(ح) حول كيفيَّة تحقيق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ
415. يجب أن يعرف المخلوق الأصيل مَنْ هو الخالق، والهدف من خلق الإنسان، وكيفية تنفيذ مسؤوليات المخلوق، وكيفية عبادة رب الخليقة كلها، ويجب أن يفهم مقاصد الخالق وآماله ومطالبه ويستوعبها ويعرفها ويهتم بها، ويجب أن يتبع طريقة الخالق – أي أن يتقي الله ويحيد عن الشر.
ما هو اتقاء الله؟ وكيف يحيد المرء عن الشر؟
"تقوى الله" لا تعني الخوف والرعب اللذين لا يمكن تفسيرهما، ولا التهرّب، ولا الابتعاد، ولا التأليه، ولا الخرافة. إنما هي تعني الإعجاب، والتوقير، والثقة، والاستيعاب، والمراعاة، والخضوع، والتفاني، والمحبة، وكذلك العبادة ورد الجميل والتسليم بلا شرط أو شكوى. من دون معرفة حقيقية بالله، لن يكون لدى الناس إعجاب حقيقي، أو ثقة حقيقية، أو استيعاب حقيقي، أو مراعاة حقيقية، أو خضوع حقيقي؛ وإنما فقط رعب وقلق، فقط شك، وسوء فهم، وتهرّب، وابتعاد؛ ومن دون معرفة حقيقية بالله، لن يكون لدى الناس تفانٍ حقيقيٌ وردٌ حقيقيٌ للجميل؛ ومن دون معرفة حقيقية بالله، لن يكون لدى الناس عبادة حقيقية وتسليم حقيقي، بل فقط تأليه أعمى وخرافة؛ ومن دون معرفة حقيقية بالله، لا يمكن للناس أن يتبعوا طريق الله، أو أن يتقوا الله، أو أن يحيدوا عن الشر. وعلى العكس من ذلك، فإن كل نشاط وسلوك ينخرط فيه الناس سيكون مليئًا بالتمرد على الله والمقاومة لله، وبالافتراءات وإطلاق الأحكام عليه، وبالأعمال الشريرة التي تتعارض مع الحق ومع المعنى الحقيقي لكلمات الله.
حالما تكون لدى الناس ثقة حقيقية بالله، فسوف يتبعونه حقًا ويعتمدون عليه؛ وفقط بالاعتماد الحقيقي على الله يمكن للناس أن يفهموه ويستوعبوه حقًا؛ ومع الاستيعاب الحقيقي لله تأتي المراعاة الحقيقية له؛ وفقط بالمراعاة الحقيقية لله يمكن أن يكون لدى الناس خضوع حقيقي؛ وفقط بالخضوع الحقيقي لله يمكن أن يكون لدى الناس تفانٍ حقيقي؛ وفقط بالتفاني الحقيقي لله يمكن أن يكون لدى الناس رد للجميل بلا شرط أو شكوى؛ وفقط بالاعتماد الحقيقي، والاستيعاب والمراعاة الحقيقيين، والخضوع الحقيقي، والتفاني ورد الجميل الحقيقيين، يمكن للناس أن يعرفوا حقًا شخصية الله وجوهره، وهوية الخالق؛ وفقط عندما يكونون قد عرفوا الخالق حقًا، يمكن أن تنشأ بداخلهم عبادة حقيقية وتسليم حقيقي؛ وفقط عندما تكون لديهم عبادة حقيقية وتسليم حقيقي للخالق، سيكونون قادرين حقًا على التحرر من الأعمال الشريرة؛ أي أن يحيدوا عن الشر.
يشكل هذا العملية الكلية "لاتقاء الله والحيدان عن الشر"، وهو أيضًا المضمون الكلي لاتقاء الله والحيدان عن الشر، وكذلك الطريق الذي يجب اجتيازه للوصول إلى اتقاء الله والحيدان عن الشر.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. تمهيد
416. أولًا وقبل كل شيء، نحن نعلم أن شخصية الله هي الجلالة والغضب؛ إنه ليس حملًا يُترك ليذبحه أي شخص، فضلًا عن أن يكون دمية تُترك للناس ليتلاعبوا بها كما يشاؤون. إنه أيضًا ليس مجرد هواء يُستدعى ويُصرف حسب الرغبة. إذا كنت تؤمن حقًا بوجود الله، فينبغي أن يكون لديك قلب يتقي الله، وينبغي أن تعلم أن جوهره ليس جوهرًا يمكن إغضابه. قد يُستثار غضبه بسبب كلمة، أو ربما فكرة، أو ربما نوع من السلوك الدنيء، أو ربما شكل من أشكال السلوك المعتدل، سلوك مقبول في أعين البشر وأخلاقهم، أو بسبب تعليم أو نظرية. لكن بمجرد أن تُغضب الله، تضيع فرصتك، وتكون أيامك الأخيرة قد حلت. هذا أمر فظيع! إذا كنت لا تفهم أنه لا يتسامح مع أي إساءة، فربما لا تخاف الله، وربما كنت ترتكب الإساءات إليه كثيرًا. وإذا كنت لا تعرف كيف تتقي الله، فمن غير الممكن أن تتقي الله، ولن تعرف كيف تشرع في مسار اتباع طريق الله؛ تتقي الله وتحيد عن الشر. بمجرد أن تُدرك وتعي أن الله لا يتسامح مع أي إساءة، ستعرف ما يجب فعله لتتقي الله وتحيد عن الشر.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. كيفية معرفة شخصيّة الله والنتائج التي يحققها عمله
417. مع أن جوهر الله يتضمن عنصرًا من المحبة، وهو رحيم تجاه كل شخص، فإن الإنسان قد غفل ونسي حقيقة أن جوهره يمتلك الكرامة. كونه يمتلك المحبة لا يعني أنه يمكن للإنسان أن يرتكب إساءة تجاهه كيفما شاء، دون أن يشعر بأي شيء أو يقوم بأي رد فعل؛ وكونه يمتلك الرحمة لا يعني أنه ليس لديه مبادئ في كيفية معاملته للإنسان. الله إله حي؛ وجوده حقيقي للغاية. إنه ليس دمية متخيلة ولا أي شيء آخر. وبما أنه موجود حقًا، ينبغي لنا في جميع الأوقات أن نكون منتبهين لصوت قلبه، وأن نولي اهتمامًا وثيقًا لـموقفه، ونحاول فهم مشاعره. لا تستخدموا التصورات البشرية لـتحديد الله، ولا تفرضوا عليه أفكار العقل البشري أو رغبات الإرادة البشرية، طالبين من الله أن يعامل الإنسان باستخدام أساليب بشرية وبناءً على تصورات بشرية. إذا فعلت هذا، فأنت تُغضب الله، وتمتحن غضبه، وتتحدى كرامته! وهكذا، فور أن تفهموا خطورة هذا الأمر، إنني أحث كل واحد منكم على أن تكونوا حذرين ومتروين في أفعالكم وأقوالكم، وأن تتوخوا أقصى درجات الحذر والتروي في كيفية تعاملكم مع الأمور المتعلقة بالله! عندما لا تفهم ما هو موقف الله، لا تتحدث بتهور، أو تتصرف بتهور، أو تطلق النعوت بتهور؛ والأهم من ذلك، لا تستخلص الاستنتاجات تعسفيًا. بدلًا من ذلك، ينبغي أن تنتظر وتطلب. هذه مظاهر لاتقاء الله والحيد عن الشر. إذا استطعتَ تحقيق ذلك وامتلاك هذا الموقف قبل كل شيء، فلن يلومكَ الله على حماقتك، وجهلك، وافتقارك إلى فهم الأمور؛ بل إنه بسبب موقفكَ – خوفك من الإساءة إلى الله، واحترامك لـمقاصده، واستعدادك للخضوع له – سوف يتذكرك الله، ويرشدك وينيرك، أو يتسامح مع عدم نضجك وجهلك. وبخلاف ذلك، فنتيجةً للموقف غير الموقر الذي تتخذه تجاه الله – الحكم عليه كما يحلو لك، أو التكهن برغباته وتحديدها تعسفيًا – سوف يدينك الله، ويؤدبك، بل ويعاقبك؛ أو سيكون لديه ما يقوله عنك، وربما سيتعلق ما يقوله بـعاقبتك. لذلك، سأؤكد مرة أخرى: يجب أن يكون كل واحد منكم حذرًا ومترويًا بشأن كل ما يأتي من الله. ومهما يكن الموقف الذي تواجهه، لا تتحدث بتهور ولا تتصرف بتهور. أولًا، يجب أن تفكر في قلبك: "كيف يمكنني أن أتحدث وأتصرف كشخص لديه قلب يتقي الله؟ ما هي طريقة التحدث والتصرف التي لا تسيء إلى شخصية الله؟" حتى في الأمور البسيطة، ينبغي لك أن تتأمل في هذه الأسئلة أكثر، وتفكر فيها أكثر. إذا تمكنتَ حقًا من الممارسة وفقًا لهذه المبادئ في جميع الجوانب، وفي جميع الأمور، وفي جميع الأوقات، وتبني مثل هذا الموقف ولا سيما حين لا تفهم شيئًا ما، فإن الله سيرشدك دائمًا ويوفر لك طريقًا تتبعه.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. كيفية معرفة شخصيّة الله والنتائج التي يحققها عمله
418. أنا أعظكم أن تبذلوا مجهودًا حقيقيًا لفهم محتوى المراسيم الإدارية، وأن تسعوا جاهدين لمعرفة شخصية الله. وإلا، فستجدون صعوبة في إبقاء شفاهكم مختومة، وستتحرك ألسنتكم بحرية زائدة، وسوف تتفوهون بكلام رنان، مسيئين من غير قصد إلى شخصية الله وساقطين في الظلمة، فاقدين حضور الروح القدس والنور. نظرًا لأنكم مجرَّدون من المبادئ في أفعالكم، فاعلين وقائلين ما لا ينبغي، فستنال الجزاء الذي تستحقه. ينبغي أن تعرف أنه مع أنك مجرَّد من المبادئ في القول والفعل، فإن الله شديد التمسك بالمبادئ في كليهما. السبب في أنك تتلقى الجزاء هو أنك أسأت إلى الله لا إلى شخص. إذا ارتكبت في حياتك العديد من الإساءات ضد شخصية الله، فستصبح ابنًا للجحيم لا محالة. قد يبدو للإنسان أنك ارتكبت القليل من الأفعال التي لا تتوافق والحق، ولا شيء أكثر. ومع ذلك، هل أنت مدرك أنك في نظر الله شخص لم تَعُد تبقَى من أجله ذبيحة خطيَّة؟ لأنك قد انتهكت مراسيم الله الإدارية أكثر من مرة، وإضافة إلى ذلك، لم تُظهر أي علامة من علامات التوبة، فلم يَعُد أمامك من خيارٍ سوى السقوط إلى الجحيم حيث يُعاقب اللهُ الإنسان. ارتكبت قلة من الناس، بينما يتبعون الله، بعض الأعمال التي تنتهك المبادئ، ولكن، بعد تهذيبهم وإرشادهم، اكتشفوا تدريجيًا فسادهم، ومن ثم دخلوا في المسار الصحيح للحقيقة ولا يزالون راسخين اليوم. هؤلاء الناس هم الذين سيبقون في النهاية. ومع ذلك، فالصادق هو ما أريد؛ إذا كنت شخصًا صادقًا وشخصًا يتصرف وفقًا للمبادئ، فيمكنك أن تكون من المقربين من الله. إذا لم تسئ إلى شخصية الله في أفعالك وتطلب رغبات الله وتمتلك قلبًا يتقي الله، فإن إيمانك يفي بالمعايير. مَنْ لا يتّقي الله ولا يمتلك قلبًا يرتعد من الرعب سينتهك على الأرجح مراسيم الله الإدارية. كثيرون يخدمون الله بقوة شغفهم، ولكنهم ليس لديهم فهم لمراسيم الله الإدارية، ولا حتى أي فكرة عن مقتضيات كلامه. وهكذا، غالبًا ما ينتهي بهم المطاف، مع نواياهم الحسنة، إلى القيام بما يوقع الاضطراب في تدبير الله. في الحالات الخطيرة، يُطرَحون خارجًا ويُحرمون من أي فرصة أخرى لاتباعه، ويُلقى بهم في الجحيم، وينتهي كل ما يربطهم ببيت الله. يعمل هؤلاء الناس في بيت الله بقوة نواياهم الحسنة التي يشوبها الجهل وينتهي بهم الأمر الى إغضاب شخصية الله. يجلب الناس معهم طرقهم في خدمة المسؤولين والأرباب إلى بيت الله ويحاولون اعتمادها، ويظنون عبثًا أنه بإمكانهم تطبيقها هنا بسهولة بدون بذل مجهود. لم يتخيلوا قط أن الله ليس لديه شخصية حَمَل بل شخصية أسد. لذلك، فإن أولئك الذين يتقرّبون من الله للمرة الأولى غير قادرين على التواصل معه، لأن قلب الله لا يشبه قلب الإنسان. لا يمكنك التعرف على الله باستمرار إلا بعد أن تفهم العديد من الحقائق. لا تتكون هذه المعرفة من عبارات أو تعاليم، وإنما يمكن استخدامها باعتبارها كنزًا يمكنك عن طريقه الدخول في علاقة وثيقة مع الله، وباعتبارها دليلاً على أن الله يبتهج بك. إذا كنت تفتقر إلى حقيقة المعرفة وغير مزود بالحق، فعندئذٍ لا يمكن لخدمتك الحماسية أن تجلب لك سوى بُغض الله ومقته.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. الإنذارات الثلاثة
419. إن كنتَ لا تفهم شخصية الله، فسيكون من المستحيل عليك القيام بالعمل الذي يجب عليك القيام به لأجله. وإن كنتَ لا تعرف جوهر الله، فسيكون من المستحيل عليك أن تُكنّ له التقوى والمهابة، وبدلاً من ذلك لن تُبدي سوى لامبالاةً ومراوغةً، بل وتجديفًا عنيدًا. ومع أن فهم شخصية الله أمر مهم بالفعل، ولا يمكن إغفال شأن معرفة جوهر الله، فإنه لم يسبق لأحد أبدًا أن درس هذه القضايا دراسةً وافية أو تعمّق فيها. من الواضح ملاحظة أنكم جميعًا قد رفضتم جميع المراسيم الإدارية التي أصدرتها. إذا كنتم لا تفهمون شخصية الله، فسوف على الأرجح تسيئون إلى شخصيته. إن الإساءة إلى شخصيته يعادل إغضاب الله نفسه، وفي هذه الحالة ستكون النتيجة النهائية لتصرفك هي مخالفة المراسيم الإدارية. يجب عليك أن تدرك الآن أنك عندما تعرف جوهر الله يمكنك أيضًا فهم شخصيته، وعندما تفهم شخصيته ستكون أيضًا قد فهمت المراسيم الإدارية. وغني عن القول أن كثيرًا مما تحويه المراسيم الإدارية يتطرق إلى شخصية الله، ولكن لم يُعبر عن شخصيته بكاملها في طيات هذه المراسيم. ومن ثمَّ، عليكم أن تخطوا خطوة أخرى في تطوير فهمكم لشخصية الله.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. من المهم جدًا فهم شخصية الله
420. الله هو إله حي، وكما يتصرف الناس تصرفات مختلفة في مواقف مختلفة، كذلك يختلف موقف الله تجاه هذه التصرفات لأنه ليس دمية ولا حزمة من هواء فارغ. معرفة موقف الله أمر يجدر بالبشرية أن تسعى وراءه. ينبغي للناس أن يتعلموا كيف يمكنهم – من خلال معرفة موقف الله – أن يعرفوا شخصية الله ويفهموا قلبه شيئًا فشيئًا. عندما تفهم قلب الله شيئًا فشيئًا، لن تشعر بأن اتقاء الله والحيدان عن الشر أمر يصعب تحقيقه، فضلاً عن أنك حين تفهم الله، سيكون من الصعب عليك استخلاص استنتاجات عنه. عندما تتوقف عن استخلاص استنتاجات عن الله، فعلى الأرجح أنك لن تسيء إليه، وسيقودك الله دون أن تدري لتحصل على معرفة به، ومن ثمَّ سيملأ ذلك قلبك بتقواه. ستتوقف عن وضع تعريفات لله مستخدمًا التعاليم والكلمات والنظريات التي أتقنتها. بل بالأحرى، من خلال سعيك الدائم وراء مقاصد الله في جميع الأمور، ستصير لا شعوريًا شخصًا يتوافق مع مشيئة الله.
عمل الله غير مرئي وغير ملموس للجنس البشري، ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بالله، فإن أفعال كل شخص، مع موقفه تجاه الله، لا يدركها الله فحسب، بل يراها أيضًا. هذا شيء ينبغي لكل شخص إدراكه ومعرفته. قد تسأل نفسك دائمًا: "هل يعرف الله ما أفعله هنا؟ هل يعرف الله ما أفكر فيه الآن؟ ربما يعرف وربما لا". إن كنت تتبنى وجهة النظر هذه، وتتبع الله وتؤمن به ومع ذلك تشك في عمله ووجوده، فعاجلاً أم آجلاً سيأتي اليوم الذي تغضبه فيه، لأنك تترنح بالفعل على حافة جرف خطر. لقد رأيت أناسًا قد آمنوا بالله لسنوات عديدة، ولكنهم ما زالوا لم يحصلوا على واقع الحق، ولا يفهمون حتى مشيئة الله. فهم لا يحققون أي تقدم في قامتهم الحياتية، ويلتزمون فقط بأكثر التعاليم ضحالةً؛ هذا لأن هؤلاء الناس لم يتخذوا قط كلمة الله حياةً شخصيةً لهم، ولم يقبلوا وجوده ولم يتعاملوا معه قط. هل تعتقد أن الله يرى هؤلاء الناس ويكون مسرورًا؟ هل يريحونه؟ في تلك الحالة، فإن طريقة إيمان الناس بالله هي التي تحدد مصيرهم. وتعتبر مواقف الناس في غاية الأهمية سواء فيما يتعلق بسعيهم أو بتعاملهم مع الله. لا تهمل الله كما لو كان هواءً فارغًا لا تهتم بشأنه كثيرًا. فكر دائمًا في إله معتقدك كإله حي، وحقيقي. هو ليس عاليًا هناك في السماء الثالثة ولا يحرك ساكنًا. بل هو دائمًا ينظر إلى قلوب كل شخص وينظر إلى ما ستفعله، ينظر إلى كل كلمة وكل فعل، وينظر إلى كيفية تصرفك وما هو موقفك نحوه. سواء كنت راغبًا في تقديم نفسك لله أم لا، فإن كل سلوكك وأفكارك ومعتقداتك الداخلية هي أمامه وهو ينظر إليها. بحسب سلوكك وأفعالك وموقفك تجاه الله، يتغير رأيه وموقفه منك دائمًا. أود أن أقدم بعض النصائح لبعض الناس: لا تضعوا أنفسكم بين يدي الله مثل أطفال صغار، كما لو أن عليه أن يشغف بكم، وكما لو أنه لا يستطيع أن يترككم أبدًا، وكما لو أن موقفه تجاهكم ثابت ولا يمكن أن يتغير أبدًا، وأنصحكم أن تتوقفوا عن الأحلام! الله بار في تعامله مع كل شخص. إنه ينتهج عمل إخضاع البشرية وخلاصها بجدية. هذا هو تدبيره. إنه يعامل كل شخص بجدية، وليس مثل حيوان أليف يلعب معه. محبة الله للإنسان ليست شكلاً من أشكال التدليل وإشباع الرغبات. رحمته وتسامحه تجاه البشرية ليسا تساهلاً أو تغافلاً. على النقيض، محبة الله للبشرية هي للاعتزاز بالحياة والعطف عليها واحترامها. كما أن رحمته وتسامحه يحملان بداخلهما توقعاته من الإنسان، وهما الأساس الضروري لبقاء البشرية. الله حي، وهو موجود حقًا؛ وموقفه تجاه البشرية مبني على مبادئ، وليس قاعدة عقائدية على الإطلاق، ومن الممكن أن يتغير. مشيئته للبشرية تتغير وتتحول بالتدريج مع الوقت والظروف وموقف كل شخص. لذلك ينبغي لك أن تعلم بقلبك بمنتهى الوضوح، وتفهم أن جوهر الله ثابت لا يتغير، وشخصيته ستظهر في أوقات مختلفة وسياقات مختلفة. قد لا تظن أن هذا أمر خطير، وتستخدم تصوراتك الشخصية لتتخيّل كيف ينبغي لله أن يقوم بالأمور. ولكن هناك أوقات يكون فيها ما هو عكس وجهة نظرك تمامًا صحيحًا، وباستخدام تصوراتك الشخصية لتختبر الله وتقيسه، تكون قد أغضبته بالفعل؛ هذا لأن الله لا يعمل بالطريقة التي تظنه يعمل بها، و لا يتعامل الله مع هذا الأمر كيفما تقول إنه سيفعل. لذلك أذكّرك أن تكون حذرًا وحكيمًا في طريقة تعاملك مع كل شيء حولك، وتتعلم كيف تمارس بحسب مبدأ "اتّباع طريق الله – تتقي الله وتحيد عن الشر" في جميع الأمور. يجب عليك أن تُكوِّن فهمًا راسخًا عن مشيئة الله وموقفه، وتجد أناسًا مستنيرين لتوصيل الأمر لك، وتسعى بجدية. لا تنظر للإله الذي تؤمن به كدمية، وتحكم بتعسف وتتوصّل لاستنتاجات تعسفية، فتعامل الله بغير الاحترام الذي يستحقه. في عملية خلاص الذي يقدمه الله، عندما يحدد عاقبتك، لا يهم إن كان يمنحك رحمة أو تسامحًا أو دينونة أو توبيخًا، فموقفه تجاهك غير ثابت. إنه يعتمد على موقفك تجاهه، وفهمك له.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. كيفية معرفة شخصيّة الله والنتائج التي يحققها عمله
421. الناس الذين يؤمنون بالله بصدق، يحملونه دومًا في قلوبهم، ودائمًا ما يكون لديهم في داخلهم قلب يتقي الله وقلب محب له. على أولئك الذين يؤمنون بالله أن يفعلوا الأشياء بحذرٍ وحرصٍ، ويجب أن يكون كل ما يفعلونه وفقًا لمتطلبات الله ويمكن أن يرضي قلبه. يجب ألا يكونوا أشخاصًا عنيدين يفعلون ما يحلو لهم؛ فهذا لا يلائم لياقة القديسين. لا يجب أن يندفع الناس إلى الشوارع على غير هدى ملوحين بلواء الله فوق المكان، بينما يمارسون الخداع والتبجح في كل مكان؛ فهذا أكثر السلوكيات تمردًا. للعائلات قواعدها، وللأمم قوانينها، أليس الوضع أكثر حزمًا في بيت الله؟ أليست لجميعها معايير أكثر صرامة؟ أليست لجميعها مراسيم إدارية أكثر؟ الناس أحرار ليفعلوا ما يريدون، ولكن لا يمكن تعديل قوانين الله الإدارية وفقًا لرغبة كل شخص. الله إله لا يتسامح مع الإثم من البشر؛ فهو إله يميت الناس. ألا يعرف الناس هذا بالفعل؟
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. تحذير لمن لا يمارسون الحق
422. في كل عصر من عصور عمل الله، ينعم الله على الناس ببعض الكلمات، ويخبرهم ببعض الحقائق. تُمثل هذه الحقائق الطريق الذي ينبغي للناس التمسك به، والطريق الذي ينبغي لهم اتباعه، والطريق الذي يمكنهم من أن يتقوا الله ويحيدوا عن الشر، وهي ما ينبغي للناس ممارسته والتمسك به في حياتهم وعلى مدار رحلة حياتهم. هذا هو غرض الله من التعبير عن هذه الكلمات للبشرية. هذه الكلمات التي تأتي من الله ينبغي أن يتمسك بها الناس، والتمسك بها هو ربح الحياة. إذا لم يتمسك شخص بها، ولم يمارسها، ولم يعش بحسب كلمات الله في حياته، فإن هذا الشخص لا يمارس الحق. وإذا لم يمارس الناس الحق، فهم إذًا لا يتقون الله ولا يحيدون عن الشر، ولا يمكنهم إرضاء الله. إذا لم يتمكن الناس من إرضاء الله، فلا يمكنهم نيل استحسانه، وفي هذه الحالة، لن تكون لهم عاقبة.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. كيفية معرفة شخصيّة الله والنتائج التي يحققها عمله
423. لا يتعلق اتّباع طريق الله بالحفاظ على القواعد ظاهريًا، بل يعني أنه عندما تواجه أمرًا ما، فأنت في المقام الأول تراه كظرف رتبه الله، ومسؤولية أنعم بها عليك أو شيء ائتمنك عليه، وبذلك عندما تواجه هذا الأمر، ينبغي أن تراه تجربة من الله. عندما تواجه هذا الأمر يجب أن يكون لديك معيار ويجب أن تفكر في أنه قد أتى من عند الله. يجب أن تفكر في كيفية التعامل مع هذا الأمر بطريقة تجعلك تؤدي مسؤوليتك وتكون أمينًا لله؛ أي كيف تفعله ولا تُغضب الله أو تسيء إلى شخصيته. ... لأنه لكي نتبع طريق الله، لا يمكننا أن نترك أي شيء له علاقة بأنفسنا أو أي شيء يحدث حولنا يمرّ دون فحصه بجدية، حتى الأمور الصغيرة. لا يهم إن كنا نفكر أنه ينبغي لنا أن نعير انتباهًا إليه أم لا، ما دام يوجد أي أمر يواجهنا فعلينا ألا نتركه. يجب أن ننظر إلى الأمر بجملته على أنه تجربة من الله لنا. ما هو نوع هذا التوجّه؟ إن كان لديك هذا النوع من المواقف، فهذا يؤكد على حقيقة واحدة: قلبك يتقي الله، ويرغب في الحيدان عن الشر. إن كانت لديك هذه الرغبة في إرضاء الله، فإن ما تمارسه ليس بعيدًا عن اتقاء الله والحيدان الشر.
يوجد دائمًا أولئك الذين يؤمنون أن هذه الأمور – التي لا يهتم بها الناس كثيرًا، والتي لا تُذكر في العادة – هي مجرد تفاهات صغيرة، وليس لها أية علاقة بممارسة الحق. عندما يواجه هؤلاء الناس أمرًا كهذا، لا يفكرون فيه كثيرًا، ويدعونه يمرّ. ولكن في الواقع، هذا الأمر هو درس ينبغي لك تعلُّمه؛ إنه درس عن كيف تتقي الله وتحيد عن الشر، بالإضافة إلى أن ما ينبغي لك الاهتمام به أكثر هو معرفة ما يفعله الله عندما يظهر هذا الأمر لمواجهتك. الله إلى جانبك، يلاحظ كل كلمة من كلامك وفعل من أفعالك، ويراقب أعمالك، وتغيراتك الفكرية؛ هذا هو عمل الله. يقول بعض الناس: "فلماذا لا أشعر به إذًا؟". لمْ تَشعرْ به لأن طريق مخافة الله والحيدان عن الشر لم يكن بالنسبة إليك أهم طريق تلتزم به. لذلك لا يمكنك أن تشعر بعمل الله البارع في الإنسان، والذي يظهر وفقًا لمعتقدات وأعمال الناس المختلفة. إنما أنت غافل! ما هو الأمر الكبير؟ ما هو الأمر الصغير؟ إن الأمور التي تنطوي على اتّباع طريق الله لا تنقسم إلى أمور صغيرة وكبيرة، بل إنها جميعًا ذات أهمية كبرى؛ هل يمكنكم فهم ذلك؟ (يمكننا فهم ذلك). فيما يتعلق بالأمور اليومية، توجد بعض الأمور التي يراها الناس كبيرة ومهمة للغاية، وتوجد بعض الأمور الأخرى التي تُرى على أنها أشياء صغيرة. غالبًا ما ينظر الناس إلى هذه الأمور الكبيرة على أنها في غاية الأهمية، ويعتبرونها آتية من الله. لكن في خضم هذه الأحداث الكبرى، وبسبب قامة الناس غير الناضجة ومستويات قدراتهم الضعيفة، غالبًا ما يقصر الناس عن مقاصد الله ولا يمكنهم نيل أي استعلانات، أو معرفة فعلية ذات قيمة. وفيما يتعلق بالأمور الصغيرة، يتغاضى الناس عنها ببساطة، ويتركونها تمر رويدًا رويدًا. وهكذا، فقد الناس العديد من الفرص ليُفحصوا ويُمتحنوا أمام الله. ماذا يعني أن تتجاهل دائمًا الناس والأحداث والأشياء، والمواقف التي رتبها الله لك؟ هذا يعني أنك كل يوم، بل وفي كل لحظة، تتخلى باستمرار عن تكميل الله لك، وكذلك عن إرشاده. كلما رتب الله لك موقفًا، فإنه يراقب في الخفاء، ويمحّص قلبك وأفكارك وآراءك، ويراقب كيف تفكر وكيف ستتصرف. إذا كنت شخصًا مستهترًا – شخصًا لم يأخذ قط طريق الله، أو كلماته، أو الحق على محمل الجد – فلن تهتم أو تبالي بما يرغب الله في تحقيقه أو ما يتطلبه منك في البيئات التي يُهيئها لك. ولن تعرف أيضًا كيف يرتبط الناس والأحداث والأشياء التي تواجهها بالحق أو مقاصد الله. بعد أن تواجه ظروفًا وتجارب متكررة مثل هذا، وعندما لا يرى الله أي نتائج فيك، فكيف سيتصرف الله؟ بعد تكرار مواجهتك للتجارب، أنت لم تبجل الله في قلبك بصفته عظيمًا، ولم تتعامل مع الظروف التي رتبها الله من أجلك بجدية، وتعتبرها تجارب أو اختبارات من الله. وبدلًا من ذلك، رفضت الفرص التي منحها لك الله واحدةً تلو الأخرى، وتركتها تفلت من يدك مرةً تلو الأخرى. أليس هذا تمردًا هائلًا يظهره الناس؟ (بلى، إنه كذلك). هل سيحزن الله بسبب هذا؟ (نعم سيحزن). خطأ، لن يحزن الله! سماعكم إيايَ وأنا أتحدث بهذه الطريقة قد صدمكم مرةً أخرى. على أية حال، ألم نقل سابقًا إن الله يحزن دائمًا؟ ألن يحزن الله؟ متى سيحزن الله إذًا؟ على أية حال، لن يحزن الله من هذا الموقف. ما هو موقف الله إذًا تجاه هذا النوع من السلوك الموضح أعلاه؟ عندما يرفض الناس التجارب والاختبارات التي يرسلها لهم الله، وعندما يتهرّبون منها فإنه يوجد موقف واحد يتّخذه الله تجاه هؤلاء الناس. ما هو هذا الموقف؟ يرفض الله هذا النوع من الأشخاص من عمق قلبه. يوجد شقان لمعنى فعل "يرفض". كيف سأشرحهما؟ يحمل هذا الفعل "يرفض" في عمقه دلالة ضمنية على الاشمئزاز والكراهية. وما هو الشق الثاني من المعنى؟ إنه الجزء الذي يعني ضمنيًّا التخلي عن شيء ما. جميعكم تعرفون معنى "التخلي"، أليس كذلك؟ باختصار، "يرفض" تعني رد فعل الله النهائي وموقفه تجاه أولئك الناس الذين يتصرفون بهذه الطريقة. إنها كراهية مفرطة تجاههم واشمئزاز، ويتبع ذلك قرار هجرانهم. هذا هو قرار الله النهائي تجاه الشخص الذي لم يتّبع طريق الله مطلقًا ولم يتَّقِهِ ويحد عن الشر قط.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. كيفية معرفة شخصيّة الله والنتائج التي يحققها عمله
424. اتّقاء أيُّوب الله والخضوع له مثالٌ للجنس البشريّ، كما أن كماله واستقامته كانا ذروة المثال الإنسانيّ الذي يجب أن يتّسم به الإنسان. مع أنه لم يرَ الله، إلا أنه أدرك أنه موجودٌ بالفعل، وبسبب هذا الإدراك كان يتّقي الله – وبسبب اتقائه الله، استطاع أن يخضع له. سمح لله بأن يأخذ كل ما لديه، ولكنه لم يكن يشتكي، كما أنه سجد أمام الله وأخبره أنه في هذه اللحظة حتّى لو أخذ الله جسده فسوف يسرّه أن يسمح له بذلك دون شكوى. كان سلوكه كله يرجع لشخصيّته الكاملة المستقيمة. وهذا يعني أنه نتيجة لبراءة أيُّوب وأمانته ولطفه، فإنه كان راسخًا في إدراكه واختباره لوجود الله. وعلى هذا الأساس أخضع نفسه ووحّد تفكيره وسلوكه وتصرّفه ومبادئ أعماله أمام الله وفقًا لإرشاد الله له وأعمال الله التي رآها بين جميع الأشياء. ومع مرور الوقت، ولّدت اختباراته فيه اتّقاءً حقيقيًا وفعليًا لله وجعلته يحيد عن الشرّ. كان هذا هو مصدر الاستقامة التي تمسّك بها أيُّوب. كان أيُّوب يتّسم بشخصيّةٍ مستقيمة وبريئة وطيّبة، وكان لديه اختبارٌ فعليّ في اتّقاء الله والخضوع له والحيدان عن الشرّ، بالإضافة إلى معرفة أن "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ". وبفضل هذه السمات وحدها استطاع الثبات في شهادته وسط هجمات الشيطان الشريرة هذه، وبفضلها وحدها لم يُخيّب أمل الله بل قدّم إجابة مُرضية لله عندما حلّت به تجارب الله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته ثانيًا
425. لم يرَ أيُّوب وجه الله ولم يسمع الكلمات التي تكلّم بها الله، فضلًا عن أن يشهد شخصيًّا عمل الله، ومع ذلك فإن اتقاءه الله وشهادته أثناء تجاربه يشهد لهما الجميع، كما أنهما موضع محبّة الله وسروره وثنائه، وموضع حسد الناس وإعجابهم، بل وحتى أكثر من ذلك، فإنهم يُرتّلون تسبيحاتهما. لم يكن هناك شيءٌ عظيم أو استثنائيّ عن حياته: فمثل أيّ شخصٍ عاديّ عاش حياةً عاديّة، إذ كان يخرج للعمل عند شروق الشمس ويعود إلى بيته للراحة عند غروب الشمس. والفرق هو أنه خلال لعقود العدّة العاديّة تعرّف إلى طريق الله، وأدرك وفهم قوّة الله العظيمة وسيادته، كما لم يفعل أيّ شخصٍ آخر من قبل. لم يكن أذكى من أيّ شخصٍ عاديّ، ولم تكن حياته متماسكة تماسكًا خاصًا، كما لم تكن لديه مهارات خاصة غير منظورةٍ. ومع ذلك، كان يتّسم بشخصيّةٍ صادقة وطيّبة القلب ومستقيمة، شخصيّة أحبّت النزاهة والبر والأمور الإيجابيّة – وهي صفات لا يتّسم بأي منها غالبية الناس العاديّين. كان يُفرّق بين المحبّة والكراهية، ولديه إحساسٌ بالعدالة، وكان مثابرًا عنيدًا، وأظهر قدرة فائقة على تقصي دقائق الأشياء و تفاصيلها في تفكيره، وهكذا شاهد خلال مدة حياته العاديّة على الأرض جميع الأشياء غير العاديّة التي كان الله قد فعلها، ورأى عظمة الله وقداسته وبرّه، وعاين اهتمام الله بالإنسان ورأفته عليه وحمايته له، ورأى شرف الله الأسمى وسلطانه. كان السبب الأول وراء قدرة أيُّوب على اكتساب هذه الأشياء التي كانت أبعد من إمكانيّة أيّ شخصٍ عاديّ هو أنه كان لديه قلبٌ نقيّ وكان قلبه ينتمي إلى الله ويقوده الخالق. وكان السبب الثاني سعيه: سعيه ليكون كاملًا بلا عيبٍ، وممتثلًا لإرادة السماء، ومحبوبًا من الله، وحائدًا عن الشرّ. كان أيُّوب يتّسم بهذه الأشياء ويسعى في طريقها مع أنه لم يكن قادرًا على رؤية الله أو سماع كلماته. مع أن أيُّوب لم يرَ الله قط، إلا أنه تعرّف على الوسائل التي يسود بها الله على جميع الأشياء، وفهم الحكمة التي يفعل بها الله ذلك. ومع أن أيُّوب لم يسمع قط الكلمات التي تكلّم بها الله، إلا أنه عرف أن أفعال مباركة الإنسان وأخذ البركات منه تأتي جميعها من الله. ومع أن سنوات حياته لم تختلف عن سنوات حياة أيّ شخصٍ عاديّ، إلا أنه لم يسمح لنمط حياته العاديّ أن يؤثر في معرفته بسيادة الله على جميع الأشياء أو أن يؤثر في اتّباعه طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. رأى أيُّوب أن قوانين جميع الأشياء كانت ممتلئة بأفعال الله، وأن سيادة الله يمكن رؤيتها في أيّ جانب من جوانب حياة الشخص. لم يرَ الله، لكنه استطاع أن يُدرِك أن أعمال الله في كلّ مكانٍ، وأنها ظاهرة خلال حياته العاديّة على الأرض، وفي كلّ ركنٍ من أركان حياته، استطاع رؤية أعمال الله غير العاديّة والعجيبة وإدراكها، وتمكّن من رؤية ترتيبات الله الرائعة. اختباء الله وصمته لم يمنعا أيُّوب من إدراك أعمال الله، ولم يُؤثّرا في معرفته بسيادة الله على جميع الأشياء. كانت حياته تحقيقًا أثناء حياته اليومية لسيادة الله، الذي كان مخفيًّا بين جميع الأشياء، وترتيباته. وفي حياته اليوميّة سمع أيضًا وفهم صوت قلب الله وكلام الله، الذي هو صامتٌ بين كلّ شيءٍ ولكنه يُعبّر عن صوت قلبه وكلماته من خلال السيادة على قوانين كلّ شيءٍ. ترى، إذًا، أنه إذا كان لدى الناس الإنسانيّة نفسها والسعي نفسه مثل أيُّوب، فبإمكانهم نيل الإدراك نفسه والمعرفة نفسها مثل أيُّوب، وبإمكانهم اقتناء الفهم نفسه والمعرفة نفسها بسيادة الله على جميع الأشياء مثل أيُّوب. لم يظهر الله لأيُّوب ولم يتكلّم معه، ولكن أيُّوب استطاع أن يكون كاملًا ومستقيمًا، وأن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. وهذا يعني أنه بدون أن يظهر الله للإنسان أو يتحدّث إليه، فإن أعماله بين جميع الأشياء وسيادته على جميع الأشياء كافية لكي يُدرِك المرء وجود الله وقوّته وسلطانه، كما أن قوّة الله وسلطانه كافيان لجعل هذا المرء يتبع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته ثانيًا
426. "تقوى الله والحيد عن الشر" ومعرفة الله مسألتان متصلتان اتصالًا لا ينفصل بخيوط لا تحصى، والاتصال بينهما بديهي. إذا أردت تحقيق الحيد عن الشر، فيجب أن تكون لديك أولًا تقوى حقيقية لله؛ وإذا أردت تحقيق تقوى حقيقية لله، فيجب أولًا أن تكون لديك معرفة حقيقية بالله؛ وإذا أردت تحقيق المعرفة بالله، فيجب أولًا أن تختبر كلام الله، وتدخل في واقع كلام الله، وتختبر تأنيب الله وتأديبه، وتوبيخه ودينونته؛ وإذا أردت اختبار كلام الله، فيجب عليك أولًا أن تُواجِه كلام الله، وأن تُواجِه الله وجهًا لوجه، وتطلب من الله أن يجهِّز لك الناس والأحداث والأشياء، إلى جانب جميع أنواع البيئات، لكي تتاح لك الفرص لاختبار كلامه؛ وإذا أردت أن تُواجِه الله وكلام الله وجهًا لوجه، فيجب أولًا أن تمتلك قلبًا بسيطًا وصادقًا، وموقف قبول للحق، والعزيمة لاحتمال المعاناة، والإصرار والشجاعة للحيد عن الشر، والرغبة في أن تصبح كائنًا مخلوقًا حقيقيًا...بهذه الطريقة، بالمضي قدمًا خطوة بخطوة، ستقترب من الله أكثر وأكثر، وسيصبح قلبك أكثر فأكثر نقاءً، ومع تنامي معرفتك بالله، ستغدو حياتك وقيمة كونك حيًا أكثر معنى، وتزداد ضياءً أكثر وأكثر. إلى أن تشعر يومًا ما أن الخالق لم يَعُد لغزًا، وأنه لم يستتر عنك قط، وأنه لم يحجب وجهه عنك قط، وأنه ليس بعيدًا عنك، وأن الخالق لم يعد ذلك الذي تستطيع فقط أن تشتاق إليه ليلًا ونهارًا ولكن لا يمكنك أن تدركه بأحاسيسك، وأنه حقًّا وصدقًا يقف إلى جوارك يحرسك، ويزود حياتك، ويتحكم في مصيرك. سوف تشعر أنه ليس في أفق بعيد، ولم يُخف نفسه عنك عاليًا في السحب، وأنه إلى جانبك تمامًا، يسود على كل شؤونك، وأنه كل شيء لك، وهو الواحد والوحيد لك. مثل هذا الإله يسمح لك بأن تحبه وتعشقه من قلبك، وتشعر بالتعلق به، وتكون قريبًا منه، وتعجب به، وتخشى أن تفقده، وتكون غير مستعد لأن تتخلى عنه بعد الآن، أو تتمرد عليه بعد الآن، أو تجتنبه أو تُبعده عنك بعد الآن. كل ما تريده هو أن تكون مراعيًا له، وترغب فقط في الخضوع له، وتكافئ بالمثل كل ما يهبه لك، وتستسلم لسيادته. لا تعود ترفض أن يرشدك ويدعمك ويحرسك ويحميك، ولا تعود تقاوم سيادته وترتيباته لك. إنك ترغب فقط في اتباعه، ومصاحبته؛ ترغب فقط في قبوله على أنه حياتك الواحدة الوحيدة، وقبوله على أنه ربك الواحد والوحيد، وإلهك الواحد الوحيد.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. تمهيد
427. وعندما يختبر الناس عمل الله، تكون أول معرفة لهم عنه أنه فوق الإدراك وحكيم وبديع، ويتقونه لا شعوريًا، ويشعرون بغموض العمل الذي يقوم به، فهو خارج نطاق عقل الإنسان. لا يريد الناس سوى أن يكونوا قادرين على تلبية مطالبه، وإرضاء مشيئته؛ ولا يرغبون في تجاوزه؛ لأن العمل الذي يقوم به يتجاوز مستوى تفكير الإنسان وخياله، ولا يمكن للإنسان أن يقوم به بدلاً منه. حتى الإنسان نفسه لا يعرف عيوبه الخاصة، لكن الله فتح طريقًا جديدًا، وجاء لينقل الإنسان إلى عالم أكثر جِدّةً وجمالاً، ولذلك استطاعت البشرية أن تحقق تقدمًا جديدًا وبداية جديدة. ما يشعر به الناس نحوه ليس إعجابًا، أو بالأحرى ليس مجرد إعجاب. خبرتهم الأعمق هي التقوى والمحبة، وشعورهم هو أن الله بديع بالفعل؛ فهو يقوم بعمل لا يستطيع الإنسان القيام به، ويقول أمورًا لا يستطيع الإنسان أن يقولها، والناس الذين اختبروا عمله يختبرون دائمًا شعورًا لا يوصف. فالناس ذوو الخبرة العميقة بدرجة كافية يستطيعون فهم محبة الله، كما يستطيعون الإحساس بجماله، وبأن عمله حكيم ورائع للغاية، وبذلك تتولد قوة مطلقة بينهم. إنها ليست مشاعر الخوف ولا المحبة أو الاحترام التي تأتي عرضيًا، بل إحساس عميق برحمة الله وتسامحه مع الإنسان. لكن الناس الذين قد اختبروا توبيخه ودينونته يشعرون بجلاله وبأنه لا يتسامح مع أي إساءة إليه. حتى الناس الذين قد اختبروا كثيرًا من عمله لا يستطيعون فهمه؛ وكل الذين يتّقونه حقًّا يعرفون أن عمله لا يتماشى مع مفاهيم الناس، بل يسير دائمًا ضدها. إنه لا يحتاج إلى إعجاب الناس الكامل به أو تقديمهم مظهر الخضوع له، بل أن يكون لديهم تقوى وخضوع حقيقيان، وفي الكثير من عمله، تجد أن أي شخص له خبرة حقيقية ينمو لديه قلب يتقيه، وهذه التقوى أعلى من الإعجاب. لقد رأى الناس شخصيته بسبب عمله في التوبيخ والدينونة؛ ولذلك فهم يتمتعون بقلوب تتقيه. الله جدير بالتقوى والخضوع؛ لأن ماهيته وشخصيته ليسا مثل ماهية الكائن المخلوق وشخصيته، وهما أسمى من كل الكائنات المخلوقة. الله موجود بذاته وأزلي، وهو كائن غير مخلوق، والله وحده مستحق للاتقاء والخضوع؛ أما الإنسان فهو غير أهلٍ لذلك. ولذلك، فإن كل الناس الذين اختبروا عمله وعرفوه حقًّا تنمو لديهم قلوب تتقيه. أما أولئك الذين لم يتخلوا عن مفاهيمهم عنه، أي أولئك الذين ببساطة لا يعتبرونه الله، فليس لديهم قلوب تتقيه، وعلى الرغم من أنهم يتبعونه فإنهم لم يُخضعوا؛ إنهم أناس متمردون بطبيعتهم. ما يقصد الله تحقيقه بعمله هكذا هو أن تحظى كل الكائنات المخلوقة بقلوب تتقي الخالق وتعبده وتستسلم لسيادته بلا شروط. هذه هي النتيجة النهائية التي يهدف كل عمله لتحقيقها. إن لم يكن لدى الناس الذين اختبروا مثل هذا العمل قلوب تتقي الله، ولو قليلاً، وإن لم يتغير تمردهم الذي كان في الماضي مطلقًا، سيتم استبعادهم بكل تأكيد. إن كان موقف الشخص تجاه الله يقتصر على الإعجاب وإظهار الاحترام عن بعد ولا يتعدى ذلك إلى محبته ولو قليلاً، فهذا هو النتيجة التي يصل إليها الشخص الذي ليس لديه قلب محبّ لله، وهذا الشخص يفتقر إلى الشروط اللازمة لكي يُكمَّل. إن لم يفلح كل هذا العمل في الحصول على محبة الشخص الحقيقية، فهذا يعني أن هذا الشخص لم يربح الله ولا يسعى وراء الحق بصدق. إن الشخص الذي لا يحب الله لا يحب الحق؛ وبالتالي لا يمكنه أن يربح الله، فضلاً عن أن ينال تأييد الله. أناس مثل هؤلاء، بغض النظر عن كيف اختبروا عمل الروح القدس، وبغض النظر عن كيف اختبروا الدينونة، غير قادرين على التمتع بقلب يتقي الله. هؤلاء أناس طبيعتهم لا تتغير، وشخصياتهم بغيضة للغاية. سيتم استبعاد جميع الذين لا يملكون قلوبًا تتقي الله، وسيكونون أهدافًا للعقاب، وسيُعاقبون مثل أولئك الذين يفعلون الشر، وسيعانون أكثر من أولئك الذين يفعلون أمورًا آثمة.
– الكلمة، ج. 1. ظهور الله وعمله. عمل الله وعمل الإنسان