يومٌ لا يُنسى أبدًا

2022 أغسطس 1

حدث ذلك في أحد أيّام شهر ديسمبر 2012. في حوالي الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم، كنت أنشر الإنجيل مع بعض الإخوة والأخوات عندما توقفّت فجأة سيّارة شرطة أمامنا. دون إبراز أيّة بطاقة تعريف، لوى ضابط ذراعي ودفعني إلى داخل سيّارته. كذلك تمّ اعتقال أخت وأخ آخرَين وإدخالهما إلى السيّارة معي. خَفَقَ قلبي بسرعةٍ، ولم أكن أعرف ما الذي كانت الشرطة تخطّط لفعله بنا. إن لم أستطع تحمّل التعذيب وأصبحت مثل يهوذا، ستكون حياتي كمؤمنة قد انتهت. صلّيت إلى الله بشكل طارئ، وطلبت منه أن يحمي قلبي، وأقسمت بأنني أفضّل الموت على أن أصبح مثل يهوذا وأخون إخوتي وأخواتي. بعد الصلاة، لم أَعُدْ أشعر بأنّني متوتّرة كثيرًا.

عندما وَصَلْنا إلى مَخْفَر الشرطة، تمّ فَصْلُنا واستِجوابُنا بِشكلٍ فرديّ. سألني أحد الشرطيّين بفظاظةٍ: "مَنْ قائدُكِ؟ أين تقيمين؟". قلت: "لا أعرف من هو قائدي. لم أنتهِكْ أيّة قوانين، فلِماذا تمّ اعتقالي؟". انفجروا من الضَّحِكِ، وقالوا: "ما الذي تعرفينه عن القانون؟ هل حصلت على إذن من الحكومة المركزية لنشر الإنجيل؟ هل نِلتِ موافقة مكتب الشؤون الدينيّة؟ أنتِ تقومين بعملٍ تبشيريّ غير قانونيّ وتُخِلّين بالنظام العام. ينبغي أن نرسِلَك إلى مكتب الشؤون الدينية ونطلب منهم أن يتعاملوا معكِ!". قال ضابط آخر: "إذا تعاونت معنا، سَنَدَعُك تذهبين". تجاهَلتُهم فحسب. عندئذ ركض إلى داخل الغرفة ضابطٌ كان يقف عند مدخلها ورَكَلني بقوّة على بطّة ساقي اليمنى. آلمني ذلك كثيرًا حتّى أنّني ظننت أن عظام بطّة ساقي قد انكسَرت. لقد رَكَلني بشدّة لدرجة أنه كاد يَفْقِدٌ توازنه، ما حدا بالضبّاط الآخرين إلى الضّحك. وقف مجدّدًا وصبّ جام غضبه عليّ من خلال صفعي على وجهي. لقد ضَرَبني بشدّة لدرجة أنني صِرتُ أرى النّجوم، وشَعَرت بدوار شديد حتّى أنني كِدْتُ أسقط أرضًا. بعد قليل، بدأ الجانب الأيمن من وجهي بالتورّم. داسَ مِن ثمّ بشدّة على بطّة رجلي اليمنى مرّة أخرى، ورَكَلني نَحْوَ إحدى زوايا الغرفة. جثمتُ على الأرض باكيةً. بعدئذ وقف مهدّدًا بركلي في ظهري. خِفتُ كثيرًا. هل يمكن أن يقوم هذا الضابط بتوجيه ركلة أخرى لي؟ وماذا لو أصابني في ظهري؟ خفتُ بشدّة لدرجة أنني بدأت أبكي. في تلكَ الّلحظة عينها، أوقفه بضعة ضباط آخرين. خاطبني ضابط آخر بِنَبرةٍ أكثر لطفًا، وقال: "اسمعي عزيزتي، لا نريد أن نعاملك بهذه الطريقة. إنّ كلّ ما ينبغي عليك القيام به هو إخبارُنا عن عنوان سكنِك، وسندَعُك تذهبين". فكّرت في نفسي: "إن والداي مؤمنان كلاهما بالله، وهما يقومان بواجباتهما. إذا أفْصَحت لهم عن عنوان سكني، فسيتورّط والداي في ذلك أيضًا. وإذا حدثَ أن الإخوة والأخوات كانوا مُجتمعين في منزلي وقتئذ، وأُلقِي القبض عليهم جميعًا، فسأكون قد ارتكبت شرًّا". لذا لم أقُلْ شيئًا. بعدئذ طلب أحد الضباط من الآخرين جميعًا المغادرة لأنّه أراد التحدّث معي على انفراد. سألني: "هل تريدين الخروج من هنا؟ إذا كنت تفعلين، أخبرينا عن عنوان سكنك فحسب. كذلك يمكنك أن تتعاوني معنا، وتصبحي مُخْبِرةً لنا. اخترقي المراتب العليا في الكنيسة لصالِحنا، وسنعمل معًا. طالما أنّك توافقين على ذلك، فسندَعُكِ تذهبين". عندما رأى أنّني كنت أَتَجاهَلُه، لاحت في ذهنه فكرة أخرى، فَقال: "لا يوجد أحَدَ سِوانا هنا الآن. أعلم أنّه قد لا يكون باستطاعتك الإشارة إلى الأعضاء الآخرين أمامهم جَهارًا، لذا يمكنني إخفاء هويتك. سنجول في سيارتي على الطريق، وكلّ ما ينبغي عليك فعله هو الإشارة بإصبعك إلى واحد من إخوتك وأخواتك. طالما قمت بالتدليل على عضو آخر للحلول مكانك، فسنَدَعُك تذهبين! ماذا تقولين؟". عند رؤية الوجه القبيح لذلك الضابط، شعرت بالاشمئزاز. قلت في نفسي: "ربّما نكون نحن الاثنين هنا لِوحدنا، لكنّ روحَ الله يَفْحَصُ جميعَ الأشياء. بإمكان المرء أن يَخْدَعَ الآخرين، لكن لا يمكنه إطلاقًا أن يخدع الله. إذا كنت تظنّ أنني سأصبح مُخْبِرَةً وأبيع إخوتي وأخواتي وأخون الله، فلا بدّ أن تُعيد التفكير بذلك!". أجبْتُ بِحزمٍ: "لا أعرف أحدًا!". هدّدني عندها بقوله: "هل تحاولين حماية أحدِهم؟ هل يؤمن أبواكِ بالله أيضًا؟ إنّ الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم مَعَك أخبرونا بالفعل كلّ شيءٍ عنك. نحن نعلم كلّ ما نحتاج إلى معرفته عنك. أنا أُقدّم لك هنا الفرصة لِقَول الحقيقة. إذا لم تخبرينا بأيّ شيء، فلن تكون الأمور سهلة بالنسبة لك بعدئذ في السجن. سيُجبرونكِ على شرب محلول الفلفل الحار، ويوثِقون أصابِعَك بعصيِّ الخيزران، ويُدخلون الإبر تحت أظافرك، ويُقحِمون أسياخ الخيزران في أذنيك، ويطلبون من النزلاء الآخرين أن يتنمّروا عليك. سيكون ذلك أشبه بِجحيمٍ مُعاشٍ!". أرسَلَ وصفُه هذا قشعريرة في داخلي، وشعرت بأنّني مرتعبة تمامًا. فكّرت في نفسي: "هل باعَني الإخوة والأخوات حقًا؟ إذا قامت الشّرطة بإدخال أسياخ الخيزران في أذنيّ، ألن أصبح صمّاء؟ يريدون توثيق أصابعي بعصيّ الخيزران، وإدخال الإبر تحت أظافري – إن أصابع اليَدين حسّاسَةٌ جدًّا، ولا بدّ أن يكون ذلك مؤلمًا بشكل لا يُصدّق! وإذا قاموا حقًّا بإرسالي إلى السجن وعذّبوني، فَهَل يمكن لفتاةٍ صغيرةِ السنّ ونحيفةٍ مثلي أن تتحمّل كلّ ذلك؟ أم أنّني سأموتُ هناك؟ أنا أبلغ من العمر 20 عامًا فقط، والحياة لا تزال أمامي. لا أريد أن أموت في هذه السنّ المبكّرة. ربّما أمكنني أن أُفصِح لهم عن أمرٍ عديم الأهميّة لتلبية مطالبهم فحسب". شعرت بارتباك وانزعاج شديد. كنت أعرف بوضوح في قلبي أنّ "الاعتقال والاضطهاد نوع من التجربة والاختبار. وأنّ الله يراقب، والملائكة تراقب، والشيطان يراقب أيضًا. إذا اكتفيت بالإفصاح لهم عن النّزْرِ اليَسيرِ، فَسَيطرَحون بالتأكيد المزيد من أسئلة المتابعة. إذا تصرّفوا بمثل هذه القَسْوة مع فتاة صغيرة السنّ مثلي، من يدري كم سيتصرّفون بوحشيّة مع إخوتي وأخواتي! لا أستطيع أن أخون ضميري وأفكّر في نفسي فقط. لا يُمكنني أن أصبح خادمة الشيطان وأن أخون الله. وبِصرف النّظر عمّا إذا كان الإخوة والأخوات الآخرون خانوني أم لا، يجب عليّ أن أصمُدَ. وحتّى لو كان ذلك يعني الذهاب إلى السّجن والتعرّض للتعذيب، لا يمكنني أن أخون الله".

بعد ذلك، وبصرف النظر عن كيفيّة استجوابي، كنت أقول دائمًا إنني لا أعرف. غَضِبَ أحدُ الضبّاط حتّى أنه ضرب على الطاولة وصاح: "أعتقد أنه يتعيّن علينا القيام بذلك من خلال سلوك الطريق الوَعِر!". بعدئذ قيّد ضابط آخر يديّ بالأصفاد، وأَمْسَك بِخُصلٍ من شعري وشدّها بقوّة إلى الوراء. ثُمَّ تجمّع ثلاثة أو أربعة ضُبّاط آخرين وبدأوا بِلَكمي وركلي. قاموا بِرَكلي في بطّتي قدميّ تحديدًا، ولكموني على رأسي ومعدتي وظهري. لكمني أحد الضباط بشدّة على معدتي حتّى أنني طويت جسمي على شكل كرة في إحدى زوايا الغرفة وبدأت في البكاء. سألني ضابطٌ: "إذًا، هل ستتكلّمين الآن؟". حدّقت فيه، فَصفعني بشدّة على وجهي. أخذ ضابطٌ آخر بِخُناقي ورفعني، ثمّ ضرَبَ رأسي بالحائط وبخزانة معدنيّة وشدّ على عُنُقي ليخنِقني. كان ذلك مؤلمًا جدًّا حتّى أنني بالكاد كنت أستطيع التنفّس. ولم يكن ليتوقّف إلّا عندما أمره الضابط الذي كان في محاذاتي بذلك، بعدما بَدَوْتُ وكأنني على وشك أن أفقد وعيي. سقطتُ على الأرض منهارة، وأنا أحاول التقاط أنفاسي. فكّرت كيف أنّ الشرطة لا تجرؤ على ملاحقة الأشرار في مجتمعنا، لكن فيما يتعلّق بنا نحن المؤمنين، لا يتورّعون عن تعذيبنا وضربنا وحتّى قتلنا بلا مبرّر على الإطلاق. صرختُ في قلبي: "هل هناك أيّ عدلٍ في هذا العالم؟ كيف يُطلقون على أنفسِهم تَسمية "شرطة الشعب"؟". في تلك اللّحظة عينِها، تذكّرت ترنيمة من كلمات الله: "لقد بقيت هذه الأرض أرض الدنس لآلاف الأعوام. إنها قذرة بصورة لا تُحتمل، وزاخرة بالبؤس، وتجري الأشباح هائجة في كل مكان، خادعة ومخادعة ومقدِّمة اتهامات(1) بلا أساس، وهي بلا رحمة وقاسية، تطأ مدينة الأشباح هذه، وتتركها مملوءة بالجثث الميّتة؛ تغطي رائحة العفن الأرض وتنتشر في الهواء، وهي محروسة بشدة(2). مَن يمكنه أن يرى عالم ما وراء السماوات؟ كيف يمكن لأناس في مدينة أشباح كهذه أن يكونوا قد رأوا الله أبدًا؟ هل تمتعوا من قبل بمعزة الله وجماله؟ ما التقدير الذي لديهم لأمور العالم البشري؟ مَن منهم يمكنه أن يفهم مشيئة الله التوَّاقة؟ لماذا تضع مثل هذه العقبة المنيعة أمام عمل الله؟ لماذا تستخدم مختلف الحيل لخداع شعب الله؟ أين هي الحرية الحقيقية والحقوق والمصالح المشروعة؟ أين العدل؟ أين الراحة؟ أين المودّة؟ لماذا تستخدم حيلًا مختلفة لتخدع شعب الله؟ لماذا تستخدم القوّة لتعيق مجيء الله؟ لماذا تطارد الله حتى لا يجد مكانًا يسند فيه رأسه؟ كيف لا يثير هذا الغضب؟" (من "على مَنْ في الظُّلمةِ أنْ ينهضُوا" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). في الماضي، لم يكن لديّ أيّ تمييز لطبيعة الحزب الشيوعيّ الصينيّ. في كتبهم ومراجعهم، يدّعي القيّمون على الحزب الشيوعيّ الصينيّ أنّه يدعم الحرية الدينيّة، ولذا صدّقتهم من دون أن أتقصّى الحقيقة، حتّى أنّني تغنّيت بمآثرهم. ولم أستطع أن أَراهُم على حقيقتهم إلّا بعد تعرّضي للاضطهاد من جانب الحزب الشيوعيّ الصينيّ. يزعم الحزب الشيوعيّ الصينيّ أنه يدعم الحريّة الدينيّة لِيَخدع الناس، لكنّه في الحقيقة يقاوم الله بشدّة ويَضطهد المسيحيّين. لقد جاء الله القدير للتعبير عن الحقّ وتخليص الجنس البشريّ من فساد الشّيطان وعذابه، وأرشدَنا إلى الطّريق الصّحيح في الحياة. إنّه أمرٌ لا يصدّق، ومع ذلك فإنّ الحزب الشيوعيّ الصينيّ يَضْطَهِدُنا ويأمر الضبّاط أن يقوموا تحديدًا باعتقال المؤمنين بالله ومعاملتهم بوحشيّة. إن الحزب الشيوعيّ الصينيّ شريرٌ حقًّا! إنّه شيطانٌ يكرَه الله ويقاوِمه!

قاموا بعدها بتقييد يديّ خلف ظهري لمدة نصف ساعة وجعلوني أقف في وضعيّة القرفصاء أو أجثو على ركبتيّ. وعندما كنت لا أجثو، كان ضابطان يُمسكان بذراعيّ، ويضعُ ضابط ثالث ركبته على الجزء الخلفيّ من رُكبَتِي، ليجبرني على الجُثُوّ. تعرّضت للتّعذيب إلى درجة الإرهاق فَجَثَوْتُ على الأرض في مواجهة الحائط. فكّرت كيف أنّهم لن يَدَعوني أغادِرُ بسهولة إنْ لم يحصلوا منّي على بعض المعلومات عن الكنيسة. لقد تواجدت هناك منذ ساعتين فحسب وتعرّضت بالفعل للتعذيب إلى حدّ التسبّب بالإرهاق والألم في جميع أنحاء جسمي. تساءلت عن مقدار التعذيب الذي لا يزال في انتظاري، وما إذا كنت سأستطيع تحمّله. شعرت وكأنني خروفٌ صغيرٌ واجه صدفةً قطيعًا من الذئاب وقد يجري التهامُه في أيّ وقت. كنت مستاءة وخائفة جدًّا. صلّيت إلى الله بحرارةٍ في قلبي: "عزيزيَ الله، أشعر بأن عزيمتي ضعيفة جدًّا. لا أعرف كم يمكنني أن أتحمّل أكثر من ذلك. يا الله، لا أفهم ما هي مقاصدُك تجاهي في هذه الحال. أرجو أن ترشدَني". في تلك اللحظة عينها، تبادر إلى ذهني سَطْرٌ من كلمات الله: "بمعنى أنَّك لن تتمكن من رؤية الله إلَّا من داخل إيمانك، وسيكمِّلك الله عندما يكون لديك إيمان" (من "أولئك المُزمَع تكميلهم لا بدّ أنْ يخضعوا للتنقية" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أصبح كلّ شيء واضحًا أمامي فجأة. لقد أمِلَ الله في أن أتمكّن من المحافظة على إيماني به بينما كنت أختبر المشقّات. أنْشَدْتُ هذه الترنيمة في داخلي: "أثناء اجتياز التجارب، من الطبيعي أن يكون الناس ضعفاءَ، أو أن تتملَّكهم السلبيَّة في داخلهم، أو أن يفتقروا إلى فهم إرادة الله أو طريقهم للممارسة فهمًا واضحًا. ولكن على أية حال، يجب أن يكون لك إيمان بعمل الله مثل أيوب، وألَّا تنكره. فمع أنَّ أيوب كان ضعيفًا ولعن يوم ولادته، فإنَّه لم يُنكِر أنَّ كل ما في الحياة الإنسانية قد منحه إياه يهوه، وأنَّ يهوه هو أيضًا الوحيد الذي يأخذ كل شيء. وبغضّ النظر عن الكيفية التي امتُحنَ بها، فقد احتفظ بهذا الإيمان. بغض النظر عن نوع التنقية التي تجتازها في اختبارك من خلال كلام الله، فإن ما يطلبه الله من البشر، باختصار، هو أن يؤمنوا به ويحبّوه. ما يكمّلُه بالعمل بهذه الطريقة هو إيمانُ الناس ومحبَّتُهم وتطلُّعاتهم. يقوم الله بعمل منح الكمال للناس وهم لا يمكنهم رؤيته أو الإحساس به، وفي ظل هذه الظروف يكون إيمانك مطلوبًا. إيمان الناس مطلوبٌ عندما لا يمكن رؤية شيء ما بالعين المجرَّدة، وإيمانك مطلوب حينما لا يمكنك التخلِّي عن مفاهيمك الخاصة. عندما لا تفهم عمل الله فهمًا واضحًا، فإن المطلوب هو أن يكون لديك إيمان، وأنْ تتَّخذ موقفًا ثابتًا، وتتمسَّك بالشهادة. حينما وصل أيوب إلى هذه النقطة، ظهر له الله وتكلَّم معه. بمعنى أنَّك لن تتمكن من رؤية الله إلَّا من داخل إيمانك، وسيكمِّلك الله عندما يكون لديك إيمان" (من "تتطلب التجارب إيمانًا" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). بعد إنشاد التّرنيمة، تلألأ وجهي بالدّموع. فكّرت كيف أنّه عندما كابَدَ أيّوب تجربته، وخَسِر أولاده وجميع ممتلكاته، وأصيب بالدمامل التي انتشرت في جميع أنحاء جسده، اختبر معاناة جسدية وعاطفية شديدة. وفي مواجهة هذه التجربة، لم يفهم أيّوب في البداية نوايا الله، وشعر بالكَرَب والانزعاج الشديدين، ولكنّه كان يُجِلُّ الله كثيرًا. لم يَقُم بمطاردة اللّصوص المُفترَضين أو التذمّر. أتى أوَّلاً إلى مَحْضَر الله، وصَلَّى إليه وطلَبَهُ. "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا" (أيوب 1: 21)، فَقَدّم بذلك شهادةً ساطِعَةً. من خلال هذا، أدركت مَقصَدَ الله. إنّ الله يستخدم هذه المواقف لتكميل إيماني. يجب أن أتعلّم من قصّة أيّوب وأؤمن بالله، وأن أُصلّي إلى الله وأتّكل عليه للتمسّك بالشهادة.

بعد جَعْلي أجثو لأكثر من 10 دقائق، أمرتني الشرطة بالوقوف. أمسكني ضابط طويل من شعري وجذب رأسي بعنف نحو الأعلى بحيث أصبحت أطراف أصابع قدميّ وحدها تلامس الأرض. شعرت بألم مبرّح وكأن فَرْوَة رأسي انتُزِعت منه. قام بعدئذ بانتزاع خُصَلٍ من شعري ورميها في سلّة المهملات، ما جعل الدّم ينزف من الجذور. بدأ بعدئذ بسحق أصابع قدمي اليسرى وتهشيمها بحذائه، والوقوف على مِشْطِ قدميّ بكلّ ثقله. آلمني ذلك بشدّة لدرجة أنني ظننت بأنّ عظام قدميّ قد انكسرت، فَدَفَعْته بعيدًا عنّي. رأى كم أنّ ذلك كان يؤلمني، فَوَقف على مِشطَي قَدَميّ مرّة أخرى. بدأت ساقاي ترتجفان وجثمت على الأرض بشكل تلقائيّ، لكنّه رَفَعَني، ووضع يديّ عاليًا في مواجهة الحائط، واستمرّ في الوقوف على قدميّ. أخذ العرق البارد يتصبّب منّي وبدأ جسدي كلّه ينهار، لكنّه أمْسَكَني بإحكام، كي لا يسمح لي بأن أجثُمَ. كانت تلك المرّة الأولى التي أفكّر فيها أنّ الموت أفضل من تحمّل هذا الألم. ولم يتوقّف إلّا عندما أصدرت عظام قدَمي اليسرى صوتَ فرقعةٍ شديدة. ظَنَنْتُ أن قدَمِي قد انكسرت، لكن تبيّن أنّها بخير. عرفت أنّ الله أشفق عليّ من أجل ضعفي، وحماني. شكرت الله من أعماق قلبي. بعدئذ دخل ضابط يبدو أنه يبلغ من العمر حوالي 20 عامًا، وسألني بنبرة مُغرية: "كم عُمْرُكِ؟ هل لديك صديق؟ إذا كنت لا تريدين التكلّم، فلا بأس. لكن كلّما سارعتِ إلى الكلام، كلّما عجّلنا في السماح لك بالمغادرة. وفي الليل سآتي لرؤيتك". بعدئذ اقترب منّي كثيرًا وقال: "ما نوع الأشياء التي تظنّين أنّ الشّاب والفتاة يقومان بها حين يكونان بمفردهما في غرفة خالية؟". قال لي أيضًا الكثير من الأشياء القذرة وغير اللائقة. بعدئذ قَدِمت ضابطة وقالت بابتسامة جليديّة: "إذا كانت ترفض الكلام، قُم بتجريدها من جميع ملابسها فحسب واجعلها تقف عارية عند تقاطُعٍ مُزدَحمٍ وَضَعْ لافتة حول عُنُقها حتّى يتمكّن الجميع من رؤيتها. بعدئذ انشر صورها وَهْي عارية عبر الإنترنت، وَلْنَرَ ما إذا كانت ستجرؤ على الخروج بعد ذلك إلى الأماكن العامة! ستُخزى مدى الحياة!". وبينما هي تَتَحدّث، حلّت أصفاد يديّ وبدأت في خلع معطفي. خِفْتُ كثيرًا. ظننتُ أنّها قد تُظْهِر نوعًا من التعاطف معي لأنّها امرأة، لكن اتّضح أنّ شرّها يماثل شرّ الضابط تمامًا. شرع ضابط آخر في فَرك خصري بيده، وقال: "لديك جسمٌ جميلٌ جدًّا". انفجر جميع الضبّاط الآخرين من الضحك بشكل فاسق. وبدا صوت ضحكاتِهم وكأنه صادرٌ مباشرة من الجحيم. خُفتُ بشدّة لدرجة أنني أوشكت على البكاء، وفكّرت: "لن يتورّع هؤلاء الضبّاط عن القيام بأيّ شيء. إذا جرّدوني حقًّا من جميع ملابسي، كيف سيمكنني العيش بعدئذ في عارٍ كهذا؟ إنّ الموت سيكون أفضل من العيش في مثل هذا الذلّ". رأيت أنه لا يوجد حاجز حماية على النافذة المحاذية للطاولة، وفكّرت في القفز منها إلى الخارج. عندما لاحظوا أنني كنت أفكّر في القفز خارجًا، أغلقوا النافذة جيّدًا، ولذا صَدَمْتُ رأسي بالحائط بأشّد ما أستطيع. ضغط عليّ ضابط في مواجهة الحائط بحيث لا يُمكنني التحرّك، وصاح بغضب: "هل تريدين أن تموتي؟ لا يمكننا تركُك تفعلين بهذه السهولة. سأجعل حياتك جحيمًا مُعاشًا بدلًا من ذلك!". أرَدتُ أن أموتَ، لكنّهم لم يكونوا ليَسمحوا لي بذلك حتّى. كنت في ألمٍ مبرّحٍ. في تلك اللحظة عينها، تبادرت إلى ذهني ترنيمة من كلمات الله: "أثناء هذه الأيام الأخيرة يجب أن تحملوا الشهادة لله. بغض النظر عن مدى حجم معاناتكم، عليكم أن تستمروا حتى النهاية، وحتى مع أنفاسكم الأخيرة، يجب أن تظلوا مخلصين لله، وتحت رحمته. فهذه وحدها هي المحبة الحقيقية لله، وهذه وحدها هي الشهادة القوية والمدوّية" (من "اسعَ أن تحب اللهِ مهما كانت مُعاناتِكَ" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). لقد فهمت مَقْصد الله. أرادني الله أن أعيش لأتمسّك بالشهادة له. إنّ الرّغبة في الموت بعد شيء من المعاناة ليست من سلوكيّات شخص يحبّ الله، بل من سلوكيّات شخص جبان وعديم الفائدة. كان ينبغيّ عليّ الاستمرار في العيش! إذا قاموا فعلًا بِنزع جميع ملابسي وتَدْلِيتي من بوابة مخفر الشرطة، فذلك سيكون دليلًا على اضطهادهم للمسيحيين. إِثْرَ التّفكير في ذلك، ما عُدْتُ أرغب في أن أموت. بعدئذ وجّه ضابط يُدعى اكزايي إليّ نظراتٍ شهوانيّة، وقال: "أنت جذّابة جدًّا. هل تبلغين من العمر 20 عامًا فقط؟ ليس لديك صديقٌ حتى الآن؟ أودّ معرفة ما إذا كنت لا تزالين عذراء". وبينما هو يتكلّم، اقترب منّي والتصق بي، ولمس وجهي وذقني. ارتعبتُ ودفعته بعيدًا عنّي. ترنّح إلى الوراء وأمسك بجانب الطاولة لئلا يسقط، ثمّ ساوره الغضبُ، فاندفع نحوي مثبّتًا يديّ على الحائط. قبّلني في كل أنحاء وجهي وعُنقي. كنت مستاءة جدًّا حتّى أنّني صرخت. عند رؤية كفاحي، استغرق في الضّحك بضعة ضبّاط كانوا ينظرون إلينا. كي أحمي نفسي من خطر الاغتصاب، وجّهت ركلات باتّجاهه كي أمنعه من الاقتراب. استخدَمَ ضابطٌ آخر كاميرَتَه وبدأ في التقاط صورٍ لي. وقال: "كيف تَجْرُئين على ضرب ضابط!". جعلني ساخطة تمامًا. كانوا يتآمرون جميعًا للنيل منّي، ومع ذلك يحاولون اتهامي بضربِهم؟ ألم يكونوا يقلِبون الحقيقة؟ لكنني فكّرت أيضًا: "إذا قاومتُ والتقطوا صورةً لي وأنا أقوم بذلك، سيُمكنهم نشر الصورة عبر الإنترنت واستخدامها لتشويه سمعة الكنيسة والنّيل منها. ألن يُذِلَّ ذلك الله؟". لم أكن أريد أن يكون لهم أيّ مأخذ على الكنيسة، لذلك كان ينبغي عليّ أن أخنق دموعي وأتحمّل عذابهم بصمت. وفي نهاية المطاف، لم يحصلوا على الصّورة التي أرادوها فغادروا.

طلب الضابط اكزايي من ضابط آخر أن يقيّدني ويُثبّت ذراعيّ على الحائط. داس على قدميّ، وفَتَحَ سحّاب معطفي، وبدأ يلامسني في جميع أنحاء ظهري وخصري. كانت يداي وقدماي مقيّدة بإحكام، لذا كان يتعذّر عليّ أن أقاوم. كنت مستاءة للغاية حتّى أنني بدأت أنتحب. ولم يكن الضابط اكزايي ليدعني وشأني إلا عندما جاءت صديقته. بعد فترة وجيزة، عاد الضابط اكزايي وانقضّ عليّ وكأنّ مسًّا أصابه. لم يكن هناك أحدٌ سوانا في الغرفة وقتئذ. قيّد ساقيّ بإحكام ولفّ ذراعيه حولي، وأخذ يلمس جميع أنحاء جسدي. حتًى أنّه نزع سِروالي الداخليّ. خِفتُ بشكل رهيب وأمسكت برباط سروالي على نحوٍ مُحكم. صفعني على وجهي بوحشيّة، فَصرخت. قام بوضع يده على فمي وأنفي. لم يكن في وسعي أن أتنفّس، وكلّما كنت أكافح، كنت أصبح أكثر ضعفًا. كان ذلك يشبه تمامًا المشاهدَ التّلفزيونية التّي كنت أراها عن كيفيّة معاملة المغتصبين لضحاياهم. ارتعَبت بشكل لا يصدق وشعرت باليأس. صاح الضابط اكزايي بغضبٍ وغيظٍ: "اصرخي! اصرخي بأعلى صوتك! ولنَرَ ما إذا كان إلهك سيأتي لينقذك". جعلني فُحْشُه وشرّه غاضبة جدًا، لكنّه ذكّرني أيضًا بأمرٍ ما. لماذا كنت لا أصلّي وأتكّل على الله؟ إنّ الله وحده يستطيع أن ينقذني. صلّيت إلى الله على عجل: "عزيزي الله، لا أريد أن يدوسَني الشيطان. أرجوك أن تنقذني!". وبينما كنت أرفع التماسي الطارئ إلى الله، فكّ الضابط اكزايي قبضته عن أنفي وفمي فَأَخذت نَفَسًا عميقًا. أطلقتُ على الفور صرخةً سَمِعَها عددٌ من الضبّاط في الغرفة المجاورة فَأتوا. عندئذ فقط تركني وشأني. سقطت مُنهارةً على الأرض، وأَخَذْتُ أفكّر في ما حدث للتوّ. لولا حماية الله، لكنت تعرّضت للاغتصاب. شكرت الله في قلبي.

في ظُهر ذلك اليوم، جاء إلى الغرفة سبعة أو ثمانية ضبّاط. عندما لم أتعاون معهم، اقترب منّي رئيسُ المخفر ولوى أذني بينما قَرَص الجزء الخلفيّ من عُنقي. آلمني ذلك بشدة فأخفضْتُ رأسي. ضحك عليّ وقال: "تُخفضين رأسك مثل السلحفاة، صح؟". كذلك انضمّ الآخرون إليه في السخريّة منّي. أحاطوا بي وبدأوا يدفعونني من جهة إلى أخرى مثل الكرة. وانتهز ضابطان منهما الفرصة حتّى لقرصي في صدري وخصري. كانوا حَفْنة من الوحوش! صَرَرت أسناني بغضب وأردت أن أقاوم. لو لم أكن قد اختبرت كل ذلك بنفسي، لما كنت لأتصوّر أن هؤلاء هم أنْفُسُهم "شرطة الشعب" التي تدّعي كتبُنا التعليميّة وبرامجُنا التلفزيونيّة بأنّهم "يخدمون الناس" و "يحاربون من أجل العدالة". لم يكن في وسعي أن أتحمّل أكثر من ذلك، فَصَرخت في وجههم قائلةً: "هل يتنمّر الرّجال الحقيقيّون على فتاة صغيرة السنّ؟". توقّفوا بمجرّد أن قلت ذلك. بعد فترة وجيزة، صوّب ضابط شرطة مسدسًا إلى صُدْغِي وهدّدني بِقوله: "يمكنني إطلاق النار عليكِ الآن! عندما نقبض عليكم أيها المؤمنون، يمكننا قتلكم من دون أن تترتّب على ذلك أيّة عواقب. يمكننا إطلاق النار عليك حالًا. بِمُجَرّد أن تموتي، نُخْرِجك من هنا ونَدْفِنك فحسب. إذا كان لديك أيّة كلمات أخيرة، قوليها الآن!". وبينما هو يتحدّث، حشا البندقية برصاصة. عندما رأيت أنّه لم يكن يمزح، شعرت بالخوف الشديد حتّى أنّ ساقاي أصابهما الوَهن. قلت في نفسي: "هل حقًّا ستنتهي حياتي في مثل هذه السنّ المبكّرة؟ لقد كنت محظوظة جدًّا لمُعاصرَتي تجسّد الله وخلاص الجنس البشريّ في الأيّام الأخيرة، لكن الآن سأموت قبل مُعاينة مَشْهَدَ إنجيل الملكوت وَهْوَ ينتشر في جميع أنحاء الكون وتحقيق تغيير في الشخصيّة؟ يصعب قبول ذلك". في تلك اللحظة عينها، فكّرت كيف أنّ الرب يسوع قال: "وَلَا تَخَافُوا مِنَ ٱلَّذِينَ يَقْتُلُونَ ٱلْجَسَدَ وَلَكِنَّ ٱلنَّفْسَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِٱلْحَرِيِّ مِنَ ٱلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ ٱلنَّفْسَ وَٱلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ" (متى 10: 28). هذا صحيح، يمكن للتنّين العظيم الأحمر تدمير جسدي وتعذيبه، لكنّه لا يستطيع تدمير روحي. إنّه نِمرٌ من ورقٍ فحسب. في الظاهر، يبدو مخيفًا، لكن مهما أصبح مسعورًا، فَهو دائمًا بين يديّ الله. لن يجرؤ على فعل أيّ شيء لي من دون إذن الله. فكّرت كيف أنّ بطرس صُلِب رأسًا على عقب من أجل الله في سعيه إلى محبّة الله. وعندما صُلِب، صلّى إلى الله قائلًا: "إلهي! لقد حان وقتك الآن، حان الوقت الذي أعددته لي. يجب أن أُصلب من أجلك، ولا بُدّ أن أقدّم هذه الشهادة عنك، وآمل أن يفي حبي لك بمتطلباتك، وأن يصير أكثر نقاءً. واليوم، إنه لأمر مطمئن ومعزٍ أن أكون قادرًا على الموت من أجلك، وأن أُسمّرَ على الصليب من أجلك، لأنه لا يوجد ما يرضيني أكثر من أن أتمكن من أن أُصلب من أجلك وأُرضي رغباتك، وأن أكون قادرًا على أن أعطي لك نفسي، وأن أقدم لك حياتي" (من "اختبارات بطرس: معرفته بالتوبيخ والدينونة" في "الكلمة يظهر في الجسد"). كانت صلاةُ بطرس منيرةً جدًّا بالنّسبة لي. شعرتُ بأنّني صِرْتُ أكثر قربًا من الله وبأنّني لم أَعُدْ أخاف الموت. فكّرت كيف أنّ الله كان يحميني منذ أن جرى اعتقالي وكيف أنّه عندما كان الشيطان يُغْويني، فإنّ كلمات الله هي التي أرشدتني إلى إدراك حقيقة مؤامراته. عندما كنت ضعيفة، مَنَحني الله الإيمان والقوّة، وعندما كنت في خطرٍ، رتّب الله الأمور لكي لا يَدوسَني الشيطان. إنّ محبّة الله لي عميقةٌ جدًّا! سعيًا منه إلى ردّ الجميل لمحبّة الله، صُلِب بطرس رأسًا على عقب. لقد استَمْتَعت كثيرًا بمحبّة الله، لكنّني لم أردّ الجميل له أبدًا. قد لا أتمتّع بالقامة التي كانت لبطرس، لكنّني كنت مستعدّة لأن أتّخذه كَقُدوة. سيشرّفني أن أموت في سبيل الله اليوم. لقد تأثّرت كثيرًا بمحبّة الله، وصلّيت إلى الله بصمت: "يا الله، أنا مدينةٌ لك بالكثير. في حياتي، لم أسعَ إطلاقًا وراء الحقّ بِجِدٍّ، ولا سَعَيت إلى أنْ أحبّك. إذا قُيِّضَ لي أن أعود إلى هذا العالم، فسأظلّ أؤمنُ بك، وأتْبعُك، وأسعى إلى ردّ جميل محبّتك!". رأى بعض الضُبّاط أنّني كنت أبكي، وظنًّا منهم بأنني كنت مُرتعبة، قالوا: "إنّ هذه فرصتك الأخيرة. هل لديك أيّة كلمات وداع تودّين قولها؟ تكلّمي الآن!". قُلتُ: "إن الجميع سيموتون في النهاية. أنا أموت لأنّني أُضطهَدُ من أجل الحقّ، ولذا لا أشعر بأيّ ندم". بعد أن قلت ذلك، أغمضت عينيّ وانتظرت انطلاق الرصاصة من المسدس. استشاط الضابط غضبًا لدرجة أن يده بدأت ترتجف، وقال: "إنّ أمنيتَك أمرٌ بالنسبة لي!". أبلغني بأن أُدير رأسي إلى الجانب الآخر، ثم صوّب المسدّس نحو صُدْغي، وأطلق بضع طلقات، لكنّني، وبطريقة ما، لم أَمُت. أدركت بعدئذ أنّه قام بانتزاع الرّصاصة قبل ذلك. ضرب ضابط آخر على الطاولة بيديه، وقال: "هل تعتقدين أنّك ليو هولان أو ما شابه؟ بصرف النظر عمّا نفعله لك، يبدو أن جميع الوسائل غير ناجعة!". نَخَزوني على صُدغي وضربوني على رأسي بالمسدّس، قائلين: "هيّا، ابكي. لماذا لا تبكين؟". تذكّرت ترنيمة اختبار الحياة التي تقول: "قد ينكسر رأسي ويسيل الدم مني، ولا يفقد شعب الله حماسته" (من "أتمنى أن أرى يوم مجد الله" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). في السابق، عند التعرّض لتعذيبهم وتهديدهم، كنت أبكي وأبكي فحسب في محاولة لكسب تعاطفهم. أدركتُ أنّني لم يكن لديّ إيمان بالله. كنت أتذلّل أمام الشيطان وأَفتقرُ إلى العزيمة. لم يكن ينبغي عليّ إذلال الله بعد ذلك من خلال تذلّلي. لذلك جفّفت دموعي، وشَدَدت قبضتَي يديّ، وعزمت على قتال الشيطان حتّى آخرِ نقطةِ دمٍ! "أتمنى أن أرى يوم مجد الله" "سأقدِّم محبتي وإخلاصي لله، وأُتمِّم واجبي لتمجيد الله. أنا عازم على الصمود في الشهادة لله، ولا أستسلم أبدًا للشيطان. قد ينكسر رأسي ويسيل الدم مني، ولا يفقد شعب الله حماسته. نصائح الله تستهدف القلب، وأنا عازم على إذلال إبليس الشيطان. الألم والمصاعب قد سبق وعيَّنها الله، وسأكون أمينًا ومطيعًا له حتى الموت. لن أكون سببًا في بكاء الله أو قلقه مرة أخرى..." (من "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة").

رآني بعض الضّباط أشدّ قبضتَي يديّ بإحكام وأستشيط غضبًا، فقالوا: "إنها نسخة طبق الأصل عن ليو هولان، لا بل أشدّ عزيمة منها!". عندما رأيت الشيطان محبطًا، وأنّ الخيارات مُنعدِمة أمامه، علمت أنّه قد تعرّض للإذلال. فهمت حقًا ما قصده الله حين قال: "عندما يكون الناسُ مُستعدين لأن يضحّوا بحياتهم يصبح كلُّ شيء تافهاً، ولا يمكن لأيٍّ كان أن ينتصر عليهم. ما الذي يُمكِنُ أن يكون أكثر أهمية من الحياة؟ وبذلك يصبح الشيطان عاجزاً عن إحداث مزيد من التأثير في الناس؛ إذ لن يكون هناك ما يمكنه فعله مع الإنسان" (من "الفصل السادس والثلاثون" في "تفسيرات أسرار كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). تتمثّل نقطة ضعف الإنسان في خوفه من الموت. عرف الشيطان نقطة ضعفي فاستخدمها لتهديدي ومنعي من الإيمان بالله واتباعه. لكنّ حكمةَ الله تُمارَس استنادًا إلى مؤامرات الشيطان. عندما سلّمت حياتي إلى الله، أصبح الشيطان ضعيفًا، وفَشِل، وأُذِلَّ. عند الظّهيرة، ذَهَبَ بعض الضبّاط لتناول الطعام، بينما بقِيَ ثلاثة منهم يراقبونني. اقترب منّي أحد الضُبّاط وسألني، وهُو يتصنّع ابتسامة متكلّفة: "لماذا لا تبكين؟". قلت: "ليس لديّ ما أبكي عليه". قال: "إذا كنت لا تبكين، سنقدّم لك شيئًا لتبكي عليه". وبينما هو يتكلّم، التقطَ زجاجةً سوداءَ الّلون. فتحَ عينيّ عُنوةً ورشَّ مادّة كيميائيّة في فمي وعينيّ، بينما أمسكني ضابطٌ آخر مُثبِّتًا ذراعيّ ورأسي. على الفور بدأت عيناي تُحرِقانني وتَدمعان، وعَجِزت عن إبقائهما مفتوحتين. كانت الدموعُ تلسَعُ خديّ بشكلٍ مؤلِم وكان حَلْقي أيضًا يحرقني من المادة الكيميائية التي ابتلعتها. شَعَرْتُ بالألم لِدَرجة أنّني كنت أعجزُ عن الكلام، وظللت في حاجةٍ إلى أن أبصُق. هدّدني أيضًا بالقول إن ذلك كان نوعًا من السّمِّ وأنّه سيودي بحياتي في غضون نصف ساعة. أمسك الضابط الثالث بأصفاد يديّ واقتادني إلى حجرة أخرى. وقتئذ، تمكّنت من فتح عينيّ بعض الشيء، ولذا قاموا برشّ المزيد من المادّة الكيميائية عليّ. ثمّ قيّدوا يديّ بالأصفاد جنبًا إلى جنب مع الإخوة والأخوات الآخرين الذين تمّ القبض عليهم معي، وشغّلوا مِروحةً بأقصى قدرتها، وفَتَحوا جميع النوافذ. كان الضابط المذكور يرتدي سترة ضخمة من الفَرْوِ ويدفئ قدميه بِمِدفأة. استغرق في الضحك، وقال: "الجوّ لطيفٌ ودافئ، أليس كذلك؟". كان الشتاء في أَوْجِه وسرعان ما أصابني البَرْدُ في يديّ وقدميّ. في تلك اللحظة عينها، سَمِعْتُ إحدى الأخوات تبدأ في النقر بقدميها وتُنشِد أغنية بهدوء. استَمَعت باهتمام وأدركت أنها تُنشِدُ ترنيمة اختبار تسبيحًا لله. بدأت أيضًا في النّقر بقدميّ على الإيقاع. بينما كنت أُنشِد، شعرت بأنّ قوّتي عادت إليّ، وفكّرت: "بصرف النظر عن كيفيّة تعذيبهم لي، سأستمرّ مع ذلك في المضيّ قُدُمًا. وحتّى إن عنى ذلك تعرّضي للموت، سأتمسّك بالشهادة لإرضاء الله!". كَمْ دُهِشتُ عندما تركونا نغادر عند حوالي السّاعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم. تبيّن أنّهم خلال تلك الفترة قاموا باعتقال الكثير من الإخوة والأخوات وأنّه لم يعُد هناك مكانٌ في مركز الاعتقال ولا في السجن. وعندما وجدوا أنّهم لم يحصلوا منّا على أيّة معلوماتٍ ذاتِ صلةٍ ولم يكونوا يعرفون أيًّا من عناوين سَكَننا، تركونا نغادر فحسب. مع هذا، علمتُ أن ذلك حدث بفضل رحمة الله. لقد قدّم لنا منفذًا. شكرتُ الله في قلبي.

أثناء اعتقالي واضطهادي من جانب الحزب الشيوعيّ الصينيّ، عانى جسدي قليلًا، وتعرّضت للإذلال، لكنّني اكتسبت إدراكًا حقيقيًّا للجوهر الشرير للحزب الشيوعيّ الصينيّ. لقد رأيت بوضوح أن الحزب الشيوعيّ الصينيّ هو مجرّد شيطان يكره الله ويقاومه. طالما أن التنين العظيم الأحمر يتولّى الحكم، فذلك يعني أنّ الشيطان هو من يتولّى الحكم، ويُعامل جميع النّاس بوحشيّة ويُفسِدُهم. نَبَذْتُ التنّين العَظيم الأحمر وابتعدت عنه في قلبي وتطلّعتُ إلى اليوم الذي سيتولّى فيه المسيح والعدالة الحُكم. لقد أمِلت في أن يتحقّق ملكوت المسيح قريبًا وأصبح لديّ المزيد من الإيمان لاتّباع الله حتى النّهاية.

الحواشي:

(1) "مقدمة اتهامات بلا أساس" تشير إلى الطرق التي يؤذي بها الشيطان الناس.

(2) "محروسة بشدة" تشير إلى أن الطرق التي يبلي بها الشيطان الناس لئيمة، وأنه يسيطر على الناس بشدة لدرجة أنه لا يترك لهم مساحة للتحرُّك.

كيف يمكن لنا نحن المسيحيون أن نتحرَّر من رباطات الخطية ونتطهَّر؟ لا تتردد في الاتصال بنا لتجد الطريق.

محتوى ذو صلة

يجب أن تكون الشركة منفتحة

في بداية عام 2021، قبلت عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. كنت أحضر الاجتماعات بنشاط وأقرأ كلام الله، وبعد أكثر من شهرين بدأت واجبي كشماسة...

تحوُّل ممثلة

يقول الله القدير، "يتعيّن على الإنسان بصفته أحد عناصر المخلوقات أن يحتفظ بمركزه وأن يتصرّف بضميرٍ حيّ وأن يحرس بإخلاصٍ ما عهده الخالق إليه....

عمل الله حكيم جدًا

عادةً ما كان قائدي يعظ عند حضور اجتماعات زملاء العمل حول تجارب الناس الذين فشلوا في خدمتهم لله، ويطلب منا أن نتعلم الدروس من تجاربهم، وأن نتخذ منها العبرة والعظة، فعلى سبيل المثال، كان بعض القادة يتناولون في عظاتهم أو شركتهم دائمًا الحروف والتعاليم، لكنهم يعجزون عن الحديث عن معرفة حقيقية بالحق، ويعجزون عن القيام بعملٍ يمت للممارسة بصلة، فكانت النتيجة أنهم ظلوا لسنواتٍ طويلة يقومون بدور القادة دونما إحراز أي تقدم في عمل الكنيسة، حتى وصل عمل الكنيسة إلى شبه توقف تام، وأصبحوا قادة زائفين وقد غربلهم الله.