّة الله وخلاصه. أقدِّم الشكر لله من أعماق قلبي على كُلّ شيءٍ رتَّبه لي، ممَّا سمح لي بربح أثمن ثروات الحياة! وقراري الشخصيّ هو: مهما كان الظلم أو الشدَّة على الطريق، فإني على استعدادٍ لاتّباع الله بتصميمٍ والاستمرار في نشر الإنجيل كالسابق لتسديد ثمن مَحبَّته الرائعة!

محتوى ذو صلة

  • ترنيمة حياة وسط الخراب

    بقلم غاو جينغ – مقاطعة خِنان حظيت في عام 1999 بقبول عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. وأدركت من خلال قراءة كلام الله ما يتمتع به كلامه من سلطان وقوة…

  • صحوة وسط المعاناة والصعوبات

    – اختبار حقيقي لشاب مسيحي عمره 17 عامًا مع الاضطهاد بقلم وانغ تاو – مقاطعة شاندونغ أنا شاب مسيحي أنتمي إلى كنيسة الله القدير، وأنا الأكثر حظًا بين …

  • نور الله يرشدني عبر المحن

    بقلم تشاو شين – مقاطعة سيتشوان عشت منذ طفولتي في الجبال، لذا لم أرَ إطلاقًا الكثير من العالم الخارجي، ولم يكن لدي حقًّا أية تطلعات تتخطّى نطاق المنطقة…

  • النهوض من الظلم القاتم

    بقلم مو جوجيان - إقليم غانج دونج وُلِدتُ في منطقةٍ جبليَّة نائية فقيرة كُنَّا نوقد فيها البخور ونعبد بوذا لعدَّة أجيالٍ. توجد معابد بوذيَّة في جميع ال…

  • في أوقات الشدة، كلمة الله منحتني الشجاعة

    بقلم تشن هوي – مقاطعة جيانغسو نشأت في أسرة عادية في الصين. كان والدي يعمل في الجيش، ولأنه ساهم في تشكيل شخصيتي، ولأنني تأثرت به منذ الصغر، فقد كنتُ أع…