معرفة الله ثانيًا
كلمات الله اليومية اقتباس 31
بعد أن خلق الله البشر بدأ المشاركة مع الإنسان والتحدّث إليه، وبدأ يعبّر عن شخصيّته للإنسان. وهذا يعني أنه منذ تشارك الله لأول مرةٍ مع البشر بدأ يُعلِن للإنسان، دون توقّفٍ، عن جوهره وما لديه وماهيته. وبغضّ النظر عمّا إذا كان الناس في الماضي أو في الوقت الحاليّ بإمكانهم رؤية ذلك أو فهمه، يتحدّث الله إلى الإنسان ويعمل بين البشر، ويكشف عن شخصيّته ويُعبّر عن جوهره، وهذه حقيقةٌ لا يمكن لأحدٍ إنكارها. هذا يعني أيضًا أن شخصيّة الله وجوهره وما لديه وماهيته تنبع وتنكشف باستمرارٍ فيما يعمل ويتشارك مع الإنسان. لم يُخفِ أو يُخبّئ أيّ شيءٍ عن الإنسان، بل يُعلِن شخصيّته ويكشف عنها دون الاحتفاظ بأيّ شيءٍ. وهكذا، يأمل الله أن يتمكّن الإنسان من معرفته وفهم شخصيّته وجوهره. إنه لا يأمل في أن يتعامل الإنسان مع شخصيّته وجوهره كأسرارٍ أبديّة، ولا يريد أن ينظر البشر إلى الله على أنه لغزٌ لا يمكن حلّه أبدًا. لا يمكن للإنسان أن يعرف الطريق ويقبل إرشاد الله إلا عندما يعرف الجنس البشري الله، وليس إلا مثل هذا الجنس البشري هو ما يمكنه أن يحيا حقًّا تحت سيادة الله، ويحيا في النور، وسط بركات الله.
إن شخصية الله والكلمات التي تصدر عنه ويظهرها تُمثّل إرادته، كما أنها تُمثّل جوهره. عندما يتعامل الله مع الإنسان، فبغضّ النظر عمّا يقوله أو يعمله، أو الشخصيّة التي يكشف عنها، وبغضّ النظر عما يراه الإنسان من جوهر الله وما لديه وماهيته، فإنها جميعًا تُمثّل إرادة الله من نحو الإنسان. وبغضّ النظر عن مدى قدرة الإنسان على الإدراك أو الاستيعاب أو الفهم، فإن هذا كله يُمثّل إرادة الله، أي إرادة الله من نحو الإنسان. هذا لا شكّ فيه! إن إرادة الله من نحو الإنسان هي الكيفيّة التي يطلب من الناس أن يكونوا عليها، وما يطالبهم بأن يفعلوه، وكيفية طلبه منهم أن يعيشوا، وكيفية طلبه منهم أن يكونوا قادرين على إرضاء مشيئة الله. هل هذه الأشياء لا تنفصل عن جوهر الله؟ بمعني آخر، إن الله يُظهر شخصيّته وكل ما لديه وما هو عليه في الوقت نفسه الذي يطلب مطالب من الإنسان. لا يوجد زيفٌ ولا ادّعاء ولا إخفاء ولا تجميل. ولكن لماذا يعجز الإنسان عن المعرفة، ولماذا لم يتمكّن قط من إدراك شخصيّة الله بوضوحٍ؟ ولماذا لم يُدرِك قط إرادة الله؟ إن ما يكشفه الله ويُظهره هو ما لدى الله نفسه وما هو عليه، وهو كل جانبٍ وملمح من شخصيّته الحقيقيّة، فلماذا لا يفهم الإنسان؟ لماذا يعجز الإنسان عن المعرفة العميقة؟ يوجد سببٌ مهمّ لهذا. ما هو هذا السبب؟ منذ زمن الخلق، لم يعامل الإنسان الله قط باعتباره الله. في الأزمنة القديمة، بغضّ النظر عمّا فعله الله فيما يتعلّق بالإنسان، أي الإنسان الذي كان قد خُلِقَ للتوّ، لم يكن الإنسان يتعامل مع الله سوى على أنه مجرد رفيق، أي شخص يُعتمد عليه، ولم تكن لدى الإنسان معرفةٌ أو فهم عن الله. وهذا يعني أن الإنسان لم يكن يعلم أن ما كان يُظهره هذا الكائن – هذا الكائن الذي اعتمد عليه واعتبره رفيقًا له كان هو جوهر الله، ولم يكن يعلم أن هذا الكائن هو الذي له السيادة على جميع الأشياء. ببساطةٍ، لم يتعرف الناس في ذلك الوقت على الله على الإطلاق. لم يعلموا أنه صنع السماء والأرض وجميع الأشياء، وكانوا يجهلون من أين جاء، وإضافة إلى ذلك، كانوا يجهلون كُنهه. بالطبع، لم يطلب الله من الإنسان في ذلك الوقت أن يعرفه أو يفهمه أو يفهم كل ما كان يفعله، أو أن يكون على علمٍ بإرادته، لأن هذه كانت أقدم الأزمنة التي تلت خلق الإنسان. عندما بدأ الله التجهيزات لعصر الناموس، عمل بعض الأشياء للإنسان، وبدأ أيضًا يطلب منه بعض الأمور، حيث أخبر الإنسان عن كيفيّة تقديم القرابين وعبادة الله. وفي ذلك الوقت فقط اكتسب الإنسان بعض الأفكار البسيطة عن الله، وعندها فقط عرف الفرق بينه وبين الله، وأن الله هو الذي خلق البشر. عندما عرف الإنسان الله وطبيعته ونفسه وطبيعتها، أصبحت توجد مسافةٌ مُعيّنة بينه وبين الله، ومع ذلك لم يطلب الله من الإنسان أن تكون لديه معرفةٌ كبيرة أو فهم عميق له. وهكذا، يطالب الله الإنسان بأمورٍ مختلفة على أساس مراحل عمله وظروفه. ماذا ترون في هذا؟ أيّ جانبٍ من جوانب شخصيّة الله تُدرِكونه؟ هل الله حقيقيٌّ؟ هل مطالب الله من الإنسان ملائمة؟ خلال الأزمنة الأولى التي أعقبت خلق الله للبشريّة، عندما لم يكن الله قد بدأ تنفيذ عمل إخضاع الإنسان وإكماله، ولم يكن يتحدّث إليه بالكثير من الكلمات، لم يكن يطلب إلا القليل من الإنسان. وبغضّ النظر عمّا فعله الإنسان وكيف تصرّف – حتّى لو كان قد فعل بعض الأشياء التي أساءت إلى الله – كان الله يغفر ويتغاضى عن كل شيءٍ. ذلك لأن الله كان يعرف ما أعطاه للإنسان وما لدى الإنسان، ومن ثمّ كان يعرف معيار المتطلّبات التي ينبغي عليه طلبها من الإنسان. ومع أن معيار متطلّباته كان منخفضًا جدًا في ذلك الوقت، فإن هذا لا يعني أن شخصيّته لم تكن عظيمة، أو أن حكمته وقدرته كانتا مُجرّد كلمات فارغة. من جهة الإنسان، لا توجد سوى طريقةٍ واحدة لمعرفة شخصيّة الله والله ذاته: اتّباع خطوات عمل تدبير الله وخلاص البشريّة، وقبول الكلام الذي يتحدّث به الله للبشريّة. هل يظل الإنسان يطلب من الله أن يُرِيه شخصه الحقيقيّ بعد معرفة ما لدى الله وما هو عليه ومعرفة شخصيّته؟ لا، لن يطلب الإنسان، ولن حتى يجرؤ على الطلب، لأنه بفهم الإنسان لشخصيّة الله وما لديه وما هو عليه سوف يكون قد رأى بالفعل الإله الحقيقيّ ذاته وشخصه الحقيقيّ. هذه هي النتيجة الحتميّة.
مع تقدُّم عمل الله وخطّته باستمرارٍ، وبعد أن قطع الله عهد قوس قزح مع الإنسان كعلامةٍ على أنه لن يُهلِك العالم مرةً أخرى بالطوفان، كانت لديه رغبةٌ مُلحّة متزايدة لربح أولئك الذين يمكن أن يكونوا في اتفاق معه. بل وكانت لديه رغبةٌ مُلحّة أيضًا في ربح أولئك الذين استطاعوا اتباع مشيئته على الأرض، وإضافة إلى ذلك، ربح مجموعة من الناس القادرين على التحرّر من قوى الظلام وعدم الخضوع لقيود الشيطان؛ جماعة قادرة على تقديم الشهادة لله على الأرض. كان ربح هذه المجموعة من الناس رغبة الله التي طال أمدها، وهي ما كان ينتظره منذ زمن الخلق. وهكذا، بغضّ النظر عن استخدام الله للطوفان لإهلاك العالم، أو استخدام عهده مع الإنسان، فإن إرادة الله وإطاره العقلي وخطّته وآماله ظلّت كلها كما هي. ما أراد أن يفعله، والأمر الذي لطالما كان يتوق إليه منذ وقتٍ طويل قبل زمن الخلق، هو ربح أولئك الناس الذين رغب في ربحهم – أي كسب مجموعة من الناس القادرين على فهم شخصيّته ومعرفتها وفهم إرادته، مجموعة من الناس القادرين على عبادته. ستكون مثل هذه المجموعة من الناس قادرةٌ حقًّا على الشهادة له ويمكن القول إنهم سيكونون المقربين إليه.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 32
الله يعد إبراهيم بابنٍ
(التكوين 17: 15-17) "وَقَالَ ٱللهُ لِإِبْرَاهِيمَ: "سَارَايُ ٱمْرَأَتُكَ لَا تَدْعُو ٱسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ ٱسْمُهَا سَارَةُ. وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ٱبْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ". فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: "هَلْ يُولَدُ لِٱبْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟".
(التكوين 17: 21-22) "وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ ٱلَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا ٱلْوَقْتِ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْآتِيَةِ". فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلَامِ مَعَهُ صَعِدَ ٱللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ".
لا أحد يمكنه أن يُعيق العمل الذي يُقرّر الله فعله
هكذا سمعتم كلكم قصة إبراهيم، أليس كذلك؟ اختار الله إبراهيم بعد أن أهلك الطوفان العالم، وعندما كان عمره مائة عامٍ وكانت زوجته سارة في التسعين، جاءه وعد الله. ما الوعد الذي قطعه الله له؟ وعد الله بما هو مشارٌ إليه في الكتاب المُقدّس: "وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ٱبْنًا". ماذا كانت خلفيّة وعد الله بأن يرزقه بابنٍ؟ يُقدّم الكتاب المُقدّس الرواية التالية: "فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: "هَلْ يُولَدُ لِٱبْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟". وهذا يعني أن هذين الزوجين المسنين كانا قد تقدّما كثيرًا في الأيام حتّى يُرزقا بابنٍ. وماذا فعل إبراهيم بعد أن قدّم الله له وعده؟ سقط على وجهه وضحك وقال في قلبه: "هَلْ يُولَدُ لِٱبْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟". اعتقد إبراهيم أن هذا كان مستحيلًا، ممّا يعني أنه اعتقد أن وعد الله له لم يكن أكثر من مُجرّد مزحة. من وجهة نظر البشريّة، هذا أمر غير قابلٍ للتحقيق من قبل الإنسان، وبالمثل غير قابلٍ للتحقيق من قبل الله ويستحيل عليه. ربّما كان هذا الأمر لإبراهيم مثيرًا للضحك: "الله خلق الإنسان، ولكنه يبدو أنه لا يعرف أن شخصًا طاعنًا في السن غير قادر على إنجاب الأطفال. الله يعتقد أنه يستطيع أن يسمح لي بإنجاب طفلٍ، ويقول إنه سوف يرزقني بابنٍ، وبالتأكيد هذا مستحيلٌ!". وهكذا، سقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في قلبه: "مستحيلٌ – إن الله يمزح معي، فهذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا!". لم يأخذ كلمات الله على محمل الجدّ. ولكن كيف كان الله يرى إبراهيم؟ (بارًا). أين جاء التصريح بأنه كان بارًا؟ تعتقدون أن جميع من يدعوهم الله هم أبرارٌ وكاملون وأنهم جميعًا يسيرون مع الله. أنتم تلتزمون بالتعليم! عليكم أن تروا بوضوحٍ أنه عندما يُعرّف الله شخصًا ما، فإنه لا يفعل ذلك بشكلٍ تعسفيّ. لم يقل الله هنا إن إبراهيم كان بارًا. ولكن الله لديه في قلبه معايير لتحديد كل شخصٍ. مع أن الله لم يقل رأيه عن إبراهيم، ما نوع إيمان إبراهيم بالله من حيث سلوكه؟ هل كان إيمانًا مُجرّدًا بشكلٍ ما؟ أم كان إيمانه عظيمًا؟ كلا، لم يكن! لقد كشف ضحكه وأفكاره عن شخصيّته، ولذلك فإن اعتقادكم بأنه كان بارًا من نسج خيالكم، إنه التطبيق الأعمى للتعليم، وتقييمٌ غير مسؤولٍ. هل رأى الله ضحك إبراهيم وتعابيره الصغيرة؟ هل علم بها؟ كان الله يعرفها. ولكن هل سيُغيّر الله ما قرّر أن يفعله؟ لا! عندما خطّط الله وقرّر أنه سوف يختار هذا الرجل، تحقق الأمر. لم تُؤثّر أفكار الإنسان ولا تصرّفاته أدنى تأثيرٍ على الله ولم تتداخل معه. لن يُغيّر الله خطّته تعسفيًّا، ولن يُغيّر خطّته أو يُبطِلها ارتجالًا بسبب سلوك الإنسان، حتى السلوك الذي قد يكون جاهلًا. ما معنى المكتوب إذًا في التكوين 17: 21-22؟ "وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ ٱلَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا ٱلْوَقْتِ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْآتِيَةِ". فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ ٱلْكَلَامِ مَعَهُ صَعِدَ ٱللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ". لم يهتمّ الله أدنى اهتمامٍ بما فكّر به إبراهيم أو قاله. وماذا كان سبب تجاهله؟ كان السبب في ذلك هو أن الله في ذلك الوقت لم يطلب من الإنسان أن يكون إيمانه عظيمًا أو أن يملك معرفة عظيمة بالله، أو، إضافة إلى ذلك، أن يكون قادرًا على فهم ما كان الله يعمله ويقوله. وهكذا، لم يطلب الله من الإنسان أن يفهم تمامًا ما قرّر الله أن يفعله، أو الأشخاص الذين قرّر أن يختارهم، أو مبادئ أفعاله، لأن قامة الإنسان ببساطةٍ لم تكن ملائمة. في ذلك الوقت، لاحظ الله ما فعله إبراهيم ومع ذلك تصرّف كالمعتاد. لم يدن أو يُوبّخ، ولكنه اكتفى بالقول: "ٱلَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا ٱلْوَقْتِ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْآتِيَةِ". بعد أن أعلن الله هذه الكلمات تحقّق هذا الأمر خطوة بخطوةٍ. اعتبر الله أن ما كان ينبغي تحقيقه بخطّته قد تحقّق بالفعل. وبعد الانتهاء من هذه الترتيبات، رحل الله. لا شيء ممّا يفعله الإنسان أو يعتقده، وما يفهمه، وما يُخطّطه، له أيّة علاقةٍ بالله. كل شيءٍ يمضي وفق خطّة الله، وفق الأزمنة والمراحل التي يحدّدها الله. هذا هو مبدأ عمل الله. لا يتدخّل الله في ما يُفكّر فيه أيّ إنسانٍ أو يعرفه، ومع ذلك لا يتخلّى عن خطّته ولا يتخلّى عن عمله لمجرد أن الإنسان لا يؤمن أو يفهم. وهكذا تُنجز الحقائق وفق خطّة الله وأفكاره. وهذا بالضبط ما نراه في الكتاب المُقدّس: أتمّ الله ولادة إسحاق في الوقت الذي حدّده. هل تُثبِت الحقائق أن سلوك الإنسان وتصرّفه أعاقا عمل الله؟ لم يُعيقا عمل الله! هل أثّر إيمان الإنسان الضعيف بالله ومفاهيمه وتخيلاته عن الله في عمل الله؟ كلا، لم تؤثر! مطلقًا! لا تتأثّر خطّة تدبير الله بأيّ إنسانٍ أو مادة أو بيئة. كل ما يعتزم عمله سوف يتحقق ويُنجز في الوقت المُحدّد ووفق خطّته، ولا يمكن لأيّ شخصٍ التدخّل في عمله. لا يُعير الله أدنى اهتمامٍ لحماقة الإنسان وجهله، بل إنه يتجاهل بعضًا من جوانب معاندة الإنسان له وبعض جوانب مقاومته ومفاهيمه تجاهه، ويؤدي العمل الذي ينبغي عمله رغم ذلك. هذه هي شخصيّة الله، وهذا انعكاسٌ لكليّة قدرته.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 33
إبراهيم يُقدّم ابنه محرقةٍ
(التكوين 22: 2-3) "فَقَالَ: "خُذِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ، ٱلَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَٱذْهَبْ إِلَى أَرْضِ ٱلْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ ٱلْجِبَالِ ٱلَّذِي أَقُولُ لَكَ". فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ ٱثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ٱبْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ".
(التكوين 22: 9-10) "فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ ٱلْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ ٱلْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ فَوْقَ ٱلْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ ٱلسِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ٱبْنَهُ".
يبدأ عمل تدبير الله وخلاص البشر بتضحية إبراهيم بابنه إسحاق
بعد أن رزق الله إبراهيم بابنٍ، تحققّت كلماته التي قالها لإبراهيم. هذا لا يعني أن خطّة الله توقّفت هنا؛ ولكن على العكس من ذلك، فإن خطّة الله الرائعة لتدبير البشريّة وخلاصها كانت قد بدأت للتوّ، ومباركته لابن إبراهيم لم تكن سوى مُقدّمة لخطّة تدبيره الشاملة. في تلك اللحظة، مَنْ كان يعرف أن معركة الله مع الشيطان بدأت بهدوءٍ عندما قدّم إبراهيم إسحاق كمحرقةٍ؟
لا يهتمّ الله بحماقة الإنسان ولكنه يطلب من الإنسان أن يكون صادقًا
دعونا ننظر بعد ذلك إلى ما فعله الله لإبراهيم. في التكوين 22: 2 أمر الله إبراهيم قائلًا: "خُذِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ، ٱلَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَٱذْهَبْ إِلَى أَرْضِ ٱلْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ ٱلْجِبَالِ ٱلَّذِي أَقُولُ لَكَ". كان المعنى الذي يقصده الله واضحًا: كان يطلب من إبراهيم أن يُقدّم ابنه الوحيد إسحاق، الذي كان يُحبّه، محرقةٍ. بالنظر إلى هذا الأمر اليوم، هل ما زال أمر الله يتعارض مع تصوّرات الإنسان؟ نعم! كل ما فعله الله في ذلك الوقت يتناقض تمامًا مع مفاهيم الإنسان؛ إنه غير مفهومٍ للإنسان. يؤمن الناس في تصوّراتهم بما يلي: عندما لا يُصدّق المرء معتقدًا أن الأمر مستحيل، يرزقه الله بابنٍ، وبعد أن يُرْزَقَ بابنٍ يطلب الله منه أن يضحي بابنه. أليس هذا عصيًّا تمامًا على التصديق؟ ماذا كان ينوي الله أن يعمله بالفعل؟ ماذا كان مقصد الله الفعليّ؟ لقد رُزِقَ إبراهيم بابنٍ دون شرطٍ، لكن الله طلب أيضًا من إبراهيم أن يُقدّم محرقة غير مشروطةٍ. هل كان هذا أمرًا مبالغًا فيه؟ من وجهة نظرٍ محايدة، لم يكن هذا الأمر مبالغًا فيه فحسب، بل كان أيضًا أشبه "بإثارة المتاعب بلا مبرر". لكن إبراهيم نفسه لم يعتقد أن الله كان يطلب الكثير. ومع أنه كانت لديه بضع أفكار قليلة حول الأمر، وكان مُتشكّكًا قليلًا من الله، فقد كان لا يزال مستعدًا لتقديم المحرقة. في هذه المرحلة، ما الذي تراه يُثبِت أن إبراهيم كان مستعدًا لتقديم ابنه؟ ما الذي يُقال في هذه العبارات؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الروايات التالية: "فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ ٱثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ٱبْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ" (التكوين 22: 3). "فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى ٱلْمَوْضِعِ ٱلَّذِي قَالَ لَهُ ٱللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ ٱلْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ ٱلْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ فَوْقَ ٱلْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ ٱلسِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ٱبْنَهُ" (التكوين 22: 9-10). عندما مدَّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، هل رأى الله أعماله؟ نعم. فالعملية كلها – منذ البداية عندما طلب الله من إبراهيم أن يقدم إسحاق محرقةإلى الوقت الذي رفع فيه إبراهيم سكينه فعليًا ليذبح ابنه – كشفت لله عن قلب إبراهيم، وبغض النظر عن حماقة إبراهيم السابقة وجهله وسوء فهمه لله، كان قلبه في ذلك الوقت صادقًا وأمينًا مع الله وكان ينوي حقًا وبإخلاص أن يعيد إلى الله إسحاق ابنه الذي رزقه الله إياه. رأى الله فيه الخضوع؛ الخضوع ذاته الذي كان يتمناه.
بالنسبة إلى الإنسان، يعمل الله الكثير من الأمور التي لا يمكن استيعابها، ولا حتى تصديقها. عندما يرغب الله في تنظيم شخصٍ ما، فإن هذا التنظيم غالبًا ما لا يكون متماشيًا مع مفاهيم الإنسان، ولا يستطيع استيعابه، لكن عدم التماشي هذا وتعذُّر الاستيعاب هما على وجه التحديد تجربة الله للإنسان وامتحانه له. في هذه الأثناء، استطاع إبراهيم أن يبرهن على خضوعه لله، والذي كان الشرط الأكثر جوهريّة لكونه قادرًا على إرضاء مطلب الله. وعندها فقط، عندما تمكّن إبراهيم من الخضوع لمطلب الله، بتقديم إسحاق، هل شعر الله حقًّا بالاطمئنان والقبول تجاه البشريّة – أي تجاه إبراهيم الذي اختاره؟ عندها فقط كان الله واثقًا من أن هذا الشخص الذي اختاره كان قائدًا لا غنى عنه يستطيع أن يأخذ وعده وخطّة تدبيره اللاحقة على عاتقه. مع أن هذا كان مُجرّد تجربة واختبار، إلا أن الله شعر بالرضا وبمحبّة الإنسان له، وبالارتياح من طرف الإنسان كما لم يحدث من قبل. في اللحظة التي رفع فيها إبراهيم سكينه ليذبح إسحاق، هل منعه الله؟ لم يسمح الله لإبراهيم بالتضحية بإسحاق، لأن الله ببساطةٍ لم يكن ينوي أن يأخذ حياة إسحاق. ومن ثمَّ، أوقف الله إبراهيم في الوقت المناسب. رأى الله أن خضوع إبراهيم اجتاز الاختبار بالفعل وأن ما فعله كان كافيًا، ورأى الله بالفعل نتيجة ما كان ينوي فعله. هل كانت هذه النتيجة مُرضية لله؟ يمكن القول إن هذه النتيجة كانت مُرضية لله، وإن هذا ما أراده الله وما كان يتوق لرؤيته. هل هذا صحيحٌ؟ مع أن الله يستخدم طرقًا مختلفة في سياقاتٍ مختلفة لاختبار كل شخصٍ، فقد رأى الله في إبراهيم ما أراده، ورأى أن قلب إبراهيم كان صادقًا، وأن خضوعه كان غير مشروطًا، وكان الله لا يريد سوى هذا الجانب "غير المشروط". كثيرًا ما يقول بعض الناس: "لقد قدَّمتُ هذا بالفعل وتركت ذلك بالفعل؛ لماذا لا يزال الله غير راضٍ عني؟ لماذا لا يزال يعرِّضني للتجارب؟ لماذا لا يزال يمتحنني؟". هذا يدلّ على حقيقةٍ واحدة: الله لم يرَ قلبك، ولم يربح قلبك. هذا يعني أن الله لم ير مثل هذا القلب الحق الذي كان لدى إبراهيم عندما استطاع رفع سكينه ليذبح ابنه بيده ويُقدّمه لله. لم يرَ خضوعك غير المشروط له، وهو لم يُعَزَّ من قبِلَك. من الطبيعي إذًا أن يستمر الله في تجربتك. أليس هذا صحيحًا؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 34
وعد الله لإبراهيم (فِقرة مُختارة)
(التكوين 22: 16-18) "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، يَقُولُ يَهْوَه، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا ٱلْأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي".
هذا وصفٌ كامل لبركة الله لإبراهيم. ومع أنه موجز، إلا أنه غنيٌ في محتواه: إنه يشمل سبب عطيّة الله لإبراهيم وخلفية ذلك وطبيعة ما أعطاه لإبراهيم. كما أنه يفيض بالبهجة والفرح اللذين عبّر بهما الله عن هذه الكلمات، بالإضافة إلى إلحاح اشتياقه لربح أولئك القادرين على الاستماع إلى كلماته. نرى في هذا اعتزاز الله ورقته تجاه من يطيعون كلامه ويَخضعون لتعليماته. كما إننا نرى الثمن الذي يدفعه لربح الناس، والرعاية والتفكير اللذين يضعهما لربحهم. إضافة إلى ذلك، يُقدّم لنا المقطع الذي يحتوي على الكلمات "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ" إحساسًا قويًّا بالمرارة والألم اللذين لم يكن يتحمّلهما سوى الله وراء كواليس هذا العمل في خطّة تدبيره. إنها عبارةٌ مُحفّزة للتفكير، وكانت تحمل دلالةً خاصة للذين جاؤوا فيما بعد، وكان لها تأثيرٌ بعيد المدى عليهم.
الإنسان يربح بركات الله بفضل صدقه وخضوعه
هل كانت البركة التي أعطاها الله لإبراهيم التي نقرأ عنها هنا رائعة؟ ما مدى روعتها بالضبط؟ توجد جملةٌ رئيسيّة هنا: "وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ". وهذه الجملة تدلّ على أن إبراهيم نال بركات لم ينلها أي شخصٍ جاء من قبله أو بعده. بحسب طلب الله، عندما أعاد إبراهيم ابنه الوحيد – ابنه الوحيد المحبوب – إلى الله (لا يمكننا هنا استخدام كلمة "قدّم"؛ ولكن يجب أن نقول إنه أعاد ابنه إلى الله)، فإن الله لم يسمح لإبراهيم بأن يُقدّم إسحاق وحسب، بل باركه أيضًا. بأيّ وعدٍ بارك إبراهيم؟ لقد باركه بالوعد بتكثير ذريته. وبأيّ عددٍ سوف يُكثّرهم؟ يُقدّم الكتاب المُقدّس الرواية التالية: "كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ". ماذا كان السياق الذي نطق فيه الله بهذه الكلمات؟ بمعنى آخر، كيف نال إبراهيم بركات الله؟ لقد نالها بحسب ما يقوله الله في الكتاب المُقدّس: "مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي". وهذا يعني أنه بسبب أن إبراهيم اتّبع أمر الله، وفعل كل ما قاله الله وطلبه وأمر به من دون أدنى شكوى، فإن الله قدّم له هذا الوعد. توجد جملةٌ حاسمة في هذا الوعد تتطرّق إلى أفكار الله في ذلك الوقت. هل رأيتموها؟ ربمّا لم تولوا تعبير الله "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ" الكثير من الاهتمام. ما يقصده هذا التعبير هو أنه عندما نطق الله هاتين الكلمتين كان يُقسِم بذاته. بماذا يُقسِم الناس عند أداء القسم؟ يُقسِمون بالسماء، أي يؤدون القسم لله ويُقسِمون بالله. قد لا يملك الناس فهمًا كافيًا لواقعة قسم الله بذاته، ولكن سوف تتمكنون من الفهم عندما أقدّم لكم التفسير الصحيح. عندما واجه الله رجلًا لا يسمع سوى كلامه ولكنه لا يفهم قلبه، شعر الله مرة أخرى بالوحدة والحيرة. في لحظة يأسٍ – ويمكن القول إنه لا شعوريًا – فعل الله شيئًا طبيعيًّا للغاية: وضع الله يده على قلبه وخاطب نفسه عندما قدّم هذا الوعد لإبراهيم، ومن هذا سمع الإنسان الله يقول "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ". من خلال أعمال الله، ربمّا تفكّر في نفسك. عندما تضع يدك على قلبك وتتحدّث إلى نفسك، هل تكون لديك فكرةٌ واضحة عمّا تقوله؟ هل موقفك صادق؟ هل تتحدّث بصراحةٍ مع قلبك؟ وهكذا، نرى هنا أنه عندما تحدّث الله إلى إبراهيم، فإنه كان جادًا وصادقًا. في الوقت نفسه الذي تحدّث فيه الله مع إبراهيم وباركه، كان الله يتحدّث أيضًا إلى نفسه. كان يقول لنفسه: سوف أبارك إبراهيم وأجعل نسله كثيرًا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، لأنه أطاع كلماتي، وهو مَنْ أختاره. عندما قال الله "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ"، قرّر أنه في إبراهيم سوف يأتي ببني إسرائيل المختار، وبعد ذلك سيقود هذا الشعب إلى الأمام بسرعةٍ من خلال عمله. أي أن الله كان سيجعل أحفاد إبراهيم يحملون عمل تدبير الله، وأن عمل الله وما عبّر عنه الله سوف يبدأ بإبراهيم ويستمرّ في نسل إبراهيم، ومن ثمَّ تتحقّق رغبة الله في خلاص الإنسان. ماذا ترون في هذا؟ أليس هذا شيئًا مباركًا؟ يرى الإنسان أنه لا توجد نعمةٌ أعظم من هذا؛ ويمكن القول إن هذا أعظم بركةٍ. لم تكن البركة التي نالها إبراهيم تكثير نسله، بل تحقيق الله لتدبيره ومهمّته وعمله في نسل إبراهيم. وهذا يعني أن البركات التي نالها إبراهيم لم تكن مُؤقّتة، بل استمرّت مع تقدّم خطّة تدبير الله. عندما تكلّم الله وأقسم بنفسه، كان قد اتّخذ قرارًا بالفعل. هل كانت عملية هذا القرار صادقة؟ هل كانت حقيقيّة؟ قرّر الله أنه، من ذلك الوقت فصاعداً، أن ينال إبراهيم ونسله جهود الله والثمن الذي دفعه وما لديه وما هو عليه وكل شيءٍ، وحتّى حياته. كما قرّر الله أنه بدءًا من هذه المجموعة من الناس سوف يكشف عن أعماله ويسمح للإنسان بأن يرى حكمته وسلطانه وقدرته.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 35
وعد الله لإبراهيم (فِقرة مُختارة)
(التكوين 22: 16-18) "بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، يَقُولُ يَهْوَه، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا ٱلْأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ٱبْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ ٱلسَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ ٱلَّذِي عَلَى شَاطِئِ ٱلْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ ٱلْأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي".
رغبة الله الثابتة هي كسب أولئك الذين يعرفون الله وقادرون على الشهادة له
في الوقت نفسه الذي كلّم فيه الله ذاته، تكلّم أيضًا مع إبراهيم، ولكن بصرف النظر عن سماع البركات التي وهبها الله له، هل كان إبراهيم قادرًا على فهم رغبات الله الحقيقيّة في جميع كلماته في تلك اللحظة؟ كلا، لم يكن! وهكذا، في تلك اللحظة، عندما أقسم الله بذاته، كان قلبه لا يزال وحيدًا وحزينًا. لم يوجد شخصٌ واحد قادر على فهم أو استيعاب ما قصده الله وخطّط له. في تلك اللحظة، لم يتمكّن أيّ شخصٍ – بما في ذلك إبراهيم – من التحدّث إليه واثقًا، ولم يوجد أيّ شخصٍ قادر على التعاون معه في أداء العمل الذي ينبغي عليه إتمامه. من الناحية الظاهريّة، ربح الله إبراهيم، وربح شخصًا يمكنه أن يطيع كلامه. ولكن في الواقع، لم تكن لدى هذا الشخص أدنى معرفة بالله. ومع أن الله بارك إبراهيم، إلا أن قلب الله لم يكن راضيًا بعد. ما معنى أن الله لم يكن راضيًا؟ هذا يعني أن تدبيره كان قد بدأ للتوّ، وأن الناس الذين أراد ربحهم، والشعب الذي تاق لرؤيته، والشعب الذي أحبّه، كانوا لا يزالون بعيدين عنه. لقد كان بحاجةٍ إلى الوقت، وكان بحاجةٍ إلى الانتظار، وكان بحاجةٍ إلى التحلّي بالصبر. لأنه في ذلك الوقت، بصرف النظر عن الله نفسه، لم يعرف أحدٌ ما الذي كان يحتاجه، أو ما كان يرغب في ربحه، أو ما كان يتوق إليه. وهكذا، في الوقت نفسه الذي كان الله يشعر فيه بالحماس، كان يشعر أيضًا بحزنٍ في قلبه. ومع ذلك، لم يوقف خطواته وواصل التخطيط للخطوة التالية لما كان ينبغي عليه أن يفعله.
ماذا ترون في وعد الله لإبراهيم؟ منح الله إبراهيم بركات عظيمة لمُجرّد أنه أطاع كلام الله. ومع أن هذا يبدو من الناحية الظاهريّة طبيعيًا وبديهيًّا، إلا أننا نرى فيه قلب الله: فالله يُثمّن على وجهٍ خاص خضوع الإنسان له، ويعتزّ بفهم الإنسان له وصدقه أمامه. ما مقدار اعتزاز الله بهذا الصدق؟ قد لا تفهمون مقدار اعتزازه به، وربمّا لا يوجد مَنْ يدرك ذلك. رزق الله إبراهيم بابنٍ، وعندما كبر ذلك الابن، طلب الله من إبراهيم تقديمه له. اتّبع إبراهيم أمر الله بالحرف، وأطاع كلمته، فأثار صدقه مشاعر الله وأصبح موضع اعتزاز الله. كم قدّر الله هذا؟ ولماذا قدّره؟ في وقتٍ لم يكن أحدٌ يستوعب كلمات الله أو يفهم قلبه، صنع إبراهيم شيئًا رجّ السماوات وجعل الأرض ترتجف، وجعل الله يشعر شعورًا غير مسبوقٍ بالرضا، وغمره بفرحة ربح شخصٍ استطاع أن يخضع لكلماته. نبع هذا الرضا والفرح من كائن مخلوقٍ صنعته يد الله، وكانت أول "ذبيحة" قدّمها الإنسان لله فكان مصدر تقديرٍ كبير من الله منذ أن خُلق الإنسان. مرّ الله بوقتٍ عصيب في انتظار هذه الذبيحة، وتعامل معها بصفتها أول هديةٍ من الإنسان الذي خلقه. فقد أظهرت لله أول ثمرةٍ لجهوده وللثمن الذي دفعه، وسمحت له برؤية الرجاء في الجنس البشريّ. بعد ذلك، كان الله لديه شوقٌ أكبر لمجموعة من مثل هؤلاء الناس ليبقوا في رفقته، ويتعاملوا معه بصدقٍ، ويتعهّدوا له بأمانةٍ. كان الله يأمل حتّى في أن يستمرّ إبراهيم حيًّا؛ لأنه كان يرغب في أن يرافقه قلب مثل قلب إبراهيم، وأن يكون معه أثناء استمراره في تدبيره. مهما كان ما أراده الله، فقد كانت مُجرّد رغبة، مُجرّد فكرة – لأن إبراهيم كان مُجرّد رجل استطاع الخضوع لله، ولم يكن لديه أدنى فهمٍ عن الله أو معرفة به. كان إبراهيم شخصاً لا يرقى لمستوى متطلّبات الله من الإنسان؛ وهي: معرفة الله والقدرة على الشهادة لله والانسجام مع الله. لذا لم يستطع إبراهيم السير مع الله. رأى الله في تقدمة إبراهيم إسحاق إخلاص إبراهيم وخضوعه، ورأى أنه تحمّل امتحان الله له. ورغم أن الله قَبِلَ إخلاص إبراهيم وخضوعه، كان لا يزال غير جديرٍ بأن يصبح مقربًا من الله، وأن يصبح شخصًا عرف الله وفهمه، وكان على معرفة بشخصيّة الله؛ كان بعيدًا عن أن يكون عقلًا واحدًا مع الله ويتبع مشيئته. وهكذا، كان الله في قلبه لا يزال وحيدًا وقلقًا. وكلّما زادت وحدة الله وقلقه، زادت حاجته إلى مواصلة تدبيره في أقرب وقتٍ ممكن، وأن يكون قادرًا على اختيار مجموعة من الناس وربحهم في أقرب وقتٍ ممكن، لإنجاز خطّة تدبيره وتتميم مشيئته. كان هذا هو مقصد الله المتلهف، وقد ظلّ من دون تغييرٍ منذ البداية وحتّى اليوم. منذ أن خلق الله الإنسان في البداية، كان يتوق باستماتة إلى مجموعةٍ من الغالبين، مجموعة من الناس قادرة على فهم شخصيّته ومعرفتها واستيعابها، لكي تسير معه. لم يتغير مقصد الله هذا قط. بغضّ النظر عن طول المدة التي ما يزال على الله أن ينتظرها، وبغضّ النظر عما قد تكون عليه صعوبة الطريق أمامه، وبغضّ النظر عما قد يكون عليه بُعد الأهداف التي يتوق إليها، فإنه لم يُغيّر توقّعاته من الإنسان قط أو يتخلّ عنها. والآن بعد أن قلت هذا، هل تدركون شيئًا عن رغبة الله؟ ربمّا يكون ما أدركتموه غير عميقٍ للغاية – ولكنه سوف يأتي تدريجيًّا!
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 36
يتعيّن على الله تدمير سدوم (فِقرة مُختارة)
(التكوين 18: 26) "فَقَالَ يَهْوَه: "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي ٱلْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ ٱلْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ".
(التكوين 18: 29) "فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ".
(التكوين 18: 30) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلَاثُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ".
(التكوين 18: 31) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ".
(التكوين 18: 32) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشْرَةٌ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ".
لا يهتمّ الله سوى بمَنْ يستطيعون طاعة كلامه واتّباع وصاياه
تحتوي الفقرات أعلاه على عدة كلماتٍ رئيسيّة: الأرقام. أولًا، قال يهوه إنه إذا وجد خمسين بارًا في المدينة فسوف يَصفَح عن المكان، أي لن يُهلِك المدينة. فهل وُجد، في الواقع، خمسون بارًا في سدوم؟ كلا، لم يُوجد. بعد فترةٍ وجيزة، ماذا قال إبراهيم لله؟ قال: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ". فأجاب الله: "لَا أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ ٱلْأَرْبَعِينَ". ثم قال إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ". فأجاب الله: "لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ". ثم قال إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ". فأجاب الله: "لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ ٱلْعِشْرِينَ". ثم قال إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ". فأجاب الله: "لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ ٱلْعَشْرَةِ". هل وُجد في الواقع عشرة أبرارٍ في المدينة؟ لم يوجد هناك عشرة، ولكن وُجد واحدٌ فقط. ومَنْ كان هذا الشخص؟ كان لوط. لم يُوجد في ذلك الوقت سوى شخص واحد بار في سدوم، ولكن هل كان الله صارمًا جدًّا أو قاسيًا عندما وصل الأمر إلى هذا العدد؟ كلا، لم يكن كذلك! وهكذا عندما ظلّ الإنسان يسأل: "ولو كان هناك أربعون؟"، "ولو كان هناك ثلاثون"، "ولو كان هناك عشرة"، أجاب الله بما معناه: "حتّى إذا وُجد هناك عشرة فقط فلن أهلِك المدينة ولكني أصفح عنها وأغفر للناس الآخرين إلى جانب هؤلاء العشرة". لو كان هناك عشرة فقط لكان ذلك كافيًا للدعوة إلى الشفقة، ولكن اتّضح أنه، في الواقع، لم يكن يُوجد حتّى هذا العدد من الأبرار في سدوم. ترى، إذًا، أنه في نظر الله، لم تترك خطيّة شعب المدينة وشرّه لله سوى خيار إهلاكهم. ماذا قصد الله عندما قال إنه لن يُهلِك المدينة إذا وُجد خمسون بارًا؟ لم تكن هذه الأعداد مهمّة لله. كان المهمّ هو ما إذا كانت المدينة يسكن بها البار الذي كان يريده أم لا. إذا لم يكن في المدينة سوى بار واحد، فلن يسمح له الله بالضرر بسبب إهلاكه للمدينة. وهذا يعني أنه، بغضّ النظر عمّا إذا كان الله سوف يُهلِك المدينة أم لا، وبغضّ النظر عن عدد الأبرار في المدينة، كانت هذه المدينة الخاطئة في نظر الله ملعونة ومقيتة ويجب إهلاكها وإخفائها من عينيّ الله، في حين ينبغي الحفاظ على الأبرار. بغضّ النظر عن العصر، وبغضّ النظر عن مرحلة تطوّر الجنس البشريّ، لا يتغيّر موقف الله: إنه يكره الشرّ، ويعبأ بالذين هم أبرار في نظره. هذا الموقف الواضح من الله هو أيضًا الإعلان الحقيقيّ عن جوهر الله. لم يعد الله يتردّد بسبب وجود بار واحد فقط في المدينة. كانت النتيجة النهائيّة هي دمار سدوم حتمًا. ماذا ترون في هذا؟ في ذلك العصر، لم يكن الله ليُهلِك مدينة إذا كان فيها خمسون بارًا، ولا إذا كان فيها عشرة، ممّا يعني أن الله سوف يُقرّر أن يغفر للجنس البشريّ ويسامحه أو يُؤدّي عمل الإرشاد بسبب عددٍ قليل من الناس القادرين على اتقائه وعبادته. يولي الله قدرًا هائلًا من الأهمّيّة لأعمال الإنسان البارة، وبأولئك القادرين على عبادته، وبأولئك القادرين على فعل الخير أمامه.
منذ الأزمنة الأولى وحتّى اليوم، هل قرأتم في الكتاب المُقدّس عن أن الله ينقل الحقّ أو يتحدّث عن طريق الله إلى أيّ شخصٍ؟ كلا. كان كلام الله للإنسان الذي نقرأه يُخبِر الناس بما يجب أن يفعلوه وحسب. تحرّك البعض وأطاعه، والبعض لم يطيعوه؛ البعض آمنوا والبعض لم يؤمنوا. هذا كل ما في الأمر. وهكذا، فإن الأبرار في ذلك الزمان – أي أولئك الذين كانوا أبرارًا في نظر الله – كانوا هم مَنْ يسمعون كلمات الله ويتبعون أوامره. كانوا خُدامًا يُنفّذون كلام الله بين البشر. هل يمكن أن نُسمّي أولئك الناس بأنهم مَنْ يعرفون الله؟ هل يمكن أن نُسمّيهم أشخاصًا قد كمّلهم الله؟ كلا، لا يمكننا أن ندعوهم هكذا. ومن ثمَّ، وبغضّ النظر عن عددهم، في نظر الله، هل كان هؤلاء الأبرار يستحقّون تسميتهم بأنهم مُقرّبون عند الله؟ هل يمكن تسميتهم بأنهم شهود لله؟ كلا بالتأكيد! لم يكونوا بالتأكيد يستحقّون تسميتهم بأنهم مُقرّبون عند الله أو شهود لله. ماذا أطلق الله على هؤلاء الناس إذًا؟ في العهد القديم من الكتاب المُقدّس، توجد العديد من الأمثلة التي يُطلِق فيها الله على كل واحدٍ منهم اسم "عبدي". وهذا يعني، في ذلك الوقت، أن هؤلاء الناس الأبرار كانوا في نظر الله عبيدًا لله، أي أنهم كانوا يخدمونه على الأرض. وكيف فكّر الله في هذه التسمية؟ لماذا دعاهم هكذا؟ هل لدى الله معايير في قلبه للتسميات التي يطلقها على الناس؟ بالتأكيد، الله لديه معايير، بغضّ النظر عمّا إذا كان يدعو الناس أبرارًا أو كاملين أو مستقيمين أو عبيدًا. عندما يدعو شخصًا ما بأنه عبده، فهو يؤمن إيمانًا راسخًا بأن هذا الشخص قادرٌ على استقبال رسله واتّباع وصاياه، ويستطيع تنفيذ ما يوصي به الرسل. ماذا يُنفّذ هذا الشخص؟ إنه يُنفّذ ما يوصي الله الإنسان بفعله وتنفيذه على الأرض. في ذلك الوقت، هل يمكن تسمية ما كان الله يطلب من الإنسان عمله وتنفيذه على الأرض بأنه طريق الله؟ كلا، لا يمكن. لأن الله في ذلك الوقت لم يكن يطلب من الإنسان سوى أن يعمل بعض الأشياء البسيطة. كان يُصدِر بعض الوصايا البسيطة التي تقول للإنسان بأن يفعل هذا أو ذاك، ولا شيء أكثر من ذلك. كان الله يعمل وفق خطّته، لأنه في ذلك الوقت لم تتوفر الكثير من الشروط ولم يكن الوقت قد حان بعد، وكان من الصعب على البشريّة أن تتحمّل طريق الله، وهكذا لم يكن طريق الله قد خرج للعلن بعد من قلب الله. اعتبر الله الناس الأبرار الذين تكلّم عنهم، والذين نراهم هنا – سواء كانوا ثلاثين أو عشرين – خُدّامًا له. عندما جاء رسل الله إلى هؤلاء الخُدّام، استطاعوا استقبالهم واتّباع وصاياهم والتصرّف وفقًا لكلماتهم. كان هذا بالضبط ما يجب على أولئك الذين كانوا خُدَّامًا عمله وتحقيقه في نظر الله. الله حكيمٌ في تسمياته للناس. دعاهم خُدّامَه – ليس لأنهم كانوا كما أنتم عليه اليوم: أي ليس لأنهم سمعوا كثيرًا من الوعظ، وعرفوا ما كان الله سيفعله، وفهموا كثيرًا من مشيئة الله، واستوعبوا خطة تدبيره – وإنّما لأنّهم كانوا صادقين في إنسانيتهم، وقادرين على الامتثال لكلام الله. فعندما أوصاهم الله، استطاعوا وضع ما كانوا يفعلونه جانبًا وتنفيذ ما أوصى به الله. وهكذا، يرى الله أن الطبقة الأخرى من المعنى المتضمّن في لقب خادم هي أنهم تعاونوا مع عمله على الأرض، ومع أنهم لم يكونوا رسلًا لله، إلا أنهم كانوا المُنفّذين والمُتمّمين لكلمات الله على الأرض. ترون، إذًا، أن هؤلاء الخُدّام أو الأبرار كانت لهم مكانةٌ كبيرة في قلب الله. كان العمل الذي سيبدأه الله على الأرض لا يمكن إتمامه دون أن يتعاون معه أشخاصٌ، وكان الدور الذي أدّاه خُدّام الله لا يمكن أن يُؤدّيه رسل الله. كل مهمّةٍ أوصى بها الله هؤلاء الخُدّام كانت تحمل أهمّيّة كبيرة له، وهكذا لم يستطع أن يخسرهم. بدون تعاون هؤلاء الخُدّام مع الله، لوصل عمله بين البشر إلى طريقٍ مسدود، ولترتب على ذلك أن ذهبت خطّة تدبير الله وآماله سدى.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 37
يتعيّن على الله تدمير سدوم (فِقرة مُختارة)
(التكوين 18: 26) "فَقَالَ يَهْوَه: "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي ٱلْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ ٱلْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ".
(التكوين 18: 29) "فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ".
(التكوين 18: 30) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلَاثُونَ". فَقَالَ: "لَا أَفْعَلُ".
(التكوين 18: 31) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ".
(التكوين 18: 32) "فَقَالَ: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشْرَةٌ". فَقَالَ: "لَا أُهْلِكُ".
الله كثير المراحم تجاه من يهتمّ بهم، وشديد الغضب على من يزدريهم
في رواية الكتاب المُقدّس، هل وُجد عشرة خُدّامٍ لله في سدوم؟ كلا، لم يُوجد! هل كانت المدينة تستحق أن يصفح عنها الله؟ لم يستقبل رسل الله سوى شخص واحد في المدينة – وهو لوط. ومعنى ذلك أنه لم يُوجد سوى خادم واحد في المدينة، ومن ثمَّ لم يكن لدى الله خيار سوى إنقاذ لوط وإهلاك مدينة سدوم. قد تبدو الحوارات الواردة آنفًا بين إبراهيم والله بسيطة، لكنها تُوضّح شيئًا عميقًا جدًّا: تُوجد مبادئ لأفعال الله، وقبل أن يتّخذ الله القرار يقضي وقتًا طويلاً في المراقبة والمشاورة، وحتمًا لن يتّخذ أيّ قراراتٍ أو يتوصّل إلى أيّة استنتاجات قبل الوقت المناسب. تُبيّن لنا الحوارات بين إبراهيم والله أن قرار الله بإهلاك سدوم لم يكن قرارًا خاطئًا بأيّة درجةٍ، لأن الله كان يعلم بالفعل أنه لم يُوجد في المدينة أربعون بارًا أو ثلاثون أو عشرون. ولم يُوجد عشرة حتّى. كان الشخص الوحيد البار في المدينة هو لوط. كان الله يلاحظ كل ما يحدث في سدوم وملابساته، وكان على درايةٍ كاملة بها. ومن ثمَّ، لم يكن ممكنًا أن يكون قراره خاطئًا. على النقيض من ذلك، بالمقارنة مع قدرة الله، فإن الإنسان متبلد الحسّ للغاية وأحمق وجاهل وقصير النظر. هذا ما نراه في الحوارات بين إبراهيم والله. ظلّ الله يُظهِر شخصيّته من البداية حتّى اليوم. وهنا، بالمثل، تُوجد شخصيّة الله التي يجب أن نراها. الأرقام بسيطة؛ فهي لا تُبيّن أيّ شيءٍ، ولكن يوجد هنا تعبيرٌ مهمّ جدًّا عن شخصيّة الله. لن يُهلِك الله المدينة من أجل خمسين بارًا. هل هذا يرجع لرحمة الله؟ هل يرجع لمحبّته وتسامحه؟ هل سبق ورأيتم هذا الجانب من شخصيّة الله؟ حتّى إذا لم يُوجد سوى عشرة أبرارٍ، لما كان الله قد أهلك المدينة من أجل هؤلاء الأبرار العشرة. هل هذا تسامح الله ومحبّته أم لا؟ بسبب رحمة الله وتسامحه واهتمامه تجاه هؤلاء الأبرار، لما أهلك المدينة. هذا هو تسامح الله. في النهاية، ما النتيجة التي نراها؟ عندما قال إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشْرَةٌ"، قال الله: "لَا أُهْلِكُ". وبعد ذلك صمت إبراهيم، لأن سدوم لم يكن بها الأبرار العشرة الذين ذكرهم فلم يعد لديه ما يقوله، وفي ذلك الوقت فهم سبب قرار الله بإهلاك سدوم. ما شخصيّة الله التي ترونها في هذا؟ ما نوع القرار الذي اتّخذه الله؟ حل الله هذا الأمر بأنه إذا لم يكن في هذه المدينة عشرة أبرارٍ فلن يسمح الله بوجودها وسيهلكها حتمًا. أليس هذا غضب الله؟ هل يُمثّل هذا الغضب شخصيّة الله؟ هل هذه الشخصيّة هي الإعلان عن جوهر الله المُقدّس؟ هل هي الإعلان عن جوهر الله البار، الذي ينبغي على الإنسان عدم الإساءة إليه؟ بعد تأكيد الله على أنه لم يُوجد عشرة أبرارٍ في سدوم، أصرّ الله على إهلاك المدينة ومعاقبة شعبها بشدّةٍ لأنهم قاوموا الله، ولأنهم كانوا دنسين وفاسدين.
لماذا حلّلنا هذه المقاطع بهذه الطريقة؟ لأن هذه العبارات البسيطة القليلة تُقدّم تعبيرًا كاملًا عن شخصيّة الله برحمته الوفيرة وغضبه الشديد. في الوقت نفسه الذي يُقدّر فيه الله الأبرار مترائفاً بهم ومسامحًا إياهم ومهتمًّا بهم، كَنَّ الله في قلبه كراهيةً مقيتة تجاه جميع الفاسدين الذين كانوا في سدوم. هل كان هذا رحمةً وفيرة وغضبًا شديدًا، أم لم يكن؟ بأيّة وسيلةٍ أهلك الله المدينة؟ بالنار. ولماذا أهلكها بالنار؟ عندما ترى شيئًا يحترق بالنار، أو عندما تكون على وشك إحراق شيءٍ، ماذا تكون مشاعرك تجاهه؟ لماذا تريد إحراقه؟ هل تشعر بأنك لم تعد بحاجةٍ إليه، وأنك لم تعد ترغب في النظر إليه؟ هل تريد التخلّي عنه؟ إن استخدام الله للنار يعني التخلّي والكراهية، وأنه لم يعد يرغب في رؤية سدوم. كانت هذه هي العاطفة التي جعلت الله يُهلِك سدوم بالنار. يُمثّل استخدام النار مدى غضب الله. إن رحمة الله وتسامحه موجودان بالفعل، ولكن قداسة الله وبرّه عندما يُعلِن غضبه يُظهِران للإنسان جانب الله الذي لا يحتمل أيّة إساءةٍ. عندما يكون الإنسان قادرًا تمامًا على طاعة وصايا الله والتصرّف وفقًا لمتطلّباته، يكون الله كثير المراحم تجاه الإنسان. وعندما يكون الإنسان مملوءًا بالفساد والكراهية والعداء ضده، يكون الله غاضبًا جدًّا. وإلى أيّ مدى يكون غضبه شديدًا؟ سوف يستمرُّ غضبه إلى أن تختفي من وجه الله مقاومة الإنسان وأعماله الشريرة، وحتّى لا تكون أمام عينيه. عندها فقط سيختفي غضب الله. وهذا يعني أنه بغضّ النظر عن طبيعة الشخص، إذا ابتعد قلبه بعيدًا عن الله وحاد عن الله ولم يرجع قط، فبغضّ النظر عن الكيفيّة التي يريد بها عبادة الله واتّباعه والخضوع لله في جسده أو في فكره، فيما يتعلّق بجميع مظاهره أو من حيث رغباته الذاتيّة، سوف يُعلِن الله عن غضبه دون توقّفٍ. وعندما يُعلِن الله غضبه الشديد، بعد أن يكون قد منح الإنسان فرصًا كثيرة، فبمُجرّد إعلان الغضب لن توجد طريقةٌ للتراجع عن غضبه، ولن يكون مطلقًا رحيمًا أو متسامحًا مع مثل هذا الإنسان مرةً أخرى. هذا جانبٌ من جوانب شخصيّة الله لا يحتمل أيّة إساءةٍ. هنا، يبدو من الطبيعيّ للناس أن يُهلِك الله مدينة، لأنه في نظر الله لا يمكن لمدينةٍ ملآنة بالخطيّة أن توجد وتستمرّ في البقاء، وكان من المنطقيّ أن يُهلِكها الله. ولكن في الأحداث التي وقعت قبل إهلاك سدوم وبعده نرى شخصيّة الله بأكملها. إنه متسامحٌ ورحوم تجاه الأشياء اللطيفة والجميلة والجيّدة، ولكنه شديد الغضب تجاه الأشياء الشريرة والخاطئة والفاسدة، وكأن غضبه لا يتوقّف. هذان هما الجانبان الرئيسيّان البارزان في شخصيّة الله، إضافة إلى أنهما الجانبان اللذان كشف عنهما الله من البداية إلى النهاية: الرحمة الوفيرة والغضب الشديد. لقد اختبر معظمكم ملمحًا من ملامح رحمة الله، ولكن قليلين جدًّا منكم هم مَنْ قدّروا غضب الله. يمكن رؤية رحمه الله وإحسانه في كل شخصٍ؛ أيّ أن الله رحيمٌ للغاية تجاه كل شخصٍ. ومع ذلك فإنه من النادر جدًّا – أو يمكن القول إنه لم يحدث قط – أن يكون الله قد غضب بشدّةٍ تجاه أيّ فردٍ أو أيّة مجموعةٍ من الناس بينكم. اِسترخوا! عاجلاً أو آجلًا سوف يعاين كل شخصٍ غضب الله ويختبره، ولكن الوقت لم يحن بعد. ولماذا هذا؟ لأنه عندما يكون الله غاضبًا دومًا تجاه شخصٍ ما، أي عندما يصبّ جام غضبه عليه، فإن هذا يعني أنه قد مرّ زمانٌ طويل منذ أن ازدرى الله ذلك الشخص، وأنه يحتقر وجوده ولا يحتمل وجوده؛ وبمُجرّد أن يأتي غضبه عليه، فسوف يختفي. واليوم، لم يبلغ عمل الله بعد هذه النقطة. لن يستطيع أيٌ منكم احتمال غضب الله عندما يشتدّ غضبه. ترون إذًا أن الله في هذا الوقت وافر الرحمة تجاهكم جميعًا، وأنكم لم تعاينوا غضبه الشديد. إذا وُجد من الناس من لم يقتنعوا بعد، فبإمكانكم أن تطلبوا أن ينصبّ غضب الله عليكم حتّى تختبروا ما إذا كان غضب الله وشخصيّته التي لا تطيق الإساءة من الإنسان موجودَيْن بالفعل أم لا. هل تجرؤون على ذلك؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 38
شعب الأيام الأخيرة لا يرى غضب الله إلا في كلماته، ولكنه لا يختبر حقًّا غضب الله
منذ وقت الخلق وحتّى اليوم، لم تتمتّع أيّة مجموعةٍ بمقدار نعمة الله أو رحمته وإحسانه مثل هذه المجموعة الأخيرة. مع أن الله، في المرحلة الأخيرة، قد أدّى عمل الدينونة والتوبيخ، وأدّى عمله بالجلال والغضب، إلا أنه في معظم الأوقات لا يستخدم سوى الكلمات لإنجاز عمله. إنه يستخدم كلمات للتعليم والسقي والإعالة والتغذية. وفي الوقت نفسه، ظلّ غضب الله مختبئًا دائمًا، وبصرف النظر عن اختبار شخصيّة الله الغاضبة في كلماته، لم يختبر إلا عدد قليل من الناس غضبه اختبارًا شخصيًّا. وهذا يعني أنه أثناء عمل الله في الدينونة والتوبيخ، مع أن الغضب المُعلن في كلمات الله يسمح للناس باختبار جلال الله وعدم تهاونه مع الإساءة، فإن هذا الغضب لا يتجاوز كلماته. وهذا يعني أن الله يستخدم الكلمات لانتهار الإنسان، وكشفه، ودينونته، وتوبيخه، بل وحتّى إدانته، لكن الله لم يغضب بعد بشدّةٍ من الإنسان، ولم يكد حتى أن يطلق العنان لغضبه على الإنسان إلا بكلماته. وهكذا، فإن رحمة الله وإحسانه اللذيْن اختبرهما الإنسان في هذا العصر هما الإعلان عن شخصيّة الله الحقيقيّة، في حين أن غضب الله الذي يختبره الإنسان ما هو إلا مُجرّد تأثير نبرة أقواله وحسّها. يأخذ كثيرون من الناس هذا التأثير على نحوٍ خاطئ على أنه الاختبار الحقيقيّ والمعرفة الحقيقيّة لغضب الله. ونتيجةً لذلك، يؤمن معظم الناس أنهم رأوا رحمة الله وإحسانه في كلماته، وأنهم عاينوا أيضًا عدم تساهل الله مع إساءة الإنسان، بل إن معظمهم وصل لمرحلة تقدير رحمة الله وتسامحه تجاه الإنسان. ولكن بغضّ النظر عن مدى سوء سلوك الإنسان، أو مدى فساد شخصيّته، كان الله يتحمّل دائمًا. وهدفه من تحمّله هو انتظار الكلمات التي تكلّم بها، والجهود التي بذلها، والثمن الذي دفعه لتحقيق تأثيرٍ في أولئك الذين يود ربحهم. إن انتظار نتيجة مثل هذه يستغرق وقتًا، ويتطلّب إنشاء بيئاتٍ مختلفة للإنسان، بالطريقة نفسها التي لا يصل بها الأشخاص مرحلة البلوغ بمُجرّد ولادتهم؛ فهذا يستغرق ثمانية عشر أو تسعة عشر عامًا، ويحتاج بعض الأشخاص إلى عشرين أو ثلاثين عامًا قبل أن يصلوا إلى مرحلة البلوغ الحقيقيّة. ينتظر الله استكمال هذه العمليّة، ومجيء مثل هذا الوقت، والوصول إلى هذه النتيجة. وطوال وقت الانتظار يكون الله وافر الرحمات. ومع ذلك، خلال فترة عمل الله، يُجازى عددٌ قليل للغاية من الناس، ويُعاقَب بعضهم بسبب معارضتهم الشديدة لله. مثل هذه الأمثلة دليلٌ أكبر على شخصيّة الله التي لا تتهاون مع إساءة الإنسان، وتُؤكّد تمامًا الوجود الحقيقيّ لتسامح الله وتحملّه تجاه المختارين. بالطبع، في هذه الأمثلة النمطيّة، لا يُؤثّر الكشف عن جزءٍ من شخصيّة الله داخل هؤلاء الناس في خطّة تدبير الله الشاملة. في الواقع، في هذه المرحلة النهائيّة من عمل الله، تحمّل الله طوال فترة انتظاره، ودفع تحمّله وحياته ثمنًا من أجل خلاص من يتبعونه. هل ترون هذا؟ الله لا يُحبِط خطّته بلا سببٍ. يمكنه أن يُطلِق غضبه، ويمكن أن يكون رحومًا أيضًا؛ هذا هو الإعلان عن الجزأين الرئيسيّين من شخصيّة الله. هل هذا واضحٌ جدًّا أم لا؟ أي أنه عندما يتعلّق الأمر بالله، وبالصواب والخطأ، وبالعدل والظلم، وبالإيجابيّ والسلبيّ – فهذا كله يظهر بوضوحٍ للإنسان. أمّا ما سوف يفعله، وما يحبّه، وما يكرهه فيمكن أن ينعكس كله مباشرةً في شخصيّته. يمكن أن تكون مثل هذه الأمور أيضًا واضحة جدًّا وجليّة في عمل الله، وهي ليست مبهمة أو عامة، بل إنها تسمح لجميع الناس بأن ينظروا شخصيّة الله وما لديه وما هو عليه بطريقةٍ ملموسة وصحيحة وعمليّة على نحو خاص. هذا هو الإله الحقيقيّ نفسه.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 39
شخصيّة الله لم تُخفَ قط عن الإنسان – لكن قلب الإنسان ضلّ عن الله
منذ زمن الخلق، كانت شخصيّة الله متوافقة مع عمله. لم تُخفَ قط عن الإنسان، ولكنها أُعلنت تمامًا وانكشفت للإنسان. ولكن مع مرور الوقت، بات قلب الإنسان أكثر بعدًا عن الله، ومع ازدياد فساد الإنسان، تزايد الانفصال بين الإنسان والله. اختفى الإنسان من أمام عينيّ الله ببطءٍ ولكن بتأكيدٍ. أصبح الإنسان غير قادرٍ على "رؤية" الله، وهذا ما حال بينه وبين الحصول على أيّة "أخبارٍ" عن الله. ومن ثمَّ، فإنه لا يعرف ما إذا كان الله موجودًا، بل إنه يتمادى إلى حدّ إنكار وجود الله تمامًا. وعليه، فإن عدم فهم الإنسان لشخصيّة الله وما لديه وماهيته لا يرجع لأن الله مخفيّ عن الإنسان، بل لأن قلب الإنسان ابتعد عن الله. مع أن الإنسان يؤمن بالله، إلا أن قلب الإنسان يخلو من الله، وهو جاهلٌ بكيفيّة محبّة الله، ولا يريد أن يحبّ الله، لأن قلبه لا يقترب أبدًا من الله، كما أنه دائمًا ما يتجنّب الله. ونتيجةً لذلك، فإن قلب الإنسان بعيدٌ عن الله. أين قلبه إذًا؟ في الواقع، لم يذهب قلب الإنسان إلى أيّ مكانٍ: فبدلًا من أن يُسلّم الإنسان قلبه لله أو يكشفه لله، احتفظ به لنفسه. وذلك بالرغم من أن بعض الناس يصلّون في كثيرٍ من الأحيان إلى الله قائلين: "يا الله، انظر إلى قلبي – أنت تعرف كل ما أفكّر به"، والبعض يُقسِمون حتّى ويسمحون لله أن ينظر إلى قلوبهم، وقد يتعرّضون للعقاب إذا خالفوا قسمهم. مع أن الإنسان يسمح لله بأن ينظر إلى داخل قلبه، فإن هذا لا يعني أنه قادرٌ على الخضوع إلى تنظيمات الله وترتيباته، ولا أنه ترك مصيره وتطلعاته وكل ما له لتحكّم الله. وهكذا، بغضّ النظر عن القسم الذي تُقدّمه لله أو ما تعلنه أمامه، فإن قلبك في نظر الله لا يزال مغلقًا أمامه، لأنك تسمح لله بأن ينظر قلبك فقط ولكنك لا تسمح له بالتحكّم فيه. وهذا يعني أنك لم تُسلّم الله قلبك مطلقًا، ولا تتحدّث سوى بكلماتٍ لطيفة كي يسمعها الله؛ وفي الوقت نفسه تخفي نواياك المخادعة المختلفة، مع مكائدك ومُخطّطاتك وخططك، وتتشبّث بآمالك ومصيرك بين يديك، خائفًا على الدوام من أن يُبعدها الله عنك. وهكذا، فإن الله لا ينظر صدق الإنسان تجاهه أبدًا. ومع أن الله يراقب أعماق قلب الإنسان، ويمكنه أن يرى ما يفكّر فيه الإنسان وما يريد أن يفعله في قلبه، ويمكنه أن يرى ما يحتفظ به داخل قلبه، إلا أن قلب الإنسان لا ينتمي إلى الله، فالإنسان لم يُسلّمه ليكون تحت تحكّم الله. وهذا يعني أن الله له الحقّ في الاطلاع، ولكن ليس له الحقّ في التحكّم. في الوعي الذاتيّ للإنسان، لا يريد الإنسان ولا ينوي أن يدع الله يرتب أموره. فالإنسان لم يغلق نفسه عن الله وحسب، بل يُوجد أناسٌ يُفكّرون حتّى في طرقٍ لتغطية قلوبهم، باستخدام الكلام الناعم والإطراء لخلق انطباعٍ خاطئ وكسب ثقة الله، وإخفاء وجههم الحقيقيّ بعيدًا عن أنظار الله. هدفهم من عدم السماح لله بأن يرى هو عدم السماح له بأن يدرك حقيقتهم فعلًا. إنهم لا يريدون تسليم قلوبهم لله، ولكن الاحتفاظ بها لأنفسهم. والمعنى الضمنيّ لهذا هو أن ما يفعله الإنسان وما يريده خطّط له الإنسان وحسبه وقرّره بنفسه؛ إنه لا يتطلّب مشاركة الله أو تدخّله، ولا يحتاج إلى تنظيمات الله وترتيباته. وهكذا، سواء فيما يتعلّق بوصايا الله أو تكليفه أو المتطلّبات التي يطلبها الله من الإنسان، تستند قرارات الإنسان إلى نواياه ومصالحه وحالته وظروفه الخاصة في ذلك الوقت. أن يستخدم الإنسان دائمًا المعرفة والأفكار التي يعرفها وعقله للحكم واختيار المسار الذي يجب أن يتّخذه، ولا يسمح بتدخّل الله أو تحكّمه. هذا هو قلب الإنسان الذي يراه الله.
منذ البداية وحتّى اليوم، كان الإنسان وحده قادرًا على التحدّث مع الله. وهذا يعني أنه من بين جميع الكائنات الحيّة ومخلوقات الله، لم يتمكّن سوى الإنسان من التحدّث مع الله. للإنسان آذانٌ تُمكّنه من السمع، وعيونٌ تُمكّنه من الرؤية، ولديه لغته وأفكاره الخاصة وإرادته الحرّة. إنه يمتلك كل ما هو مطلوبٌ لسماع ما يقوله الله وفهم إرادته وقبول تكليفه، وهكذا يمنح الله جميع أمانيه للإنسان، ويريد أن يجعل الإنسان رفيقًا منسجمًا معه ويمكنه السير معه. منذ بداية تدبير الله، كان الله ينتظر من الإنسان أن يُسلّم له قلبه، وأن يدعوه ليطهِّره ويجهِّزه، وأن يكون مُرضيًا أمامه ومحبوبًا لديه، وأن يتّقيه ويحيد عن الشرّ. لطالما تطلّع الله إلى هذه النتيجة وانتظرها.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 40
تقييم الله والكتاب المُقدّس لأيُّوب
(أيوب 1: 1) "كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ ٱسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا ٱلرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ".
(أيوب 1: 5) "وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ ٱلْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي ٱلْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: "رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَتَخَلَّوْا عَنِ ٱللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". هَكَذَا كَانَ أَيُّوب يَفْعَلُ كُلَّ ٱلأَيَّامِ".
(أيوب 1: 8) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ".
ما النقطة الأساسيّة التي ترونها في هذه الفقرات؟ تتعلّق هذه المقتطفات الثلاثة المختصرة من الكتاب المُقدّس كلها بأيُّوب. ومع أنها قصيرة، إلا أنها تكشف بوضوحٍ نوع شخصيّته. من خلال وصفها لسلوك أيُّوب اليوميّ وتصرّفه، فإنها تُخبِر الجميع أن تقييم الله لأيُّوب لم يكن بلا أساسٍ بل كان قائم على أساس صحيح. تُخبِرنا أنه سواء كان تقييم الإنسان لأيُّوب (أيوب 1: 1) أو تقييم الله لأيُّوب (أيوب 1: 8)، فكلاهما نتاجٌ لأفعال أيُّوب أمام الله والإنسان (أيوب 1: 5).
أولًا، دعونا نقرأ النص الأول: "كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ ٱسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا ٱلرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ". هذه الآية هي التقييم الأول لأيُّوب في الكتاب المُقدّس، وهي تقييم الكاتب لأيُّوب. وبطبيعة الحال، فإنها تُمثّل أيضًا تقييم الإنسان لأيُّوب: "وَكَانَ هَذَا ٱلرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ". دعونا بعد ذلك نقرأ تقييم الله لأيُّوب: "لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ". من بين التقييمين، جاء تقييمٌ من الإنسان وجاء التقييم الآخر من الله. هذان التقييمان لهما المحتوى نفسه. يمكن أن نرى، إذًا، أن سلوك أيُّوب وتصرّفه كانا معروفين للإنسان، كما كانا موضع مدح من الله. وهذا يعني أن سلوك أيُّوب أمام الإنسان وسلوكه أمام الله هما السلوك نفسه. لقد وضع سلوكه ودافعه أمام الله في جميع الأوقات، بحيث يمكن أن يلاحظهما الله، كما أنه كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. وهكذا، في نظر الله، لم يكن سوى أيُّوب من بين الناس على وجه الأرض مَنْ كان كاملًا ومستقيمًا ومَنْ كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ.
مظاهر مُحدّدة من اتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ في حياته اليوميّة
دعونا بعد ذلك نلقي نظرةً على مظاهر مُحدّدة لاتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ. بالإضافة إلى المقاطع السابقة واللاحقة، دعونا أيضًا نقرأ أيُّوب 1: 5، وهي أحد المظاهر المُحدّدة لاتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ. إنها تتعلّق بكيفيّة اتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ في حياته اليوميّة؛ وأكثر هذه الأمور وضوحًا أنه لم يكتفِ بعمل ما كان يجب عمله نتيجة اتّقاءه الله وحيدانه عن الشرّ، بل إنه كان يُصعِد بانتظامٍ محرقات أمام الله عن أبنائه. كان يخشى من أن يكون أبناؤه "أَخْطَأُواوَتَخَلَّوْا عَنِ ٱللهِ فِي قُلُوبِهِمْ" في أيام الوليمة. وكيف ظهر هذا الخوف عند أيُّوب؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الرواية التالية: "وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ ٱلْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي ٱلْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ". يُبيّن لنا تصرّف أيُّوب أن اتّقاءه الله، بدلاً من كونه متجلّيًا في سلوكه الخارجيّ، كان نابعًا من داخل قلبه، واتّقاء الله هذا يمكن إيجاده في كل جانبٍ من جوانب حياته اليوميّة، وفي جميع الأوقات، لأنه لم يكن يحيد عن الشرّ فحسب، بل كان كثيرًا ما يُصعِد محرقات عن أبنائه. وهذا يعني أن أيُّوب لم يكن خائفًا خوفًا شديدًا من الخطيّة أمام الله والتجديف على الله في قلبه، ولكنه كان مهمومًا أيضًا من احتمال أن يكون أبناؤه قد ارتكبوا خطيئة أمام الله وتنكروا له في قلوبهم. يمكن أن نرى من هذا أن حقيقة اتّقاء أيُّوب الله تصمد أمام الفحص الدقيق، وأبعد من شكّ أيّ إنسانٍ. هل كان يفعل ذلك في قليلٍ أم كثيرٍ من الأحيان؟ تقول الجملة الأخيرة من النصّ: "هَكَذَا كَانَ أَيُّوب يَفْعَلُ كُلَّ ٱلأَيَّامِ". هذه الكلمات تعني أن أيُّوب لم يكن يذهب ويتفقد أبناءه من حينٍ لآخر، أو عندما كان يروق له الأمر، ولم يكن يعترف لله من خلال الصلاة. بدلًا من ذلك، كان يُرسِل أبناءه بانتظامٍ لتقديسهم وتصعيد محرقات عنهم. لا يعني تعبير "كُلَّ الأَيَّامِ" هنا أنه فعل ذلك لمدة يومٍ أو يومين، أو للحظاتٍ. ولكنه يعني أن إظهار اتّقاء أيُّوب الله لم يكن مُؤقّتًا، ولم يتوقّف عند المعرفة أو الكلام المنطوق؛ بل كان طريق اتّقاءه الله وحيدانه عن الشرّ يُوجّه قلبه ويُملي عليه سلوكه، وكان، في قلبه، جذر وجوده. كان ما يعمله كل الأيام يُظهِر أنه، في قلبه، كان يخشى في كثيرٍ من الأحيان أن يكون هو نفسه قد أخطأ أمام الله، كما كان يخشى أن يخطئ يكون أبناؤه وبناته أمام الله. إنها تُمثّل مدى تطبّع قلبه بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. كان يفعل هذا كل الأيام لأنه، في قلبه، كان مرتعدًا وخائفًا من أن يكون قد صنع الشرّ وأخطأ أمام الله، ومن أن يكون قد حاد عن طريق الله وبذلك لم يكن بإمكانه إرضاء الله. وفي الوقت نفسه، كان مهمومًا بشأن أبنائه وبناته، خوفًا من أن يكونوا قد أخطأوا أمام الله. كان هذا هو سلوك أيُّوب الطبيعيّ في حياته اليوميّة. وهذا السلوك الطبيعيّ هو بالضبط ما يُبرهِن على أن اتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ ليسا كلمات فارغة، وأن أيُّوب عاش بالفعل مثل هذا الواقع. "هَكَذَا كَانَ أَيُّوب يَفْعَلُ كُلَّ ٱلأَيَّامِ": تُخبِرنا هذه الكلمات بأفعال أيُّوب اليوميّة أمام الله. عندما كان يعمل ذلك كل الأيام، هل وصل سلوكه وقلبه أمام الله؟ أيّ هل كان الله راضيًا في كثيرٍ من الأحيان عن قلبه وسلوكه؟ وبعد ذلك، في أيّة حالةٍ وفي أيّ سياقٍ كان أيُّوب يعمل ذلك كل الأيام؟ يقول بعض الناس: "إن السبب وراء ذلك هو أن الله كان يتراءى لأيُّوب في كثيرٍ من الأحيان". ويقول البعض: "إنه كان يفعل ذلك كل الأيام لأنه كان لديه الإراداة لأن يحيد عن الشرّ". ويقول البعض: "إنه ربّما اعتقد أن ثروته لم تأتِ بسهولةٍ، وكان يعلم أن الله منحه إياها، ولذلك كان يخشى بشدّةٍ من فقدان ممتلكاته نتيجة الخطيّة أمام الله أو التجديف عليه". هل أيٌّ من هذه الادعاءات صحيحٌ؟ كلا بالطبع. لأنه في نظر الله، أكثر ما كان يقبله الله ويُقدّره في قلبه تجاه أيُّوب ليس أنه كان يفعل ذلك كل الأيام فحسب، ولكن بالأحرى سلوكه أمام الله والإنسان والشيطان عندما أُسلم للشيطان لتجربته.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 41
الشيطان يُجرّب أيُّوب للمرة الأولى (سرقة ماشيته والبلوى التي تحلّ بأبنائه) (فِقرة مُختارة)
أ. الكلمات التي تكلّم بها الله
(أيوب 1: 8) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ".
(أيوب 1: 12) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لَا تَمُدَّ يَدَكَ". ثمَّ خَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ يَهْوَه".
ب. ردّ الشيطان
(أيوب 1: 9-11) "فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ يَهْوَه وَقَالَ: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ ٱللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَٱنْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي ٱلْأَرْضِ. وَلَكِنِ ٱبْسِطْ يَدَكَ ٱلْآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يَتَخَلَّى عَنْكَ".
الله يسمح للشيطان بتجربة أيُّوب حتّى يتكمّل إيمان أيُّوب
أيوب 1: 8 هو أول تسجيل نراه في الكتاب المُقدّس للحوار بين يهوه الله والشيطان. ماذا قال الله؟ يُقدّم النصّ الأصليّ الرواية التالية: "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ". كان هذا تقييم الله لأيُّوب أمام الشيطان؛ قال الله إن أيُّوب كان رجلًا كاملًا مستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. قبل هذه الكلمات بين الله والشيطان، كان الله قد قرّر أنه سيستخدم الشيطان لتجربة أيُّوب، أي أنه سوف يُسلّم أيُّوب إلى الشيطان. من ناحية، سوف يُثبِت هذا أن ملاحظة الله وتقييمه لأيُّوب كانا دقيقين وبدون أيّ خطأ، ومن شأنهما فضح الشيطان من خلال شهادة أيُّوب. ومن ناحية أخرى، سوف يُكمّل إيمان أيُّوب واتّقاءه الله. وهكذا، عندما جاء الشيطان أمام الله لم يراوغه الله. تكلّم مباشرةً وسأل الشيطان: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ". يكمن المعنى التالي في سؤال الله: عرف الله أن الشيطان قد جال جميع الأماكن، وكثيرًا ما تجسّس على أيُّوب، الذي كان خادمًا لله. غالبًا ما جرّب الشيطان أيُّوب وهاجمه، محاولًا العثور على طريقةٍ لجلب الخراب عليه لإثبات أن إيمانه بالله واتّقاءه إياه لا يمكنهما الصمود. سعى الشيطان أيضًا بسهولةٍ وراء فرصٍ لإهلاك أيُّوب لعلّه يتمرّد على الله فيستحوذ عليه من يد الله. ومع ذلك، نظر الله في قلب أيُّوب ورأى أنه كاملٌ ومستقيم، وأنه يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. استخدم الله سؤالاً لإخبار الشيطان بأن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وأن أيُّوب لن يُجدّف أبدًا على الله ويتبع الشيطان. بعد أن سمع الشيطان تقييم الله لأيُّوب، اغتاظ غيظًا نابعًا من الإذلال، وازداد غضب الشيطان، ولم يعد يطيق صبرًا لاختطاف أيُّوب، لأن الشيطان لم يعتقد قط أن شخصًا ما يمكنه أن يكون كاملًا ومستقيمًا أو أن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. في الوقت نفسه، كان الشيطان يكره كمال الإنسان واستقامته، ويكره الناس الذين يتّقون الله ويحيدون عن الشرّ. وهكذا يرد في أيوب 1: 9-11: "فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ يَهْوَه وَقَالَ: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ ٱللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَٱنْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي ٱلْأَرْضِ. وَلَكِنِ ٱبْسِطْ يَدَكَ ٱلْآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يَتَخَلَّى عَنْكَ". كان الله على درايةٍ تامة بطبيعة الشيطان الشريرة، وكان يعرف جيّدًا أن الشيطان كان يعتزم منذ فترةٍ طويلة إهلاك أيُّوب، وهكذا تمنّى الله في هذا، من خلال إخبار الشيطان مرةً أخرى أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، أن يُدخل الشيطان في الأمر فيكشف الشيطان عن وجهه الحقيقيّ بأن يهاجم أيُّوب ويُجرّبه. وهذا يعني أن الله أكّد عمدًا على أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وبهذه الطريقة جعل الشيطان يهاجم أيُّوب بسبب كراهية الشيطان وحقده تجاه حقيقة أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. ونتيجةً لذلك، كان الله سيجلب العار على الشيطان من خلال حقيقة أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، وسوف يُترك الشيطان مهانًا ومهزومًا تمامًا. بعد ذلك، لم يعد الشيطان يشكّ أو يُوجّه اتّهامات بخصوص كمال أيُّوب أو استقامته أو اتّقائه الله أو حيدانه عن الشرّ. بهذه الطريقة، كانت تجربة الله وإغواء الشيطان حتميّين تقريبًا. كان الشخص الوحيد القادر على احتمال تجربة الله وإغواء الشيطان هو أيُّوب. حصل الشيطان بعد هذا الحوار على الإذن بإغواء أيُّوب. وهكذا بدأت جولة الشيطان الأولى من الهجمات. كان الهدف من هذه الهجمات هو ممتلكات أيُّوب، لأن الشيطان كان قد قدّم الاتّهام التالي ضد أيُّوب: "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ ٱللهَ؟ ... بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَٱنْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي ٱلْأَرْضِ". ونتيجةً لذلك، سمح الله للشيطان بأن يأخذ كل ما كان لدى أيُّوب – وهو الهدف الوحيد من حديث الله مع الشيطان. ومع ذلك، طلب الله من الشيطان طلبًا واحدًا: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لَا تَمُدَّ يَدَكَ" (أيوب 1: 12). كان هذا هو الشرط الذي قدّمه الله بعد أن سمح للشيطان بإغواء أيُّوب وبعد أن وضع أيُّوب في يد الشيطان، وكان هو الحدّ الذي وضعه للشيطان: أمر الله الشيطان بألا يؤذي أيُّوب. لأن الله كان يعرف أن أيُّوب رجلٌ كاملٌ مستقيمٌ، وكان واثقًا من أن كمال أيُّوب واستقامته أمامه لا شكّ فيهما ويمكنهما اجتياز الاختبار، فمن ثمَّ سمح الله للشيطان بإغواء أيُّوب، لكنه فرض قيدًا على الشيطان: سُمِح للشيطان بأن يأخذ جميع ممتلكات أيُّوب، لكنه لم يُسمح له بأن يمسّ شعرة منه. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الله لم يُسلّم أيُّوب تمامًا إلى الشيطان في تلك اللحظة. كان يمكن للشيطان إغواء أيُّوب بأيّة طريقةٍ أرادها، ولكن لم يكن بإمكانه أن يؤذي أيُّوب نفسه، ولا حتّى شعرة واحدة من شعر رأسه، لأن الله يتحكّم بكل ما في الإنسان، وما دام الله يقرّر ما إذا كان الإنسان يعيش أو يموت، فإن الشيطان لا يملك هذا الامتياز. بعد أن قال الله هذه الكلمات إلى الشيطان، لم يسع الشيطان الانتظار حتّى يبدأ. استعمل كل وسيلةٍ لإغواء أيُّوب، وسرعان ما فقد أيُّوب ما يعادل جبلًا من الأغنام والثيران وجميع الممتلكات التي منحه الله إياها...هكذا جاءت تجارب الله عليه.
مع أن الكتاب المُقدّس يخبرنا عن أصول تجربة أيُّوب، هل كان أيُّوب نفسه، الشخص الذي تعرّض لهذا الإغواء، مدركًا لما كان يحدث؟ كان أيُّوب مُجرّد إنسان، وبالطبع لم يكن يعرف شيئًا عن القصة التي تتكشّف من حوله. ومع ذلك، فإن اتّقاءه الله وكماله واستقامته جعله يُدرِك أن تجارب الله قد حلّت عليه. لم يكن يعرف ما حدث في العالم الروحيّ، ولا أن نوايا الله وراء هذه التجارب. لكنه كان يعلم أنه بغضّ النظر عما حدث له، فإنه يجب أن يظل صادقًا في كماله واستقامته، وأن يلتزم بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. كان موقف أيُّوب وردّ فعله تجاه هذه الأمور واضحين أمام الله. اذا رأى الله؟ رأى قلب أيُّوب الذي يتّقي الله، لأنه من البداية لحين تجربة أيُّوب، بقي قلب أيُّوب مفتوحًا لله ومنبسطًا أمام الله، ولم يتخلّ أيُّوب عن كماله أو استقامته، ولم يحد أو يبتعد عن طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. لم يكن ثمة شيءٌ أكثر إرضاءً لله من هذا.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 42
الشيطان يُجرّب أيُّوب للمرة الأولى (سرقة ماشيته والبلوى التي تحلّ بأبنائه) (فِقرة مُختارة)
ردّ فعل أيُّوب
(أيوب 1: 20-21) "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ: "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا".
قرار أيُّوب بإعادة كل ما يملكه نابعٌ من اتّقائه الله
بعد أن قال الله للشيطان: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لَا تَمُدَّ يَدَكَ"، غادر الشيطان، وبعدها بفترةٍ وجيزة تعرّض أيُّوب لهجومٍ مفاجئ وشرس: أولًا، نُهِبَت ثيرانه وحميره، وقُتِلَ بعض خدمه؛ وبعد ذلك، التهمت النيران خرافه وبعض خدمه؛ وبعد ذلك، أُخذت جِماله وقُتِلَ المزيد من خدمه؛ وأخيرًا، مات أبناؤه وبناته. كانت هذه السلسلة من الهجمات هي العذاب الذي عانى منه أيُّوب أثناء الإغواء الأول. وبحسب أمر الله، لم يستهدف الشيطان خلال هذه الهجمات سوى ممتلكات أيُّوب وأولاده، ولم يؤذِ أيُّوب نفسه. ومع ذلك، تحوّل أيُّوب على الفور من رجلٍ غنيّ يمتلك ثروة عظيمة إلى شخصٍ لم يكن لديه أيّ شيءٍ. لم يكن بمقدور أحدٍ أن يقاوم هذه الضربة المفاجئة المذهلة أو التعامل معها تعاملًا صحيحًا، إلا أن أيُّوب أظهر جانبه الاستثنائيّ. يُقدّم الكتاب المُقدّس الوصف التالي: "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَسَجَدَ". كان هذا أول ردّ فعلٍ لأيُّوب بعد سماعه أنه فقد أبناءه وجميع ممتلكاته. في الأساس، لم يبدُ متفاجئًا أو مصابًا بالذعر، فضلاً عن أنه لم يُعبّر عن غضبه أو كراهيته. ترى، إذًا، أنه أدرك بالفعل في قلبه أن هذه الكوارث لم تحدث بالمصادفة أو تسبّبت بها يد الإنسان، وبالطبع لم تكن نتيجة جزاءٍ أو عقاب. بل حلّت عليه تجارب يهوه وكان يهوه هو من أراد أخذ ممتلكاته وأولاده. كان أيُّوب هادئًا جدًّا وصافي الذهن في ذلك الوقت. مكّنته شخصيّته الكاملة المستقيمة من اتّخاذ أحكامٍ وقرارات دقيقة بصورةٍ عقلانيّة وطبيعيّة بخصوص المصائب التي حلّت به، ونتيجةً لذلك، تصرّف بهدوءٍ غير عاديّ: "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَسَجَدَ". "مَزَّقَ جُبَّتَهُ" تعني أنه كان عريانًا ولا يملك أيّ شيءٍ؛ و"جَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ" تعني أنه عاد أمام الله مثل طفلٍ حديث الولادة؛ و"خَرَّ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَسَجَدَ" تعني أنه جاء إلى العالم عريانًا وما زال ليس لديه أيّ شيءٍ اليوم وأنه عاد إلى الله مثل طفلٍ حديث الولادة. لم يكن من الممكن لأيّ مخلوقٍ من المخلوقات أن يكون له موقف أيُّوب تجاه كل ما أصابه. إيمانه بيَهْوَه تجاوز عالم الإيمان؛ كان هذا اتّقاؤه الله والخضوع له، ولم يكن بمقدوره شكر الله على ما يعطيه فحسب، بل أيضًا على ما يأخذه منه. وبالإضافة إلى ذلك، تمكّن من أن يأخذ على عاتقه إعادة كل ما يملكه إلى الله، بما في ذلك حياته.
اتّقاء أيُّوب الله والخضوع له مثالٌ للجنس البشريّ، كما أن كماله واستقامته كانا ذروة المثال الإنسانيّ الذي يجب أن يتّسم به الإنسان. مع أنه لم يرَ الله، إلا أنه أدرك أنه موجودٌ بالفعل، وبسبب هذا الإدراك كان يتّقي الله – وبسبب اتقائه الله، استطاع أن يخضع له. سمح لله بأن يأخذ كل ما لديه، ولكنه لم يكن يشتكي، كما أنه سجد أمام الله وأخبره أنه في هذه اللحظة حتّى لو أخذ الله جسده فسوف يسرّه أن يسمح له بذلك دون شكوى. كان سلوكه كله يرجع لشخصيّته الكاملة المستقيمة. وهذا يعني أنه نتيجة لبراءة أيُّوب وأمانته ولطفه، فإنه كان راسخًا في إدراكه واختباره لوجود الله. وعلى هذا الأساس أخضع نفسه ووحّد تفكيره وسلوكه وتصرّفه ومبادئ أعماله أمام الله وفقًا لإرشاد الله له وأعمال الله التي رآها بين جميع الأشياء. ومع مرور الوقت، ولّدت اختباراته فيه اتّقاءً حقيقيًا وفعليًا لله وجعلته يحيد عن الشرّ. كان هذا هو مصدر الاستقامة التي تمسّك بها أيُّوب. كان أيُّوب يتّسم بشخصيّةٍ مستقيمة وبريئة وطيّبة، وكان لديه اختبارٌ فعليّ في اتّقاء الله والخضوع له والحيدان عن الشرّ، بالإضافة إلى معرفة أن "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ". وبفضل هذه السمات وحدها استطاع الثبات في شهادته وسط هجمات الشيطان الشريرة هذه، وبفضلها وحدها لم يُخيّب أمل الله بل قدّم إجابة مُرضية لله عندما حلّت به تجارب الله. ومع أن سلوك أيُّوب أثناء الإغواء الأول كان واضحًا جدًا، إلا أن الأجيال اللاحقة لم تتمكّن من بلوغ هذا القدر من الوضوح حتّى بعد مجهودٍ طويل الأمد، كما أنها لم تكن بالضرورة تتّسم بسلوك أيُّوب الموصوف أعلاه. واليوم، بمواجهة سلوك أيُّوب الصريح، وبمقارنته مع صرخات وصيحات "الخضوع المطلق والولاء حتّى الموت" التي يُظهِرها لله أولئك الذين يدّعون الإيمان به واتّباعه، هل تشعرون بالخجل الشديد أم لا؟
عندما تقرأ في الكتاب المُقدّس عن كل ما عاناه أيُّوب وعائلته، ما ردّ فعلك؟ هل تتوه في أفكارك؟ هل تشعر بالذهول؟ هل يمكن وصف التجارب التي أصابت أيُّوب بأنها "مرعبة"؟ هذا يعني أنه من المُروّع بما فيه الكفاية قراءة تجارب أيُّوب كما هي موصوفةٌ في الكتاب المُقدّس فضلًا عن كيفيّة حدوثها في الحياة الواقعية. ترى، إذًا، أن ما أصاب أيُّوب لم يكن "تدريبًا عمليًا" بل "معركة" حقيقيّة تتضمّن "مسدّسات" و"رصاصات" حقيقيّة. ولكن بيَدِ مَنْ خضع لهذه التجارب؟ لقد كانت بالطبع من عمل الشيطان، وقام الشيطان بهذه الأمور بيديه، وعلى الرغم من ذلك، فقد تمت هذه الأمور بتفويض من الله. هل أخبر الله الشيطان عن أيّة وسائل يُجرّب بها أيُّوب؟ لم يفعل ذلك. ألم يضع الله إلّا شرطًا واحدًا تعين على أيوب الالتزام به، وبعد ذلك تعرّض أيُّوب للتجربة. وعندما تعرّض أيُّوب للتجربة، شعر الناس بشرّ الشيطان وبشاعته، وبخبثه وكراهيته للإنسان، وبعدائه لله. نرى في هذا أن الكلمات لا يمكنها وصف مدى قسوة هذه التجربة. يمكن القول إن الطبيعة الشريرة التي أساء بها الشيطان للإنسان ووجهه القبيح انكشفا بالكامل في هذه اللحظة. استخدم الشيطان هذه الفرصة، الفرصة التي أتاحها سماح الله، لإخضاع أيُّوب للإساءة الشديدة الضارية التي لا يمكن للناس اليوم تصوّر أو تحمّل طريقة ومستوى وحشيّتها. بدلًا من القول بأن أيُّوب جرّبه الشيطان وظلّ ثابتًا في شهادته خلال هذه التجربة، من الأفضل القول بأنه في التجارب التي قرّرها الله لأيُّوب، انبرى أيُّوب في منافسةٍ مع الشيطان لحماية كماله واستقامته، والدفاع عن طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. فقد أيُّوب في هذه المنافسة ما يعادل وزن جبل من الأغنام والماشية، وخسر جميع ممتلكاته، وفقد أبناءه وبناته، ولكنه لم يتخلّ عن كماله أو استقامته أو اتّقائه الله. وهذا يعني أن أيوب، في هذه المنافسة مع الشيطان، فضّل أن يكون محرومًا من ممتلكاته وأولاده عن أن يفقد كماله واستقامته واتّقائه الله. لقد فضّل التمّسك بجذر رجولته. يُقدّم الكتاب المُقدّس وصفًا موجزًا للعمليّة بأكملها التي فقد بها أيُّوب أمواله، كما يُوثّق سلوك أيُّوب وموقفه. هذه الأوصاف المقتضبة الموجزة تُشعِرك بأن أيُّوب كان أشبه بكونه مسترخيًا في مواجهة هذه التجربة، ولكن في حال إعادة عمل ما حدث بالفعل، آخذين في الاعتبار طبيعة الشيطان الخبيثة، فلن تكون الأمور بسيطة أو سهلة كما تصفها هذه العبارات. كان الواقع أشدّ قسوةٍ. هذا هو مستوى الخراب والكراهية الذي يعامل به الشيطان الجنس البشريّ وجميع من يقبلهم الله. إذا لم يكن الله قد طلب من الشيطان عدم إيذاء أيُّوب، لكان الشيطان قد قتل أيُّوب دون شكٍّ دون أيّ ندمٍ. فالشيطان لا يريد أحدًا يعبد الله، ولا يتمنّى من أولئك الذين هم أبرارٌ في نظر الله وكاملون ومستقيمون أن يستمرّوا في اتّقائهم الله وحيدانهم عن الشرّ. أن يتّقي الناس الله ويحيدوا عن الشرّ معناه أنهم يتجنّبون الشيطان ويتمردون عليه، وهكذا استفاد الشيطان من سماح الله فصبّ جام غضبه وكراهيته على أيُّوب بلا رحمةٍ. ترى، إذًا، مدى شدّة العذاب الذي عاناه أيُّوب، في عقله وجسده، ومن الخارج والداخل. لا نرى اليوم كيف كان الأمر في ذلك الوقت، ولكن يمكننا من روايات الكتاب المُقدّس أن ننظر بلمحةٍ موجزة مشاعر أيُّوب عندما تعرّض للعذاب في ذلك الوقت.
استقامة أيُّوب الراسخة تجلب الخزي على الشيطان وتجعله يهرب مذعورًا
وماذا فعل الله عندما تعرّض أيُّوب لهذا العذاب؟ راقب الله النتيجة وشاهدها وانتظرها. ماذا كان شعور الله فيما كان يراقب ويشاهد؟ شعر بالأسى الشديد، بالطبع. ولكن، هل يمكن أن يكون الله قد نَدِمَ على سماحه للشيطان بغواية أيُّوب؛ لمجرد الحزن الذي شعر به؟ الجواب، كلا، لا يمكن أن يكون قد أحس بمثل هذا الندم. لأنه كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. أعطى الله الشيطان ببساطةٍ فرصة التحقّق من برّ أيُّوب أمام الله، والكشف عن شرّ الشيطان وحقارته. إضافة إلى ذلك، كانت هذه فرصةٌ لأيُّوب ليقدم شهادة عن برّه واتّقائه الله وحيدانه عن الشرّ أمام شعوب العالم والشيطان وحتّى أولئك الذين يتبعون الله. هل أثبتت النتيجة النهائيّة أن تقييم الله لأيُّوب كان صحيحًا وبدون خطأ؟ هل غلب أيُّوب الشيطان فعليًّا؟ نقرأ هنا الكلمات الأصليّة التي قالها أيُّوب، وهي كلماتٌ تُثبِت أنه غلب الشيطان. قال: "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ". هذا هو موقف أيُّوب من الخضوع تجاه الله. ثم قال: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا". هذه الكلمات التي قالها أيُّوب تُثبِت أن الله يلاحظ أعماق قلب الإنسان، وأنه قادرٌ على النظر في عقل الإنسان، وتُثبِت أن قبوله لأيُّوب لا خطأ فيه، وأن هذا الرجل الذي قبله الله كان بارًا. "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا". هذه الكلمات هي شهادة أيُّوب عن الله. كانت هذه الكلمات العاديّة هي التي روّعت الشيطان وجلبت عليه الخزي وجعلته يهرب مذعورًا، وإضافة إلى ذلك، كبّلت الشيطان وتركته دون موارد. وهكذا أيضًا، جعلت هذه الكلمات الشيطان يشعر بعجائب عمل يهوه الله وقوّته، وسمحت له بإدراك الكاريزما الاستثنائيّة لشخصٍ يحكم قلبه طريق الله. إضافة إلى ذلك، أظهرت للشيطان الحيوّية الهائلة التي أظهرها رجلٌ صغير غير ذي أهمّيّةٍ في التمسّك بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. وهكذا انهزم الشيطان في المنافسة الأولى. على الرغم من أن الشيطان "تعلم درسًا من ذلك"، فإنه لم تكن لديه أيّة نيةٍ لترك أيُّوب وشأنه، ولم يُوجد أيّ تغييرٍ في طبيعته الشريرة. حاول الشيطان الاستمرار في مهاجمة أيُّوب، وهكذا جاء مرةً أخرى أمام الله...
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 43
الشيطان يُجرّب أيُّوب مرةً أخرى (قروحٌ تملأ جسم أيُّوب) (فِقرة مُختارة)
أ. الكلمات التي تكلّم بها الله
(أيوب 2: 3) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ. وَإِلَى ٱلْآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لِأَبْتَلِعَهُ بِلَا سَبَبٍ".
(أيوب 2: 6) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلَكِنِ ٱحْفَظْ نَفْسَهُ".
ب. كلمات الشيطان
(أيوب 2: 4-5) "فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ يَهْوَه وَقَالَ: "جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلْإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلَكِنْ ٱبْسِطِ ٱلْآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يَتَخَلَّى عَنْكَ".
ج. كيفيّة تعامل أيُّوب مع التجربة
(أيوب 2: 9-10) "فَقَالَتْ لَهُ ٱمْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ تَخَلَّ عَنِ ٱللهِ وَمُتْ!" فَقَالَ لَهَا: "تَتَكَلَّمِينَ كَلَامًا كَإِحْدَى ٱلْجَاهِلَاتِ! أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ".
(أيوب 3: 3-4) "لَيْتَهُ هَلَكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَٱللَّيْلُ ٱلَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ. لِيَكُنْ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ظَلَامًا. لَا يَعْتَنِ بِهِ ٱللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ".
محبّة أيُّوب لطريق الله تفوق كل شيءٍ آخر
يُوثّق الكتاب المُقدّس الكلام الذي جرى بين الله والشيطان على النحو التالي: "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ. وَإِلَى ٱلْآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لِأَبْتَلِعَهُ بِلَا سَبَبٍ" (أيوب 2: 3). يُكرّر الله في هذا الحوار السؤال نفسه للشيطان. إنه سؤالٌ يُبيّن لنا تقييم يهوه الله الإيجابيّ لما أظهره أيُّوب وعايشه أثناء التجربة الأولى، وهو لا يختلف عن تقييم الله لأيُّوب قبل خضوعه لإغواء الشيطان. وهذا يعني أنه قبل أن تحلّ التجربة بأيُّوب كان في نظر الله كاملًا، ومن ثمَّ حفظه الله وحفظ عائلته وباركه؛ كان أيُّوب يستحقّ البركة في نظر الله. وبعد التجربة، لم يخطئ أيوب بشفتيه بسبب أنه فقد ممتلكاته وأولاده، لكنه استمرّ في شكر اسم يهوه. سلوكه الحقيقيّ جعل الله يمدحه، وبسببه منحه الله مكانة خاصة. كان أيُّوب يعتبر أن نسله أو أمواله لم تكن كافية لتدفعه للتجديف على الله. وهذا يعني أن مكانة الله في قلبه لا يمكن أن يحلّ محلّها أولاده أو أيّ جزءٍ من ممتلكاته. أثناء تجربة أيُّوب الأولى، أظهر لله أن محبّته له ومحبّته لطريق اتّقائه وحيدانه عن الشرّ فاقت كل شيءٍ آخر. منحت هذه التجربة وحدها أيُّوب خبرة قبول عطيّة من يهوه الله وقبول أن يأخذ الله أملاكه وأولاده.
اعتبر أيُّوب هذه التجربة اختبارًا حقيقيًّا غسل روحه؛ لقد كانت معموديّة للحياة حقّقت وجوده، وأيضًا، كانت وليمة فخمة اختبرت خضوعه لله واتّقاءه إياه. حوّلت هذه التجربة مكانة أيُّوب من مكانة رجلٍ غنيّ إلى شخصٍ لا يملك أيّ شيءٍ، كما سمحت له باختبار سوء معاملة الشيطان للجنس البشريّ. لم يجعله عوزه يمقت الشيطان، بل بالأحرى رأى في أعمال الشيطان الشريرة قبحه وحقارته، بالإضافة إلى عداوة الشيطان لله وخيانته له، وهذا ما شجّعه بالأكثر على التمسّك الدائم بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. لقد أقسم بأنه لن يتخلّى عن الله ويحيد عن طريق الله بسبب عوامل خارجيّة مثل الممتلكات أو الأولاد أو الأقارب، ولن يكون عبدًا للشيطان أو للممتلكات أو لأيّ شخصٍ. فلا يمكن لأحدٍ من دون يهوه الله أن يكون له ربًّا أو إلهًا. كانت هذه تطلعات أيُّوب. ومن ناحية أخرى، حصل أيُّوب أيضًا على شيءٍ ما من التجربة: اكتسب ثراءً هائلًا في وقت التجارب التي سمح بها الله.
خلال حياة أيُّوب على مدى عدة عقود سابقة، عاين أفعال يهوه واستحقّ بركات يهوه الله له. وقد جعلته هذه البركات يشعر بالحيرة الشديدة والفضل الجزيل، لأنه كان يؤمن أنه لم يفعل أيّ شيءٍ من أجل الله ومع ذلك رُزِقَ بمثل هذه البركات الوفيرة وتمتّع بموفور النعمة. ولهذا السبب، كان كثيرًا ما يُصلّي في قلبه آملًا من أن يتمكّن من ردّ الجميل لله، ومن أن تُتاح له الفرصة للشهادة لأعمال الله وعظمته، ومن أن يضع الله خضوعه موضع اختبارٍ، وإضافة إلى ذلك، من أن يتطهّر إيمانه إلى أن يقبل الله خضوعه وإيمانه. وعندما حلّت التجربة بأيُّوب، آمن أن الله سمع صلواته. قدّر أيُّوب هذه الفرصة أكثر من أيّ شيءٍ آخر، ولهذا لم يجرؤ على الاستهانة بها، لأن ها هي أعظم أمانيه تتحقّق. كان وصول هذه الفرصة يعني أن خضوعه واتّقاءه الله يمكن اختبارهما وتطهيرهما. وإضافة إلى ذلك، كان الأمر يعني أن أيُّوب نال قبول الله، ممّا جعله أقرب إلى الله. خلال التجربة، سمح له هذا الإيمان وهذا السعي أن يصبح أكثر كمالًا، وأن يفهم إرادة الله فهمًا أفضل. أصبح أيُّوب أيضًا أكثر امتنانًا لبركات الله ونعمه، وكان قلبه يفيض بتسبيح أعمال الله، وكان أكثر اتّقاءً لله وتبجيلًا له، كما أنه كان يتوق أكثر لجمال الله وعظمته وقداسته. في هذا الوقت، مع أن أيُّوب كان لا يزال يتّقي الله ويحيد عن الشرّ في نظر الله، فإنه فيما يتعلّق بتجاربه أحرز إيمان أيوب ومعرفته تقدمًا هائلًا: ازداد إيمانه وترسّخ خضوعه وأصبح اتّقاؤه الله أعمق. ومع أن هذه التجربة حوّلت روح أيُّوب وحياته، إلا أن هذا التحوّل لم يُرضِه ولم يُبطئ تقدّمه للأمام. في وقت حسابه لما كسبه من هذه التجربة، والنظر في عيوبه الخاصة، كان يُصلّى بهدوءٍ منتظرًا أن تحلّ به التجربة التالية، لأنه كان يتوق لزيادة مستوى إيمانه وخضوعه واتّقائه الله خلال التجربة اللاحقة من الله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 44
الشيطان يُجرّب أيُّوب مرةً أخرى (قروحٌ تملأ جسم أيُّوب) (فِقرة مُختارة)
أ. الكلمات التي تكلّم بها الله
(أيوب 2: 3) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ. وَإِلَى ٱلْآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ، وَقَدْ هَيَّجْتَنِي عَلَيْهِ لِأَبْتَلِعَهُ بِلَا سَبَبٍ".
(أيوب 2: 6) "فَقَالَ يَهْوَه لِلشَّيْطَانِ: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلَكِنِ ٱحْفَظْ نَفْسَهُ".
ب. كلمات الشيطان
(أيوب 2: 4-5) "فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ يَهْوَه وَقَالَ: "جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلْإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلَكِنْ ٱبْسِطِ ٱلْآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يَتَخَلَّى عَنْكَ".
وسط المعاناة الشديدة يُدرِك أيُّوب حقًّا رعاية الله للبشريّة
بعد الأسئلة التي وجهها يهوه الله إلى الشيطان، كان الشيطان سعيدًا في داخله. كان ذلك لأن الشيطان عرف أنه سوف يُسمَح له مرةً أخرى بالهجوم على الرجل الذي كان كاملًا في نظر الله – وكانت هذه فرصةٌ نادرة للشيطان. أراد الشيطان استغلال هذه الفرصة لتقويض قناعة أيُّوب بالكامل، وجعله يفقد إيمانه بالله، ومن ثم لا يعد يتّقي الله أو يبارك اسم يهوه. كان هذا من شأنه أن يمنح الشيطان فرصة: بغضّ النظر عن المكان أو الزمان، سوف يكون بإمكان الشيطان أن يجعل أيُّوب ألعوبة تحت سطوته. أخفى الشيطان نواياه الشريرة دون أن يترك أثرًا، لكنه لم يستطع التحكم في طبيعته الخبيثة. تظهر هذه الحقيقة في ردّه على كلام يهوه الله، كما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس: "فَأَجَابَ ٱلشَّيْطَانُ يَهْوَه وَقَالَ: "جِلْدٌ بِجِلْدٍ، وَكُلُّ مَا لِلْإِنْسَانِ يُعْطِيهِ لِأَجْلِ نَفْسِهِ. وَلَكِنْ ٱبْسِطِ ٱلْآنَ يَدَكَ وَمَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يَتَخَلَّى عَنْكَ" (أيوب 2: 4-5). من المستحيل عدم اكتساب معرفة جوهريّة وإحساس بخبث الشيطان وخزيه من هذا الحوار بين الله والشيطان. بعد سماع هذه المغالطات من الشيطان، فإن جميع من يحبّون الحق ويمقتون الشرّ سوف يكون لديهم دون شكٍّ كراهية أكبر لسفالة الشيطان ووقاحته، وسوف يشعرون بالفزع والاشمئزاز من مغالطات الشيطان، وفي الوقت نفسه سوف يرفعون صلوات حارة وأمنيات قلبيّة من أجل أيُّوب، داعين أن يتمكّن هذا الرجل البار من بلوغ الكمال، ومتمنين لهذا الرجل الذي يتّقي الله ويحيد عن الشرّ أن يتغلّب دائمًا على إغواء الشيطان، ويحيا في النور وفي ظلّ إرشاد الله وبركاته؛ وكذلك أيضًأ سيتمنى هؤلاء الناس أن تُحفّز أعمال أيُّوب الصالحة وتُشجّع جميع من يسعون في طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. مع أن نيّة الشيطان الخبيثة يمكن رؤيتها في هذا الإعلان، إلا أن الله وافق على "طلب" الشيطان مسرورًا، ولكن كان لديه أيضًا شرطٌ واحد: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلَكِنِ ٱحْفَظْ نَفْسَهُ" (أيوب 2: 6). لأن الشيطان طلب في هذه المرة أن يمدّ يده ليؤذي جسد أيُّوب وعظامه، قال له الله: "وَلَكِنِ ٱحْفَظْ نَفْسَهُ". هذه الكلمات تعني أن الله أعطى جسد أيُّوب للشيطان، أما حياة أيوب فكانت ملكًا لله فحفظها. لم يكن ممكنًا للشيطان أن يأخذ حياة أيُّوب، ولكن بعيدًا عن هذا كان ممكنًا للشيطان استخدام أيّة وسيلةٍ أو طريقة ضد أيُّوب.
بعد حصول الشيطان على الإذن من الله، هرع إلى أيُّوب ومدّ يده لإيذاء جسده، ممّا تسبّب في حدوث قروحٍ في جميع أنحاء جسده، فشعر أيُّوب بآلامٍ في جسده. سبّح أيُّوب عظمة يهوه الله وقداسته، ممّا جعل الشيطان أكثر فظاعة في تهوّره. ولأن الشيطان شعر بفرحة إيذاء الإنسان، مدّ يده فضرب جسد أيُّوب، ممّا تسبب في تقيّح قروحه. وعلى الفور شعر أيُّوب بآلامٍ وعذاب في جسده لا مثيل لهما، فلم يكن بوسعه سوى أن يحكّ قروحه من باطن قدمه إلى هامته بيديه، كما لو كان هذا سيُخفّف من الضربة التي وُجِّهت إلى روحه بهذا الألم في جسده. أدرك أن الله كان إلى جانبه مراقبًا إياه، وبذل قصارى جهده لإعداد نفسه للمواجهة. ركع مرة أخرى على الأرض قائلًا: "أنت تنظر قلب الإنسان، وتلاحظ بؤسه. لماذا يُقلِقك ضعفه؟ مباركٌ اسم يهوه الله". رأى الشيطان ألم أيُّوب الذي لا يُطاق، لكنه لم يرَ أيوب يترك اسم يهوه الله. ومن ثمَّ مد يده بسرعةٍ لضرب عظامه في محاولةٍ يائسة لتمزيقه إربًا إربًا. وفي لحظاتٍ شعر أيُّوب بعذابٍ لا حدود له، كما لو كان جسده قد انخلع من عظامه، وكما لو كانت عظامه تقطعت إربًا إربًا. هذا العذاب المؤلم جعله يعتقد أنه من الأفضل له أن يموت...لقد بلغت قدرته على حمّل الألم حدودها...أراد أن يصرخ، أراد أن يُمزّق الجلد على جسده في محاولة لتخفيف الألم – ولكنه كتم صراخه ولم يُمزّق الجلد على جسده، لأنه لم يرد أن يرى الشيطان ضعفه. ولذلك ركع أيوب مرة أخرى، ولكن في هذه المرة لم يشعر بوجود يهوه الله. كان يعلم أن يهوه الله كان في كثيرٍ من الأحيان أمامه، وخلفه، وعلى كلا جانبيه. ولكن خلال ألم أيُّوب لم يكن الله ينظر إليه أبدًا، ولكنه غطّى وجهه واحتجب، لأنه لم يخلق الإنسان ليجلب له المعاناة. كان أيُّوب في هذا الوقت يبكي ويبذل قصارى جهده لتحمّل هذا العذاب الجسديّ، ومع ذلك لم يعد قادرًا على منع نفسه من تقديم الشكر لله: الإنسان يسقط في الضربة الأولى، فهو ضعيفٌ وعاجز، وصغيرٌ وجاهل. فلماذا ترغب في أن تهتمّ به وتحنو عليه؟ إنك تضربني، ولكن يؤلمك أنك تفعل ذلك. مَنْ هو الإنسان حتّى يستحقّ رعايتك واهتمامك؟ بلغت صلاة أيُّوب مسامع الله، وكان الله صامتًا إذ كان يراقب بدون إحداث أي صوت...بعد أن جرّب الشيطان كل خدعةٍ ممكنة دون جدوى، غادر في هدوءٍ، ولكن هذا لم يضع حدًّا لتجارب الله لأيُّوب. ولأن قوّة الله التي تجلّت في أيُّوب لم تُعلَن لأحدٍ، فإن قصة أيُّوب لم تنتهِ بتراجع الشيطان. وفيما أدلت شخصياتٌ أخرى بآرائها، مازالت توجد المزيد من المشاهد المذهلة التي لم تنكشف بعد.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 45
مظهرٌ آخر لاتّقاء أيُّوب الله وحيدانه عن الشرّ هو تمجيده اسم الله في كل شيءٍ
تحمّل أيُّوب ضربات الشيطان، ومع ذلك لم يترك اسم يهوه الله. كانت زوجته أول مَنْ تقدم وهاجمت أيوب، مؤدية بذلك دور الشيطان في هيئة واضحة للعيان. يصف النصّ الأصليّ ذلك على النحو التالي: "فَقَالَتْ لَهُ ٱمْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ تَخَلَّ عَنِ ٱللهِ وَمُتْ!" (أيوب 2: 9). كانت هذه هي الكلمات التي قالها الشيطان في شكل إنسانٍ. كانت هجومًا واتّهامًا وإغواءً وإغراءً وتشهيرًا. بعدما فشل الشيطان في مهاجمة جسد أيُّوب، هاجم كماله هجومًا مباشرًا، راغبًا في استخدام ذلك كي يتخلّى أيُّوب عن كماله ويُجدّف على الله ولا يعود ينعم بالحياة. كما أراد الشيطان استخدام هذه الكلمات لإغواء أيُّوب: إذا تخلّى أيُّوب عن اسم يهوه، فلن يكون بعد ذلك بحاجةٍ لتحمّل مثل هذا العذاب، وسوف يمكنه أن يُحرّر نفسه من عذاب الجسد. واجه أيُّوب نصيحة زوجته بتوبيخها قائلًا: "تَتَكَلَّمِينَ كَلَامًا كَإِحْدَى ٱلْجَاهِلَاتِ! أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" (أيوب 2: 10). كان أيُّوب يعرف هذه الكلمات منذ فترةٍ طويلة، ولكن في هذا الوقت تبرهنت حقيقة معرفة أيُّوب بها.
عندما أشارت عليه زوجته بأن يبارك الله ويموت كانت تقصد: إن إلهك يعاملك هكذا، فلماذا لا تلعنه؟ ماذا تفعل وأنت حيٌّ؟ إلهك يعاملك بمنتهى الظلم وما زلت تقول "فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا". كيف يجلب عليك بلية وأنت تبارك اسمه؟ أسرع وتخلّى عن اسم الله ولا تتبعه فيما بعد، ومن ثم ستنتهي متاعبك. في هذه اللحظة ظهرت الشهادة التي أراد الله رؤيتها في أيُّوب. لم يكن ممكنًا لأيّ شخصٍ عاديّ أن يحمل هذه الشهادة، ولا نقرأ عنها في أيٍّ من قصص الكتاب المُقدّس، ولكن الله رآها قبل فترةٍ طويلة من تحدّث أيُّوب بهذه الكلمات. أراد الله أن ينتهز هذه الفرصة ليسمح لأيُّوب بأن يثبت للجميع أن الله كان مُحقًّا. في مواجهة أيُّوب لمشورة زوجته، لم يتخلّ عن كماله ولم يُجدّف على الله، بل قال لزوجته: "أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" هل لهذه الكلمات أهمّيّة كبيرة؟ توجد هنا حقيقةٌ واحدة فقط قادرة على إثبات أهمّيّة هذه الكلمات. إن أهمّيّة هذه الكلمات هي أنها معتمدةٌ من الله في قلبه، وهي ما أراده الله، وما أراد الله أن يسمعه، وهي النتيجة التي كان الله يتوق لرؤيتها؛ هذه الكلمات هي أيضًا جوهر شهادة أيُّوب. وفيها تبرهن كمال أيُّوب وبرّه واتقّاؤه الله وحيدانه عن الشرّ. تكمن قيمة أيُّوب في الكيفيّة التي ظل بها ينطق هذه الكلمات عندما تعرّض للتجربة، وحتّى عندما تغطّى جسمه كلّه بالقروح المؤلمة، وعندما تحمّل العذاب الشديد، وعندما أشارت عليه زوجته وأقاربه. وهذا معناه أن أيُّوب، في قلبه، كان يعتقد أنه مهما كان نوع الإغواء، أو مدى بشاعة المآسي أو العذاب، وحتّى إذا كان سيواجه الموت، فإنه لن يُجدّف على الله أو يرفض طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشر. ترى، إذًا، أن الله كان يشغل أهمّ مكانةٍ في قلبه، وأنه لم يُوجد سوى الله في قلبه. ولهذا السبب نقرأ أوصاف عنه في الكتاب المُقدّس مثل: "فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ". ليس فقط أنه لم يخطئ بشفتيه، ولكن في قلبه لم يشتكِ من الله. لم يقل كلمات مؤذية عن الله، ولم يخطئ إلى الله. لم يكتفِ فمه بمباركة اسم الله وحسب، ولكنه بارك اسم الله في قلبه أيضًا. كان فمه وقلبه واحدًا. كان هذا أيُّوب الحقيقيّ الذي رآه الله، ولهذا السبب عينه كان الله يُقدّر أيُّوب.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 46
الكثير من المفاهيم الخاطئة عند الناس عن أيُّوب
لم تكن المحنة التي تكبدّها أيُّوب هي عمل رسلٍ أرسلهم الله، ولا بسبب يد الله. ولكنها كانت بسبب الشيطان، عدو الله، شخصيًّا. ومن ثمَّ كان مستوى المحنة التي تكبدّها أيُّوب عميقًا. ولكن في هذه اللحظة، أظهر أيُّوب، دون تحفّظٍ، معرفته اليوميّة بالله في قلبه، ومبادئ أفعاله اليوميّة، وموقفه من الله – وهذه هي الحقيقة. إذا لم يكن أيُّوب قد تعرّض للتجربة، وإذا لم يكن الله قد حلّ بالتجارب على أيُّوب، لقلتَ إن أيُّوب منافق عندما قال: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا". لقد منحه الله الكثير من الأموال ولهذا بارك اسم يهوه بالطبع. إذا كان أيُّوب قد قال: "أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" قبل خضوعه للتجارب، لقلت إنه يبالغ، وإنه لن يُجدّف على اسم الله لأن يد الله كثيرًا ما أنعمت عليه. وستقول إنه لو أن الله قد حلّ بالبلوى عليه، لكان بالتأكيد قد جدّف على اسم الله. ومع ذلك، عندما وجد أيوب نفسه في ظروفٍ لا يرغب فيها أحدٌ أو يتمنّى رؤيتها؛ ظروف لا يرغب أحد في أن تصيبه، ويخشى من أن تحل به، وهي ظروفٌ لم يستطع الله نفسه تحمّل رؤيتها، كان أيُّوب لا يزال قادرًا على التمسّك بكماله: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا"، و"أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" في مواجهة سلوك أيُّوب في هذا الوقت، فإن أولئك الذين يُحبّون التحدّث بكلماتٍ رنّانة ويُحبّون التكلّم بالكلمات والتعاليم، يبقون صامتين. أولئك الذين لا يُمجّدون اسم الله إلا بالكلام، ولكنهم لم يقبلوا قط تجارب الله، مدانون بالكمال الذي تمسك به أيُّوب، وأولئك الذين لم يُصدّقوا قط أن الإنسان قادرٌ على التمسّك بطريق الله مدانون بشهادة أيُّوب. في مواجهة سلوك أيُّوب أثناء هذه التجارب والكلمات التي تكلّم بها، سوف يشعر بعض الناس بالارتباك، وسوف يشعر البعض بالحسد، وسوف يشعر البعض بالشكّ، وسوف يبدو على البعض اللامبالاة حتّى إنهم يزدرون شهادة أيُّوب لأنهم لا ينظرون العذاب الذي حلّ بأيُّوب أثناء التجارب ويقرأون الكلمات التي تكلّم بها أيُّوب وحسب، ولكنهم أيضًا ينظرون إلى "الضعف" البشريّ الذي أظهره أيُّوب عندما داهمته التجارب. يعتقدون أن هذا "الضعف" هو النقص المفترض في كمال أيُّوب، أي العيب الذي في إنسانٍ كان في نظر الله كاملًا. وهذا يعني أنه من المعتقد أن الكاملين لا عيب فيهم ولا شائبة، وأنهم لا يعانون من ضعفٍ، ولا معرفة لديهم بالألم، وأنهم لا يشعرون أبدًا بالتعاسة أو الكآبة، وأنهم بدون كراهيةٍ أو أيّ سلوكٍ جامح خارجيًّا. ونتيجةً لذلك، فإن الغالبية العظمى من الناس لا يعتقدون أن أيُّوب كان كاملًا حقًّا. لا يوافق الناس على الكثير من جوانب سلوكه خلال تجاربه. على سبيل المثال، عندما فقد أيُّوب ممتلكاته وأولاده، لم ينفجر في البكاء مثلما كان يتصوّر الناس. إن "تصرفه غير الملائم" يدفع الناس للاعتقاد أنه بارد المشاعر لأنه كان بلا دموعٍ أو محبة لعائلته. هذا هو الانطباع السيئ الأوّليّ الذي يكوّنه الناس أولًا عن أيُّوب. كما أنهم يجدون سلوكه بعد ذلك أكثر إرباكًا: فسر الناس عبارة "مَزَّقَ جُبَّتَهُ" على أنها عدم احترامٍ لله، كما أنهم يفهمون بالخطأ أن عبارة "جَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ" يعني تجديف أيُّوب على الله ومعارضته له. بصرف النظر عن كلمات أيُّوب: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا"، لا يُدرِك الناس أيًّا من جوانب برّ أيُّوب الذي امتدحه الله، ولهذا فإن تقييم أيُّوب من قبل الغالبية العظمى منهم ليس أكثر من عدم فهمٍ وسوء فهمٍ وشكٍّ وإدانةٍ واستحسان من الناحية النظريّة فقط. لا يمكن لأحدٍ منهم أن يفهم كلمات يهوه الله حقًّا ويُقدّرها بأن أيُّوب كان رجلًا كاملًا مستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ.
استنادًا إلى انطباع الناس عن أيُّوب كما ورد أعلاه، فإن لديهم المزيد من الشكوك فيما يتعلّق ببرّه، لأن تصرّفات أيُّوب وسلوكه المُسجّل في الكتاب المُقدّس لم تكن مُؤثّرة تأثيرًا بالغًا كما تصوّر الناس. لم يقتصر الأمر على عدم أدائه أيّة أعمالٍ عظيمة، ولكنه أيضًا أخذ لنفسه شقفةً ليحتكّ بها وهو جالسٌ في وسط الرماد. هذا العمل أيضًا يُحيّر الناس ويدفعهم للشكّ في برّ أيُّوب – وحتّى إنكاره – لأنه بينما كان أيُّوب يحكّ جسمه لم يكن يُصلّي إلى الله أو يقدم وعودًا لله، وإضافة إلى ذلك، لم ينظره أحد وهو يمسح دموع الألم. في هذا الوقت، لا يرى الناس سوى ضعف أيُّوب ولا شيء سواه، وهكذا حتّى عندما يسمعون أيُّوب يقول: "أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" فإنهم لا يُبدون أيّة مبالاة، أو يقفون موقف الحيرة، ولا يزالون غير قادرين على تمييز برّ أيُّوب من كلماته. الانطباع الأساسيّ الذي تركه أيُّوب عند الناس أثناء عذاب تجاربه هو أنه لم يكن مُتذلّلًا ولا متكبّرًا. لا يرى الناس القصة وراء سلوكه التي كانت تدور أحداثها في أعماق قلبه، ولا يرون اتّقاء الله في قلبه أو التمسّك بمبدأ طريق الحيدان عن الشرّ. يجعل اتّزانه الناس يعتقدون أن كماله واستقامته لم يكونا سوى كلمات فارغة، وأن اتّقاءه الله كان مُجرّد إشاعة؛ كما أن "الضعف" الذي كشف عنه خارجيًّا يترك في الوقت نفسه انطباعًا عميقًا عليهم ويمنحهم "منظورًا جديدًا" وحتّى "فهمًا جديدًا" تجاه الرجل الذي يصفه الله بأنه كاملٌ ومستقيم. يتبرهن هذا "المنظور الجديد" و"الفهم الجديد" عندما فتح أيُّوب فمه ولعن اليوم الذي وُلِدَ فيه.
مع أن مستوى العذاب الذي تحمّله أيُّوب لا يمكن لأيّ إنسانٍ أن يتصوّره ويفهمه، إلا أنه لم ينطق بأيّة بدعةٍ، ولكنه خفّف من ألم جسده بوسائله الخاصة. وكما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس، قال: "لَيْتَهُ هَلَكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَٱللَّيْلُ ٱلَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ" (أيوب 3: 3). ربّما لم يُفكّر أحدٌ في أهمّيّة هذه الكلمات على الإطلاق، ورّبما يوُجد من اهتمّوا بها. من وجهة نظركم، هل تقصدون أن أيُّوب عارض الله؟ هل هذه الكلمات شكوى ضد الله؟ أعلم أن كثيرين منكم لديهم أفكارٌ مُعيّنة حول هذه الكلمات التي تحدّث بها أيُّوب ويعتقدون أنه إذا كان أيُّوب كاملًا ومستقيمًا لما كان ينبغي عليه أن يظهر أيّ ضعفٍ أو حزنٍ، ولكان بدلًا من ذلك قد واجه أيّ هجومٍ من الشيطان مواجهة إيجابيّة وابتسم حتّى في وجه إغواء الشيطان. كان يجب ألا يصدر عنه أدنى ردّ فعلٍ تجاه أيٍّ من العذابات الذي جلبها الشيطان على جسده، وكان يجب ألا يُبديَ أيًّا من المشاعر التي بداخل قلبه. كان يجب عليه حتّى أن يطلب من الله أن يجعل هذه التجارب أشدّ. هذا ما يجب أن يكشفه ويتّسم به شخصٌ راسخ يتّقي الله حقًّا ويحيد عن الشرّ. وسط هذا العذاب الشديد، لم يصدر عن أيُّوب سوى أنه لعن يوم ولادته. لم يشتكِ من الله، بل ولم تكن لديه أيّة نيّةٍ لمعارضة الله. إن قول هذا أسهل بكثيرٍ من فعله، لأنه منذ العصور القديمة وحتّى اليوم، لم يمرّ أحدٌ بمثل هذه التجارب ولم يحتمل ما تحمّله أيُّوب. ولماذا لم يتعرّض أيّ شخصٍ مطلقًا لنفس تجربة أيُّوب؟ لأنه، كما يرى الله، لا أحد يمكنه تحمّل مثل هذه المسؤولية أو التكليف، ولا أحد يمكنه أن يفعل ما فعله أيُّوب، وإضافة إلى ذلك، لا يكن ممكنًا لأحد، بصرف النظر عن لعن يوم ولادته، ألا يتخلى عن اسم الله، ويستمرّ في مباركة اسم يهوه الله، كما فعل أيُّوب عندما حلّ به مثل هذا العذاب. هل كان يمكن لأيّ شخصٍ أن يفعل هذا؟ عندما نقول هذا عن أيُّوب، هل نمدح سلوكه؟ لقد كان رجلاً كاملًا واستطاع الشهادة لله وتمكّن من طرد الشيطان مذعورًا فلم يعد يقف مرة أخرى أمام الله ليتّهم أيُّوب، فما الخطأ في مدحه؟ هل يمكن القول بأن لديكم معايير أعلى من الله؟ هل يمكن القول إن بإمكانكم التصرّف بطريقة أفضل من أيُّوب عندما تداهمكم التجارب؟ امتدح الله أيُّوب، فما الاعتراضات التي قد تكون لديكم؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 47
أيُّوب يلعن يوم ولادته لأنه لا يريد أن يتألّم الله بسببه
كثيرًا ما أقول إن الله ينظر إلى قلوب الناس من الداخل، أما الناس فينظرون إلى مظهر الآخرين الخارجيّ. نظرًا لأن الله ينظر قلوب الناس من الداخل، فإنه يفهم جوهرهم، في حين يُحدّد الناس جوهر بعضهم البعض بناءً على مظهرهم الخارجيّ. عندما فتح أيُّوب فمه ولعن يوم ولادته، أذهل هذا التصرّف جميع الكائنات الروحيّة، بما في ذلك أصدقاء أيُّوب الثلاثة. جاء الإنسان من لدن الله، ويجب أن يكون شاكرًا من أجل الحياة والجسد، وكذلك يوم ولادته الذي منحه إياه الله، ويجب ألا يلعنه. هذا أمرٌ يمكن لعامة الناس فهمه وتصورّه. ولأيّ أحدٍ يتبع الله، فإن هذا الفهم مُقدّسٌ ومصون، وهو حقيقةٌ لا يمكن أن تتغيّر أبدًا. ولكن أيُّوب، من ناحيةٍ أخرى، كسر القواعد: لقد لعن يوم ولادته. هذا تصرّفٌ يعتبره الناس العاديون يمثّل تجاوزًا إلى منطقةٍ محظورة. فالأمر لا يقتصر على أن أيوب لا يستحقّ تفهم الناس له وتعاطفهم معه فحسب، ولكنه لا يستحقّ أيضًا غفران الله. في الوقت نفسه، يشكّ عددٌ أكبر من الناس حتّى في برّ أيُّوب، لأنه يبدو أن فضل الله عليه جعله منغمسًا في ملذّاته ووقحًا ومتهوّرًا لدرجة أنه لم يشكر الله على مباركته إياه ورعايته خلال حياته فحسب، ولكنه أيضًا لعن يوم ولادته، طالبًا هلاك هذا اليوم. كيف يمكن وصف هذا سوى بأنه معارضة لله؟ تُقدّم مثل هذه الأمور السطحيّة للناس الدليل على إدانة تصرّف أيُّوب هذا، ولكن مَنْ يستطيع أن يعرف كيف كان أيُّوب يُفكّر في ذلك الوقت؟ ومَنْ يستطيع معرفة سبب تصرّف أيُّوب بهذه الطريقة؟ الله وحده وأيُّوب نفسه يعرفان القصة والأسباب.
عندما مدّ الشيطان يده لإيذاء عظام أيُّوب، سقط أيُّوب في براثنه، ولم تكن لديه الوسيلة للهروب أو القوّة للمقاومة. تحمّل جسده وروحه آلامًا مُبرّحة، وجعله هذا الألم على وعي تام بعدم قيمة الإنسان الذي يعيش في الجسد وضعفه وعجزه. وفي الوقت نفسه، اكتسب أيضًا تقديرًا وفهمًا عميقًا عن سبب رعاية الله للإنسان وعنايته به. أدرك أيُّوب، وهو في براثن الشيطان، أن الإنسان، الذي هو من لحمٍ ودمٍ، هو في الواقع عاجزٌ جدًّا وضعيف. عندما سقط على ركبتيه وصلّى لله، شعر وكأن الله كان يحجب وجهه مختبئًا، لأن الله وضعه بالكامل في يد الشيطان. وفي الوقت نفسه، بكى الله عليه، بل وتحسّر عليه. تألّم الله بسبب ألمه وجُرِحَ بسبب جرحه...شعر أيُّوب بألم الله، إذ كان الأمر لا يُطاق عند الله...لم يرغب أيُّوب في أن يتسبّب في المزيد من الحزن لله، ولم يرد من الله أن ينتحب عليه، فضلاً عن أنه لم يرغب في أن يرى الله يتألّم بسببه. في هذه اللحظة، لم يرد أيُّوب سوى أن يخلع نفسه من جسده ويكفّ عن تحمّل الألم الذي ينهش في هذا الجسد، لأن هذا سوف يوقف عذاب الله على ألمه. ومع ذلك، لم يستطع ذلك، وكان عليه أن يتحمّل ليس فقط آلام الجسد ولكن أيضًا عذاب عدم الرغبة في أن يُسبّب القلق لله. هذان الألمان – ألم الجسد وألم الروح – تسبّبا في ألمٍ مُبّرح يُمزّق القلب عند أيُّوب، وجعله يشعر كيف أن محدوديّة الإنسان المكوّن من لحمٍ ودمٍ يمكن أن تجعل المرء يشعر بالإحباط والعجز. في هذه الظروف، ازداد شوقه إلى الله كثيرًا، وتعمّق كرهه للشيطان. في هذا الوقت، فضّل أيُّوب ألا يكون قد وُلِدَ في عالم البشر، وألا يكون قد وُجِدَ من الأساس، عن أن يرى الله يبكي دموعًا أو يشعر بالألم من أجله. بدأ يكره جسده كرهًا شديدًا، وينفر من نفسه ومن يوم ولادته وحتّى نحو كل ما كان يرتبط به. لم يرغب في أن يُوجد أي ذكرٍ آخر ليوم ولادته أو أي شيءٍ له علاقة به، ولذلك فتح فمه ولعن يوم ولادته: "لَيْتَهُ هَلَكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَٱللَّيْلُ ٱلَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ. لِيَكُنْ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ظَلَامًا. لَا يَعْتَنِ بِهِ ٱللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ" (أيوب 3: 3-4). تحمل كلمات أيُّوب لفظه لنفسه: "لَيْتَهُ هَلَكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَٱللَّيْلُ ٱلَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ"، وكذلك ما شعر به من تأنيب لنفسه وإحساسه بالذنب لأنه تسبّب في شعور الله بالألم: "لِيَكُنْ ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ظَلَامًا. لَا يَعْتَنِ بِهِ ٱللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ". هذان المقطعان هما التعبير النهائيّ عن شعور أيُّوب في ذلك الوقت، وهما يُظهِران كماله واستقامته للجميع. وفي الوقت نفسه، مثلما تمنّى أيُّوب، سما إيمانه بالله وخضوعه له وكذلك اتّقاؤه إياه. وبالطبع، فإن هذا السمو هو بالضبط النتيجة التي توقّعها الله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 48
أيُّوب يهزم الشيطان ويصبح رجلًا حقيقيًّا في نظر الله
عندما خضع أيُّوب لتجاربه في المروة الأولى، جُرِّد من جميع ممتلكاته وجميع أولاده، لكنه لم يسقط ولم يتفوّه بأي شيء يسيء إلى الله نتيجةً لذلك. لقد تغلّب على إغواءات الشيطان، وتغلب على ممتلكاته الماديّة وذريته، وتغلّب على تجربة فقدان جميع أشيائه الخارجية، أي إنه تمكّن من الخضوع إلى أنَّ الله أخذ الأشياء منه واستطاع أن يقدم لله الشكر والثناء بسبب ما فعله الله. كان هذا هو سلوك أيُّوب في أثناء الإغواء الأول من الشيطان، وكان أيضًا شهادة أيُّوب خلال التجربة الأولى من الله. في التجربة الثانية، مدّ الشيطان يده لابتلاء أيُّوب، ومع أن أيُّوب اختبر ألمًا أشدّ مما شعر به من قبل قط، فإن شهادته كانت كافية لأن تترك الناس في حالة ذهولٍ. لقد استخدم ثباته وإيمانه وخضوعه لله، وكذلك اتّقاءه الله، لهزيمة الشيطان مرةً أخرى، ومجددًا استحسن الله سلوكه وشهادته وقبلهما. خلال هذا الإغواء، استخدم أيُّوب سلوكه الفعليّ ليعلن للشيطان بأن ألم الجسد لا يستطيع أن يُغيّر إيمانه وخضوعه لله، أو أن ينزع ارتباطه بالله وقلبه المتقي لله. إنه لن يتبرأ من الله أو يتخلّى عن كماله واستقامته لأنه واجه الموت. عزيمة أيُّوب الصامدة جعلت الشيطان جبانًا، وإيمانه جعل الشيطان رعديدًا ومرتعبًا، كما أن الشدة التي قاتل بها في معركة الحياة والموت ضد الشيطان، ولّدت في الشيطان كراهية واستياءً عميقين؛ كماله واستقامته لم يتركا للشيطان أيّ شيءٍ آخر يمكن أن يفعله معه، حتى إنَّ الشيطان نبذ هجماته عليه وتخلى عن اتّهاماته التي رفعها ضدّ أيوب أمام الله يهوه. كان هذا يعني أن أيُّوب تغلّب على العالم، وتغلّب على الجسد، وتغلّب على الشيطان، وتغلّب على الموت. لقد كان واحدًا من رجال الله بكل معنى الكلمة. خلال هاتين التجربتين، ثبت أيُّوب في شهادته وعاش بحسب كماله واستقامته في الواقع، واتسع نطاق مبادئ عيشه لاتّقاء الله والحيد عن الشرّ. بعد أن مر أيُّوب بهاتين التجربتين، تضمنت حياته تجربةً أكثر ثراءً، وجعلته هذه التجربة أكثر نضجًا وحنكة وأشدّ قوّة وأكثر إيمانًا وثقةً في صواب الاستقامة التي تمسّك بها وقيمتها. مكنت تجارب الله يهوه أيُّوب من إدراك اهتمام الله بالإنسان بعمق والشعور به بعمق، وأتاحت له الشعور بنفاسة محبّة الله، ومن هذه النقطة، اكتسب اتّقاؤه لله المراعاة والمحبة لله. إن تجارب الله يهوه لم تُبعد أيُّوب عنه، بل وأيضًا جعلت قلبه أقرب إلى الله. عندما بلغ الألم الجسديّ الذي تحمّله أيُّوب ذروته، فإن القلق الذي شعر به من الله يهوه جعله لا يملك سوى أن يلعن يوم ولادته. لم يكن هذا السلوك مُخطّطًا له منذ فترةٍ طويلة، ولكن كان استعلانًا طبيعيًا عن مراعاته لله واعتزازه بمحبّته له من داخل قلبه؛ كان استعلانًا طبيعيًّا نتج عن مراعاته لله واعتزازه بمحبّته له. وبعبارة أخرى، لأن أيُّوب كره نفسه، ولم يكن راغبًا في إيلام الله، ولم يطق ذلك، فإن مراعاته لله واعتزازه بمحبّته وصلا إلى نقطة التخلي عن الذات. في هذا الوقت، سما أيُّوب بتعبّده طويل الأمد لله وحنينه إليه وارتباطه به إلى مستوى الاحترام والإعزاز المحب. وفي الوقت نفسه، سما أيضًا بإيمانه وخضوعه لله واتّقائه إياه إلى مستوى الاحترام والإعزاز المحب. لم يسمح لنفسه بفعل أيّ شيءٍ من شأنه أن يضرّ الله، ولم يسمح لنفسه بأيّ تصرّفٍ من شأنه أن يؤلم الله، ولم يسمح لنفسه بأن يجلب أيّ حزنٍ أو أسف أو حتّى تعاسة على الله لمصلحته الخاصة. في نظر الله، مع أن أيُّوب ظل هو أيوب نفسه كما كان سابقًا، إلا أن إيمانه بالله وخضوعه له واتّقاءه إياه جلبت الرضا والسرور الكاملين لقلب الله. كان أيُّوب في هذا الوقت قد بلغ الكمال الذي توقّعه الله إذ أصبح شخصًا يستحقّ حقًّا أن يُدعى "كاملًا ومستقيمًا" في نظر الله. أتاحت له أعماله البارة التغلّب على الشيطان والتمسك بشهادته لله. وكذلك، أيضًا، جعلته أعماله البارة كاملًا، وسمحت بأن ترتفع قيمة حياته وتسمو، كما جعلته أيضًا أول شخصٍ لا يعود يتعرّض لهجوم الشيطان وإغوائه؛ لأن أيُّوب كان مستقيمًا، اتّهمه الشيطان وأغواه. ولأن أيُّوب كان بارًا، سُلِّم إلى الشيطان؛ ولأن أيُّوب كان بارًا، تغلّب على الشيطان وهزمه وتمسك بشهادته. منذ ذلك الوقت فصاعدًا، أصبح أيُّوب أول إنسان لن يُسلّم إلى الشيطان مرةً أخرى أبدًا، ومَثَل حقًّا أمام عرش الله، وعاش في النور في ظلّ بركات الله دون تجسّس الشيطان أو بلِّيته...أصبح رجلًا حقيقيًّا في نظر الله وتحرّر...
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 49
في حياة أيُّوب اليوميّة نرى كماله واستقامته واتّقاءه الله وحيدانه عن الشرّ
إذا كنا بصدد بحث شخصيّة أيُّوب، فيتعيّن أن نبدأ بتقييمه من فم الله: "لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي ٱللهَ وَيَحِيدُ عَنِ ٱلشَّرِّ".
دعونا نتعرّف أولًا على كمال أيُّوب واستقامته.
ما فهمكم للكلمتين "كاملًا" و"مستقيمًا"؟ هل تعتقدون أن أيُّوب كان مستقيمًا وبلا عيبٍ؟ سوف يكون هذا، بالطبع، تفسيرًا وفهمًا حرفيّين للكلمتين "كاملًا" و"مستقيمًا". لكن سياق الحياة الحقيقية يتكامل مع فهم حقيقي لأيوب: أي أن الكلمات والكتب والنظريّات وحدها لن تُقدّم أيّة إجاباتٍ. سوف نبدأ بالنظر إلى حياة أيُّوب في بيته، وإلى سلوكه المعتاد خلال حياته. سوف يُخبِرنا هذا عن مبادئه وأهدافه في الحياة، وكذلك عن شخصيّته وسعيه. دعونا الآن نقرأ الكلمات الأخيرة من أيوب 1: 3: "فَكَانَ هَذَا ٱلرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي ٱلْمَشْرِقِ". تفيد هذه الكلمات بأن وضع أيُّوب ومكانته كانا مرتفعين للغاية، ومع أننا لا نعرف ما إذا كان سبب كونه أعظم رجال المشرق هو أملاكه الوفيرة أم لأنه كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، إلا إننا نعرف عمومًا أن وضع أيُّوب ومكانته كانا مصدر تقديرٍ كبير. وكما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس، كانت الانطباعات الأولى لدى الناس عن أيُّوب هي أنه كان كاملًا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ وأنه كان يمتلك ثروةً كبيرة ومكانةً مُوقّرة. بالنسبة لشخصٍ عاديّ يعيش في بيئةٍ كهذه وفي ظلّ مثل هذه الظروف، سوف يكون أسلوب حياة أيُّوب ونوعيّتها ومختلف جوانب حياته الشخصيّة محطّ أنظار معظم الناس؛ ومن ثمَّ، ينبغي علينا مواصلة قراءة الكتاب المُقدّس: "وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ ٱلثَّلَاثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ. وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ ٱلْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي ٱلْغَدِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: "رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَتَخَلَّوْا عَنِ ٱللهِ فِي قُلُوبِهِمْ". هَكَذَا كَانَ أَيُّوب يَفْعَلُ كُلَّ ٱلأَيَّامِ" (أيوب 1: 4-5). يُخبِرنا هذا المقطع عن أمرين: الأول هو أن أبناء أيُّوب وبناته كانوا يعملون بانتظامٍ وليمةً حافلة بوفرة من الأكل والشرب؛ والثاني هو أن أيُّوب كان كثيرًا ما يُصعِد محرقات لأنه كان كثيرًا ما يقلق على أولاده وبناته خوفًا من أن يكونوا يرتكبون الخطايا أو يجدّفون على الله في قلوبهم. تصف هذه الكلمات حياة نوعين مختلفين من الناس. الأول، أبناء أيُّوب وبناته الذين كانوا كثيرًا ما يعقدون الولائم بفضل ثرائهم، ويعيشون في بذخٍ، ويشربون الخمر ويأكلون الطعام بحسب شهوة قلوبهم، ويستمتعون بجودة الحياة التي جلبتها الثروة الماديّة. كان من المحتوم في ظلّ هذه الحياة أنهم في كثيرٍ من الأحيان يُخطِئون ويُجدّفون على الله – ومع ذلك لم يُقدّسوا أنفسهم أو يُقدّموا محرقات. ترى، إذًا، أن الله لم يكن له مكانٌ في قلوبهم، وأنهم لم يُفكّروا في نعمة الله، أو يخافوا من الإساءة إلى الله، كما لم يخافوا من التجديف على الله في قلوبهم. بالطبع، لا ينصبّ تركيزنا على أبناء أيُّوب، ولكن على ما عمله أيُّوب عند مواجهة مثل هذه الأشياء؛ هذه هي المسألة الأخرى الموصوفة في المقطع، والتي تتضمّن حياة أيُّوب اليوميّة وجوهر إنسانيّته. وحيثما يصف الكتاب المُقدّس وليمة أبناء أيُّوب وبناته، فإنه لا يذكر أيُّوب؛ يكتفي بالقول إن أبناءه وبناته يأكلون ويشربون معًا. وهذا يعني أنه لم يكن يعقد ولائم أو يشترك مع أبنائه وبناته في تناول الطعام بإسرافٍ. ومع ثراء أيُّوب وامتلاكه الكثير من الأموال والعبيد، لم تكن حياته مترفة. لم تخدعه بيئته المعيشيّة الفاخرة، ولم يدفعه ثراؤه إلى أن يُتخِم نفسه بمسرّات الجسد أو ينسى أن يُقدّم محرقات، فضلًا عن أن تتسبب في حيدانه عن الله تدريجيًّا في قلبه. من الواضح إذًا أن أيُّوب كان منضبطًا في أسلوب حياته، ولم يكن جشعًا أو جاريًا خلف الملذات نتيجةً لبركات الله له، ولم يركز على نوعية الحياة، ولكن بدلًا من ذلك، كان أيُّوب متواضعًا بسيطًا، ولم يكن من عادته التباهي، وكان حذرًا وحريصًا أمام الله، وكان كثيرًا ما يُفكّر في نعم الله وبركاته، ويُكنّ باستمرار قلبًا يتّقي الله. كان أيُّوب في حياته اليوميّة كثيرًا ما ينهض مبكّرًا لإصعاد محرقاتٍ عن أبنائه وبناته. وهذا يعني أن أيُّوب لم يكن يتّقي الله وحسب، بل كان يأمل أيضًا أن يتّقي أولاده الله وألا يُخطِئوا أمام الله بالمثل. لم تشغل ثروة أيُّوب الماديّة مكانًا في قلبه، ولم تحلّ محل الله؛ فسواء كان ذلك من أجل نفسه أو أولاده، كانت جميع أعمال أيُّوب اليوميّة مرتبطة باتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. لم يتوقّف اتّقاؤه يهوه الله عند مستوى كلام فمه، بل كان شيئًا وضعه موضع التنفيذ، وانعكس في كلّ جانبٍ من جوانب حياته اليوميّة. يُبيّن لنا هذا السلوك الفعليّ من أيُّوب أنه كان صادقًا ويتمتّع بشخصيّةٍ تحبّ العدالة والأمور الإيجابيّة. كان معنى أن أيُّوب يُرسِل ويُصعِد محرقات عن أبنائه وبناته أنه لم يكن مُؤيّدًا لسلوك أولاده أو موافقًا عليه؛ ولكنه بدلًا من ذلك كان قد شعر في قلبه بالنفور تجاه سلوكهم وأدانهم. استنتج أن سلوك أبنائه وبناته لم يكن مُرضيًا ليهوه الله، ولهذا كان كثيرًا ما يدعوهم للذهاب إلى يهوه الله والاعتراف بخطاياهم. تُظهِر لنا أعمال أيُّوب جانبًا آخر من إنسانيّته: فهو لم يسلك قط مع أولئك الذين غالبًا ما يُخطِئون أمام الله ويُجدّفون عليه، ولكنه كان يتجنّبهم ويتفاداهم بدلًا من ذلك. ومع أن هؤلاء الأشخاص كانوا أبناء أيُّوب وبناته، فإنه لم يتخلّ عن مبادئه في السلوك؛ لأنهم كانوا أهله، كما أنه لم يتساهل مع خطاياهم بسبب مشاعره. ولكنه بدلًا من ذلك حثّهم على الاعتراف ونيل غفران يهوه الله، وحذّرهم من ألا يتركوا الله من أجل تنعّمهم الشره. لا يمكن فصل مبادئ كيفيّة تعامل أيُّوب مع الآخرين عن مبادئ اتّقائه الله وحيدانه عن الشرّ. كان يحبّ ما يقبله الله ويلفظ ما يكرهه الله، ويحب أولئك الذين يتّقون الله في قلوبهم ويلفظ أولئك الذين يرتكبون الشرّ أو يُخطِئون أمام الله. ظهرت هذه المحبّة والكراهية في حياته اليوميّة، وكانتا تُمثّلان استقامة أيُّوب في نظر الله. وبطبيعة الحال، هذا هو أيضًا تعبير أيُّوب عن إنسانيّته الحقيقيّة والعيش وفقًا لها في علاقاته مع الآخرين في حياته اليوميّة، والتي ينبغي أن نتعلّم عنها.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 50
مظاهر إنسانيّة أيُّوب أثناء تجاربه (فهم كمال أيُّوب واستقامته واتّقاءه الله وحيدانه عن الشرّ أثناء تجاربه)
عندما سمع أيُّوب خبر نهب ممتلكاته وفقدان أبنائه وبناته ومقتل عبيده، كان ردّ فعله على النحو التالي: "فَقَامَ أَيُّوبُ وَمَزَّقَ جُبَّتَهُ، وَجَزَّ شَعْرَ رَأْسِهِ، وَخَرَّ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَسَجَدَ" (أيوب 1: 20). تُخبِرنا هذه الكلمات حقيقةً واحدة: بعد سماع هذه الأخبار لم يكن أيُّوب مذعورًا، ولم يصرخ، ولم يلقِ باللوم على العبيد الذين أبلغوه بالأخبار، فضلاً عن أنه لم يُفتّش مسرح الجريمة للتحقّق والتأكّد من التفاصيل ومعرفة ما حدث بالفعل. لم يُظهِر أيّ ألمٍ أو ندم على فقدان ممتلكاته، ولم يَنْهَر باكيًا بسبب فقدان أولاده وأحبائه. ولكنه على العكس مزّق جبّته وجزّ شعر رأسه وخرّ على الأرض وسجد. تختلف أفعال أيُّوب عن أفعال أيّ إنسانٍ عاديّ. إنها تُربِك الكثير من الناس وتجعلهم يُوبّخون أيُّوب في قلوبهم بسبب "غلاظة قلبه". عندما يفقد الناس العاديّون ممتلكاتهم فجأةً، قد يبدون مكتئبين أو يائسين وقد يسقط بعض الناس في حالة اكتئابٍ شديد. يعود السبب وراء ذلك إلى أن الناس يرون، في قلوبهم، أن ممتلكاتهم تُمثّل تعب حياتهم وأساس بقائهم والأمل الذي يُبقِيهم على قيد الحياة؛ أمّا خسارة ممتلكاتهم فتعني أن جهودهم كانت بدون مقابل وأنهم بلا أملٍ وحتّى بلا مستقبلٍ. هذا هو موقف أيّ شخصٍ طبيعيّ تجاه ممتلكاته وعلاقته الوثيقة التي تربطه بها، وهو أيضًا أهميّة الممتلكات في أعين الناس. على هذا النحو، تشعر الغالبيّة العظمى من الناس بالارتباك بسبب موقف أيُّوب اللامبالي تجاه فقدان ممتلكاته. واليوم سوف نزيل الارتباك الذي شعر به جميع هؤلاء الأشخاص من خلال شرح ما كان يجري في قلب أيُّوب.
يقتضي المنطق السليم أنه بعد أن وهب الله أيُّوب مثل هذه الممتلكات الوفيرة يجب أن يشعر بالخجل أمام الله بسبب فقدانه هذه الممتلكات، لأنه لم يرعها أو يعتني بها ولم يحتفظ بالممتلكات التي منحها له الله. وهكذا، عندما جاءه خبر سرقة ممتلكاته، كان ينبغي أن يكون ردّ فعله الأول هو الذهاب إلى مسرح الجريمة وجَرْد كلّ شيءٍ كان قد فقده، ومن ثمّ الاعتراف بالله لعلّه يتمكّن مرةً أخرى من نيل بركات الله. ومع ذلك، لم يفعل أيُّوب هذا – وكان من الطبيعيّ أن تكون لديه أسبابه الخاصة لعدم عمل ذلك. كان أيُّوب يؤمن إيمانًا عميقًا في قلبه أن جميع ما يملكه قد منحه إياه الله، ولم يكن نتيجةً لعمل يديه. وهكذا، لم يعتبر هذه البركات كشيءٍ يعتمد عليه، ولكنه بدلًا من ذلك أرسى مبادئ بقائه في التمسّك بكل قوّته بالطريق الذي ينبغي التمسك به. كان يُقدّر بركات الله ويشكره عليها، ولكنه لم يكن مولَعًا بالبركات، ولم يطلب المزيد منها. كان هذا هو موقفه تجاه الممتلكات. لم يفعل شيئًا لنيل البركات، ولم يقلق أو يغضب بسبب نقص بركات الله أو فقدانها. لم يكن سعيدًا لدرجة الهوس والهذيان بسبب بركات الله، ولم يُهمِل طريق الله أو ينس نعمة الله بسبب البركات التي تنعّم بها كثيرًا. يكشف موقف أيُّوب تجاه ممتلكاته للناس إنسانيّته الحقيقيّة: أولًا، لم يكن أيُّوب رجلًا جشعًا، بل كان قنوعًا في حياته الماديّة. وثانيًا، لم يقلق أيُّوب قط ولم يخشَ من أن يحرمه الله من كلّ ما كان لديه، وهو موقف خضوعه لله في قلبه؛ وهذا يعني أنه لم تكن لديه أيّة مطالب أو شكاوى حول متى أو ما إذا كان الله سيأخذ منه، ولم يسأل عن السبب، ولكنه اكتفى بالسعي للخضوع لترتيبات الله. ثالثًا، لم يعتقد قط أن ممتلكاته جاءت من تعب يديه، بل إن الله منحه إياها. كان هذا إيمان أيُّوب بالله ومؤشرًا على قناعته. هل اتّضحت إنسانيّة أيُّوب وسعيه اليوميّ الحقيقيّ في هذا المُلخّص المكوّن من ثلاث نقاطٍ عنه؟ كانت إنسانيّة أيُّوب وسعيه جزءًا لا يتجزأ من سلوكه الهادئ عندما واجهته خسارة ممتلكاته. كان السبب بالضبط وراء أن يكون لدى أيُّوب القامة والقناعة ليقول: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا"، أثناء تجارب الله هو سعيه اليومي. لم تُكتسب هذه الكلمات بين عشيّةٍ وضحاها، ولم تخطر للتوّ على عقل أيُّوب، بل كانت تُمثّل ما رآه واكتسبه خلال سنواتٍ عديدة من اختبار الحياة. بالمقارنة بجميع مَنْ لا يطلبون سوى بركات الله، ويخشون أن يأخذها الله منهم كارهين هذا الأمر وشاكين منه، أليس خضوع أيُّوب واقعيّ للغاية؟ وبالمقارنة بجميع مَنْ يؤمنون بوجود الله ولكنهم لم يؤمنوا قط بأن الله يسود على جميع الأشياء، ألا يتّسم أيُّوب بأمانةٍ وبرٍّ عظيمين؟
عقلانيًة أيُّوب
كانت خبرات أيُّوب الفعليّة وإنسانيتّه البارّة الصادقة تعني أنه اتّخذ أكثر القرارات والخيارات عقلانيّةً عندما فقد ممتلكاته وأولاده. كانت هذه الخيارات العقلانيّة لا يمكن فصلها عن سعيه اليوميّ وأعمال الله التي عرفها خلال حياته اليوميّة. أمانة أيُّوب جعلته قادرًا على الإيمان بأن يد يهوه الله تسود على جميع الأشياء؛ وسمح له إيمانه بمعرفة حقيقة سيادة يهوه على جميع الأشياء؛ كما أن معرفته جعلته راغبًا في الخضوع لسيادة يهوه الله وترتيباته وقادرًا على الامتثال لها؛ ومكَّنه خضوعه من أن يكون أكثر صدقًا في اتّقائه يهوه الله؛ وجعله اتّقاؤه أكثر واقعيّة في الحيدان عن الشرّ؛ وفي نهاية المطاف، أصبح أيُّوب كاملًا لأنه كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ؛ وكماله جعله حكيمًا، ومنحه أكبر قدرٍ من العقلانيّة.
كيف يجب أن نفهم كلمة "عقلانيّ"؟ التفسير الحرفيّ هو أنها تعني أن يتّسم المرء بالمنطق السليم، ويكون منطقيًّا وراشدًا في تفكيره، وأن يكون كلامه وأفعاله سليمة وحكمه راجحًا، وأن يمتلك معايير أخلاقيّة سليمة ومتناسقة. ومع ذلك، لا يمكن تفسير عقلانيّة أيُّوب بسهولةٍ. عندما يقال هنا إن أيُّوب كان يملك أكبر قدرٍ من العقلانيّة، فإن هذا يتعلّق بإنسانيّته وسلوكه أمام الله. فلأن أيُّوب كان صادقًا، استطاع أن يؤمن بسيادة الله ويخضع لها، مما منحه المعرفة التي لم يتمكّن آخرون من نيلها، وهذه المعرفة جعلته قادرًا على تمييز ما أصابه والحكم عليه وتحديده بدقة، ومكّنته من أن يختار بتفكيرٍ ثاقب أدقّ ما يجب أن يعمله وما يجب أن يتمسّك به. وهذا يعني أن كلماته وسلوكه والمبادئ التي تستند عليها أفعاله والطريقة التي تصرّف بها كانت منتظمة وواضحة ومُحدّدة ولم تكن هوجاء أو متهوّرة أو عاطفيّة. لقد عرف كيفيّة التعامل مع كلّ ما أصابه، وعرف كيفيّة إحداث توازن في العلاقات بين الأحداث المُعقّدة وكيفية التعامل معها، وعرف كيفيّة التمسّك بالطريق الذي يجب التمسّك به، وإضافة إلى ذلك، عرف كيفيّة التعامل مع ما يعطيه يهوه الله وما يأخذه. كانت هذه عقلانيّة أيُّوب. وبفضل أن أيُّوب كان مجهّزًا بمثل هذه العقلانيّة قال: "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ، فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا"، عندما فقد ممتلكاته وأبناءه وبناته.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 51
الوجه الحقيقيّ لأيُّوب: صادقٌ ونقيّ وبلا رياءٍ
دعونا نقرأ أيوب 2: 7-8: "فَخَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ ٱلرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقَفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسْطِ ٱلرَّمَادِ". هذا وصفٌ لسلوك أيُّوب عندما انتشرت التقرُّحات المؤلمة على جسده. في هذا الوقت جلس أيُّوب في الرماد لأنه كان يعاني من الألم. لم يعالجه أحدٌ أو يساعده على تخفيف ألم جسده؛ وبدلًا من ذلك، استخدم شقفة ليحكَّ بها سطح الدمامل. من الناحية الظاهريَّة، لم تكن هذه سوى مرحلة من مراحل عذاب أيُّوب، ولا علاقة لها بإنسانيَّته واتِّقائه الله، لأن أيُّوب لم ينطق أيَّة كلماتٍ للتعبير عن حالته النفسيَّة ووجهات نظره في هذا الوقت. ومع ذلك، لا تزال أعمال أيُّوب وسلوكه تعبيرًا حقيقيًّا عن إنسانيَّته. قرأنا في سجل الفصل السابق أن أيُّوب كان أعظم جميع رجال المشرق. وفي الوقت نفسه، يُبيِّن لنا هذا المقطع من الفصل الثاني أن هذا الرجل العظيم في المشرق قد أخذ بالفعل قطعة ليحكَّ بها نفسه وهو جالسٌ في وسط الرماد. ألا يوجد تناقضٌ واضح بين هذين الوصفين؟ إنه تباينٌ يُظهِر لنا نفس أيُّوب الحقيقيَّة: على الرغم من وضعه ومكانته المرموقين، فإنه لم يكن يهوى أو يولي أيَّ اهتمامٍ لهذين الأمرين؛ لم يهتم بطريقة نظر الآخرين إلى مكانته، ولم يقلق حول ما إذا كانت أفعاله أو سلوكه سيكون لهما أيُّ تأثيرٍ سلبيٍّ على مكانته؛ ولم ينغمس في منافع المكانة، ولم يستمتع بالمجد الذي كان يصاحب المكانة والوضع. لم يهتم سوى بقيمته وأهميَّة العيش في نظر يهوه الله. كانت نفس أيُّوب الحقيقيَّة هي جوهره: لم يحب الشهرة والثروة، ولم يعش من أجل الشهرة والثروة؛ ولكنه كان صادقًا ونقيًّا وبلا رياءٍ.
فصل أيُّوب بين المحبّة والكراهية
يظهر جانبٌ آخر من إنسانيّة أيُّوب في هذا الحوار بينه وبين زوجته: "فَقَالَتْ لَهُ ٱمْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ تَخَلَّ عَنِ ٱللهِ وَمُتْ!" فَقَالَ لَهَا: "تَتَكَلَّمِينَ كَلَامًا كَإِحْدَى ٱلْجَاهِلَاتِ! أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" (أيوب 2: 9-10). رأت زوجة أيُّوب العذاب الذي كان يعاني منه، فحاولت إسداء النصيحة له لمساعدته على الهروب من عذابه، ولكن "نواياها الحسنة" لم تلق استحسان أيُّوب، بل بدلًا من ذلك أثارت غضبه لأن زوجته أنكرت إيمانه بيهوه الله وخضوعه له، كما أنكرت وجود يهوه الله. كان هذا لا يُطاق عند أيُّوب، لأنه لم يسمح لنفسه قط أن يفعل أيّ شيءٍ يعارض الله أو يجرحه، فما بالك لو صدر عن الناس الآخرين. فكيف كان يمكنه الاستمرار في حالة من اللامبالاة بينما يرى الآخرين يُجدّفون على الله ويُهيِنونه؟ ولذلك دعا زوجته "كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ". كان موقف أيُّوب تجاه زوجته يشوبه الغضب والكراهية، فضلاً عن اللوم والتوبيخ. كان هذا هو التعبير الطبيعيّ عن إنسانيّة أيُّوب في التفريق بين المحبّة والكراهية، وكان تمثيلًا حقيقيًّا لإنسانيتّه البارّة. كان أيُّوب يتّسم بحسّ العدالة – وهو ما جعله يكره اتجاهات الشرّ وأمواجه، ويمقت ويدين ويرفض البدع العبثيّة والحجج السخيفة والتأكيدات الغريبة، مما سمح له بالتمسّك بمبادئه وموقفه الصحيح عندما رفضته الجموع وهجره المُقرّبون منه.
طيبة قلب أيُّوب وأمانته
بما أنه يمكننا رؤية التعبير عن جوانب مختلفة من إنسانيّة أيُّوب في سلوكه، ما الجوانب التي نراها من إنسانيّته عندما فتح فمه ليلعن يوم ولادته؟ هذا هو الموضوع الذي سوف نشاركه أدناه.
تحدّثت أعلاه عن أصل لعن أيُّوب يوم ولادته. ماذا ترون في هذا؟ إذا كان أيُّوب قاسي القلب وخاليًا من المحبّة، وإذا كان بارد العواطف وعديم المشاعر ومنعدم الإنسانيّة، فهل كان ليراعي رغبة قلب الله؟ وهل كان ليكره يوم ولادته لأنه كان يراعي قلب الله؟ وهذا يعني أنه إذا كان أيُّوب قاسي القلب ومنعدم الإنسانيّة، فهل كان ليتضايق لألم الله؟ هل كان ليلعن يوم ولادته لأن الله تضايق بسببه؟ الجواب كلا بالتأكيد! فلأن أيُّوب كان طيب القلب، فإنه راعى قلب الله؛ ولأنه راعى قلب الله، شعر بألم الله؛ ولأنه كان طيب القلب، تحمّل عذابًا أكبر نتيجةً لشعوره بألم الله؛ ولأنه شعر بألم الله، بدأ يلفظ يوم ولادته ومن ثمَّ لعن يوم ولادته. يعتبر الغرباء أن سلوك أيُّوب بأكمله خلال تجاربه مثاليًّا. أمّا لعنه يوم ولادته فيرسم علامة استفهامٍ على كماله واستقامته، أو يُقدّم تقييمًا مختلفًا. في الواقع، كان هذا أصدق تعبيرٍ عن جوهر إنسانيّة أيُّوب. فلم يتم إخفاء جوهر إنسانيّته أو تغليفه أو تنقيحه من قبل شخص آخر. عندما لعن يوم ولادته أظهر طيبة القلب والإخلاص في أعماق قلبه؛ كان مثل ينبوع ماءٍ مياهه صافية شفّافة تكشف حتّى عن قاعه.
بعد معرفة هذا كلّه عن أيُّوب، سوف يكون لدى معظم الناس بلا شكٍّ تقييمٌ دقيق وموضوعيّ إلى حدٍّ ما لجوهر إنسانيّة أيُّوب. كما يجب أن يكون لديهم فهمٌ وتقدير عميقين وعمليّين وأكثر تقدّمًا لكمال أيُّوب واستقامته اللذيْن تكلم عنهما الله. نأمل أن يساعد هذا الفهم والتقدير الناس على السلوك في طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 52
العلاقة بين تسليم الله أيُّوب إلى الشيطان وأهداف عمل الله
مع أن معظم الناس يُدرِكون الآن أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا، وأنه كان يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، إلا أن هذا الاعتراف لا يمنحهم فهمًا أكبر لهدف الله. في الوقت نفسه الذي يحسدون فيه إنسانيّة أيُّوب ومسعاه، يسألون الله السؤال التالي: كان أيُّوب كاملًا ومستقيمًا وكان الناس يحبّونه كثيرًا، فلماذا سلّمه الله إذًا إلى الشيطان وعرّضه لعذاب رهيب؟ لا بدّ أن مثل هذه الأسئلة قابعةٌ في قلوب العديد من الناس، أو بالأحرى هذا الشكّ هو السؤال الذي يشغل قلوب العديد من الناس. وبما أنه أربك كثيرين من الناس، ينبغي علينا طرح هذا السؤال وشرحه شرحًا صحيحًا.
كلّ ما يفعله الله ضروريّ وينطوي على أهميّة استثنائيّة، لأن كلّ ما يفعله في الإنسان يتعلّق بتدبيره وخلاصه للبشريّة. وبطبيعة الحال، فإن العمل الذي أتمّه الله في أيُّوب لا يختلف عن ذلك مع أن أيُّوب كان كاملًا ومستقيمًا في نظر الله. وهذا يعني أنه بغضّ النظر عمّا يفعله الله أو الوسيلة التي يفعل بها ما يفعله، وبغضّ النظر عن الكلفة، ومهما يكن هدفه، فإن الغرض من أفعاله لا يتغيّر. إن هدفه هو أن يُشغِل الإنسان بكلام الله وكذلك بمتطلّبات الله وإرادته؛ أي أن يُشغِل الإنسان بكلّ ما يؤمن الله بأنه إيجابيٌّ وفقًا لخطواته، ممّا يُمكّن الإنسان من فهم قلب الله وإدراك جوهر الله ويسمح للإنسان بالخضوع لسيادة الله وترتيباته، وبذلك يسمح للإنسان ببلوغ اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ – وهذا كله جانبٌ واحد من غرض الله في كلّ ما يفعله. الجانب الآخر هو أن الإنسان يُسلَّم غالبًا إلى الشيطان لأن الشيطان هو شخصية الضد وأداة الخدمة في عمل الله. هذه هي الطريقة التي يستخدمها الله للسماح للناس بأن يروا في غوايات الشيطان وهجماته شرّ الشيطان وقبحه وحقارته، مما يجعل الناس يكرهون الشيطان ويُمكّنهم من معرفة ما هو سلبيٌّ وإدراكه. تسمح لهم هذه العمليّة بتحرير أنفسهم تدريجيًّا من سيطرة الشيطان واتّهاماته وإزعاجاته وهجماته، إلى أن ينتصروا على هجمات الشيطان واتهاماته بفضل كلام الله، ومعرفتهم بالله وخضوعهم لله، وإيمانهم به واتّقائهم لله؛ وعندها فقط يكونون قد نجوا تمامًا من نفوذ الشيطان. تعني نجاة الناس أن الشيطان قد انهزم، وتعني أنهم لم يعودوا لقمةً سائغة في فم الشيطان، وأن الشيطان قد تركهم بدلًا من أن يبتلعهم. وهذا يرجع إلى أن هؤلاء الناس مستقيمون، وأناس لديهم إيمانٍ وخضوع واتّقاء لله ولأنهم دائمًا ما يتصارعون مع الشيطان. إنهم يجلبون العار على الشيطان، ويجعلونه جبانًا، ويهزمونه هزيمةً نكراء. إن إيمانهم باتّباع الله والخضوع له واتّقائه يهزم الشيطان ويجعله يستسلم لهم تمامًا. الله لا يربح سوى هذه النوعيّة من الناس، وهذا هو الهدف النهائيّ لله من خلاص الإنسان. إذا أراد جميع من يتبعون الله أن يخلصوا وأن يربحهم الله بالكامل، فإنه يتعيّن عليهم أن يواجهوا إغواء الشيطان وهجماته سواء كانت كبيرة أو صغيرة. أولئك الذين يخرجون من هذا الإغواء وهذه الهجمات ويتمكّنون من هزيمة الشيطان بالكامل هم من ينالون الخلاص من الله. وهذا يعني أن أولئك الذين يُخلّصهم الله هم الذين خضعوا لتجارب الله وتعرّضوا لإغواء الشيطان وهجومه عددًا لا يُحصى من المرات. والذين خلّصهم الله يفهمون إرادة الله ومتطلّباته، ويمكنهم الخضوع لسيادة الله وترتيباته، ولا يتخلّون عن طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ وسط إغواء الشيطان. أولئك الذين يُخلّصهم الله يملكون الصدق ويتّسمون بطيبة القلب، ويُميّزون بين المحبّة والكراهية، ولديهم حسٌّ بالعدالة وعقلانيّون، ويمكنهم مراعاة الله وتقدير كلّ ما يخصّ الله. هؤلاء الأشخاص لا يُقيّدهم الشيطان أو يتجسّس عليهم أو يشتكي عليهم أو يؤذيهم، ولكنهم أحرارٌ تمامًا إذ قد تحرّروا بالكامل وأُطلق سراحهم. كان أيُّوب رجلًا حرًّا، وهذا يُمثّل بالضبط مغزى تسليم الله إياه إلى الشيطان.
تعرّض أيُّوب لإيذاء الشيطان، لكنه نال أيضًا الحريّة والتحرير الأبديّين ونال حقّ عدم التعرّض مرةً أخرى لفساد الشيطان أو إيذائه أو اتّهاماته، بل أن يعيش بدلًا من ذلك في نور وجه الله حرًّا ودون قيودٍ، وأن يعيش في وسط بركات الله الممنوحة له. لا أحد يمكنه أن يسلب هذا الحقّ أو يُتلِفه أو يستولي عليه. لقد حصل عليه أيُّوب بفضل إيمانه وعزمه، وخضوعه لله واتّقائه إياه. لقد دفع أيُّوب ثمن حياته للفوز بالفرح والسعادة على الأرض، وللفوز بالحقّ والاستحقاق، وهذا طبيعيٌّ ومبرَّرٌ تمامًا، ولعبادة الخالق دون تدخّلٍ كمخلوقٍ حقيقيّ لله على الأرض. كان هذا أيضًا أكبر نتيجةٍ للإغواء الذي تعرّض له أيُّوب.
عندما لا يكون الناس قد نالوا الخلاص بعد، غالبًا ما يزعج الشيطان حياتهم، بل إنه حتى يسيطر عليها. وبعبارة أخرى، الأشخاص الذين لم يُخلَّصوا بعد هم سجناء الشيطان، ولا يملكون الحريّة، ولم يتخلَ عنهم الشيطان، وهم غير مؤهلين أو مستحقّين لأن يعبدوا الله، والشيطان يلاحقهم عن كثبٍ ويهاجمهم بشراسةٍ. لا يشعر مثل هؤلاء الناس بسعادة تُذكر، وليس لديهم حقّ يُذكَر في أن يكون لديهم وجود طبيعيّ، وإضافة إلى ذلك ليست لديهم كرامة تُذكر. إذا نهضت وخضت معركة مع الشيطان، مستخدمًا إيمانك بالله وخضوعك له واتّقاءك إياه باعتبارها الأسلحة التي تخوض بها معركة حياة أو موت مع الشيطان، بحيث تهزم الشيطان هزيمةً نكراء وتجعله يهرب مذعورًا ويصبح جبانًا كلّما رآك، فحينها فقط سيتخلى تمامًا عن هجماته عليك واتّهاماته ضدّك، وحينئذٍ سوف تُخلَّص وتصبح حرًّا. إذا كنت عازمًا فحسب على الانفصال التام عن الشيطان، لكنك لم تكن مُجهّزًا بالأسلحة الفعالة لهزيمة الشيطان، فسوف تظلّ في خطرٍ. ومع مرور الوقت، عندما يكون الشيطان قد عذبك عذابًا شديدًا حتى إنه لم يعد يبقى فيك شيءٌ من القوّة، لكنك لا تزال غير قادر على تقديم الشهادة، ولم تُحرّر نفسك تمامًا من اتّهامات الشيطان وهجماته عليك، فسوف يكون رجاؤك في الخلاص ضئيلًا. وفي النهاية – أي عند الإعلان عن اختتام عمل الله – إذا كنت لا تزال في قبضة الشيطان غير قادرٍ على تحرير نفسك، فلن يكون لديك أبدًا أي فرصة أو رجاء. وهذا يعني إذن أن مثل هؤلاء الناس سوف يكونون في أسر الشيطان كليًا.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 53
اِقبل تجارب الله، وتغلّب على إغواء الشيطان، واِسمح لله بأن يمتلك كيانك بأكمله
أثناء عمل الله في عطائه الدائم للإنسان ودعمه له، فإنه يخبر الإنسان عن مجمل إرادته ومتطلّباته، ويُظهِر للإنسان أعماله وشخصيّته وما لديه وما هو عليه. والهدف هو تزويد الإنسان بالقامة، والسماح للإنسان باكتساب حقائق متنوّعة من الله في أثناء اتّباعه – وهي حقائق مثل أسلحة أعطاها الله للإنسان لمحاربة الشيطان. وبينما يكون الإنسان مُجهّزًا هكذا، ينبغي عليه أن يواجه اختبارات الله. الله لديه العديد من الوسائل والسبل لاختبار الإنسان، ولكن كلّ واحدٍ منها يتطلّب "تعاون" عدو الله: الشيطان. وهذا يعني أن الله بعد أن أعطى الإنسان الأسلحة التي يخوض بها المعركة مع الشيطان، فإنه يُسلّمه إلى الشيطان ويسمح للشيطان "باختبار" قامة الإنسان. إذا استطاع الإنسان الخروج من تشكيلات معركة الشيطان، أي إذا استطاع الإفلات من تطويق الشيطان واستمرّ على قيد الحياة، يكون الإنسان عندئذٍ قد اجتاز الاختبار. ولكن إذا أخفق الإنسان في الخروج من تشكيلات الشيطان في المعركة وأذعن للشيطان، يكون عندئذٍ قد أخفق في الاختبار. أيًّا كان جانب الإنسان الذي يفحصه الله، فإن معايير فحصه هي ما إذا كان الإنسان ثابتًا في شهادته عندما يهاجمه الشيطان أم لا، وما إذا كان قد تخلّى عن الله ووأذعنَ واستسلم للشيطان بينما كان واقعًا في شرك الشيطان أم لا. يمكن القول بأن إمكانيّة خلاص الإنسان تعتمد على ما إذا كان بمقدوره التغلّب على الشيطان وهزيمته أم لا، أمّا إمكانيّة نيله الحريّة أم لا فتعتمد على ما إذا كان بمقدوره أن يستخدم بنفسه الأسلحة التي أعطاها إياه الله ليتغلّب على عبوديّة الشيطان، مما يجعل الشيطان يتخلّى عن الأمل تمامًا ويتركه وشأنه. إذا تخلّى الشيطان عن الأمل وترك شخصًا ما، فهذا يعني أن الشيطان لن يحاول مرةً أخرى مطلقًا أن يأخذ هذا الشخص من الله، أو يتّهمه مرةً أخرى يزعجه، ولن يُعذّبه مرةً أخرى أو يهاجمه بوحشية؛ وأن مثل هذا الشخص دون سواه يكون الله قد ربحه بالفعل. هذه هي العمليّة الكاملة التي بواسطتها يربح الله الناس.
الإنذار والاستنارة المُقدّمان للأجيال اللاحقة بفعل شهادة أيُّوب
في الوقت نفسه الذي يفهم فيه الناس العمليّة التي يربح بها الله شخصًا ما، سوف يفهم الناس أيضًا أهداف وأهميّة تسليم الله أيُّوب إلى الشيطان. لم يعد الناس ينزعجون من عذاب أيُّوب، ولديهم تقديرٌ جديد لأهميّته. لم يعودوا قلقين بشأن ما إذا كانوا هم أنفسهم سوف يتعرّضون لتجربة أيُّوب نفسها، ولم يعودوا يعارضون مجيء تجارب الله أو يرفضونه. كان إيمان أيُّوب وخضوعه وشهادته في التغلّب على الشيطان مصدرًا كبيرًا للمساعدة والتشجيع للناس. يرى الناس في أيُّوب الرجاء لخلاصهم، ويرون أنه من خلال الإيمان بالله والخضوع له واتّقائه من الممكن تمامًا هزيمة الشيطان والتغلّب عليه. يرون أنه ما داموا يخضعون لسيادة الله وترتيباته، ويملكون العزم والإيمان بعدم التخلّي عن الله بعد أن فقدوا كلّ شيءٍ، فإن بإمكانهم إلحاق العار بالشيطان وهزيمته، وهم يرون أنهم ليسوا بحاجةٍ سوى لامتلاك العزيمة والمثابرة للثبات في شهادتهم – حتّى لو كان ذلك يعني خسارة حياتهم – حتّى يرتعد الشيطان ويتراجع منسحبًا. شهادة أيُّوب تحذيرٌ للأجيال اللاحقة، وهذا التحذير يُخبِرهم بأنه إذا لم يهزموا الشيطان فلن يتمكّنوا أبدًا من تخليص أنفسهم من اتّهامات الشيطان وتدّخله، ولن يتمكّنوا أبدًا من الإفلات من إيذاء الشيطان وإزعاجاته. وقد أنارت شهادة أيُّوب الأجيال اللاحقة. تُعلّم هذه الاستنارة الناس أنه ليس بإمكانهم اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ إلا إذا كانوا يسلكون طريق الكمال والاستقامة. وتُعلّمهم أنه ليس بإمكانهم تقديم شهادة قويّة مدويّة لله إلا إذا اتّقوا الله وحادوا عن الشرّ. ولا يمكن أبدًا أن يسيطر عليهم الشيطان، ولا يمكنهم أن يعيشوا في ظلّ إرشاد الله وحمايته، إلا إذا تمكّنوا من تقديم شهادة قويّة مدويّة لله، وعندئذٍ فقط يكونون قد نالوا الخلاص حقًّا. يجب على كلّ مَنْ يسعى في طريق الخلاص محاكاة شخصيّة أيُّوب ومسعاه في حياته. فما حياه خلال حياته كلّها وسلوكه خلال تجاربه كنزٌ ثمين لجميع أولئك الذين يسعون في طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ.
شهادة أيُّوب تريح قلب الله
إذا أخبرتكم الآن أن أيُّوب رجلٌ محبوب، فربّما لا تتمكّنون من تقدير المعنى في هذه الكلمات، وربّما لا تقدرون على فهم المشاعر وراء السبب في أنني تحدّثت عن جميع هذه الأمور؛ ولكن انتظروا حتّى اليوم الذي تتعرّضون فيه لتجارب من نفس نوعيّة تجارب أيُّوب أو أقرب إليها، حينما تمرّون بالشدائد وتجوزون في التجارب التي رتّبها الله لكم خصّيصًا، وحينما تُقدّمون كلّ ما لكم وتحتملون الإذلال والمصاعب، من أجل التغلّب على الشيطان والشهادة لله وسط الإغواء – فحينها سوف تتمكّنون من تقدير معنى هذه الكلمات التي أتحدّث بها. في ذلك الوقت سوف تشعر أنك أقل شأنًا من أيُّوب، وسوف تشعر بمدى روعة أيُّوب وأنه يستحق المحاكاة. عندما يحين ذلك الوقت، سوف تُدرِك مدى أهميّة تلك الكلمات الكلاسيكيّة التي تحدّث بها أيُّوب لمَنْ هو فاسدٌ ويعيش في هذه الأوقات، وسوف تُدرِك مدى الصعوبة التي يواجهها الناس اليوم في بلوغ ما بلغه أيُّوب. عندما تشعر أن الأمر صعبٌ، سوف تُقدّر مدى قلق قلب الله وترقّبه، وسوف تُقدّر مدى ارتفاع الثمن الذي يدفعه الله لربح مثل هؤلاء الناس، ومدى نفاسة ما يعمله الله للبشريّة ويبذله لأجلها. الآن وبعد أن سمعتم هذه الكلمات، هل لديكم فهمٌ دقيق وتقييمٌ صحيح لأيُّوب؟ هل كان أيُّوب في نظركم كاملًا حقًّا ومستقيمًا يتّقي الله ويحيد عن الشرّ؟ أعتقد أن معظم الناس سيقولون نعم بالتأكيد. لأن حقائق ما عمله أيُّوب وكشف عنه لا يمكن لأيّ إنسانٍ أو للشيطان إنكارها. إنها أقوى دليلٍ على انتصار أيُّوب على الشيطان. ظهر هذا الدليل في أيُّوب، وكانت أول شهادةٍ يتلقّاها الله. وهكذا، عندما انتصر أيُّوب في إغواء الشيطان وشهد لله، فإن الله رأى الأمل في أيُّوب وتعزّى قلبه به. منذ زمن الخلق وحتّى زمن أيُّوب، كانت هذه هي المرة الأولى التي اختبر فيها الله حقًّا معنى التعزية ومعنى أن يُقدّم له الإنسان التعزية، وكانت هذه هي المرة الأولى التي فيها رأى وربح شهادة حقيقيّة تُقدم له.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 54
يسمع أيُّوب عن الله بسمع الأذن (فِقرة مُختارة)
(أيوب 9: 11) "هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلَا أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلَا أَشْعُرُ بِهِ".
(أيوب 23: 8-9) "هَأَنَذَا أَذْهَبُ شَرْقًا فَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ، وَغَرْبًا فَلَا أَشْعُرُ بِهِ. شِمَالًا حَيْثُ عَمَلُهُ فَلَا أَنْظُرُهُ. يَتَعَطَّفُ ٱلْجَنُوبَ فَلَا أَرَاهُ".
(أيوب 42: 2-6) "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا يَعْسُرُ عَلَيْكَ أَمْرٌ. فَمَنْ ذَا ٱلَّذِي يُخْفِي ٱلْقَضَاءَ بِلَا مَعْرِفَةٍ؟ وَلَكِنِّي قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا. اِسْمَعِ ٱلْآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي. بِسَمْعِ ٱلْأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَٱلْآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذَلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي ٱلتُّرَابِ وَٱلرَّمَادِ".
أيُّوب يؤمن بسيادة الله مع أن الله لم يكشف له عن نفسه
ما فحوى هذه الكلمات؟ هل أدرك أيٌّ منكم أنه تُوجد حقيقة هنا؟ أولًا، كيف عرف أيُّوب بوجود إله؟ وكيف عرف أن السماوات والأرض وجميع الأشياء يحكمها الله؟ تُوجد فقرةٌ تُجيب عن هذين السؤالين: "بِسَمْعِ ٱلْأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَٱلْآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذَلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي ٱلتُّرَابِ وَٱلرَّمَادِ". نتعلّم من هذه الكلمات أنه، بدلًا من أن يكون أيُّوب قد رأى الله بعينيه، كان يعرف عنه من الأساطير. بدأ في ظلّ هذه الظروف يسلك طريق اتّباع الله، وبعد ذلك أكّد وجود الله في حياته، وبين جميع الأشياء. تُوجد حقيقةٌ لا يمكن إنكارها هنا، فما هي تلك الحقيقة؟ مع أن أيُّوب كان قادرًا على اتّباع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ، إلا أنه لم يرَ الله قط. أليس هو مثل الناس اليوم في هذا الأمر؟ لم يرَ أيُّوب الله قط، بمعنى أنه مع كونه قد سمع عن الله، إلا أنه لم يعرف أين كان الله أو ما كان يبدو عليه الله، أو ما كان الله يفعله، وهذه عوامل ذاتيّة؛ ومن الناحية الموضوعيّة، مع أنه اتّبع الله، إلا أن الله لم يظهر له قط أو يتحدّث إليه. أليست هذا حقيقة؟ مع أن الله لم يتحدّث إلى أيُّوب ولم يعطه أيّة وصايا، فقد رأى أيُّوب وجود الله، ورأى سيادته بين جميع الأشياء وفي الأساطير التي سمع أيُّوب من خلالها عن الله بسمع الأذن، وبعدها بدأ حياة اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. كانت هذه هي الأصول والعمليّة التي اتّبع أيُّوب الله وفقًا لها. ولكن بغضّ النظر عن اتّقائه الله وحيدانه عن الشرّ، وبغضّ النظر عن تمسّكه باستقامته، فإن الله لم يظهر له قط. دعونا نقرأ هذه الفقرة. قال: "هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلَا أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلَا أَشْعُرُ بِهِ" (أيوب 9: 11). تقول هذه الكلمات إن أيُّوب ربّما شعر بالله من حوله أو ربّما لم يشعر به، لكنه لم يتمكّن مطلقًا من رؤية الله. لقد تخيّل في أوقاتٌ أن الله يمرّ أمامه أو يعمل شيئًا أو يُرشِد الإنسان، لكنه لم يعرف قط. يأتي الله إلى الإنسان عندما لا يتوقّع ذلك؛ لا يعرف الإنسان متى يأتيه الله ولا أين يأتيه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يرى الله، وهكذا، فإن الله مخفيٌّ عن الإنسان.
إيمان أيُّوب بالله لا يتزعزع من خلال حقيقة أن الله مخفيٌّ عنه
يقول أيُّوب في المقطع التالي من الكتاب المُقدّس: "هَأَنَذَا أَذْهَبُ شَرْقًا فَلَيْسَ هُوَ هُنَاكَ، وَغَرْبًا فَلَا أَشْعُرُ بِهِ. شِمَالًا حَيْثُ عَمَلُهُ فَلَا أَنْظُرُهُ. يَتَعَطَّفُ ٱلْجَنُوبَ فَلَا أَرَاهُ" (أيوب 23: 8-9). نعلم في هذا الوصف أن الله في تجارب أيُّوب كان مختبئًا عنه طوال الوقت؛ لم يظهر الله له بوضوحٍ، ولم ينطق علانيةً بأيّة كلماتٍ، ولكن أيُّوب في قلبه كان واثقًا من وجود الله. لطالما آمن بأن الله ربّما يسير أمامه، أو ربّما يعمل بجانبه، ومع أنه لم يتمكّن من رؤية الله، فإن الله كان بجانبه يسود على كلّ شيءٍ يخصه. لم يرَ أيُّوب الله قط، لكنه استطاع أن يظل صادقًا في إيمانه، الأمر الذي لم يتمكّن أيّ شخصٍ آخر أن يفعله. ولماذا لم يتمكّن الآخرون من فعل ذلك؟ ذلك لأن الله لم يتكلّم مع أيُّوب ولم يظهر له، وإذا لم يكن قد آمن حقًّا، لما استطاع أن يستمرّ ولما تمسّك بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. أليس هذا صحيحًا؟ كيف تشعر عندما تسمع أيُّوب يقول هذه الكلمات؟ هل تشعر أن كمال أيُّوب واستقامته وبرّه أمام الله حقيقيّ وليس مبالغة من جهة الله؟ مع أن الله تعامل مع أيُّوب كغيره من الناس ولم يظهر له أو يتكلّم معه، إلا أن أيُّوب كان لا يزال متمسّكًا بكماله، وكان لا يزال يؤمن بسيادة الله، وإضافة إلى ذلك، كان كثيرًا ما يُصعِد محرقات ويُصلّي أمام الله نتيجةً لخوفه من أن يخطئ إلى الله. نرى في قدرة أيُّوب على اتّقاء الله من دون أن يراه مدى حبه للأمور الإيجابيّة، وكم كان إيمانه راسخًا وصادقًا. لم ينكر وجود الله لمُجرّد أن الله كان مخفيًّا عنه، ولم يفقد إيمانه أو يترك الله لمُجرّد أنه لم يره قط. ولكنه بدلًا من ذلك، في خضمّ عمل الله الخفيّ للسيادة على جميع الأشياء، أدرك وجود الله وشعر بسيادة الله وقوّته. لم يتخلّ عن كونه مستقيمًا لمُجرّد أن الله كان مخفيًّا، ولم يترك طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ لمُجرّد أن الله لم يظهر له قط. لم يطلب أيُّوب قط أن يظهر له الله علانيةً ليُثبِت وجوده، لأنه كان قد عاين بالفعل سيادة الله على كلّ الأشياء، وآمن أنه نال البركات والنعم التي لم ينلها الآخرون. ومع أن الله بقي مختبئًا عن أيُّوب، إلا أن إيمانه بالله لم يهتز قط. وهكذا، حصد ما لم يحصده آخر: استحسان الله وبركته.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 55
أيُّوب يبارك اسم الله ولا يُفكّر في البركات أو البلايا
تُوجد حقيقةٌ لا يُشار إليها أبدًا في قصص الكتاب المُقدّس عن أيُّوب، وسوف تكون هذه الحقيقة محور تركيزنا اليوم. مع أن أيُّوب لم يرَ الله قط ولم يسمع كلام الله بأذنيه، إلا أن الله كان له مكانٌ في قلب أيُّوب. وماذا كان موقف أيُّوب تجاه الله؟ كان، كما أُشير سابقًا، "فَلْيَكُنِ ٱسْمُ يَهْوَه مُبَارَكًا". كانت مباركته اسم الله غير مشروطةٍ بغض النظر عن السياق، وغير مرتبطة بسببٍ. نرى أن أيُّوب سلّم قلبه لله، مما سمح لله بأن يسود عليه؛ كلّ ما كان يُفكّر فيه، وكلّ ما كان يُقرّره، وكلّ ما كان يُخطّط له في قلبه، كان مكشوفًا أمام الله وليس مخفيًّا عن الله. لم يكن قلبه معارضًا لله، ولم يطلب من الله قط أن يفعل أيّ شيءٍ من أجله أو أن يعطيه شيئًا، ولم يضمر في قلبه أيّة رغبات مترفة أنه سيكسب أيّ شيءٍ من عبادته لله. لم يكن أيُّوب يتحدّث بلغة المال مع الله، ولم يُقدّم أيّة طلباتٍ إلى الله أو يطلب مطالب منه. كان تسبيحه اسم الله يرجع لقوّة الله وسلطانه العظيم في حكم كلّ شيءٍ، ولم يكن يعتمد على ما إذا كان قد نال بركاتٍ أو أنه تعرّض لبلية. كان يؤمن أنه بغضّ النظر عمّا إذا كان الله يبارك الناس أو يجلب عليهم البلايا، فإن قوّة الله وسلطانه لن يتغيّرا، ومن ثمَّ، بغضّ النظر عن ظروف المرء، فإنه يجب تسبيح اسم الله. أن يُبارك الإنسان من الله هو بسبب سيادة الله، وعندما تحلّ بلية بالمرء، فإن هذا أيضًا بسبب سيادة الله. قوّة الله وسلطانه يسودان على كل ما للإنسان ويُرتّبانه؛ أمّا تقلّبات مصائر المرء فهي مظهر قوّة الله وسلطانه، وأيًا كان المنظور الذي تنظر إليها منه، فإنه يجب تسبيح اسم الله. هذا ما اختبره أيُّوب وعرفه خلال سنوات حياته. بلغت جميع أفكار أيُّوب وأفعاله مسامع الله ومثلت أمام الله، واعتبرها الله مهمّة. قدّر الله معرفة أيُّوب هذه واعتزّ بأيُّوب لامتلاكه ذلك القلب. انتظر هذا القلب وصية الله دائمًا، انتظرها في كلّ مكانٍ، وبغضّ النظر عن الزمان أو المكان، فقد كان يستقبل كلّ ما أصابه بصدر رحب. لم يكن أيُّوب يُطالِب الله بشيءٍ. كان ما يُطالِب به نفسه هو أن ينتظر جميع الترتيبات التي جاءت من الله ويقبلها ويواجهها ويخضع لها؛ آمن أيُّوب أن هذا هو واجبه، وكانت هي بالضبط ما أراده الله. لم يرَ أيُّوب الله قط، ولم يسمعه يتكلّم بأيّة كلماتٍ أو يُصدِر أيّة وصايا أو يُلقي أيّة تعاليم أو يوجهه بأيّ شيءٍ. في كلمات اليوم، لكي يتمكّن أيُّوب من امتلاك مثل هذه المعرفة والموقف تجاه الله بينما لم يهبه الله أيّ استنارة أو إرشاد أو تزويد فيما يتعلّق بالحق – فإن هذا كان ثمينًا، وأن يُظهر مثل هذه الأشياء كان كافيًا لله، كما أن الله مدح شهادته واعتزّ بها. لم يسبق لأيُّوب أن رأى الله ولم يسمعه بنفسه ينطق بأيّة تعاليم له، ولكن الله رأى أن قلبه وأنه هو نفسه أثمن بكثيرٍ من أولئك الناس الذين، أمام الله، لم يمكنهم سوى الحديث بلغة النظريّات العميقة، ولم يمكنهم سوى التفاخر، والتحدّث عن تقديم ذبائح، ولكن لم تكن لديهم معرفةٌ حقيقيّة بالله، ولم يتّقوا الله حقًّا. كان قلبه نقيًّا ولم يكن مخفيًّا عن الله، وكانت إنسانيّته صادقة وطيّبة القلب، وكان يحبّ العدل وكل ما كان إيجابيًا. لم يكن سوى مثل هذا الرجل الذي كان يمتلك هذا القلب وهذه الإنسانيّة بإمكانه اتّباع طريق الله واتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. كان بإمكان مثل هذا الرجل أن يرى سيادة الله، وأن يرى سلطانه وقوّته، وأن يحقق الطاعة لسيادته وترتيباته. ولم يكن سوى مثل هذا الرجل بإمكانه أن يُسبّح اسم الله حقًّا. وهذا يرجع إلى أنه لم ينظر إلى ما إذا كان الله سوف يباركه أو سيجلب عليه بلية، لأنه كان يعلم أن يد الله تسود على كلّ شيءٍ، وأن قلق الإنسان علامة على الحماقة والجهل واللاعقلانيّة، وعلامة على الشكّ في حقيقة سيادة الله على كلّ شيءٍ، وليس علامة على اتّقاء الله. كانت معرفة أيُّوب لله هي بالتحديد ما أراده الله. ولذلك، هل كانت لدى أيُّوب معرفةٌ نظريّة عن الله أكبر مما لديكم؟ لأن عمل الله وكلامه في ذلك الوقت كانا قليلين، لم يكن من السهل بلوغ معرفة الله. ومثل هذا الإنجاز الذي حقّقه أيُّوب لم يكن عملًا عاديًّا، فهو لم يختبر عمل الله ولم يسمعه يتكلّم ولم يرَ وجهه. تمكّنه من أن يكون له موقف كهذا تجاه الله كان بأكمله نتيجةً لإنسانيّته وسعيه الشخصيّ، وهما إنسانيّةٌ وسعي لا يمتلكهما الناس اليوم. وهكذا، في ذلك العصر، قال الله: "لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي ٱلْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ". في ذلك العصر، كان الله قد أجرى بالفعل تقييمًا له، ووصل إلى مثل هذا الاستنتاج. فكم بالأحرى اليوم؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 56
مع أن الله مخفيٌّ عن الإنسان، إلا أن أعماله بين جميع الأشياء كافية لأن يعرفه الإنسان
لم يرَ أيُّوب وجه الله ولم يسمع الكلمات التي تكلّم بها الله، فضلًا عن أن يشهد شخصيًّا عمل الله، ومع ذلك فإن اتقاءه الله وشهادته أثناء تجاربه يشهد لهما الجميع، كما أنهما موضع محبّة الله وسروره وثنائه، وموضع حسد الناس وإعجابهم، بل وحتى أكثر من ذلك، فإنهم يُرتّلون تسبيحاتهما. لم يكن هناك شيءٌ عظيم أو استثنائيّ عن حياته: فمثل أيّ شخصٍ عاديّ عاش حياةً عاديّة، إذ كان يخرج للعمل عند شروق الشمس ويعود إلى بيته للراحة عند غروب الشمس. والفرق هو أنه خلال لعقود العدّة العاديّة تعرّف إلى طريق الله، وأدرك وفهم قوّة الله العظيمة وسيادته، كما لم يفعل أيّ شخصٍ آخر من قبل. لم يكن أذكى من أيّ شخصٍ عاديّ، ولم تكن حياته متماسكة تماسكًا خاصًا، كما لم تكن لديه مهارات خاصة غير منظورةٍ. ومع ذلك، كان يتّسم بشخصيّةٍ صادقة وطيّبة القلب ومستقيمة، شخصيّة أحبّت النزاهة والبر والأمور الإيجابيّة – وهي صفات لا يتّسم بأي منها غالبية الناس العاديّين. كان يُفرّق بين المحبّة والكراهية، ولديه إحساسٌ بالعدالة، وكان مثابرًا عنيدًا، وأظهر قدرة فائقة على تقصي دقائق الأشياء و تفاصيلها في تفكيره، وهكذا شاهد خلال مدة حياته العاديّة على الأرض جميع الأشياء غير العاديّة التي كان الله قد فعلها، ورأى عظمة الله وقداسته وبرّه، وعاين اهتمام الله بالإنسان ورأفته عليه وحمايته له، ورأى شرف الله الأسمى وسلطانه. كان السبب الأول وراء قدرة أيُّوب على اكتساب هذه الأشياء التي كانت أبعد من إمكانيّة أيّ شخصٍ عاديّ هو أنه كان لديه قلبٌ نقيّ وكان قلبه ينتمي إلى الله ويقوده الخالق. وكان السبب الثاني سعيه: سعيه ليكون كاملًا بلا عيبٍ، وممتثلًا لإرادة السماء، ومحبوبًا من الله، وحائدًا عن الشرّ. كان أيُّوب يتّسم بهذه الأشياء ويسعى في طريقها مع أنه لم يكن قادرًا على رؤية الله أو سماع كلماته. مع أن أيُّوب لم يرَ الله قط، إلا أنه تعرّف على الوسائل التي يسود بها الله على جميع الأشياء، وفهم الحكمة التي يفعل بها الله ذلك. ومع أن أيُّوب لم يسمع قط الكلمات التي تكلّم بها الله، إلا أنه عرف أن أفعال مباركة الإنسان وأخذ البركات منه تأتي جميعها من الله. ومع أن سنوات حياته لم تختلف عن سنوات حياة أيّ شخصٍ عاديّ، إلا أنه لم يسمح لنمط حياته العاديّ أن يؤثر في معرفته بسيادة الله على جميع الأشياء أو أن يؤثر في اتّباعه طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. رأى أيُّوب أن قوانين جميع الأشياء كانت ممتلئة بأفعال الله، وأن سيادة الله يمكن رؤيتها في أيّ جانب من جوانب حياة الشخص. لم يرَ الله، لكنه استطاع أن يُدرِك أن أعمال الله في كلّ مكانٍ، وأنها ظاهرة خلال حياته العاديّة على الأرض، وفي كلّ ركنٍ من أركان حياته، استطاع رؤية أعمال الله غير العاديّة والعجيبة وإدراكها، وتمكّن من رؤية ترتيبات الله الرائعة. اختباء الله وصمته لم يمنعا أيُّوب من إدراك أعمال الله، ولم يُؤثّرا في معرفته بسيادة الله على جميع الأشياء. كانت حياته تحقيقًا أثناء حياته اليومية لسيادة الله، الذي كان مخفيًّا بين جميع الأشياء، وترتيباته. وفي حياته اليوميّة سمع أيضًا وفهم صوت قلب الله وكلام الله، الذي هو صامتٌ بين كلّ شيءٍ ولكنه يُعبّر عن صوت قلبه وكلماته من خلال السيادة على قوانين كلّ شيءٍ. ترى، إذًا، أنه إذا كان لدى الناس الإنسانيّة نفسها والسعي نفسه مثل أيُّوب، فبإمكانهم نيل الإدراك نفسه والمعرفة نفسها مثل أيُّوب، وبإمكانهم اقتناء الفهم نفسه والمعرفة نفسها بسيادة الله على جميع الأشياء مثل أيُّوب. لم يظهر الله لأيُّوب ولم يتكلّم معه، ولكن أيُّوب استطاع أن يكون كاملًا ومستقيمًا، وأن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ. وهذا يعني أنه بدون أن يظهر الله للإنسان أو يتحدّث إليه، فإن أعماله بين جميع الأشياء وسيادته على جميع الأشياء كافية لكي يُدرِك المرء وجود الله وقوّته وسلطانه، كما أن قوّة الله وسلطانه كافيان لجعل هذا المرء يتبع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. بما أن رجلًا عاديًّا مثل أيُّوب استطاع بلوغ اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ، فإن كلّ شخصٍ عاديّ يتبع الله يجب أن يكون قادرًا على ذلك. مع أن هذه الكلمات قد تبدو أشبه بالاستدلال المنطقيّ، إلا أن هذا لا يتعارض مع قوانين الأشياء. ومع ذلك، فإن الحقائق لم تتوافق مع التوقّعات: يبدو أن اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ هما مخزون أيُّوب، وأيُّوب وحده. عند ذكر "اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ"، يعتقد الناس أن هذا لا يفعله سوى أيُّوب، كما لو كان طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ قد اتّخذ من اسم أيُّوب علامةً ولم يكن له علاقة بالأشخاص الآخرين. السبب في ذلك واضحٌ: لأن أيُّوب وحده كان يتّسم بشخصيّةٍ صادقة وطيّبة القلب ومستقيمة كانت تحبّ العدل والبرّ وجميع الأمور الإيجابيّة، فمن ثمَّ لم يستطع سوى أيُّوب اتّباع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. ينبغي أن تكونوا قد فهمتم جميعًا المعنى المتضمّن هنا، لأن أحدًا لا يتّسم بإنسانيّةٍ صادقة وطيّبة القلب ومستقيمة تحبّ العدل والبرّ وجميع الأمور الإيجابيّة، فإن أحدًا لا يمكنه أن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ، ومن ثمَّ لا يستطيع الناس أبدًا أن ينالوا فرح الله أو يصمدوا وسط التجارب. وهذا يعني أيضًا أنه، باستثناء أيُّوب، لا يزال الشيطان يربط جميع الناس ويُوقِعهم في شركه، ويتّهمهم جميعًا ويُهاجِمهم ويؤذيهم. هم الذين يحاول الشيطان ابتلاعهم، وهم جميعًا بدون حريّةٍ، وسجناءُ قد أسرهم الشيطان.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 57
إذا كان قلب الإنسان معاديًا لله، فكيف يستطيع أن يتّقي الله ويحيد عن الشرّ
بما أن الناس لا يمتلكون اليوم إنسانيّة أيُّوب نفسها، فماذا عن جوهر طبيعتهم وموقفهم من الله؟ هل يتّقون الله؟ هل يحيدون عن الشرّ؟ أولئك الذين لا يتّقون الله أو يحيدون عن الشرّ لا يمكن تلخيص موقفهم سوى بكلمتين: "أعداء الله". كثيرًا ما ترددون هاتين الكلمتين ولكنكم لم تعرفوا معناهما الحقيقيّ قط. تعبير "أعداء الله" له مضمونٌ: إنه لا يعني أن الله يرى الإنسان على أنه العدوّ، ولكن أن الإنسان يرى الله على أنه العدوّ. أولًا، عندما يبدأ الناس في الإيمان بالله، فمَنْ منهم لا تكون له أهدافه ودوافعه وطموحاته الخاصة؟ مع أن جانبًا منهم يؤمن بوجود الله، وعاين وجود الله، فإن إيمانهم بالله مازال يحتوي على تلك الدوافع، وهدفهم النهائيّ في الإيمان بالله هو الحصول على بركاته والأشياء التي يريدونها. في التجارب الحياتيّة للناس، كثيرًا ما يُفكّرون في أنفسهم: "لقد تركت عائلتي وعملي من أجل الله، فماذا أعطاني؟ يجب أن أحسب الأمر وأؤكّده: هل تلقّيتُ أيّة بركاتٍ في الآونة الأخيرة؟ لقد قدّمتُ الكثير خلال هذا الوقت وظللتُ أركض وأركض وعانيتُ الكثير – فهل أعطاني الله أيّة وعودٍ في المقابل؟ هل تذكّر أعمالي الصالحة؟ ماذا ستكون نهايتي؟ هل يمكنني نيل بركات الله؟ ...". يقوم كلّ شخصٍ دائمًا بإجراء هذه الحسابات داخل قلبه، ويُقدّم لله مطالب تحمل دوافعه وطموحاته وعقليته القائمة على الصفقات. وهذا يعني أن الإنسان دائمًا يختبر الله في قلبه، ويضع خططًا باستمرارٍ حول الله، ويتجادل باستمرارٍ في مسألة هدفه الخاص به مع الله، ويحاول الحصول على تصريحٍ من الله، من خلال استكشاف ما إذا كان الله يستطيع أن يعطيه ما يريده أم لا. وفي نفس الوقت الذي يسعى فيه الإنسان إلى الله، لا يعامل الإنسان الله باعتباره الله. فقد حاول الإنسان دومًا إبرام صفقاتٍ مع الله، ولم يتوقف عن تقديم مطالب له، بل حتّى الضغط عليه في كلّ خطوةٍ، محاولًا أن يأخذ الكثير بعد أن ينال القليل. وبينما يحاول الإنسان إبرام صفقاتٍ مع الله، فإنه يتجادل معه أيضًا، بل ويُوجد حتّى أشخاصٌ عندما يتعرّضون للتجارب أو يجدون أنفسهم في مواقف مُعيّنة، فغالبًا ما يصبحون ضعفاء وسلبيّين ومتراخين في أعمالهم، وممتلئين بالشكوى من الله. من الوقت الذي بدأ فيه المرء أول مرة يؤمن بالله، راح يعتبر الله مصدرًا للوفرة ووسيلة مُتعدّدة المهام، واعتبر نفسه أكبر دائنٍ لله، كما لو كانت محاولة الحصول على البركات والوعود من الله حقّه الأصيل والمُلزِم، في حين تكمن مسؤوليّة الله في حمايته ورعايته وإعالته. هذا هو الفهم الأساسيّ لـ"الإيمان بالله" لدى جميع من يؤمنون بالله، وهذا هو فهمهم العميق لمفهوم الإيمان بالله. من جوهر طبيعة الإنسان إلى سعيه الشخصيّ، لا يوجد شيءٌ يتعلّق باتّقاء الله. لا يمكن أن يكون هدف الإنسان في الإيمان بالله له أيّة علاقةٍ بعبادة الله. وهذا يعني أن الإنسان لم يُفكّر أو يفهم قط أن الإيمان بالله يتطلّب اتّقاء الله وعبادته. في ضوء هذه الظروف، فإن جوهر الإنسان واضح. وما هو هذا الجوهر؟ هو أن قلب الإنسان خبيثٌ، إذ يأوي الغدر والخداع، ولا يحبّ العدل والبرّ والأمور الإيجابيّة، كما أنه حقيرٌ وجشع. لا يمكن أن يكون قلب الإنسان أكثر انغلاقًا على الله؛ فهو لم يُسلّمه إلى الله قط. لم يرَ الله قلب الإنسان الحقيقيّ، كما أن الإنسان لم يعبده قط. وبغضّ النظر عن الثمن العظيم الذي يدفعه الله، أو مقدار العمل الذي يعمله، أو مقدار ما يُقدّمه للإنسان، يبقى الإنسان أعمى عن ذلك، وغير مكترثٍ به كله بالمرة. لم يُسلّم الإنسان قلبه إلى الله قط، فهو يريد أن يكون قلبه له وحده، وأن يتّخذ قراراته الخاصة به، وهذا معناه الضمنيّ أن الإنسان لا يريد اتّباع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ، أو الخضوع لسيادة الله وترتيباته، ولا يريد أن يعبد الله باعتباره الله. هذه هي حالة الإنسان اليوم. دعونا الآن ننظر مرةً أخرى إلى أيُّوب. في البداية، هل أبرم صفقةً مع الله؟ هل كانت لديه أيّة دوافع خفيّة وراء التمسّك بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ؟ هل تكلّم الله إلى أيّ أحدٍ في ذلك الوقت عن النهاية القادمة؟ لم يقطع الله وعودًا في ذلك الوقت مع أيّ أحدٍ حول النهاية، وعلى هذه الخلفية استطاع أيُّوب اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ. هل يصمد الناس اليوم عند مقارنتهم مع أيُّوب؟ يُوجد الكثير من التفاوت، فهم في فرقٍ مختلفة. ومع أن أيُّوب لم يكن لديه الكثير من المعرفة بالله، إلا أنه سلّم قلبه لله فأصبح ملكًا له. لم يُبرِم أيّة صفقةً مع الله، ولم تكن لديه أيّة رغباتٍ أو مطالب زائدة من الله؛ ولكنه بدلًا من ذلك آمن بأن "يَهْوَه أَعْطَى وَيَهْوَه أَخَذَ". كان هذا هو ما رآه وما ناله من التمسّك بطريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ خلال سنواتٍ عديدة من الحياة. وبالمثل، نال أيضًا النتيجة المتمثلة في الكلمات التالية "أَٱلْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، وَالبلاءَ لَا نَقْبَلُ؟" كانت هاتان الجملتان هما ما رآه وتعرّف عليه نتيجةً لموقفه من الخضوع لله خلال تجارب حياته، كما كانتا أقوى أسلحته التي انتصر بها أثناء إغواءات الشيطان، وأساس تمسّكه الدائم بالشهادة لله. في هذه المرحلة، هل تتصوّرون أيُّوب شخصًا محبوبًا؟ هل تأملون في أن تكونوا مثل هذا الشخص؟ هل تخشون من التعرّض لإغواء الشيطان؟ هل تُقرّرون الصلاة إلى الله من أجل إخضاعكم لنفس تجارب أيُّوب؟ لا شكّ أن معظم الناس لن يجرؤوا على الصلاة من أجل مثل تلك الأشياء. من الواضح، إذًا، أن إيمانكم ضعيفٌ بدرجةٍ تدعو للرثاء؛ فبالمقارنة مع أيُّوب، لا يستحقّ إيمانكم الذكر. أنتم أعداء الله، فأنتم لا تتّقون الله، وأنتم غير قادرين على الصمود في الشهادة لله، وغير قادرين على الانتصار في هجمات الشيطان واتّهاماته وإغوائه. ماذا يجعلكم مؤهلين لتلقّي وعود الله؟ بعد أن سمعتم قصة أيُّوب وتفهّمتم قصد الله من خلاص الإنسان ومعنى خلاص الإنسان، هل لديكم الآن القدرة على قبول تجارب أيُّوب نفسها؟ ألا يجب أن تكون لديكم عزيمةٌ بسيطة للسماح لأنفسكم باتّباع طريق اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 58
لا تتشكّك بشأن تجارب الله
بعدما تلقّى الله الشهادة من أيُّوب بعد انتهاء تجاربه، قرّر أن يكسب مجموعةً من الأشخاص – أو أكثر من مجموعةٍ – مثل أيُّوب، ومع ذلك قرّر ألا يسمح مرةً أخرى للشيطان بمهاجمة أيّ شخصٍ آخر أو إيذائه باستخدام الوسائل التي بها أغوى أيُّوب وهاجمه وآذاه من خلال الرهان مع الله؛ لم يسمح الله للشيطان بأن يفعل مثل هذه الأشياء مرةً أخرى للإنسان، الذي هو ضعيفٌ وأحمق وجاهل – فيكفي الشيطان أنه أغوى أيُّوب! إن عدم السماح للشيطان بإيذاء الناس مهما كانت رغباته هي رحمةٌ من الله. يرى الله أنه يكفي أن أيُّوب تحمّل إغواء الشيطان وإيذائه. لم يسمح الله للشيطان بأن يفعل مثل هذه الأشياء مرةً أخرى، لأن حياة جميع الناس الذين يتبعون الله وكلّ شيءٍ يخصّهم يخضع لحكم الله وتنظيمه، وغير مسموح للشيطان أن يتحكّم في مختاريّ الله كما يريد – يجب أن تفهموا هذه النقطة! يهتمّ الله بضعف الإنسان ويتفهّم حماقته وجهله. ومع ذلك، من أجل أن ينال المرء الخلاص كاملًا، يجب أن يُسلّمه الله إلى الشيطان، والله لا يرغب في أن يرى الإنسان أبدًا يلهو به الشيطان كما لو كان أحمقَ ويسيء إليه، ولا يريد أن يرى الإنسان يعاني دائمًا. فالله خلق الإنسان، أما كون الله يحكم كلّ شيءٍ ويرتبه للإنسان؛ فهذا طبيعيٌّ ومبرَّرٌ تمامًا، وهذه مسؤوليّة الله والسلطان الذي يحكم به الله كلّ شيءٍ! لا يسمح الله للشيطان بأن يؤذي الإنسان أو يسيء إليه كما يريد، ولا يسمح للشيطان بأن يستخدم وسائل مختلفة ليُضلّل الإنسان، وإضافة إلى ذلك، لا يسمح للشيطان بالتدخّل في سيادة الله على الإنسان، ولا يسمح للشيطان بأن يدوس القوانين التي يحكم بها الله كلّ شيءٍ أو ينقضها، فضلاً عن أن يعطل عمل الله العظيم في تدبير البشريّة وخلاصها! أولئك الذين يود الله أن يُخلّصهم، وأولئك القادرون على الشهادة لله، هم جوهر وبلورة عمل خطّة الله الممتدّة على مدار ستة آلاف سنةٍ، بالإضافة إلى ثمن جهوده عبر ستة آلاف سنةٍ من العمل. كيف أعطى الله هؤلاء الناس عَرَضًا للشيطان؟
كثيرًا ما يقلق الناس ويخافون من تجارب الله، ولكنهم في جميع الأوقات يعيشون في فخّ الشيطان، ويعيشون في أراضٍ محفوفة بالمخاطر يتعرّضون فيها لهجوم الشيطان وإيذائه – ومع ذلك فهم لا يخافون ولا يقلقون. ماذا يحدث؟ يقتصر إيمان الإنسان بالله على الأشياء التي يمكنه رؤيتها. ليس لديه أدنى تقديرٍ لمحبّة الله واهتمامه بالإنسان أو رحمته وتقديره للإنسان. ولكن بسبب القليل من الذعر والخوف من تجارب الله ودينونته وتوبيخه وجلاله وغضبه، لا يملك الإنسان أدنى فهمٍ لمقاصد الله الصالحة. عند ذكر التجارب، يشعر الناس كما لو أن الله لديه دوافع خفيّة، حتّى أن البعض يعتقدون أن الله لديه أفكارٌ شريرة، غير مُدرِكين ما سيفعله الله لهم بالفعل؛ وهكذا، في الوقت الذي يدّعون فيه الخضوع لسيادة الله وترتيباته، يبذلون كلّ ما في وسعهم لمقاومة ومعارضة سيادة الله وترتيباته للإنسان، لأنهم يعتقدون أنه إذا لم يكونوا حذرين فسوف يُضلّلهم الله، وإذا لم يُمسِكوا بزمام مصيرهم فإن كلّ ما لديهم يمكن أن يأخذه الله، حتّى أن حياتهم يمكن أن تنتهي. الإنسان مقيمٌ في معسكر الشيطان، ولكنه لا يخاف أبدًا من إيذاء الشيطان له، كما أن الشيطان يؤذيه لكنه لا يخاف أبدًا من أسر الشيطان له. يظلّ يقول إنه يقبل خلاص الله، لكنه لم يثق مطلقًا بالله ولم يؤمن أن الله سوف يُخلّصه حقًّا من مخالب الشيطان. إذا استطاع الإنسان، مثل أيُّوب، الخضوع لتنظيمات الله وترتيباته، وتمكّن من تسليم كيانه بجملته إلى يد الله، ألن تكون نهاية الإنسان هي نفسها نهاية أيُّوب – أي نيل بركات الله؟ إذا تمكّن الإنسان من قبول حكم الله والخضوع له، فما الذي يخسره؟ ومن ثمَّ، أقترح أن تكونوا حذرين في تصرّفاتكم وتجاه كلّ ما سوف يأتي عليكم. لا تتهوّروا أو تتسرّعوا، ولا تتعاملوا مع الله والناس والأمور والأشياء التي رتّبها لكم بحسب مزاجكم أو طبيعتكم أو حسب خيالاتكم ومفاهيمكم؛ ينبغي أن تكونوا حذرين في تصرّفاتكم، وينبغي أن تصلّوا وتسعوا أكثر لتفادي فوران غضب الله. تذكّروا هذا!
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 59
أيُّوب بعد تجاربه (فِقرة مُختارة)
(أيوب 42: 7-9) "وَكَانَ بَعْدَمَا تَكَلَّمَ يَهْوَه مَعَ أَيُّوبَ بِهَذَا ٱلْكَلَامِ، أَنَّ يَهْوَه قَالَ لِأَلِيفَازَ ٱلتَّيْمَانِيِّ: "قَدِ ٱحْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلَا صَاحِبَيْكَ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ. وَٱلْآنَ فَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَٱذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لِأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لِأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلَّا أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ". فَذَهَبَ أَلِيفَازُ ٱلتَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ ٱلشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ ٱلنَّعْمَاتِيُّ، وَفَعَلُوا كَمَا قَالَ يَهْوَه لَهُمْ. وَرَفَعَ يَهْوَه وَجْهَ أَيُّوبَ".
(أيوب 42: 10) "وَرَدَّ يَهْوَه سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لِأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ يَهْوَه عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لِأَيُّوبَ ضِعْفًا".
(أيوب 42: 12) "وَبَارَكَ يَهْوَه آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولَاهُ. وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ ٱلْغَنَمِ، وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنَ ٱلْإِبِلِ، وَأَلْفُ فَدَّانٍ مِنَ ٱلْبَقَرِ، وَأَلْفُ أَتَانٍ".
(أيوب 42: 17) "ثُمَّ مَاتَ أَيُّوبُ شَيْخًا وَشَبْعَانَ ٱلْأَيَّامِ".
أولئك الذين يخافون الله ويحيدون عن الشرّ يعتزّ بهم الله، في حين أن أولئك الحمقى يحتقرهم الله
يقول الله في أيوب 42: 7-9 إن أيُّوب عبده. يُوضّح استخدامه لمصطلح "عبد" في إشارته إلى أيُّوب أهميّة أيُّوب في قلبه؛ ومع أن الله لم يدعُ أيُّوب بتسمية أكثر أهميّةٍ، لم تكن لهذه التسمية أيّ تأثيرٍ على أهميّة أيُّوب في قلب الله. مصطلح "عبد" هنا هو الاسم الذي استخدمه الله لأيُّوب. تشير إشارات الله المُتعدّدة إلى "عبدي أيُّوب" إلى مدى رضاه عن أيُّوب. وعلى الرغم من أن الله لم يتحدّث عن المعنى وراء كلمة "عبد"، إلا أن تعريف الله لكلمة "عبد" يمكن رؤيته من كلماته في هذه الفقرة الكتابيّة. قال الله أولًا لأليفاز التيمانيّ: "قَدِ ٱحْتَمَى غَضَبِي عَلَيْكَ وَعَلَى كِلَا صَاحِبَيْكَ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ". هذه الكلمات هي المرة الأولى التي يقول فيها الله علنًا إنه قَبِلَ كلّ ما قاله أيُّوب وعمله بعد تجارب الله له، وهي المرة الأولى التي أكّد فيها صراحةً دقّة وصحة جميع ما عمله أيُّوب وقاله. غضب الله من أليفاز والصاحبين الآخرين بسبب كلامهم الخاطئ السخيف، ولأنهم، مثل أيُّوب، لم يتمكّنوا من رؤية ظهور الله ولم يسمعوا الكلمات التي تكلّم بها في حياتهم، ومع ذلك كان أيُّوب يتّسم بمعرفةٍ دقيقة بالله بينما لم يمكنهم سوى التخمين الأعمى عن الله، منتهكين مشيئة الله في كلّ ما فعلوه، ويجعلونه يشعر بالنفور منهم. ومن ثمَّ، في الوقت الذي تقبّل فيه الله كلّ ما قاله أيُّوب وعمله، حمي غضبه على الآخرين لأن الأمر لم يقتصر على أنه لم يستطع أن يرى فيهم أيّة علامةٍ على اتّقائهم الله، ولكنه أيضًا لم يسمع شيئًا عن اتّقاء الله في ما قالوه. وهكذا طالبهم الله بما يلي: "وَٱلْآنَ فَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ وَٱذْهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لِأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، وَعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ، لِأَنِّي أَرْفَعُ وَجْهَهُ لِئَلَّا أَصْنَعَ مَعَكُمْ حَسَبَ حَمَاقَتِكُمْ". يطلب الله من أليفاز والصاحبين الآخرين في هذا المقطع بأن يفعلوا شيئًا من شأنه التكفير عن آثامهم، لأن حماقتهم كانت خطيّة ضدّ يهوه الله، وهكذا اضطّروا لإصعاد محرقاتٍ للتكفير عن ذنوبهم. غالبًا ما تُصعَد المحرقات إلى الله، ولكن الغريب في هذه المحرقات هو أنها مُقدّمة إلى أيُّوب. قَبِلَ الله أيُّوب لأنه شهد لله خلال تجاربه. أمّا أصدقاء أيُّوب فقد انكشفوا أثناء فترة تجاربه؛ فبسبب حماقتهم أدانهم الله، وأثاروا غضب الله، فكان يجب على الله معاقبتهم بإصعاد محرقاتٍ أمام أيُّوب حتّى يُصلّي أيُّوب من أجلهم لرفع عقاب الله وغضبه عليهم. كان قصد الله إلحاق الخزي بهم، لأنهم لم يتّقوا الله أو يحيدوا عن الشرّ، كما أنهم أدانوا استقامة أيُّوب. كان الله، من ناحية، يُخبِرهم أنه لم يقبل أفعالهم ولكنه كان يقبل أيُّوب بكلّ سرورٍ؛ ومن ناحية أخرى، كان الله يُخبِرهم أن قبول الله للإنسان يرفع من شأن الإنسان أمام الله، وأن الله يلفظ الإنسان بسبب حماقته، لأن هذا من شأنه الإساءة إلى الله، ويجعل الإنسان مُنحطًّا شريرًا في نظر الله. هذه هي التعريفات التي قدّمها الله لنوعين من الناس، وهي مواقف الله تجاه هذين النوعين من الناس، وهي تعبير الله عن قيمة ومكانة هذين النوعين من الناس. مع أن الله دعا أيُّوب عبده، إلا أن هذا العبد كان محبوبًا في نظره، كما أنه تمتّع بسلطان الصلاة من أجل الآخرين ومسامحتهم على ذنوبهم. كان بإمكان هذا العبد التكلّم مباشرةً إلى الله والمثول مباشرةً أمام الله، وكان وضعه أعلى وأسمى من الآخرين. هذا هو المعنى الحقيقيّ لكلمة "عبد" التي تحدّث بها الله. نال أيُّوب هذا الشرف الخاص بسبب اتّقائه الله وحيدانه عن الشرّ، والسبب الذي جعل الله لا يدعو الآخرين عبيدًا هو أنهم لم يتّقوا الله أو يحيدوا عن الشرّ. هذان الموقفان المختلفان اختلافًا واضحًا من الله هما موقفاه تجاه نوعين من الناس: أولئك الذين يتّقون الله ويحيدون عن الشرّ يقبلهم الله ويعتزّ بهم، أمّا أولئك الحمقى فلا يتّقون الله أو يحيدون عن الشرّ ولا يمكنهم نيل فضل الله؛ كما أن الله غالبًا ما يلفظهم ويدينهم وهم أدنياءٌ في عينيه.
الله يمنح أيُّوب سلطانًا
صلّى أيُّوب من أجل أصدقائه، وبعد ذلك، بفضل صلاة أيُّوب، لم يتعامل الله معهم بحسب حماقتهم ولم يعاقبهم أو ينتقم منهم. ولماذا كان هذا؟ كان ذلك لأن الصلوات التي رفعها عبده أيُّوب بلغت مسامعه؛ وقد غفر الله لهم لأنه قَبِلَ صلاة أيُّوب. وماذا نرى في هذا؟ عندما يبارك الله شخصًا ما يمنحه الكثير من المكافآت، وليس المكافآت الماديّة فقط. فالله يمنحه السلطان أيضًا ويُؤهّله للصلاة من أجل الآخرين فينسى الله ذنوب هؤلاء الناس ويتغافل عنها لأنه يسمع هذه الصلوات. هذا هو السلطان ذاته الذي منحه الله لأيُّوب. من خلال صلوات أيُّوب لإيقاف إدانتهم، ألحق يهوه الله الخزي بهؤلاء الحمقى – وقد كان هذا بالطبع عقوبته الخاصة لأليفاز والصاحبين الآخرين.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 60
الله يبارك أيُّوب مرةً أخرى ولا يعود الشيطان ليتّهمه
من بين أقوال يهوه الله "لِأَنَّكُمْ لَمْ تَقُولُوا فِيَّ ٱلصَّوَابَ كَعَبْدِي أَيُّوبَ". ما الذي قاله أيُّوب؟ لقد كان ما تحدّثنا عنه سابقًا، وكذلك الكثير من الكلمات المُسجّلة في سفر أيُّوب التي يُقال إن أيُّوب تكلّم بها. في كلّ هذه الصفحات العديدة، لم تكن لدى أيُّوب أيّة شكاوى أو شكوك عن الله. إنه ببساطةٍ ينتظر النتيجة. وهذا الانتظار هو موقفه من الخضوع، ونتيجةً لذلك، ونتيجةً للكلمات التي قالها لله، كان أيُّوب مقبولًا من الله. عندما تحمّل التجارب وعانى المشقّة، كان الله إلى جانبه، ومع أن معاناته لم تقلّ بسبب وجود الله، إلا أن الله رأى ما أراد أن يراه، وسمع ما أراد أن يسمعه. كلّ فعلٍ من أفعال أيُّوب وكلماته بلغ نظر الله ومسمعه. لقد سمع الله ورأى – وهذه حقيقةٌ. لم تكن معرفة أيُّوب بالله وأفكاره عنه في قلبه في ذلك الوقت، خلال تلك الفترة، في الواقع مُحدّدة تمامًا مثل المعرفة التي يملكها الناس اليوم، ولكن في سياق الزمن كان الله لا يزال يعترف بكلّ ما قاله لأن سلوكه والأفكار في قلبه، وكذلك ما عبّر عنه وكشفه، كانت كافية لمتطلّبات الله. خلال الفترة التي خضع فيها أيوب للتجارب كان ما يُفكّر به في قلبه ويُقرِر عمله يُظهِر لله نتيجةً، وكانت نتيجة مُرضية لله، وبعد أن أنهى هذا الإله تجارب أيُّوب، خرج أيُّوب من مشاكله وانتهت تجاربه ولم تعد تصيبه مرةً أخرى. لأن أيُّوب خضع بالفعل للتجارب، وصمد خلالها، وانتصر بالكامل على الشيطان، أعطاه الله البركات التي يستحقّها عن جدارةٍ. وكما هو مُسجّلٌ في أيُّوب 42: 10، 12، نال أيُّوب البركة مرةً أخرى وتبارك بأكثر مما حظي به في المرة الأولى. كان الشيطان في هذا الوقت قد انسحب، ولم يقل أو يفعل أيّ شيءٍ، ومنذ ذلك الحين لم يعد يزعج أيُّوب أو يهاجمه، ولم يعد يشتكي من بركات الله لأيُّوب.
أيُّوب يمضي الجزء الأخير من حياته في غمرة بركات الله
مع أن بركات الله في ذلك الوقت كانت تقتصر على الغنم والبقر والجِمال والأصول الماديّة، وما إلى ذلك، إلا أن البركات التي رغب الله في قلبه في إعطائها لأيُّوب كانت أكثر من ذلك بكثيرٍ. هل كان نوع الوعد الأبديّ الذي رغب الله في تقديمه إلى أيُّوب مُسجّلًا في هذا الوقت؟ في بركات الله لأيُّوب لم يذكر الله نهايته أو يتطرق لها، وبغضّ النظر عن أهميّة أيُّوب أو مكانته في قلب الله، إلا أن الله بالإجمال كان مترويًا جدًا في بركاته. لم يُعلِن الله نهاية أيُّوب. ماذا يعني هذا؟ في ذلك الوقت، عندما كانت خطّة الله في انتظار الوصول إلى مرحلة إعلان نهاية الإنسان، لم تكن الخطّة قد دخلت بعد المرحلة النهائيّة من عمله، ولم يُشِر الله إلى النهاية بل كان يمنح الإنسان بركات ماديّة. وهذا يعني أن النصف الأخير من حياة أيُّوب كان يفيض ببركات الله، وهو ما جعله مختلفًا عن الآخرين – ولكنه شاخ مثلهم ومثل أيّ شخصٍ عاديّ جاء يوم توديعه العالم. ولهذا مكتوبٌ "ثُمَّ مَاتَ أَيُّوبُ شَيْخًا وَشَبْعَانَ ٱلْأَيَّامِ" (أيوب 42: 17). ما معنى "مَاتَ شَبْعَانَ ٱلْأَيَّامِ" هنا؟ في الفترة التي سبقت إعلان الله عن نهاية الناس، وضع الله متوسطًا عمريًّا متوقّعًا لأيُّوب، وعندما بلغ أيُّوب هذا السن، سمح له كأمر طبيعيّ بأن يغادر هذا العالم. من البركة الثانية لأيُّوب وحتّى موته، لم يضف الله المزيد من المشقّة. اعتبر الله أن موت أيُّوب طبيعيٌّ وضروريٌ أيضًا، كان أمرًا عاديًّا جدًّا، ولم يكن دينونة ولا إدانة. بينما كان أيُّوب على قيد الحياة، كان يعبد الله ويتّقيه؛ وفيما يتعلّق بنوع نهايته بعد موته، لم يقل الله شيئًا، ولم يُقدّم أيّ تعليقٍ حوله. لدى الله إحساس قوي بالصواب فيما يقوله ويفعله، كما أن مضمون كلماته وأفعاله ومبادئها هو بحسب مرحلة عمله والفترة التي يعمل فيها. ما نوع نهاية شخصٍ ما مثل أيُّوب في قلب الله؟ هل توصّل الله إلى أيّ نوعٍ من القرار في قلبه؟ بالطبع توصل لقرارٍ! لكن كان هذا القرار ببساطة غير معروفٍ لدى الإنسان؛ لم يرد الله أن يُخبِر الإنسان، ولم تكن لديه أيّة نيّةٍ لإخبار الإنسان. ومن ثمَّ، من الناحية الظاهريّة، مات أيُّوب شبعان الأيام، وكانت هذه هي حياة أيُّوب.
القيمة التي حياها أيُّوب خلال حياته
هل عاش أيُّوب حياةً ذات قيمةٍ؟ أين كانت القيمة؟ لماذا يقال إنه عاش حياةً ذات قيمةٍ؟ ماذا كانت قيمته في نظر الإنسان؟ من وجهة نظر الإنسان، كان يُمثّل البشريّة التي يريد الله خلاصها، وفي الشهادة المدويّة لله أمام الشيطان وشعوب العالم. أتمّ المهمّة التي كان يجب أن يُتمّمها كائن مخلوق، ووضع نموذجًا وتصرّف كمثالٍ يُحتذى لجميع أولئك الذين يرغب الله في خلاصهم، مما يسمح للناس رؤية أنه من الممكن تمامًا الانتصار على الشيطان بالاعتماد على الله. وماذا كانت قيمته عند الله؟ اعتبر الله أن قيمة حياة أيُّوب تكمن في قدرته على اتّقاء الله وعبادته والشهادة لأعماله وتسبيح أعماله، وجلب التعزية والسرور لقلبه؛ اعتبر الله أن قيمة حياة أيُّوب تمثّلت أيضًا في كيفيّة اختباره التجارب قبل موته وانتصاره على الشيطان وشهادته شهادةً مدوية لله أمام الشيطان وشعوب العالم، ليتمجد الله بين البشر، حيث يعزّي قلبه، ويسمح لقلبه المتلهف بمعاينة النتيجة ورؤية الأمل. وضعت شهادته معيارًا للقدرة على صمود المرء في شهادته لله، والقدرة على إلحاق الخزي بالشيطان بالنيابة عن الله وفي عمل الله في تدبير البشريّة. أليست هذه قيمة حياة أيُّوب؟ جلب أيُّوب التعزية لقلب الله، وقدّم لله بادرة مسرّة بتمجده، وقدّم بدايةً رائعة لخطّة تدبير الله. ومن الآن فصاعدًا، أصبح اسم أيُّوب رمزًا لتمجّد الله، وعلامةً على انتصار البشريّة على الشيطان. ما عاشه أيُّوب خلال حياته وكذلك انتصاره الرائع على الشيطان سوف يكون مصدر اعتزازٍ من الله إلى الأبد، كما أن كماله واستقامته واتّقاءه الله سوف تُكرّمه الأجيال القادمة وتحاكيه. سوف يكون مصدر اعتزازٍ من الله إلى الأبد مثل لؤلؤةٍ مضيئة لا تشوبها شائبةٌ، وبالدرجة نفسها يستحقّ التقدير من الإنسان!
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 61
أحكام عصر الناموس
الوصايا العشر
أحكام بناء المذابح
أحكام معاملة العبيد
أحكام السرقة والتعويض
حفظ يوم السبت والأعياد الثلاثة
أحكام يوم السبت
أحكام تقديم الذبائح
ذبائح المحرقة
تقدمات القربان
ذبائح السلامة
ذبائح الخطيّة
ذبائح الإثم
أحكام المحرقات المُقدّمة من الكهنة (هارون وأبناؤه مأمورون بالامتثال)
الذبائح المُقدّمة من الكهنة
تقدمات القربان المُقدّمة من الكهنة
ذبائح الخطيّة المُقدّمة من الكهنة
ذبائح الإثم المُقدّمة من الكهنة
ذبائح السلامة المُقدّمة من الكهنة
أحكام الأكل من الذبائح المُقدّمة من الكهنة
الحيوانات الطاهرة والنجسة (التي تؤكل والتي لا تؤكل)
أحكام تطهير النساء بعد الولادة
معايير فحص البَرَص
أحكام من نالوا الشفاء من البَرَص
أحكام تطهير المنازل المصابة
أحكام من يعانون من الإفرازات النجسة
يوم الكفارة الذي ينبغي الاحتفال به مرةً كل عام
أحكام ذبح البقر والغنم
حظر اتّباع الممارسات الممقوتة لدى الأمم (عدم ارتكاب سفاح القربى وما إلى ذلك)
الأحكام التي ينبغي على الشعب أن يتّبعها ["تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لِأَنِّي قُدُّوسٌ يَهْوَه إِلَهُكُمْ" (اللاويين 19: 2)]
قتل من يُقدّمون أولادهم كذبائح إلى مولك
أحكام معاقبة جريمة الزنا
الأحكام التي يجب أن يتّبعها الكهنة (قواعد سلوكهم اليوميّ، وقواعد استخدام المُقدّسات، وقواعد تقديم الذبائح، وما إلى ذلك)
الأعياد التي يجب حفظها (يوم السبت، وعيد الفصح، وعيد العنصرة، ويوم الكفارة، وما إلى ذلك)
الأحكام الأخرى (إنارة المصابيح، وسنة اليوبيل، وفِكاك استرداد الأرض، وتقديم النذور، وتقديم العشور، وما إلى ذلك)
أحكام عصر الناموس هي الدليل الحقيقيّ على إرشاد الله للبشريّة كلّها
إذًا، قرأتم أحكام ومبادئ عصر الناموس، أليس كذلك؟ هل تشمل الأحكام طائفة عريضة؟ أولًا، إنها تغطي الوصايا العشر، وبعدها أحكام كيفيّة بناء المذابح، وما إلى ذلك. وبعد ذلك أحكام حفظ يوم السبت وحفظ الأعياد الثلاثة، وبعد ذلك أحكام الذبائح. هل رأيتم كم عدد أنواع الذبائح؟ هناك ذبائح المحرقة وتقدمات القربان وذبائح السلامة وذبائح الخطيّة وما إلى ذلك، وبعدها أحكامٌ خاصة بذبائح الكهنة، بما في ذلك ذبائح المحرقة وتقدمات القربان المُقدّمة من الكهنة وغيرها من الذبائح. أما مجموعة الأحكام الثامنة فتخصّ الأكل من الذبائح المُقدّمة من الكهنة، وبعدها تُوجد أحكامٌ لما يجب مراعاته خلال حياة الناس. تُوجد شروطٌ للعديد من جوانب حياة الناس، مثل الأحكام الخاصة بما يحل أو لا يحل لهم أن يأكلوه، وتطهير النساء بعد الولادة، وأولئك الذين نالوا الشفاء من البَرَص. يتحدّث الله في هذه الأحكام بالتفصيل عن المرض، وتُوجد حتّى أحكامٌ لذبح الغنم والماشية وما إلى ذلك. الله خلق الغنم والماشية، ولكن يجب عليك ذبحها بالطريقة التي يُخبِرك بها الله؛ يُوجد، دون شكٍّ، سببٌ لكلمات الله، فمن الحقّ التصرّف بحسب أمر الله، وبالتأكيد لفائدة الناس! تُوجد أيضًا الأعياد والأحكام التي يجب حفظها، مثل يوم السبت وعيد الفصح وغيرها – تكلّم الله عن هذه كلّها. دعونا نلقي نظرةً على الأحكام الأخيرة، أي الأحكام الأخرى – إنارة المصابيح وسنة اليوبيل وفِكاك (استرداد) الأرض وتقديم النذور وتقديم العشور وما إلى ذلك. هل هذه تشمل مجموعةً واسعة؟ الشيء الأول الذي يجب الحديث عنه هو مسألة الذبائح المقدمة من الناس، ثم تُوجد أحكامٌ للسرقة والتعويض وحفظ يوم السبت...؛ إنها تتضمن جميع تفاصيل الحياة. وهذا يعني أنه عندما بدأ الله العمل الرسميّ لخطّة تدبيره، وضع العديد من الأحكام التي يجب أن يتبعها الإنسان. كان الهدف من هذه الأحكام السماح للإنسان بأن يعيش حياةً عاديّة على الأرض، حياةً طبيعيّة لا يمكن فصلها عن الله وإرشاده. أخبر الله الإنسان أولًا بكيفيّة عمل مذابح، أي كيفيّة بناء المذابح. وبعد ذلك، أخبر الإنسان بكيفيّة تقديم الذبائح وأرسى قوانين لكيفيّة حياة الإنسان، وما يجب عليه ملاحظته في الحياة، وما كان يجب عليه الالتزام به، وما يجب ولا يجب عليه فعله. كان ما وضعه الله للإنسان يشمل كلّ شيءٍ، وبهذه التقاليد والأحكام والمبادئ وحّد سلوك الناس، وأرشد حياتهم، ووجّه خطوتهم الابتدائية إلى قوانين الله، وقادهم للمثول أمام مذبح الله، ووجّههم في الحياة بين جميع الأشياء التي صنعها الله للإنسان وكانت تتّسم بالنظام والانتظام والاعتدال. استخدم الله أولًا هذه الأحكام والمبادئ البسيطة لتعيين حدود للإنسان، بحيث ينعم الإنسان على الأرض بحياةٍ طبيعيّة لعبادة لله، وينعم بالحياة الطبيعيّة للإنسان؛ هذا هو المحتوى المُحدّد لبداية خطّة التدبير على مدى ستة آلاف سنةٍ. تغطي الأحكام والقواعد محتوىً واسعًا للغاية، فهي خصائص إرشاد الله للبشريّة خلال عصر الناموس، وكان ينبغي على الأشخاص الذين جاءوا قبل عصر الناموس قبولها وإطاعتها، فهي سجلٌ للعمل الذي أتّمه الله خلال عصر الناموس ودليلٌ حقيقيّ على قيادة الله وإرشاده للبشريّة.
لا يمكن فصل البشريّة عن تعاليم الله وأحكامه إلى الأبد
نرى في هذه الأحكام أن موقف الله تجاه عمله وتدبيره ونحو البشريّة موقفٌ جاد وضميريّ وصارم ومسؤول. إنه يؤدي العمل الذي ينبغي تأديته بين البشر وفقًا لخطواته، ودون أدنى تناقضٍ، متحدّثًا بالكلمات التي ينبغي أن يتحدّث بها إلى البشريّة دون أدنى خطأ أو تقصير، مما يسمح للإنسان بأن يرى أنه لا يمكن فصله عن قيادة الله، ويريه مدى أهميّة كلّ ما يفعله الله ويقوله للبشريّة. بغضّ النظر عن طبيعة الإنسان في العصر التالي، في البداية – خلال عصر الناموس – فعل الله هذه الأشياء البسيطة. اعتبر الله أن مفاهيم الناس عنه وعن العالم والبشريّة في ذلك العصر كانت غامضة ومبهمة، ومع أنه كان لديهم بعض الأفكار والنوايا الواعية، إلا أنها جميعًا كانت غير واضحةٍ وغير صحيحة، ولهذا لا يمكن فصل البشريّة عن تعاليم الله وأحكامه لها. لم تكن البشريّة الأقدم تعرف شيئًا، وهكذا تعيّن على الله البدء في تعليم الإنسان ابتداءً من أكثر المبادئ السطحيّة والأساسيّة عن البقاء والأحكام الضروريّة للحياة، زارعًا هذه الأشياء في قلب الإنسان شيئًا فشيئًا. من خلال هذه القواعد، التي كانت مؤلفة من كلمات، ومن خلال هذه الأنظمة، وهب الإنسان فهمًا تدريجيًّا له، أي ـقديرًا تدريجيًا وفهمًا لقيادته، ومفهومًا أساسيًّا للعلاقة بينه وبين الإنسان. بعد تحقيق هذا التأثير تمكّن الله شيئًا فشيئًا من العمل في وقتٍ لاحق. وهكذا فإن هذه الأحكام والعمل الذي أتّمه الله خلال عصر الناموس هو أساس عمله لخلاص البشريّة، والمرحلة الأولى من العمل في خطّة تدبير الله. ومع أن الله كان قد تحدّث قبل عمل عصر الناموس إلى آدم وحواء ونسلهما، إلا أن تلك الوصايا والتعاليم لم تكن منهجيّة أو مُحدّدة بحيث يمكن إصدارها واحدة تلو الأخرى للإنسان، ولم تكن قد دُوّنت، ولم تصبح أحكامًا. يعود السبب في ذلك إلى أنه في ذلك الوقت لم تكن خطّة الله قد بلغت حدًا بعيدًا؛ ولكن عندما قاد الله الإنسان إلى هذه الخطوة بدأ بالتحدّث عن أحكام عصر الناموس هذه، وبدأ يطلب من الإنسان تنفيذها. كانت عمليةً ضروريّة، وكانت النتيجة حتميّة. تُبيّن هذه التقاليد والأحكام البسيطة للإنسان خطوات عمل تدبير الله وحكمته المعلنة في خطّة تدبيره. يعلم الله المحتوى والوسائل التي يجب استخدامها للبدء، والوسائل التي يجب استخدامها للاستمرار، والوسائل التي يجب استخدامها لوضع النهاية بحيث يتمكّن من ربح مجموعة من الأشخاص الذين يشهدون له، ومن ربح مجموعة من الأشخاص الذين يتفقون معه. إنه يعرف ما بداخل الإنسان، ويعرف ما ينقصه، ويعرف ما يجب عليه أن يُقدّمه، وكيف يجب عليه أن يقود الإنسان، وكذلك يعرف ما يجب وما لا يجب على الإنسان فعله. الإنسان أشبه بالدمية: مع أنه لم يكن لديه فهمٌ لإرادة الله، لم يسعه إلا أن انقاد بعمل تدبير الله، خطوةً بخطوةٍ، وحتّى اليوم. لم يُوجد غموضٌ في قلب الله حول ما كان يجب أن يفعله؛ فقد وُجدت في قلبه خطّةٌ واضحة وقويّة للغاية، وقد نفّذ العمل الذي رغب بنفسه في عمله وفقًا لخطواته وخطّته، متقدّمًا من السطحيّة إلى العمق. ومع أنه لم يُشِرْ إلى العمل الذي كان سيعمله في وقتٍ لاحق، فما زال يجري تنفيذ عمله اللاحق وتقدّمه في توافقٍ تام مع خطّته، وهو إظهارٌ لما لدى الله وما هو عليه، وهو أيضًا سلطان الله. بغضّ النظر عن أي مرحلةٍ يقوم الله بالعمل فيها من خطّة تدبيره، فإن شخصيّته وجوهره يمثلان ذاته. هذا صحيحٌ تمامًا. وبغضّ النظر عن العصر أو مرحلة العمل، فهناك أمور لن تتغير: أيّ نوعٍ من الناس يحبّه الله، وأيّ نوعٍ من الناس يمقته، وشخصيّته وكل ما لديه وما هو عليه. ومع أن هذه الأحكام والمبادئ التي أقرّها الله أثناء عمل عصر الناموس تبدو بسيطة جدًّا وسطحيّة في نظر الناس اليوم، ومع سهولة فهمها وتحقيقها، إلا أنها تتضمن حكمة الله وشخصيّته وما لديه وما هو عليه. ففي سياق هذه الأحكام التي تبدو بسيطة يُعبَّر عن مسؤوليّة الله ورعايته تجاه البشريّة وكذلك الجوهر الرائع لأفكاره، مما يسمح للإنسان بأن يُدرِك حقًّا أن الله يسود على جميع الأشياء ويتحكّم في جميع الأشياء. بغضّ النظر عن مدى المعرفة التي يملكها الإنسان، أو عدد النظريّات أو الألغاز التي يفهمها، يعتبر الله أن أيًّا منها لا يمكن أن يحلّ محلّ عطائه للبشريّة وقيادته لها؛ لن تنفصل البشريّة أبدًا عن إرشاد الله وعمل الله الشخصيّ. هذه هي العلاقة التي لا تنفصم بين الإنسان والله. بصرف النظر عمّا إذا كان الله يعطيك وصيّة أو لائحة، أو يُقدّم لك الحقّ لفهم إرادته، وبصرف النظر عما يفعله، فإن هدف الله هو إرشاد الإنسان إلى غدٍ جميل. الكلام الذي ينطق به الله والعمل الذي يُتّممه هما الإعلان عن جانبٍ واحد من جوهره، والإعلان عن جانبٍ واحد من شخصيّته وحكمته، وهما خطوةٌ لا غنى عنها في خطّة تدبيره. ينبغي عدم إغفال هذا! تكمن إرادة الله في كلّ ما يفعله؛ فالله لا يخاف من التصريحات التي في غير محلّها، ولا يخشى أيًّا من تصوّرات الإنسان أو أفكارِه عنه. إنه يعمل عمله وحسب، ويواصل تدبيره وفقًا لخطّة تدبيره، التي لا يُقيّدها أيّ شخصٍ أو مادة أو شيء.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (2)
كلمات الله اليومية اقتباس 62
استعراض لخواطر الله وأفكاره وأفعاله منذ خلقه للعالم
سوف نُلخّص اليوم أوّلاً أفكار الله وخططه وكلّ حركةٍ من تحرّكاته منذ أن خلق البشر. سنلقي نظرةً على العمل الذي عمله منذ تأسيس العالم إلى البداية الرسميّة لعصر النعمة. يمكننا بعد ذلك استكشاف أيًّا من أفكار الله وخططه غير معروفةٍ للإنسان، ويمكننا من هذه النقطة أن نُوضّح ترتيب خطّة تدبير الله ونفهم تمامًا السياق الذي أسّس فيه الله عمل تدبيره ومصدره وعمليّة تطويره، ويمكننا أن نفهم أيضًا فهمًا تامًّا النتائج التي يريدها من عمل تدبيره، أي جوهر وغرض عمل تدبيره. لفهم هذه الأمور يجب علينا العودة إلى زمانٍ بعيد ساد فيه السكون والصمت، زمن لم يوجد فيه بشر...
الله يخلق بشخصه أول إنسان حيّ
عندما نهض الله من مضجعه، كان أوّل ما فكّر به الله منذ الأزل هو خلق إنسانٍ حيّ حقيقيّ يمكن أن يحيا معه ويكون رفيقه الدائم؛ يمكن لهذا الشخص أن يستمع إليه ويمكن له أن يثق به ويتحدّث معه. وللمرّة الأولى اغترف الله حفنةٍ من التراب واستخدمها لخلق أوّل إنسانٍ حيّ بحسب الصورة التي تصوّرها في عقله، ثم أعطى هذا المخلوق الحيّ اسمًا، وهو آدم. كيف شعر الله بمُجرّد أن أصبح لديه هذا الكائن الحيّ الذي يتنفّس؟ للمرّة الأولى شعر بالفرح الذي يصاحب وجود حبيبٍ أو رفيق. كما شعر لأوّل مرّةٍ بمسؤوليّة أن يكون أبًا وبالاهتمام الذي يرافق ذلك. هذا الشخص الحيّ الذي يتنفّس جلب السعادة والفرح لله؛ فقد شعر الله بالارتياح لأوّل مرّةٍ. كان هذا أوّل شيءٍ فعله الله لم يتمّ بأفكاره أو حتّى بكلماته، ولكن بيديه. عندما وقف هذا الكائن – أي الشخص الحيّ الذي يتنفّس – أمام الله، مصنوعًا من لحمٍ ودم، ومكوّنًا من جسمٍ وهيئةٍ، وقادرًا على التحدّث مع الله، اختبر الله نوعًا من الفرح لم يشعر به من قبل. شعر الله حقًّا بمسؤوليّته، ولم يقتصر الأمر على أن تعلّق هذا الكائن الحيّ بقلبه فحسب، بل إن كلّ حركةٍ من تحرّكاته الصغيرة الي قام بها لمسته أيضًا وأسعدت قلبه. عندما وقف هذا الكائن الحيّ أمام الله، كانت هذه هي المرّة الأولى التي فكّر فيها في كسب المزيد من مثل هؤلاء الناس. كانت هذه سلسلة الأحداث التي بدأت بهذا الفكر الأوّل عند الله. بالنسبة لله، كانت جميع هذه الأحداث تحدث للمرّة الأولى، ولكن في هذه الأحداث الأولى، بغضّ النظر عمّا كان يشعر به في ذلك الوقت، أي شعور الفرح والمسؤوليّة والاهتمام، لم يوجد أحدٌ يمكنه مشاركة مشاعره معه. وابتداءً من تلك اللحظة، شعر الله حقًّا بوحدةٍ وحزنٍ لم يختبرهما من قبل. شعر بأن البشر لا يمكنهم أن يقبلوا أو يفهموا محبّته واهتمامه أو مقاصده للإنسان، ولذلك كان لا يزال يشعر بالحزن والألم في قلبه. ومع أنه فعل هذه الأشياء من أجل الإنسان، إلّا إن الإنسان لم يكن على درايةٍ بها ولم يفهمها. وبصرف النظر عن السعادة، فإن الفرح والعزاء اللذين شعر بهما الله بعد خلق الإنسان سرعان ما صاحبهما أوّل مشاعره بالحزن والوحدة. كانت هذه أفكار الله ومشاعره في ذلك الوقت. بينما كان الله يفعل جميع هذه الأشياء، تغيّر شعوره في قلبه من الفرح إلى الحزن ومن الحزن إلى الألم، وكانت مشاعره هذه مشوبة بالقلق. كان كلّ ما أراد عمله هو الإسراع في جعل هذا الشخص، أي هذه البشرية، يعرف ما كان يدور في قلبه ويفهم مقاصده عاجلًا. وبعد ذلك، يمكنهم أن يصبحوا أتباعه ويشاركوه أفكاره ويتوافقوا مع مشيئته. لن يعودوا يستمعون فحسب إلى كلام الله ويبقون دون كلامٍ؛ لن يعودوا غير مدركين كيفيّة مشاركة الله في عمله؛ بل ولن يعودوا أشخاصًا غير مبالين بمتطلّبات الله. هذه الأشياء الأولى التي فعلها الله ذات مغزى كبير وقيمة عالية لخطّة تدبيره وللبشر اليوم.
بعد خلق جميع الأشياء والبشرية، لم يسترح الله. كان قلقًا وتواقًا لتنفيذ تدبيره، وربح الأشخاص الذين أحبّهم بين البشر.
الله يقوم بسلسلة من الأعمال غير المسبوقة حوالي زمن عصر الناموس
بعد ذلك، وبعد فترةٍ قصيرة من خلق الله للبشر، نرى من الكتاب المُقدّس أنه حدث طوفانٌ عظيم في جميع أنحاء العالم. يُذكَر اسم نوح في سجلّ الطوفان، ويمكن القول بأن نوح كان أوّل شخصٍ يقبل دعوة الله للعمل معه لإكمال إحدى مهام الله. بالطبع، كانت هذه هي المرّة الأولى التي يدعو فيها الله شخصًا على الأرض لعمل شيءٍ وفقًا لأمره. بمُجرّد أن أنهى نوح بناء الفُلْك، غمر الله الأرض بالمياه للمرّة الأولى. عندما أهلك الله الأرض بالطوفان، كانت هذه هي المرّة الأولى منذ خلقه الكائنات الحية التي يشعر فيها بالضجر منهم؛ وهذا ما دفع الله لاتّخاذ القرار المؤلم بإهلاك هذا الجنس البشريّ بالطوفان. بعد أن أهلك الطوفان الأرض، أقام الله عهده الأوّل مع البشر، عهد يظهر أنه لن يدمر العالم مرّةً أخرى بالطوفان. وكانت علامة هذا العهد قوس قزح. كان هذا أوّل عهدٍ يقيمه الله مع البشريّة، ولذلك كان قوس قزح أوّل علامةٍ على العهد الذي أقامه الله، وقوس قزح شيءٌ حقيقيّ ماديّ موجود. ووجود قوس قزح يجعل الله يشعر كثيرًا بالحزن على الجنس البشريّ السابق الذي فقده، كما أنه يمثل تذكيرًا دائمًا له بما حدث لهم...لم يبطئ الله من وتيرته، وكان قلقًا وتواقًا ليتّخذ الخطوة التالية في تدبيره. وبعد ذلك، اختار الله إبراهيم كاختياره الأوّل لتنفيذ عمله في جميع أنحاء إسرائيل. وكانت هذه أيضًا المرّة الأولى التي يختار فيها الله مثل هذا المُرشّح. قرّر الله أن يبدأ تنفيذ عمله لخلاص البشريّة من خلال هذا الشخص، وأن يواصل عمله بين نسل هذا الشخص. يمكننا أن نرى في الكتاب المُقدّس أن هذا هو ما فعله الله مع إبراهيم. بعد ذلك جعل الله إسرائيل الأرض المختارة الأولى، وبدأ عمله في عهد الناموس من خلال شعبه المختار، أي بني إسرائيل. وللمرّة الأولى أيضًا، قدّم الله لبني إسرائيل قواعد ونواميس صريحة يجب أن تتبعها البشريّة، وشرحها بالتفصيل. كانت هذه هي المرّة الأولى التي يُقدّم فيها الله للبشر قواعد معياريّة مُحدّدة مثل هذه عن كيفيّة تقديم الذبائح وطريقة العيش وما يجب أن يعملوه وما يجب ألّا يعملوه والأعياد والأيّام التي يجب عليهم أن يحفظوها والمبادئ التي يجب اتّباعها في كلّ شيءٍ يعملوه. كانت هذه هي المرّة الأولى التي قدّم الله فيها للبشريّة قواعد ومبادئ مُفصّلة ومعياريّة عن كيف يعيشوا حياتهم.
في كل مرة أقول "المرّة الأولى"، فهذا يُقصد به نوع من العمل لم يقم به الله من قبل. يُشار به إلى عمل لم يكن موجودًا من قبل، ومع أن الله خلق البشريّة وخلق كافة أنواع المخلوقات والكائنات الحيّة، فهذا نوع من العمل لم يقم به من قبل. اشتمل هذا العمل كلّه على تدبير الله للبشرية؛ وكان يتعيّن على هذا كلّه أن تكون له علاقةٌ بالناس وبخلاصه وتدبيره لهم. بعد إبراهيم، عمل الله عمل آخر لأول مرة: اختار أيُّوب ليكون ذلك الشخص الذي يعيش تحت الناموس والذي يمكنه احتمال تجارب الشيطان مع استمراره في اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ والشهادة لله. كانت هذه أيضًا هي المرّة الأولى التي سمح فيها الله للشيطان بتجربة شخصٍ، والمرّة الأولى التي يراهن فيها مع الشيطان. وفي النهاية، ربح للمرّة الأولى شخصًا استطاع التمسك بالشهادة له وأن يقدم الشهادة له بينما كان يواجه الشيطان وإلحاق الخزي الشديد بالشيطان. منذ أن خلق الله البشر، كان هذا هو أوّل شخصٍ ربحه الله واستطاع الشهادة له. بمُجرّد أن كسب الله هذا الرجل، كان أكثر حرصًا على مواصلة تدبيره وتنفيذ المرحلة التالية من عمله، وإعداد المكان والناس الذين سيختارهم للخطوة التالية من عمله.
بعد عقد الشركة حول هذا كلّه، هل تفهمون مشيئة الله فهمًا حقيقيًا؟ يعتبر الله تدبيره للبشريّة وخلاصه للبشرية هذه المرة أهمّ من أيّ شيءٍ آخر. إنه يفعل هذه الأشياء ليس بعقله فحسب، وليس بكلماته فحسب، وبالتأكيد لا يفعلها بطريقة عرضية، ولكنه يفعل جميع هذه الأشياء بمقاصده، بينما تكون له خطّة وهدف ومعايير. يمكن رؤية أن عمل الله لخلاص البشريّة هذه المرة يحمل دلالة كبيرة لكلٍّ من الله والإنسان. مهما كانت صعوبة العمل، ومهما كانت عظمة العقبات أمام هذا العمل، ومهما بلغ ضعف البشر، أو عمق تمرّد البشر، لا شيء من هذا صعب على الله. الله يُبقي نفسه مشغولًا، ويبذل دم قلبه، ويُدبّر العمل الذي يريد تنفيذه، وهو أيضًا يُرتّب كلّ شيءٍ ويسود على جميع هؤلاء الناس الذين يريد أن يعمل عليهم وكل العمل الذي يريد القيام به؛ كل هذا لم يسبق له مثيل. هذه هي المرّة الأولى التي استخدم فيها الله هذه الطرق ودفع مثل هذا الثمن الهائل لتنفيذ هذا المشروع الرئيسيّ لتدبير البشريّة وخلاصها. بينما يقوم الله بكل هذا العمل، فإنه يُعبّر شيئًا فشيئًا للبشر ويعلن لهم دون أي تحفّظٍ عن دم قلبه وعمّا لديه ومن هو، وعن حكمته وقدرته وعن كلّ جانبٍ من جوانب شخصيّته. الإعلان والتعبير عن هذه الأساليب غير مسبوق. ولذلك، في الكون بأكمله، بخلاف الناس الذين يهدف الله إلى تدبيرهم وخلاصهم، لم تكن هناك مخلوقات بهذه الدرجة من القرب من الله، وبهذه الدرجة من الحميمية معه. في قلب الله، البشرية التي يريد أن يُدبّرها ويُخلّصها هي الأهمّ، وهو يُقدّر هذه البشريّة أكثر من أي شيءٍ آخر. ورغم أنه دفع ثمنًا هائلًا عن البشر، ومع تعرّضه المستمرّ لأذاهم وتمردهم، فإنه لا يتذمر ولا يندم، وهو يظل لا يتركهم ولا ينبذهم، ويواصل أداء عمله بلا توقف. السبب في هذا هو أنه يعرف أنه عاجلاً أو آجلاً سيأتي اليوم الذي يفيق الناس على نداء كلماته، ويتأثّرون بكلماته، ويدركون أنه ربّ الخليقة، ومن ثم يعودون إلى جانبه...
بعد سماعكم هذا كلّه اليوم، قد تشعرون أن كلّ ما يفعله الله طبيعيٌ جدًّا. يبدو أن البشر كانوا يشعرون دائمًا بجانبٍ من نوايا الله لهم من سياق كلامه ومن عمله، ولكن توجد دائمًا مسافةٌ مُعيّنة بين مشاعرهم أو معرفتهم وبين ما يُفكّر به الله. ولهذا السبب أعتقد أنه من الضروريّ التواصل مع جميع الناس حول سبب خلق الله للبشريّة، والخلفيّة الكامنة وراء رغبته في ربح البشرية التي كان يأمل فيها. من الضروريّ مشاركة هذا مع الجميع، بحيث يكون هذا واضحًا للجميع ويفهمونه في قلوبهم. لأن كلاً من أفكار الله وخططه وكلّ مرحلةٍ وكلّ فترةٍ من عمله تتشابك وترتبط ارتباطًا وثيقًا بعمل تدبيره بأكمله، وعليه عندما تفهم أفكار الله وخططه ومشيئته في كلّ خطوةٍ من خطوات عمله يكون هذا أشبه بفهم كيفية عمل خطّة تدبيره. يتعمّق فهمك لله على هذا الأساس. فمع أن كلّ ما فعله الله عندما خلق العالم في البداية مما ذكرته سابقًا يبدو الآن أنه مجرد "معلومات" غير ذات صلةٍ بالسعي إلى الحقّ، إلّا أنه على مدى فترة اختبارك سوف يكون هناك على أية حال يومٌ لا تعتقد فيه أن هذا شيئًا بسيطًا جدًّا كمجموعةٍ من المعلومات أو شيئًا بسيطًا مثل بعض الألغاز. فيما تتقدم حياتك وبمجرد أن يصبح لله مكانًا في قلبك، أو بمجرد أن تفهم مشيئته فهمًا أكثر شمولاً وعمقًا، عندئذ ستفهم حقًّا أهميّة وضرورة ما أتحدّث عنه اليوم. مهما كان مدى فهمكم لهذا الآن؛ فما زال من الضروريّ أن تفهموا هذه الأشياء وتعرفوها. عندما يعمل الله شيئًا، وعندما يُجري عمله، وبغضّ النظر عمّا إذا كان يجريه بأفكاره أو بيديه، وبغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه هي المرّة الأولى التي يعمل فيها ذلك أو المرّة الأخيرة، ففي النهاية الله لديه خطّةٌ، كما أن أهدافه وأفكاره تكمن في كلّ شيءٍ يفعله. تُمثّل هذه الأهداف والأفكار شخصيّة الله، وتُعبّر عمّا لديه ومَنْ هو. ينبغي على كلّ شخصٍ فهم هذين الشيئين، أي شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو. بمُجرّد أن يفهم المرء شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو، يمكنه أن يفهم تدريجيًّا سبب عمل الله ما يعمله وسبب قوله ما يقوله. ومن ذلك، يمكنه عندئذٍ أن يملك إيمانًا أكبر لاتّباع الله والسعي إلى الحقّ وتغيير في شخصيّتهم. وهذا يعني أن فهم الإنسان لله وإيمانه بالله لا ينفصلان.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 63
إن كان ما يكسب الناس معرفة عنه ويتوصلون إلى فهمه هو شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو، فإن ما يكتسبونه هو الحياة التي تأتي من الله. بُمجرّد أن تتشكّل هذه الحياة بداخلك، سوف تصبح مخافتك من الله أكبر وأكبر، وهذا ربح يتحقق على نحو طبيعيّ جدًّا. إذا لم ترد أن تفهم أو تعرف شخصيّة الله أو جوهره، وإذا كنت لا تريد حتّى التفكير في هذه الأمور أو التركيز عليها، فيمكنني أن أخبرك بالتأكيد أن الطريقة التي تسعى بها حاليًا إلى إيمانك بالله لا يمكن أن تسمح لك أبدًا بإرضاء مشيئته أو نيل رضاه. إضافة إلى ذلك، لا يمكنك أبدًا الوصول إلى الخلاص – هذه هي النتائج النهائيّة. عندما لا يفهم الناس الله ولا يعرفون شخصيّته، فإن قلوبهم لا يمكنها أبدًا أن تنفتح له حقًا. وبعد أن يفهموا الله، سوف يكون لديهم الاهتمام والإيمان للتعاطف مع قلب الله واستطابته. عندما تتعاطف مع قلب الله وتستطيبه، سوف ينفتح قلبك له تدريجيًّا شيئًا فشيئًا. وعندما ينفتح قلبك له، سوف تشعر بمدى الخزي والخِسَّة التي كانت عليها محاولاتك في إجراء تعاملات مع الله وكذلك مطالبك من الله ورغباتك الفارهة. عندما ينفتح قلبك حقًّا لله، سوف ترى أن قلبه عالمٌ بلا حدودٍ، وفي الوقت نفسه، سوف تدخل إلى عالم لم تختبره من قبل قط. حيث لا يوجد غشٌّ ولا خداع ولا ظلام ولا شرّ. لا يوجد به سوى الإخلاص والأمانة، والنور والاستقامة، والبرّ واللطف. إنه مليءٌ بالمحبّة والرعاية والرحمة والتسامح، ومن خلاله تشعر بالسعادة والفرح كونك حيًّا. هذه الأشياء هي ما سيكشفه الله لك الله عندما تفتح قلبك له. وهذا العالم اللانهائيّ ممتلئٌ بحكمة الله وبقدرته الكليّة؛ كما أنه ممتلئٌ بمحبّته وسلطانه. يمكنك هنا أن ترى كلّ جانبٍ من جوانب ما لدى الله ومَنْ هو وما يجلب له الفرح ولماذا يقلق ولماذا يحزن ولماذا يغضب... هذا ما يستطيع أن يراه كلّ شخصٍ يفتح قلبه ويسمح لله بالدخول. لا يمكن أن يأتي الله إلى قلبك إلّا إذا فتحته له. لا يمكنك أن ترى ما لدى الله ومَنْ هو ولا يمكنك أن ترى نيته نحوك إلّا إذا دخل قلبك. في ذلك الوقت، سوف تكتشف أن كلّ شيءٍ عن الله ثمينٌ جدًّا، وأن ما لديه ومَنْ هو جديرٌ بالاعتزاز. وفي المقابل، فإن الأشخاص الذين يحيطون بك، والأشياء والأحداث في حياتك، وحتّى أحباءك وشريك حياتك، والأشياء التي تحبّها، تكاد لا تستحقّ الذكر. فهذه الأمور صغيرة للغاية ومتواضعة للغاية لدرجة أنك ستشعر أنه لن يتمكّن أيّ شيءٍ ماديّ من أن يجذبك مرّةً أخرى، أو أن يغريك من جديد أبدًا لدفع أيّ ثمنٍ له. في تواضع الله سوف ترى عظمته وسموّه. وإضافة إلى ذلك، سوف ترى في أحد أعمال الله، التي اعتقدت سابقًا أنه صغيرٌ جدًّا، حكمته اللانهائيّة وتسامحه، وسوف ترى صبره وتحمّله وفهمه لك. وهذا سيوّلد فيك عشقًا له. في ذلك اليوم، سوف تشعر أن البشريّة تعيش في عالمٍ دنسٍ، وأن الناس الذين بجانبك والأشياء التي تحدث في حياتك، وحتّى أولئك الذين تحبّهم، ومحبّتهم لك وحمايتهم المزعومة أو اهتمامهم بك لا يستحقّ الذكر حتّى، فالله وحده هو حبيبك، والله وحده هو مَنْ تُقدّره أكثر. عندما يأتي ذلك اليوم، أعتقد أنه سيوجد بعض الناس الذين يقولون: إن محبّة الله عظيمةٌ جدًّا وجوهره مُقدّسٌ جدًّا وليس فيه غشٌّ ولا شرّ ولا حسد ولا صراع، بل البرّ والأصالة وحدهما، وكلّ شيءٍ لدى الله ومن هو يجب أن يتوق إليه البشر. يجب على البشر أن يسعوا وراءه ويتطلعوا إليه. على أيّ أساسٍ تُبنى قدرة البشر على تحقيق ذلك؟ إنه مبنيٌّ على أساس فهمهم لشخصية الله وفهمهم لجوهر الله. ولذلك فإن فهم شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو درسٌ مستمرّ مدى الحياة لكلّ شخصٍ؛ وهذا هدفٌ مستمرّ مدى الحياة لكلّ شخصٍ يسعى جاهدًا إلى تغيير شخصيّته ويسعى إلى معرفة الله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 64
تجسد الله للمرة الأولى للقيام بالعمل
إذا أردنا أن نفهم المزيد عما لدى الله ومن هو، فلا يمكننا التوقّف عند العهد القديم أو عهد الناموس، ولكننا نحتاج إلى المضيّ قُدمًا والمتابعة مع الخطوات التي اتّخذها الله في عمله. وهكذا، عندما أنهى الله عهد الناموس وبدأ عهد النعمة، سمح لخطواتنا بأن تتبعه إلى عهد النعمة – وهو عهدٌ مملوءٌ بالنعمة والفداء. وفي هذا العهد صنع الله من جديدٍ شيئًا مهمًّا للغاية لم يُصنَع من قبل. كان العمل في هذا العهد الجديد لكلٍّ من الله والبشر نقطة انطلاقٍ جديدة. وكانت نقطة الانطلاق هذه تتكون من عمل جديد آخر يعمله الله لم يُصنع من قبل. كان هذا العمل الجديد غير مسبوقٍ، شيء يتخطى قدرة تخيُّل البشر. إنه شيءٌ معروف الآن لجميع الناس – لأول مرة، صار الله إنسانًا، ولأول مرة بدأ عملًا جديدًا في هيئة إنسانٍ وبهويّة إنسانٍ. أفاد هذا العمل الجديد بأن الله أكمل عمله في عهد الناموس، وبأنه لن يعد يقول أو يفعل أيّ شيءٍ بموجب الناموس. لن يتكلّم أو يفعل أيّ شيءٍ في هيئة الناموس أو وفقًا لمبادئ الناموس أو قواعده. وهذا يعني أن كل عمله المستند على الناموس توقّف إلى الأبد ولن يستمرّ، وذلك لأن الله أراد أن يبدأ عملاً جديدًا وأن يصنع أشياءً جديدةً. مرة أخرى كانت لخطّته نقطة بدايةٍ جديدةٍ، ولذلك كان يتعيّن على الله أن يقود البشريّة إلى العهد التالي.
تعتمد مسألة سواء كان هذا خبرًا سارًّا أو مؤسفًا للبشر على جوهر كل شخص على حدة. يمكن القول إن هذا الخبر لم يكن سارًّا لبعض الناس، ولكنه كان مؤسفًا، لأنه عندما بدأ الله عمله الجديد، فإن أولئك الناس الذين اتّبعوا النواميس والقواعد فحسب بينما لم يخافوا الله، ومالوا إلى استخدام عمل الله القديم لإدانة عمله الجديد. كان هذا خبرًا مؤسفًا لهؤلاء الناس. ولكن لكلّ شخصٍ بريء ومنفتح وأمين لله ومستعدّ لقبول فدائه، فإن أوّل تجسّدٍ لله كان خبرًا سارًّا جدًّا. لأنه منذ مجيء البشر إلى الوجود، كانت هذه هي المرّة الأولى التي ظهر فيها الله وعاش بين البشر في هيئةٍ غير هيئة الروح؛ وهذه المرة فقد وُلِدَ من بشرٍ وعاش بين الناس بصفته ابن الإنسان، وعمل في وسطهم. وهذه "المرّة الأولى" كسرت مفاهيم الناس وكانت أبعد من الخيال. إضافة إلى ذلك، نال جميع أتباع الله فائدةً ملموسة. لم يكتفِ الله بإنهاء العصر القديم فحسب، بل أنهى أيضًا أساليب عمله القديمة وطريقة عمله. لم يعد يطلب من رسله نقل مشيئته، ولم يعد مختبئًا في السحاب، ولم يعد يظهر للبشر أو يتحدّث إليهم بصيغة الأمر من خلال الرعد. ولكن على عكس أيّ شيءٍ من قبل، ومن خلال أسلوبٍ لم يكن يتصوّره الإنسان، حيث كان من الصعب عليه فهمه أو قبوله – أي تجسُّد الله – صار الله هو ابن الإنسان لكي يبدأ عمل ذلك العصر. وقد أخذ عملُ الله البشر على حين غرّة، وأصابهم بالارتباك؛ لأن الله بدأ مرّةً أخرى عملاً جديدًا لم يسبق أن عَمِلَه من قبل.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 65
يسوع يقطف سنابل الذرة ليأكلها يوم السبت
(متى 12: 1) "فِي ذَلِكَ ٱلْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي ٱلسَّبْتِ بَيْنَ ٱلزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلَامِيذُهُ وَٱبْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ".
ابن الإنسان هو رب السبت
(متى 12: 6-8) "وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ! فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى ٱلْأَبْرِيَاءِ! فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضًا".
دعونا أوّلاً نلقي نظرةً على هذا المقطع: "فِي ذَلِكَ ٱلْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي ٱلسَّبْتِ بَيْنَ ٱلزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلَامِيذُهُ وَٱبْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ".
لماذا اخترت هذا المقطع؟ ما ارتباطه بشخصيّة الله؟ في هذا النصّ، أوّل شيءٍ نعرفه هو أنه كان يوم السبت، ولكن الرّبّ يسوع خرج مع تلاميذه بين حقول القمح. والأمر االأشد "غدرًا" هو أنهم حتّى "ٱبْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ". في عصر الناموس، كان ناموس يهوه الله يقضي بألّا يخرج الناس أو يشاركوا في الأنشطة يوم السبت: كانت هناك أشياءٌ كثيرة لا يمكن عملها يوم السبت. وكان هذا التصرّف الذي صدر من الرّبّ يسوع مُحيّرًا بالنسبة لمن عاشوا في ظلّ الناموس لفترةٍ طويلة، حتّى أنه أثار النقد. أمّا عن ارتباكهم وكيفّية حديثهم عمّا فعله يسوع، فسوف نؤجّل ذلك في الوقت الحاليّ ونناقش أوّلاً لماذا اختار الرّبّ يسوع عمل ذلك يوم السبت، من بين جميع الأيّام، وما أراد توصيله للناس الذين كانوا يعيشون في ظلّ الناموس من خلال هذا العمل. هذا هو الرابط بين هذا المقطع وشخصيّة الله التي أريد الحديث عنها.
عندما جاء الرّبّ يسوع، استخدم أفعاله العمليّة ليخبر الناس أن الله ترك عصر الناموس وبدأ العمل الجديد، وأن هذا العمل الجديد لم يتطلّب حفظ السبت. كان خروج الله عن قيود يوم السبت مُجرّد لمحة مسبقة عن عمله الجديد، وكان عمله الحقيقي والعظيم لم يأتِ بعدُ. عندما بدأ الرّبّ يسوع عمله، كان قد ترك بالفعل "أغلال" عصر الناموس وخرق لوائح ذلك العصر ومبادئه. ولم يكن فيه أيّ أثرٍ لأيّ شيءٍ مُتعلّق بالناموس؛ فقد طرحه بأكمله ولم يعُد يحفظه، ولم يعُد يطلب من الناس أن يحفظوه. ولذلك ترى أن الرّبّ خرج بين حقول القمح في السبت؛ وأن الرّبّ لم يسترح: بل كان خارجًا يعمل ولم يكن يستريح. وكان تصرّفه هذا صدمةً لمفاهيم الناس وأبلغهم أنه لم يعُد يعيش في ظلّ الناموس وأنه ترك قيود السبت وظهر أمام البشريّة وفي وسطهم في صورةٍ جديدةٍ وبطريقةٍ جديدةٍ للعمل. وقد أخبر عمله هذا الناس أنه أحضر معه عملاً جديدًا، عمل بدأ بالخروج عن الخضوع للناموس والابتعاد عن السبت. عندما أتمّ الله عمله الجديد، لم يعد يتعلّق بالماضي، ولم يعد مهتمًّا بلوائح عصر الناموس. لم يتأثّر بعمله في العصر السابق، ولكنه عمل في السبت كما يعمل في الأيام الأخرى، وعندما شعر تلاميذه بالجوع يوم السبت، استطاعوا قطف سنابل القمح للأكل. كان هذا طبيعيًّا جدًّا في نظر الله. مسموح لله بأن تكون له بدايةٌ جديدة للعمل الجديد الكثير الذي يريد أن يفعله والكلمات الجديدة التي يريد أن يقولها. عندما يبدأ شيئًا جديدًا، فهو لا يذكر عمله السابق ولا يواصل عمله. لأن الله له مبادئه في عمله، عندما يريد أن يبدأ عملاً جديدًا فإنه يريد أن ينقل البشريّة إلى مرحلةٍ جديدةٍ من عمله وينقل عمله إلى مرحلةٍ أعلى. إذا استمرّ الناس في التصرّف وفقًا للأقوال أو اللوائح القديمة أو استمرّوا في التمسّك بها، فإنه لن يذكر ذلك أو يوافق عليه. والسبب في ذلك هو أنه جلب بالفعل عملاً جديدًا ودخل مرحلةً جديدة من عمله. عندما يبدأ عملاً جديدًا، فإنه يظهر للبشريّة بصورةٍ جديدة تمامًا ومن زاويةٍ جديدة تمامًا وبطريقةٍ جديدة تمامًا بحيث يمكن للناس رؤية جوانب مختلفة من شخصيّته وما لديه ومَنْ هو. وهذا أحد أهدافه في عمله الجديد. لا يتمسّك الله بالأشياء القديمة أو يسلك الطريق المعتاد؛ عندما يعمل ويتحدّث، لا يكثر من الحظر كما يتصوّر الناس. فعند الله الجميع أحرارٌ وطلقاء ولا يوجد حظرٌ ولا قيود – فهو لا يجلب للبشريّة سوى الحريّة والتحرّر. إنه إلهٌ حيّ وإلهٌ موجودٌ حقًّا. إنه ليس دمية أو تمثالاً من صلصالٍ، وهو مختلفٌ تمامًا عن الأوثان التي يُقدّسها الناس ويعبدونها. إنه حيٌّ ونابض بالحياة، كما أن كلماته وعمله يُقدّم للبشرية الحياة والنور والحريّة والتحرّر، لأنه الطريق والحقّ والحياة. إنه غير مُقيّدٍ بأيّ شيءٍ في أيٍ من أعماله. وبغضّ النظر عمّا يقوله الناس وبغضّ النظر عن كيفيّة رؤيتهم أو تقييمهم لعمله الجديد، فسوف يؤدّي عمله دون ندم. لن يقلق بشأن مفاهيم أيّ شخصٍ أو إشاراته إلى ما يخص عمله أو كلامه، أو حتّى معارضته القويّة ومقاومته لعمله الجديد. فلا أحد من بين المخلوقات يمكنه استخدام العقل البشريّ أو الخيال البشريّ أو المعرفة أو الأخلاق لقياس أو تحديد ما يفعله الله أو لتشويه عمله أو إيقاع الاضطراب فيه أو تخريبه. لا يوجد حظرٍ في عمله، ولن يُقيّده أيّ إنسانٍ أو شيء أو حَدَث، ولن تزعجه أيّة قوى معادية. وبقدر ما يتعلق الأمر بعمله الجديد فهو ملكٌ منتصرٌ دائمًا، وأيّة قوى معادية وجميع البدع والمغالطات من البشر يدوسها تحت موطئ قدميه. بغضّ النظر عن أيّة مرحلةٍ جديدة من عمله يُؤدّيها، فسيتم بالتأكيد تطويرها وتوسيعها بين البشر، وإتمامها دون عوائق في سائر أرجاء الكون بأكمله لحين إتمام عمله العظيم. هذه هي قدرة الله وحكمته وسلطانه وقوّته. وهكذا، استطاع الرّبّ يسوع أن يخرج علنًا ويعمل في السبت لأنه لم تكن في قلبه قواعد، ولا معرفةٌ أو عقيدة نبعت من البشر. ولم يكن ما عمله سوى عمل الله الجديد وطريقة الله الجديدة، وكان عمله هو الطريق لتحرير البشريّة وإطلاق سراح الناس والسماح لها بالعيش في النور وبالحياة. وفي تلك الأثناء، أولئك الذين يعبدون الأوثان أو الآلهة الباطلة يعيشون كلّ يومٍ مُقيّدين من الشيطان، ومُقيّدين بجميع أنواع القواعد والممنوعات – فاليوم يُحظر شيءٌ ما وغدًا يُحظر شيءٌ آخر – ولا توجد حريّة في حياتهم. إنهم مثل سجناء في أغلالٍ يعيشون الحياة بلا فرح يمكنهم الحديث عنه. ماذا يُمثّل "الحظر"؟ إنه يُمثّل القيود والأغلال والشرّ. بمُجرّد أن يعبد الشخص وثنًا، فإنه يعبد إلهًا كاذبًا وروحًا شريرًا. ويأتي الحظر عند الانخراط في مثل هذه الأنشطة. لا يمكنك أن تأكل هذا أو ذاك، لا يمكنك الخروج اليوم، ولا يمكنك الطهي غدًا، ولا يمكنك في اليوم التالي الانتقال إلى منزلٍ جديد، وينبغي تعيين أيامٍ مُعيّنة للزفاف والجنازات، وحتّى لولادة الأطفال. ماذا يُدعى هذا؟ إنه يُدعى الحظر؛ إنه عبوديّة البشر وأغلال الشيطان والأرواح الشريرة التي تتحكّم بالناس وتُقيّد قلوبهم وأجسادهم. هل الله عنده هذا الحظر؟ عند الحديث عن قداسة الله، يجب أن تُفكّر أوّلّا في هذا: الله ليس عنده حظر. الله عنده مبادئ في كلماته وعمله، ولكن ليس عنده حظر، لأن الله نفسه هو الطريق والحقّ والحياة.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 66
"وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ! فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى ٱلْأَبْرِيَاءِ! فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضًا" (متى 12: 6-8). ما الذي تشير إليه كلمة "الهيكل" هنا؟ ببساطةٍ، تشير إلى مبنى مرتفع شاهق، وفي عصر الناموس كان الهيكل مكانًا للكهنة لعبادة الله. عندما قال الرّبّ يسوع "إِنَّ هَهُنَا أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ!"، مَنْ الذي تشير إليه كلمة "أعظم"؟ تشير كلمة "أعظم" بوضوحٍ إلى الرّبّ يسوع في الجسد، لأنه وحده كان أعظم من الهيكل. ماذا أخبرت تلك الكلمات الناس؟ أخبرت الناس بأن يخرجوا من الهيكل – فقد ترك الله الهيكل بالفعل ولم يعُد يعمل فيه، ولذلك يجب على الناس أن يتبعوا خطوات الله خارج الهيكل ويتبعوا خطواته في عمله الجديد. عندما قال الرّبّ يسوع هذا، كانت هناك فرضية وراء كلامه، وهي أنه في ظلّ الناموس اعتاد الناس على اعتبار الهيكل شيئًا أعظم من الله نفسه. وهذا يعني أن الناس كان يعبدون الهيكل بدلاً من عبادة الله، ولذلك حذّرهم الرّبّ يسوع من عبادة الأوثان ودعاهم لعبادة الله بدلًا من ذلك لأنه إلهٌ سامٍ. وهكذا قال: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً". من الواضح أن الرّبّ يسوع اعتبر أن معظم الناس الذين يعيشون في ظلّ الناموس لم يعودوا يعبدون يهوه الله بل كانوا يكتفون بطقس تقديم الذبائح، فقرّر الرّبّ يسوع أن هذه العمليّة تشكل عبادة أوثانٍ. كان عبدة الأوثان هؤلاء يرون الهيكل على أنه شيءٌ أعظم وأعلى من الله. لم يكن يملأ قلوبهم سوى الهيكل وليس الله، وإذا كانوا ليفقدوا الهيكل، لفقدوا مكان سكنهم. وبدون الهيكل لا يكون لديهم مكانٌ للعبادة ولا يمكنهم تقديم ذبائحهم. إن مكان سكنهم "المزعوم" هو المكان الذي يستخدمونه بزعم عبادة يهوه الزائف، من أجل البقاء في الهيكل وإجراء أمورهم الخاصة. ولم يكن الهدف من "تقديم ذبائحهم" المزعوم سوى إجراء تعاملاتهم الشخصيّة المخزية تحت ستار إجراء خدمتهم في الهيكل. وقد كان هذا هو السبب الذي جعل الناس في ذلك الوقت يعتبرون الهيكل أعظم من الله. تكلم الرب يسوع بهذه الكلمات كتحذير للناس، لأنهم كانوا يستخدمون الهيكل كواجهة والذبائح كقناعٍ لخداع الناس وخداع الله. إذا طبّقتم هذه الكلمات على الوقت الحاضر، فهي لا تزال صحيحة وواقعيّة بالقدر نفسه. مع أن الناس اختبروا اليوم عملاً مختلفًا لله عن أولئك الناس الذين عاشوا في عصر الناموس، فإن جوهر طبيعتهم هو نفسه. في سياق العمل اليوم، سوف يظلّ الناس يفعلون النوع نفسه من الأشياء مثل ما تمثله كلمة "الهيكل أعظم من الله". على سبيل المثال، يعتبر الناس أن القيام بواجبهم هو وظيفتهم؛ ويعتبرون أن الشهادة لله وقتال التنّين العظيم الأحمر حركات سياسيّة دفاعًا عن حقوق الإنسان ومن أجل الديمقراطيّة والحريّة؛ ويتناوبون واجبهم لاستخدام مهاراتهم في مهنٍ، لكنهم يتعاملون مع اتّقاء الله والحيدان عن الشرّ وكأنه مجرد جزء من العقيدة الدينيّة التي يجب مراعاتها؛ وما إلى ذلك. أليست هذه السلوكيات هي جوهريًّا مثل اعتبار أن "الهيكل أعظم من الله"؟ الفارق الوحيد هو أنه منذ ألفيّ سنةٍ كان الناس يديرون أعمالهم الشخصيّة في الهيكل الماديّ، أمّا اليوم فالناس يديرون أعمالهم الشخصيّة في هياكل غير ملموسةٍ. فأولئك الناس الذين يتمسّكون بالقواعد يرونها أعظم من الله، وأولئك الذين يحبّون المكانة يرونها أعظم من الله، وأولئك الذين يحبّون حياتهم المهنيّة يرونها أعظم من الله، وهكذا – وجميع تعبيراتهم تدعوني لأقول: "الناس يشكرون الله على أنه الأعظم من خلال كلماتهم، ولكن كلّ شيءٍ في نظرهم أعظم من الله". بمُجرّد أن يجد الناس فرصةً في طريقهم لاتّباع الله لإظهار مواهبهم الخاصة، أو لتنفيذ أعمالهم الخاصة أو مهنهم، فإنهم ينأون بأنفسهم عن الله ويرمون أنفسهم في مهنتهم المحبوبة. أمّا بخصوص ما أوكله الله إليهم، ومشيئته، فقد جرى التخلّص من تلك الأشياء منذ زمانٍ طويل. ما الفرق بين حالة هؤلاء الناس وأولئك الذين أداروا أعمالهم الخاصة في الهيكل قبل ألفيّ سنةٍ؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 67
إن جُملة "ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضًا" تخبر الناس أن كلّ شيءٍ يخص الله ليس له طابع ماديٍّ، ومع أن الله يمكنه توفير جميع احتياجاتك الماديّة، إلّا أنه بمُجرّد تلبية جميع احتياجاتك الماديّة، هل يمكن للرضا النابع من هذه الأشياء أن يحلّ محلّ سعيك وراء الحقّ؟ من الواضح أن هذا غير ممكنٍ! إن شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو اللتين قدّمنا عنهما شركتنا هما الحقّ. ولا يمكن قياس قيمته مقابل الأشياء الماديّة مهما كانت قيمتها ولا يمكن قياس قيمته بالأموال، لأنه ليس شيئًا ماديًّا، كما أنه يُلبّي حاجات قلب كلّ شخصٍ. يجب أن تكون قيمة هذه الحقائق غير الملموسة لكل شخص أكبر من قيمة أيّة أشياءَ ماديّة تقدرها، أليس كذلك؟ يجب عليكم التأمّل في هذا الكلام. النقطة الأساسيّة فيما قلته هي أن ما لدى الله ومَنْ هو وكلّ شيءٍ يُمثّله الله هي أهمّ الأشياء لكلّ شخصٍ ولا يمكن لأيّ شيءٍ ماديّ أن يحلّ محلّها. سوف أقدّم لك مثالًا: عندما تشعر بالجوع فإنك تحتاج إلى الطعام. يمكن أن يكون هذا الطعام شهيًّا نوعًا ما أو ناقصًا نوعًا ما، ولكن طالما حصلت على ما يكفيك فسوف يختفي هذا الشعور غير المستحبّ بالجوع، بل سيزول. يمكنك الجلوس في هدوءٍ، وسوف يستريح جسمك. يمكن حلّ مشكلة جوع الناس بالطعام، ولكن عندما تتبع الله وتشعر بأنك لا تفهمه، كيف تحلّ مشكلة الفراغ في قلبك؟ هل يمكن حلّها بالطعام؟ أو عندما تتبع الله ولا تفهم مشيئته، ما الذي يمكنك استخدامه للتعويض عن ذلك الجوع في قلبك؟ في عمليّة اختبارك الخلاص من خلال الله، بينما تتبع تغييرًا في شخصيّتك، إذا كنت لا تفهم مشيئته أو لا تعرف الحقّ، وإذا كنت لا تفهم شخصيّة الله، ألن تشعر إذًا بعدم الارتياح الشديد؟ ألن تشعر بجوعٍ وعطشٍ شديدين في قلبك؟ ألن تمنعك هذه المشاعر من الشعور بالراحة في قلبك؟ كيف يمكنك إذًا تعويض ذلك الجوع في قلبك – هل هناك طريقةٌ لحلّه؟ بعض الناس يذهبون للتسوّق، وبعضهم يبحثون عن أصدقائهم ليضعوا ثقتهم فيهم، وبعضهم يستمتعون بنوم طويل، وآخرون يقرأون المزيد من كلام الله أو يعملون أكثر ويبذلون المزيد من الجهد للقيام بواجباتهم. هل تستطيع هذه الأشياء حلّ الصعوبات الفعليّة لديك؟ جميعكم تفهمون تمامًا هذه الأنواع من الممارسات. عندما تشعر بالضعف أو برغبةٍ قويّة في نيل الاستنارة من الله للسماح لك بمعرفة حقيقة الحقّ ومشيئته، ما أكثر شيءٍ تحتاج إليه؟ إن ما تحتاج إليه ليس وجبةً كاملة، وليست بعض الكلمات الرقيقة، ناهيك عن الراحة العابرة وإرضاء الجسد – ولكن ما تحتاج إليه هو أن يخبرك الله بطريقة مباشرة وبوضوحٍ بما يجب عليك فعله وكيف يجب عليك أن تفعله، وأن يخبرك بوضوحٍ عن معنى الحقّ. وبعد فهمك لهذا، حتّى إذا ربحت الجزء اليسير من الفهم، ألن تشعر برضا في قلبك أكثر ممّا إذا كنت قد تناولت وجبةً جيّدة؟ عندما يكون قلبك راضيًا، ألا يكتسب قلبك، وكيانك بأكمله، راحة حقيقية؟ من خلال هذا القياس والتحليل، هل تفهمون الآن لماذا أردت أن أشارككم هذه الجملة، "ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضًا"؟ إنها تعني أن ما يأتي من الله، وما لديه ومَنْ هو، وكل ما يخصه أعظم من أيّ شيءٍ آخر، بما في ذلك الشيء أو الشخص الذي اعتقدت يومًا أنك تكنّ له أكبر تقديرٍ. وهذا يعني أنه إذا كان الشخص لا يمكن أن يربح كلماتٌ من فم الله أو لا يفهم مشيئته، فإنه لا يمكنه الحصول على الراحة. في اختباراتكم المستقبليّة، سوف تفهمون سبب رغبتكم في رؤية هذا المقطع اليوم – فهذا مهمٌّ جدًّا. إن كلّ ما يفعله الله هو الحقّ والحياة. والحقّ شيءٌ لا يمكن للناس العيش بدونه في حياتهم، وهو شيء لا يمكنهم الاستغناء عنه؛ يمكنكم أيضًا القول إنه أعظم شيءٍ. مع أنه لا يمكنكم النظر فيه أو لمسه، إلّا أنه لا يمكن تجاهل أهميّته لكم؛ فهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجلب الراحة إلى قلبكم.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 68
هل يتكامل فهمكم للحقّ مع أوضاعكم؟ عليك أوّلاً في الحياة الواقعيّة التفكير في نوعيّة الحقائق التي تتعلّق بالأشخاص والوقائع والأشياء التي قابلتها؛ ومن بين هذه الحقائق يمكنك إيجاد مشيئة الله وربط ما قابلته بمشيئته. إذا كنت لا تعرف أيّة جوانب للحقّ تتعلّق بالأشياء التي قابلتها ولكنك تسعى بدلًا من ذلك مباشرةً لطلب مشيئة الله، فإن هذا نهجًا أعمى إلى حدٍّ ما ولا يمكنه تحقيق نتائج. إذا كنت تريد طلب الحقّ وفهم مشيئة الله، فعليك أوّلاً النظر في أيّ نوعٍ من الأشياء حدثت لك، وأيّة جوانب من الحقّ ترتبط بها، والبحث عن الحقّ تحديدًا في كلمة الله التي تتعلّق بما اختبرته. ثم اِبحث عن طريق الممارسة المناسب لك في ذلك الحقّ؛ وبهذه الطريقة يمكنك ربح فهمٍ غير مباشر لمشيئة الله. إن البحث عن الحقّ وممارسته لا يُطبّق تعليمًا ما أو يتبع صيغةً ما بصورةٍ آليّة. الحقّ ليس صيغةً وليس قانونًا. إنه ليس ميّتًا ولكنه الحياة نفسها، إنه شيءٌ حيّ، وهو القاعدة التي ينبغي أن يتبعها الكائن المخلوق في الحياة والقاعدة التي يجب أن يملكها الإنسان في حياته. هذا شيءٌ يتعيّن أن تفهمه بقدر المستطاع من خلال اختباره. بصرف النظر عن المرحلة التي وصلت إليها في اختبارك، فأنت غير منفصل عن كلمة الله أو الحقّ، كما أن ما تفهمه عن شخصيّة الله وما تعرفه عمّا لديه ومَنْ هو مُعبّرٌ عنه تمامًا في كلام الله؛ وهو مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالحقّ. إن شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو هما نفسهما الحقّ؛ فالحقّ تعبيرٌ حقيقيّ عن شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو. إنه يجعل ما لدى الله ومَنْ هو ملموسًا ويُصرّح بشكل واضح عمّا لديه ومن هو؛ إنه يُخبِرك بطريقةٍ أكثر وضوحًا عمّا يحبّه الله وما لا يحبّه وما يريدك أن تفعله وما لا يسمح لك بفعله وأي ناس يمقتهم وأي ناس يُسرّ بهم. وفيما وراء الحقائق التي يُعبّر عنها الله، يمكن أن يرى الناس مسرّته وغضبه وحزنه وسعادته، بالإضافة إلى جوهره – وهذا هو إعلان شخصيّته. بصرف النظر عن معرفة ما لدى الله ومَنْ هو وفهم شخصيّته من كلمته، فإن الأهمّ هو الحاجة إلى الوصول إلى هذا الفهم من خلال الخبرة العمليّة. إذا نقل الشخص نفسه من الحياة الحقيقيّة من أجل معرفة الله، فلن يتمكّن من تحقيق ذلك. وحتّى إذا وُجد أناسٌ يمكنهم الحصول على قدرٍ من الفهم لكلمة الله، فإن فهمهم سيكون مقتصرًا على النظريّات والكلمات، وهنا سيظهر تباينٌ مع طبيعة الله نفسه الحقيقيّة.
إن ما نتحدّث عنه الآن كلّه هو في نطاق القصص المُسجّلة في الكتاب المُقدّس. من خلال هذه القصص، ومن خلال تشريح هذه الأشياء التي حدثت، يمكن للناس أن يفهموا شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو كما عبّر عنهما، مما يسمح لهم بمعرفة كلّ جانبٍ من جوانب الله على نطاقٍ أكثر اتّساعًا وعمقًا وشموليّة واكتمالًا. إذًا، هل الطريقة الوحيدة لمعرفة كلّ جانبٍ من جوانب الله تكون من خلال هذه القصص؟ لا، إنها ليست الطريقة الوحيدة! لأن ما يقوله الله والعمل الذي يعمله في عصر الملكوت يمكن أن يساعد الناس بطريقةٍ أفضل على معرفة شخصيّته، ومعرفتها معرفةً كاملةً. ومع ذلك، أعتقد أنه من الأسهل قليلاً معرفة شخصيّة الله وفهم ما لديه ومَنْ هو من خلال بعض الأمثلة أو القصص المُسجّلة في الكتاب المُقدّس التي يعرفها الناس. إذا أخذتُ كلمات الدينونة والتوبيخ والحقائق التي يُعبّر عنها الله اليوم، كلمة بكلمة، ليمكنك من أن تعرفه بهذه الطريقة، فسوف تشعر أن هذا مملٌّ ومضجر للغاية، وسوف يشعر بعض الناس أن كلام الله يبدو وكأنه صيغة مُحدّدة. ولكن إذا أخذتُ قصص الكتاب المُقدّس هذه كأمثلةٍ لمساعدة الناس على معرفة شخصيّة الله، فلن يجدوها مملّة. يمكنك القول إنه في سياق شرح هذه الأمثلة، فإن تفاصيل ما كان في قلب الله في ذلك الوقت – أي مزاجه أو مشاعره، أو أفكاره وخططه – قيلت للناس بلغةٍ إنسانيّة، والهدف من هذا كلّه هو السماح لهم بأن يقدّروا ويشعروا بأن ما لدى الله ومَنْ هو ليست مُجرّد صيغة. إنها ليست أسطورة أو شيئًا لا يمكن أن يراه الناس أو يلمسوه. إنه شيءٌ موجود حقًّا يمكن أن يشعر به الناس ويُقدّروه. وهذا هو الهدف النهائيّ. يمكنك القول إن الناس الذين يعيشون في هذا العصر مباركون. يمكنهم الاعتماد على قصص الكتاب المُقدّس لاكتساب فهمٍ أوسع لأعمال الله السابقة؛ ويمكنهم رؤية شخصيّته من خلال العمل الذي عمله، ويمكنهم فهم مشيئة الله للبشريّة من خلال هذه الطبائع التي عبّر عنها، وفهم الإعلانات الملموسة لقداسته ورعايته للبشر وهكذا يمكنهم الوصول إلى معرفةٍ أكثر تفصيلاً وأكثر عمقًا لشخصيّة الله. أعتقد أنه يمكنكم جميعًا الآن أن تشعروا بهذا!
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 69
يمكنك أن ترى في نطاق العمل الذي أتمّه الرّبّ يسوع في عصر النعمة جانبًا آخر ممّا لدى الله ومَنْ هو. لقد عُبّر عن هذا الجانب من خلال جسده، وأصبح بإمكان الناس أن يروه ويستوعبوه بسبب بشريته. رأى الناس في ابن الإنسان كيف عاش الله بحسب طبيعته البشريّة في الجسد، ورأوا لاهوت الله مُعبّرًا عنه من خلال الجسد. سمح هذان النوعان من التعبير للناس برؤية إله عملي جدًّا، وسمح للناس بتكوين مفهومٍ مختلف عن الله. ومع ذلك، في أثناء الفترة الزمنيّة بين خلق العالم ونهاية عصر الناموس، أي قبل عصر النعمة، جوانب الله الوحيدة التي كان يمكن أن يراها الناس ويسمعونها ويختبرونها كانت ألوهية الله، والأشياء التي فعلها وقالها الله في عالمٍ غير مادي، والأشياء التي عبّر عنها من شخصه الحقيقيّ الذي لم يكن يمكن رؤيته أو لمسه. كانت هذه الأشياء، في كثيرٍ من الأحيان، تجعل الناس يشعرون أن الله كان هائلًا في عظمته وأنه لا يمكنهم الاقتراب منه. كان الانطباع الذي عادةً ما منحه الله للناس هو أنه كان يتنقّل إلى داخل وخارج قدرتهم على إدراكه، وشعر الناس حتّى أن كلّ فكرةٍ من أفكاره وكلّ خطّةٍ من خططه كانت غامضة ومراوغة للغاية لدرجة أنه لم توجد وسيلة للوصول إليها، فضلاً عن محاولة فهمها واستيعابها. اعتبر الناس أن كلّ شيءٍ عن الله كان بعيدًا جدًّا، بعيدًا جدًّا لدرجة أن الناس لم يتمكّنوا من رؤيته ولم يتمكّنوا من لمسه. بدا أنه في علو السماء، وبدا أنه لم يكن موجودًا على الإطلاق. ولذلك اعتبر الناس أن فهم قلب الله وعقله أو أيًّا من أفكاره كان غير قابلٍ للتحقّق بل وحتّى بعيد المنال. مع أن الله أتمّ عملاً ملموسًا في عصر الناموس كما نطق بعض الكلمات المُحدّدة وعبّر عن بعض المواقف المُحدّدة ليسمح للناس باستيعاب وإدراك بعضٍ من المعرفة الحقيقيّة عنه، إلّا أن في النهاية هذه التعبيرات عمّا لدي الله ومَنْ هو جاءت من عالمٍ غير ملموس، وكان ما فهمه الناس وما عرفوه لا يزال يخص جزءًا من الجانب الإلهيّ لما لديه ومَنْ هو. لم تستطع البشريّة أن تكتسب مفهومًا ملموسًا من هذا التعبير عمّا لديه ومَنْ هو، وكان انطباعهم عن الله لا يزال عالقًا في نطاق "جسد روحيٍّ يصعب الاقتراب منه يتنقّل إلى داخل الإدراك وخارجه". ونظرًا لأن الله لم يستخدم كائنًا مُحدّدًا أو صورةً تنتمي للمجال الماديّ ليظهر أمام الناس، ظلوا غير قادرين على تعريفه باستخدام اللغة البشريّة. كان الناس في قلوبهم وعقولهم يريدون دائمًا أن يستخدموا لغتهم الخاصة لتأسيس معيارٍ لله كي يجعلوه ملموسًا ويضعوه في هيئةٍ بشريّة، مثل مقدار طوله وحجمه وشكل ملامحه وما يحبّه تحديدًا وشخصيّته المُحدّدة. في الواقع، عرف الله في قلبه أن الناس كانوا يُفكّرون بهذه الطريقة. كان واضحًا للغاية بخصوص احتياجات الناس، وكان يعرف أيضًا بالطبع ما يجب عليه عمله، ولذلك أتمّ عمله بطريقة مختلفةٍ في عصر النعمة. كانت هذه الطريقة الجديدة إلهيّة وبشريّة معًا. في الفترة الزمنيّة التي كان يعمل فيها الرّبّ يسوع، استطاع الناس أن يروا أنه كانت لدى الله تعبيراتٌ بشريّة كثيرة. على سبيل المثال، كان يمكنه الرقص وحضور حفلات الزفاف والتواصل مع الناس والتحدّث إليهم ومناقشة الأمور معهم. بالإضافة إلى ذلك، أتمّ الرّبّ يسوع أيضًا الكثير من الأعمال التي مثّلت ألوهيّته، وبالطبع كان هذا العمل كلّه تعبيرًا وكشفًا عن شخصيّة الله. خلال هذا الوقت، عندما تحقّقت ألوهيّة الله في جسدٍ عاديّ بطريقة مكنت الناس من أن يروه ويلمسوه، لم يعودوا يشعرون أنه كان يتنقّل إلى داخل الإدراك وخارجه، أو أنهم لا يمكنهم الاقتراب منه. ولكن على العكس، كان يمكنهم محاولة فهم مشيئة الله أو فهم لاهوته من خلال كلّ حركةٍ ومن خلال كلام ومن خلال عملٍ ابن الإنسان. عبّر ابن الإنسان المُتجسّد عن ألوهيّة الله من خلال بشريّته ونقل مشيئة الله إلى البشريّة. ومن خلال تعبيره عن مشيئة الله وشخصيّته، كشف أيضًا للناس الله الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه الذي يعيش في العالم الروحيّ. كان ما رآه الناس هو الله نفسه، في شكل ملموس مصنوع من لحمٍ ودم. ولذلك فإن ابن الإنسان المُتجسّد جعل أمورًا مثل هويّة الله نفسه ومكانة الله وصورته وشخصيّته وما لديه ومَنْ هو، ملموسةً وبشريّة. وحتّى مع أن المظهر الخارجيّ لابن الإنسان كانت له بعض القيود فيما يتعلّق بصورة الله، إلّا إن جوهره وما لديه ومَنْ هو تمكنّا تمامًا من تمثيل هويّة ومكانة الله ذاته، إذ لم تكن توجد سوى بعض الاختلافات في شكل التعبير. لا يمكننا إنكار أن ابن الإنسان كان يُمثّل هويّة ومكانة الله ذاته، في صورة ناسوته ولاهوته. ومع ذلك، عمل الله خلال هذا الوقت من خلال الجسد وتحدّث من منظور الجسد ووقف أمام البشريّة بهويّة ومكانة ابن الإنسان، وهذا أتاح للناس الفرصة لمقابلة واختبار الكلمات العملية لله وعمله بين البشر. كما أتاح للناس نظرةً ثاقبة في لاهوته وعظمته في وسط التواضع، بالإضافة إلى اكتساب فهمٍ أوّليّ وتعريف لأصالة الله وجانبه العملي. مع أن العمل الذي أتمّه الرّبّ يسوع، وطرق عمله، والمنظور الذي تحدّث منه اختلف عن شخص الله الحقيقيّ في العالم الروحيّ، إلّا إن كلّ شيءٍ عنه مثّل الله نفسه تمثيلاً حقيقيًّا لم تره البشرية من قبل – وهذا لا يمكن إنكاره! وهذا يعني أنه بغضّ النظر عن الشكل الذي يظهر به الله وبغضّ النظر عن المنظور الذي يتحدّث منه أو في أيّة صورةٍ يقابل البشريّة، فإن الله لا يُمثّل شيئًا سوى نفسه. لا يمكنه تمثيل أيّ إنسانٍ أو تمثيل أيّ بشر فاسد. فالله هو الله نفسه، وهذا لا يمكن إنكاره.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 70
مَثَل الخروف الضال
(متى 18: 12-14) "مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لِإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلَا يَتْرُكُ ٱلتِّسْعَةَ وَٱلتِّسْعِينَ عَلَى ٱلْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ ٱلضَّالَّ؟ وَإِنِ ٱتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ ٱلتِّسْعَةِ وَٱلتِّسْعِينَ ٱلَّتِي لَمْ تَضِلَّ. هَكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ٱلصِّغَارِ".
هذا مَثَل – أيّ نوعٍ من الشعور يوحيه للناس؟ تمثل طريقة التعبير – المَثَل – المستخدمة هنا صورة مجازية باللغة البشريّة؛ وعليه فهي تقع ضمن نطاق المعرفة البشريّة. إذا كان الله قد قال شيئًا مماثلاً في عصر الناموس، لكان الناس قد شعروا أن مثل هذه الكلمات لم تكن تتماشى حقًّا مع هويّة الله، ولكن عندما نطق ابن الإنسان هذه الكلمات في عصر النعمة، كان وقعها على الناس مريحًا ودافئًا وحميميًا. عندما أصبح الله جسدًا، أي عندما ظهر في هيئة بشرٍ، استخدم مثلًا مناسبًا جدًّا نبع من إنسانيته للتعبير عن صوت قلبه. كان هذا الصوت يُمثّل صوت الله نفسه والعمل الذي أراد أن يفعله في ذلك العصر. كما كان يُمثّل موقف الله تجاه الناس في عصر النعمة. طبقًا لموقف الله تجاه الناس، فإنه شبّه كلّ شخصٍ بخروفٍ. وإذا ضلَّ خروفٌ فكان يفعل كل ما يتطلّبه الأمر لإيجاده. مثَّل هذا أحد مبادئ عمل الله بين البشر في ذلك الزمان عندما كان في الجسد. استخدم الله هذا المثل لوصف عزمه وموقفه في ذلك العمل. وكانت هذه ميزة أن يصير الله جسدًا: تمكّن من الاستفادة من معرفة البشر واستخدام اللغة البشريّة للتحدّث إلى الناس والتعبير عن رغباته. لقد شرح أو "ترجم" للإنسان لغته الإلهيّة العميقة التي جاهد الناس لفهمها بلغةٍ بشريّة، بطريقةٍ بشريّة. وقد ساعد هذا الناس على فهم مقاصده ومعرفة ما كان يريد أن يفعله. تمكّن أيضًا من إجراء محادثاتٍ مع أشخاصٍ من المنظور البشريّ، باستخدام لغةٍ بشريّة، والتواصل مع الناس بطريقةٍ يفهمونها. تمكّن حتّى من التحدّث والعمل باستخدام اللغة والمعرفة البشريّتين لكي يمكن للناس الشعور بلطف الله وقربه وكي يمكنهم رؤية قلبه. ماذا ترون في هذا؟ هل هناك أي حظرٌ في كلام الله وأفعاله؟ في رأي الناس، محالٌ أن يكون الله قد استخدم المعرفة أو اللغة البشريّتين أو طرق التحدّث للتكلّم عمّا أراد الله نفسه أن يقوله أو العمل الذي أراد أن يفعله أو للتعبير عن مقاصده؛ ولكن هذا تفكيرٌ خاطئ. استخدم الله مَثَل من هذا النوع حتّى يشعر الناس بحقيقة الله وصدقه، ويروا موقفه تجاه الناس خلال تلك الفترة الزمنيّة. أيقظ هذا المثل الناس الذين عاشوا تحت الناموس لفترةٍ طويلة، كما ألهم جيلاً بعد جيلٍ من الناس الذين عاشوا في عصر النعمة. من خلال قراءة المقطع الذي يرد به هذا المثل، يعرف الناس صدق الله في خلاص البشريّة ويفهمون قَدْرَ البشريّة وأهميتها في قلبه.
دعونا نلقي نظرةً على الجملة الأخيرة في هذا المقطع: "هَكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ٱلصِّغَارِ". هل كانت هذه كلمات الرّبّ يسوع نفسه أم كلمات الآب في السماء؟ يبدو من الناحية الظاهريّة أن الرّبّ يسوع هو الذي يتكلّم ولكن مشيئته تُمثّل مشيئة الله نفسه، ولهذا السبب قال: "هَكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ٱلصِّغَارِ". لم يكن الناس في ذلك الوقت يعترفون سوى بالآب في السماء بصفته الله، وآمنوا بأن هذا الشخص الذي رأوه أمام عيونهم كان قد أرسله الله فحسب، وبأنه لم يكن يستطيع أن يُمثّل الآب في السماء. ولذلك تعيّن على الرّبّ يسوع أن يضيف ذلك إلى نهاية هذا المثل، حتّى يشعر الناس حقًا بمشيئة الله للبشريّة، ويشعروا بأصالة ودقّة ما قاله. مع أن هذه العبارة كانت شيئًا بسيطًا في قوله، إلّا أنها قيلت بعناية ومحبة وكشفت عن تواضع الرّبّ يسوع واحتجابه. وبغضّ النظر عمّا إذا كان الله قد صار جسدًا أم أنه كان يعمل في العالم الروحيّ، فإنه كان يعرف قلب الإنسان على أفضل وجهٍ، وكان يفهم ما يحتاج إليه الناس على النحو الأكمل، ويعرف ما كان يُقلِق الناس وما كان يُربِكهم، ولهذا السبب أضاف هذه العبارة. سلّطت هذه العبارة الضوء على مشكلةٍ مخبأة في البشر: تشكّك الناس بخصوص ما قاله ابن الإنسان، أي أنه عندما كان الرّبّ يسوع يتكلّم تعيّن عليه أن يضيف: "هَكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ٱلصِّغَارِ". واستنادًا إلى هذه الفرضيّة وحدها، أتت كلماته بثمارها فجعلت الناس يُصدّقون دقّتها ويُحسّنون مصداقيتهم. يُبيّن هذا أنه عندما أصبح الله ابن الإنسان بصورةٍ عاديّة، كانت العلاقة بين الله والبشر مُرتبكةً للغاية، وأن موقف ابن الإنسان كان مُحيّرًا للغاية. كما يُبيّن مدى ضآلة مكانة الرّبّ يسوع بين البشر في ذلك الوقت. عندما قال هذا، كان هدفه في الحقيقة أن يقول للناس: يمكنكم أن تطمئنوا أن هذه الكلمات لا تمثّل ما في قلبي ولكنها مشيئة الله الذي في قلوبكم. ألم يكن هذا أمرًا مثيرًا للسخرية بالنسبة للبشريّة؟ مع أن الله الذي كان يعمل في الجسد كان ينعم بالعديد من المزايا التي لم يكن يملكها في شخصه، تعيّن عليه أن يتحمّل شكوكهم ورفضهم وكذلك جمودهم وبلادتهم. يمكن القول بأن عمليّة عمل ابن الإنسان كانت عمليّة اختبار رفض البشريّة، واختبار تنافسهم ضدّه. بالإضافة إلى ذلك، كانت عمليّة العمل للاكتساب المتواصل لثقة البشريّة ولإخضاعها من خلال ما لديه ومَنْ هو ومن خلال جوهره. لم يكن الحال أن الله المُتجسّد كان يشنّ حربًا صريحة ضدّ الشيطان بقدر ما أن الله صار إنسانًا عاديًّا وبدأ صراعًا مع أولئك الذين يتبعونه، وفي هذا الصراع أتمّ ابن الإنسان عمله بتواضعه وبما لديه ومَنْ هو وبمحبّته وبحكمته. ربح الأشخاص الذين أرادهم ونال الهويّة والمكانة اللتين استحقّهما و"عاد" إلى عرشه.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 71
اغفر سبعين مرّة سبع مرّاتٍ
(متى 18: 21-22) "حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: "يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ".
محبّة الرّبّ
(متى 22: 37-39) "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: "تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ ٱلْوَصِيَّةُ ٱلْأُولَى وَٱلْعُظْمَى. وَٱلثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ".
من هذين المقطعين، يتحدّث أحدهما عن الغفران والآخر عن المحبّة. يُسلّط هذان الموضوعان الضوء حقًّا على العمل الذي أراد الرّبّ يسوع عمله في عصر النعمة.
عندما صار الله جسدًا، أحضر معه مرحلةً من مراحل عمله وهي مهام العمل والشخصيّة المُحدّدين اللذين أراد التعبير عنهما في هذا العصر. في تلك الفترة، كان كلّ شيءٍ فعله ابن الإنسان يدور حول العمل الذي أراد الله عمله في هذا العصر. لم يكن يعمل أكثر ولا أقلّ. كان كلّ شيءٍ قاله وكلّ عملٍ عمله مرتبطًا بهذا العصر. وبغضّ النظر عمّا إذا كان قد عبّر عنه تعبيرًا بشريًّا بلغةٍ بشريّة أو بلغةٍ إلهيّة، وبغضّ النظر عن الطريقة أو المنظور الذي فعل بهما هذا، كان هدفه مساعدة الناس على فهم ما أراد أن يفعله ومضمون مشيئته ومتطلّباته من الناس. كان من الممكن أن يستخدم وسائل متنوّعة ووجهات نظرٍ مختلفة لمساعدة الناس على فهم مشيئته ومعرفتها، وفهم عمله لخلاص البشريّة. ولذلك نرى الرّبّ يسوع في عصر النعمة يستخدم لغةً بشريّة معظم الوقت للتعبير عمّا كان يريد توصيله للبشر. بالإضافة إلى ذلك، فنحن نراه من منظور دليلٍ عاديّ يتكلّم مع الناس ويوفر احتياجاتهم ويساعدهم على تحقيق ما طلبوه. لم تكن طريقة العمل هذه واردةٌ في عصر الناموس الذي سبق عصر النعمة. أصبح أكثر قربًا وتعاطفًا مع البشر، وأصبح أكثر قدرةً على تحقيق نتائج عمليّة في كلٍّ من الشكل والأسلوب. والاستعارة حول الغفران للناس سبعين مرّةً مضروبًا بسبع تُوضّح هذه النقطة. فالهدف المُتحقّق بالرقم في هذا التعبير هو السماح للناس بفهم قصد الرّبّ يسوع في الوقت الذي قال فيه هذا. كان قصده هو أنه يجب على الناس أن يغفروا للآخرين ليس مرّةً أو مرّتين أو حتّى سبع مرّاتٍ بل سبعين مرّةٍ سبع مرّاتٍ. ما الفكرة التي تحتويها فكرة "سبعين مرّةً سبع مرّاتٍ"؟ الهدف هو حمل الناس على أن يجعلوا الغفران مسؤوليّتهم الخاصة، أي مسألةً يتعيّن عليهم تعلّمها، و"طريقةً" ينبغي عليهم الالتزام بها. ومع أن هذا كان مُجرّد استعارة، فقد أفاد في تسليط الضوء على النقطةً الحاسمة. ساعد الناس على الاستيعاب العميق لما كان يقصده ولإيجاد الطرق المناسبة للممارسة ومبادئ ومعايير الممارسة. ساعدت هذه الاستعارة الناس على الفهم الواضح وأعطتهم مفهومًا صحيحًا مفاده أنه يجب عليهم أن يتعلّموا الغفران – وأن يغفروا أي عدد من المرات، دون شروطٍ، ولكن في موقف من التسامح والتفهم للآخرين. ماذا كان في قلب الرّبّ يسوع عندما قال هذا؟ هل كان يُفكّر حقًّا في العدد "سبعين مرّةً سبع مرّاتٍ"؟ كلا، لم يكن. هل يوجد عددٌ من المرّات التي يغفر فيها الله للإنسان؟ يوجد العديد من الأشخاص الذين يهتمّون كثيرًا بـ"عدد المرّات" المذكورة هنا، ويريدون حقًّا فهم أصل هذا الرقم ومعناه. يريدون أن يفهموا لماذا خرج هذا الرقم من فم الرّبّ يسوع؛ يعتقدون أنه يوجد تضمين أعمق لهذا الرقم. ولكن في الواقع، كان هذا مُجرّد تعبير إنساني استخدمه الله. وأيّ تضمينٍ أو معنى لا بدّ من فهمه في سياق متطلّبات الرّبّ يسوع للبشريّة. عندما لم يكن الله قد صار جسدًا بعد، لم يفهم الناس الكثير ممّا قاله لأن كلامه خرج من لاهوتٍ كامل. كان البشر لا يرون منظور ما قاله وسياقه ولا يمكنهم الوصول إليه؛ فقد عُبّرَ عنه من عالمٍ روحيّ لم يستطع الناس رؤيته. لم يكن ممكنًا للأشخاص الذين كانوا يعيشون في الجسد اختراق العالم الروحيّ. ولكن بعد أن صار الله جسدًا، تحدّث إلى البشر من منظور البشر وخرج من نطاق العالم الروحيّ وانطلق فيما ورائه. تمكّن من التعبير عن شخصيّته الإلهيّة ومشيئته وموقفه، من خلال أشياءٍ كان بمقدور البشر تخيّلها، وأشياءٍ كانوا يرونها ويقابلونها في حياتهم، وباستخدام أساليب كان يمكن أن يقبلها البشر، وبلغةٍ يمكنهم فهمها وبمعرفةٍ يمكنهم استيعابها، وذلك للسماح للبشر بفهم الله ومعرفته وفهم قصده ومعاييره المطلوبة في نطاق قدرتهم، وبحسب درجة قدرتهم. كانت هذه هي طريقة ومبدأ عمل الله في البشريّة. ومع أن طرق الله ومبادئه في العمل في الجسد تحقّقت في معظمها عن طريق البشريّة أو من خلالها، إلّا أنها حقّقت حقًّا نتائج لم يمكن تحقيقها من خلال العمل مباشرةً في الألوهيّة. كان عمل الله في البشريّة أكثر واقعيّة وأصالة وتوجّهًا، وكانت الأساليب أكثر مرونة، وقد تجاوزت في شكلها العمل الذي تم في عصر الناموس.
دعونا نتحدّث بعد ذلك عن محبّة الرّبّ ومحبّة قريبك كنفسك. هل هذا الشيء مُعبٌّر عنه مباشرةً في الألوهيّة؟ كلا، من الواضح! كانت هذه كلّها أمورٌ تحدث عنها ابن الانسان في هيئته البشريّة؛ أمّا البشر فقط فيقولون شيئًا مثل "أحبّ قريبك كنفسك، وحب الآخرين مثلما تعتز بحياتك"، هذه الطريقة في الكلام قاصرة على البشر. لم يتكلّم الله قط بهذه الطريقة. وعلى أقلّ تقديرٍ، لا يملك الله هذا النوع من اللغة في لاهوته لأنه لا يحتاج إلى هذا النوع من العقيدة، "أحبّ قريبك كنفسك" من أجل تنظيم محبّته للبشريّة، وذلك لأن محبّة الله للبشريّة كشف طبيعي عمّا لديه ومَنْ هو. متى سمعتم الله يقول أيّ شيءٍ مثل: "أُحبّ البشريّة كما أحبّ نفسي"؟ لم تسمعوا، لأن المحبّة توجد في جوهر الله، وفيما لديه ومن هو. محبّة الله للبشريّة وموقفه والطريقة التي يعامل بها الناس تعبيرٌ طبيعيّ وكشف عن شخصيّته. لا يحتاج إلى عمل ذلك عمدًا بطريقةٍ مُعيّنة، أو أن يتبع عمدًا طريقةً مُعيّنة أو قانونًا أخلاقيًّا للوصول إلى محبّة قريبه كنفسه، فهو يمتلك بالفعل هذا النوع من الجوهر. ماذا ترى في هذا؟ عندما عمل الله في البشريّة، عُبّرَ عن الكثير من أساليبه وكلامه وحقائقه بطريقةٍ بشريّة. ولكن في الوقت نفسه، عُبّرَ عن شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو ومشيئته حتّى يعرفها الناس ويفهموها. وقد كان ما عرفوه وفهموه بالضبط هو جوهره وما لديه ومَنْ هو، وهو ما يُمثّل الهويّة المُتأصّلة لله نفسه ومكانته. وهذا يعني أن ابن الإنسان في الجسد عبّر عن الشخصيّة المُتأصّلة لله نفسه وجوهره إلى أقصى حدٍّ ممكن وبأقصى قدرٍ ممكن من الدقّة. لم تكن طبيعة ابن الإنسان البشريّة تُمثّل عائقًا أو مانعًا أمام تواصل الإنسان وتفاعله مع الله في السماء وحسب، ولكنها كانت في الواقع القناة الوحيدة والجسر الوحيد للبشريّة للاتّصال بربّ الخليقة. الآن، عند هذه المرحلة، ألا تشعرون بأن هناك أوجه تشابهٍ كثيرة بين طبيعة وأساليب العمل الذي عمله الرّبّ يسوع في عصر النعمة والمرحلة الحاليّة من العمل؟ تستخدم هذه المرحلة الحاليّة من العمل أيضًا الكثير من اللغة البشريّة للتعبير عن شخصيّة الله، والكثير من اللغة وطرق من الحياة اليوميّة للبشر والمعرفة الإنسانيّة للتعبير عن مشيئة الله ذاته. بمُجرّد أن يصير الله جسدًا، وبغضّ النظر عمّا إذا كان يتكلّم من منظورٍ بشريّ أو منظورٍ إلهيّ، فإن قدرًا كبيرًا من لغته وأساليب تعبيره تأتي كلّها من خلال اللغة والأساليب البشريّة. وهذا يعني أنه عندما يصير الله جسداً، فإن هذه أفضل فرصةٍ لك لترى كليّة قدرة الله وحكمته، ولتعرف كلّ جانبٍ عملي من جوانب الله. عندما صار الله جسدًا، وبينما كان ينمو، أصبح يفهم ويتعلّم ويستوعب بعضًا من معارف البشر ومنطقهم ولغتهم وأساليبهم في التعبير في هيئته البشريّة. كان الله المُتجسّد يملك هذه الأشياء التي جاءت من البشر الذين خلقهم. أصبحت أدوات الله في الجسد للتعبير عن شخصيّته وألوهيّته، ممّا دعاه ليجعل عمله أكثر صلة وأكثر أصالة وأكثر دقّة عندما كان يعمل وسط البشر من منظورٍ بشريٍّ وباستخدام اللغة البشريّة. وقد ساعدت هذه الطريقة الناس على سرعة الوصول إلى عمله وسهولة فهمه بمقدارٍ أكبر، ومن ثمّ تحقّقت النتائج التي أرادها الله. أليس من الأكثر عمليّةً أن يعمل الله في الجسد بهذه الطريقة؟ أليست هذه حكمة الله؟ عندما صار الله جسدًا، عندما كان جسد الله قادرًا على أداء العمل الذي أراد أن ينجزه، فإن ذلك كان عندما يريد أن يُعبّر عمليًّا عن شخصيّته وعمله، وقد كان ذلك أيضًا هو الوقت الذي استطاع فيه أن يبدأ رسميًّا خدمته باعتباره ابن الإنسان. كان هذا يعني أنه لم تعد توجد "فجوةُ أجيالٍ" بين الله والإنسان، وأن الله سوف يتوقّف قريبًا عن عمل التواصل من خلال الرسل، وأن الله نفسه يمكنه أن يُعبّر شخصيًّا عن جميع الكلمات وأن يعمل في الجسد كما أراد. وكان يعني أيضًا أن الناس الذين يُخلّصهم الله كانوا أقرب إليه، وأن عمل تدبيره دخل مجالاً جديدًا، وأن جميع البشر كانوا على وشك أن يشهدوا حقبةً جديدةً.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 72
يعلم كلّ من قرأ الكتاب المُقدّس أن وقائع كثيرة حدثت عندما وُلِدَ الرّبّ يسوع. كان أعظم تلك الوقائع هو مطاردة ملك الشياطين له، وهي واقعة ضخمة للغاية، حتّى لدرجة ذبح جميع أطفال المدينة البالغين من العمر سنتين فما دون. من الواضح أن الله تحمّل مخاطرةً هائلة بأن يتجسّد بين البشر؛ والثمن الهائل الذي دفعه لاستكمال تدبيره لخلاص البشريّة واضحٌ أيضًا. كما أن الآمال العظيمة التي حملها الله لعمله بين البشر في الجسد واضحة أيضًا. عندما كان جسد الله قادرًا على إتمام العمل بين البشر، كيف كان شعوره؟ يجب أن يتمكّن الناس من فهم ذلك بدرجة ما، أليس كذلك؟ على أقلّ تقديرٍ، كان الله سعيدًا لأنه تمكّن من البدء في تنفيذ عمله الجديد بين البشر. عندما اعتمد الرّبّ يسوع وبدأ عمله رسميًّا لتحقيق خدمته، امتلأ قلب الله بالفرح لأنه بعد سنواتٍ طويلة من الانتظار والتحضير تمكّن أخيرًا من أن يلبس جسد إنسانٍ عاديّ ويبدأ عمله الجديد في هيئة إنسانٍ من لحمٍ ودم يمكن أن يراه الناس ويلمسوه. تمكّن أخيرًا من التحدّث وجهًا لوجهٍ وقلبًا لقلبٍ مع الناس من خلال هويّة إنسانٍ. تمكّن الله أخيرًا من أن يكون وجهًا لوجهٍ مع البشر من خلال الطريقة البشرية واللغة البشريّة؛ تمكّن من تدبير أمور البشر وتنويرهم ومساعدتهم على استخدام اللغة البشريّة؛ تمكّن من تناول الطعام على المائدة نفسها والعيش في المكان نفسه معهم. تمكّن أيضًا من رؤية البشر ورؤية الأشياء ورؤية كلّ شيءٍ كما كان يراه البشر وحتّى من خلال عيونهم. اعتبر الله أن هذا كان انتصاره الأوّل لعمله في الجسد. يمكن القول أيضًا إنه كان إنجازًا لعملٍ عظيمٍ – وقد كان هذا بالطبع أكثر ما أشعر الله بالسعادة. كانت هذه هي المرّة الأولى التي شعر فيها الله بنوعٍ من الراحة في عمله بين البشر. كانت جميع الأحداث التي حدثت عمليّة وطبيعيّة للغاية، وكانت الراحة التي شعر بها الله حقيقية. بالنسبة للبشريّة، كانت كلّ مرّةٍ تُنجز فيها مرحلةٌ جديدة من عمل الله وكلّ مرّةٍ يشعر فيها الله بالرضا تكون عندما يصبح البشر أقرب إلى الله وإلى الخلاص. وبالنسبة لله، فإن هذا أيضًا انطلاق عمله الجديد والتقدم في خطّة تدبيره للأمام، وإضافة إلى ذلك، كانت تلك هي الأوقات عندما تقترب مشيئته من التحقق الكامل. بالنسبة للبشريّة، يُعتبر وصول مثل هذه الفرصة مسألة مغبوطة وجيّدة جدًّا؛ وبالنسبة لجميع من ينتظرون خلاص الله، تُعتبر مثل هذه الفرصة خبرًا مهمًّا ومُفرِحًا. عندما يُجري الله مرحلةً جديدة من العمل، تكون لديه بدايةٌ جديدة، وعندما ينطلق هذا العمل الجديد والبداية الجديدة ويُقدّمان بين البشر، تكون نتيجة هذه المرحلة من العمل قد تحدّدت وأُنجزت بالفعل، ويكون الله قد شهد بالفعل تأثيرها ونتيجتها النهائيّة. كما أن هذه التأثيرات تجعل الله يشعر بالرضا وتجعل قلبه بالطبع سعيدًا. يشعر الله بالطمأنينة لأنه في عينيّ الله يكون قد رأى بالفعل وحدّد الشعب الذي يبحث عنه وربح هذه المجموعة من الناس بالفعل، وهي مجموعةٌ قادرة على إنجاح عمله وجلب الرضا. وبالتالي يضع مخاوفه جانبًا ويشعر بالسعادة. وهذا يعني أنه عندما يكون جسد الله قادرًا على بدء عملٍ جديد بين البشر، ويبدأ في إتمام العمل الذي يتعيّن إنجازه دون عرقلةٍ، وعندما يشعر أن كلّ شيءٍ قد تحقّق، تكون النهاية أمام عينيه بالفعل. وبسبب هذا فهو راضٍ وقلبه سعيد. كيف يُعبّر عن سعادة الله؟ هل يمكنكم تخيّل ما يمكن أن يكون الجواب؟ هل يمكن أن يبكي الله؟ هل يستطيع الله البكاء؟ هل يستطيع الله أن يُصفّق بيديه؟ هل يستطيع الله الرقص؟ هل يستطيع الله الغناء؟ إن كان كذلك، فماذا سيغني؟ بالطبع، يستطيع الله أن يُغنّي أغنيةً جميلة مُؤثّرة، أغنيةً يمكن أن تُعبّر عن الفرح والسعادة في قلبه. يمكنه أن يُغنّيها للبشريّة ولنفسه ولجميع الأشياء. يمكن التعبير عن سعادة الله بأيّ شكلٍ من الأشكال – فهذا كلّه طبيعيٌّ لأن الله لديه أفراحٌ وأحزان، ويمكن التعبير عن مشاعره المتنوّعة بطرقٍ متنوّعة. هذا حقّه ولا شيء يمكن أن يكون طبيعيًا ومناسبًا أكثر منه. يجب ألّا يفكر الناس في أيّ شيءٍ آخر بشأنه، ويجب ألّا تستخدموا "تعويذة إحكام الطوق"(أ) مع الله بإخباره أنه يجب ألّا يفعل هذا أو ذاك ويجب ألّا يتصرّف بهذه الطريقة أو بتلك، أو بأن يُقلّل بهذه الطريقة من سعادته أو أيّ شعورٍ قد يساوره. يعتقد الناس في قلوبهم أن الله لا يمكن أن يكون سعيدًا ولا يمكنه أن يذرف الدموع ولا يمكنه البكاء – لا يمكنه التعبير عن أيّة عاطفةٍ. من خلال ما نقلناه في خلال هاتين الشركتين، أعتقد أنكم لن تروا الله على هذا النحو بعد الآن، بل سترونه ينعم ببعض الحريّة والانطلاق. هذا أمرٌ جيّد جدًّا. إذا تمكّنتم في المستقبل من الشعور حقًّا بحزن الله عندما تسمعون عن حزنه، وإذا تمكّنتم من الشعور حقًّا بسعادته عندما تسمعون عن سعادته، فعلى أقلّ تقديرٍ يمكنكم أن تعرفوا بوضوحٍ وتفهموا ما يجعل الله سعيدًا وما يجعله حزينًا. عندما يمكنك الشعور بالحزن لأن الله حزينٌ والشعور بالسعادة لأن الله سعيدٌ، يكون قد ربح قلبك بالكامل ولن يوجد أيّ حاجزٍ بينك وبينه. لن تحاول فيما بعد تقييد الله في إطار الخيال والمفاهيم والمعرفة البشريّة. في ذلك الوقت، سوف يكون الله حيًّا وفعّالاً في قلبك. سوف يكون إله حياتك وسيد كلّ شيءٍ يخصك. هل لديك هذا النوع من الطموح؟ هل لديكم الثقة في إمكانيّة تحقيقكم هذا؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
الحواشي:
(أ) تشير "تعويذة إحكام الطوق" إلى الرواية الصينيّة الشهيرة "رحلةٌ إلى الغرب"، التي يستخدم فيها الراهب شونزانغ تعويذةً لإخضاع الملك القرد تحت السيطرة عن طريق طوقٍ ذهبيّ موضوع على رأس الملك القرد يمكن شدّه بطريقةٍ سحريّة ممّا يُسبّب صداعًا لا يُطاق. وفيما بعد أصبحت استعارةً لتقييد الناس.
كلمات الله اليومية اقتباس 73
أمثال الرّبّ يسوع
مثل الزارع (متى 13: 1-9)
مثل الزوان (متى 13: 24-30)
مثل حبّة الخردل (متى 13: 31-32)
مثل الخميرة (متى 13: 33)
شرح مثل الزوان (متى 13: 36-43)
مثل الكنز (متى 13: 44)
مثل اللؤلؤة (متى 13: 45-46)
مثل الشبكة (متى 13: 47-50)
المثل الأوّل هو مثل الزارع. وهذا مثلٌ مثير للاهتمام للغاية؛ فزرع البذار حدثٌ شائع في حياة الناس. والمثل الثاني هو مثل الزوان. أيّ شخصٍ زرع محاصيل وبالتأكيد كل الكبار يعرفون ما هو "الزوان". والمثل الثالث هو مثل حبّة الخردل. جميعكم يعرف الخردل، أليس كذلك؟ إذا كنتم لا تعرفون، فيمكنكم إلقاء نظرةٍ على الكتاب المُقدّس. والمثل الرابع هو مثل الخميرة. الآن، يعرف معظم الناس أن الخميرة تُستخدم للتخمير، وأنها شيءٌ يستخدمه الناس في حياتهم اليوميّة. الأمثال الأخرى، بما في ذلك المثل السادس، أي مثل الكنز؛ والمثل السابع، أي مثل اللؤلؤة؛ والمثل الثامن، أي مثل الشبكة، كانت مستمدّةٌ ومأخوذة من حياة الناس الحقيقيّة. ما نوع الصورة التي ترسمها هذه الأمثال؟ إنها صورة الله الذي يصير شخصًا عاديًّا ويعيش جنبًا إلى جنبٍ مع البشر مستخدمًا لغة الحياة ولغةً بشريّة للتواصل مع البشر ولتزويدهم بما يحتاجون إليه. عندما صار الله جسدًا وعاش بين البشر لوقتٍ طويل، وبعد أن اختبر وشهد أنماط الحياة المختلفة للناس، أصبحت هذه الاختبارات مادته التعليمية التي حوّل من خلالها لغته الإلهيّة إلى لغةٍ بشريّة. وبالطبع، فإن هذه الأشياء التي رآها وسمعها في الحياة أثْرَتْ أيضًا الخبرة البشريّة لابن الإنسان. عندما أراد أن يفهم الناس بعض الحقائق وفهم جانبًا من مشيئة الله، عندها كان يستخدم أمثالاً مشابهة لتلك المذكورة أعلاه لإخبار الناس بمشيئة الله ومتطلّباته من البشر. كانت هذه الأمثال كلّها مرتبطةٌ بحياة الناس؛ لم يكن واحدٌ منها غير متّصلٍ بحياة البشر. عندما عاش الرّبّ يسوع مع البشر، كان يرى المزارعين يعتنون بحقولهم، وكان يعرف الزوان والخميرة؛ كان يفهم أن البشر يحبّون الاحتفاظ بالأشياء ولذلك استخدم استعارات الكنز واللؤلؤة. في الحياة، كثيرًا ما كان يرى الصيّادين يلقون شباكهم؛ وكان الرّبّ يسوع يرى هذه الأنشطة وغيرها المرتبطة بحياة البشر، كما اختبر ذلك النوع من الحياة. مثل أيّ كائن حي عاديّ آخر، اختبر روتين البشر اليومي وتناولهم ثلاث وجباتٍ يوميًّا. اختبر بشخصه حياة شخصٍ عاديّ ولاحظ حياة الآخرين. عندما كان يلاحظ ويختبر هذا كلّه، لم يكن يُفكّر في أن تكون له حياةٌ جيّدة أو أن يتمكّن من العيش بمقدارٍ أكبر من الحريّة والراحة. بدلًا من ذلك، من خلال اختبار الرّبّ يسوع للحياةً البشريّة الحقيقيّة، كان يرى المشقّة في حياة الناس. كان يرى مصاعب الناس وبؤسهم وحزنهم، حيث كانوا يعيشون تحت نفوذ الشيطان، ويعيشون حياة الخطيّة في ظل فساد الشيطان. بينما كان يختبر بشخصه الحياة البشريّة، اختبر أيضًا حال الناس البائسين الذين كانوا يعيشون بين الفساد، ورأى واختبر الأحوال البائسة للبشر الذين عاشوا في الخطيّة وفقدوا التوجيه تمامًا وسط العذاب الذي عرضهم له الشيطان والخطية. عندما رأى الرّبّ يسوع هذه الأشياء، هل رآها بألوهيّته أم ببشريّته؟ كانت بشريّته موجودةٌ فعلاً ونابضةٌ بالحياة؛ تمكّن من أن يختبر هذا كلّه ويراه. ولكن بالطبع رأى هذه الأمور في جوهره، وهو ألوهيّته. وهذا يعني أن المسيح نفسه، أي الرّبّ يسوع الذي كان إنسانًا رأى هذا وأن كلّ ما رآه جعله يشعر بأهميّة وضرورة العمل الذي اضطلع به في أثناء هذا الوقت الذي عاشه في الجسد. مع أنه هو نفسه كان يعلم أن المسؤوليّة التي كان عليه أن يضطلع بها في الجسد كانت هائلة للغاية، وكان يعرف مدى قسوة الألم الذي كان سيواجهه، إلّا أنه عندما رأى البشريّة عاجزة في الخطيّة، وعندما رأى بؤس حياتهم وصراعاتهم الواهنة تحت الناموس، شعر بالمزيد والمزيد من الحزن، وأصبح أكثر فأكثر تصميمًا على خلاص البشريّة التي كانت تعيش في الخطيّة. بغضّ النظر عن نوع الصعوبات التي كان سيواجهها أو نوع الألم الذي كان سيعاني منه، أصبح أكثر فأكثر عزمًا على خلاص البشريّة التي تعيش في الخطيّة. خلال هذه العمليّة، يمكن القول إن الرّبّ يسوع بدأ يفهم أكثر فأكثر العمل الذي كان عليه أن يعمله وما كان قد عُهِدَ إليه. كما أنه أصبح متشوّقًا بدرجة متزايدة إلى إنجاز العمل الذي كان سيعمله – أي أن يحمل جميع خطايا البشر ويُكفّر عن البشر لئلا يعيشوا فيما بعد في الخطيّة، وفي الوقت ذاته، سوف يتمكّن الله من غفران خطايا الإنسان بسبب ذبيحة الخطيّة، مما يسمح للرّبّ يسوع بالاستمرار في مواصلة عمله في خلاص البشريّة. يمكن القول إن الرّبّ يسوع كان على استعدادٍ في قلبه لتقديم نفسه عن البشر وللتضحية بنفسه. كان أيضًا مستعدًا ليكون ذبيحة خطيّةٍ وليكون مُسمّرًا على الصليب، وكان بالفعل حريصًا على إكمال هذا العمل. عندما رأى الظروف البائسة لحياة الإنسان، أراد أكثر أن يُكمِل مهمّته في أسرع وقتٍ ممكن، دون تأخيرٍ لدقيقةٍ واحدة أو لثانيةٍ واحدة. عند هذا الشعور بالإلحاح، لم يُفكّر على الإطلاق في مدى شدّة آلامه، ولم يساوره أي قلق بشأن مدى الإذلال الذي سيكون عليه أن يتحمّله. لم يكن يحمل في قلبه سوى قناعة واحدة: طالما أنه قدّم نفسه، وطالما أنه سُمّر على الصليب كذبيحة خطيّةٍ، عندئذ سوف تُنفّذ مشيئة الله وسوف يتمكّن الله من بدء عملٍ جديد. سوف تتحول تمامًا حياة البشر وحالة وجودهم في الخطيّة. كانت قناعته وعزمه على عمل ما أراد يتعلّقان بخلاص الإنسان، ولم يكن لديه سوى هدفٍ واحدٍ، وهو اتباع مشيئة الله حتى يتمكّن الله من أن يبدأ المرحلة التالية من عمله بنجاح. كان هذا هو ما يدور في عقل الرّبّ يسوع في ذلك الوقت.
عندما كان الله المُتجسّد يعيش في الجسد، كانت له طبيعة بشريَّة عادية؛ كانت لديه مشاعر وعقلانية شخصٍ عاديّ. كان يعرف معنى السعادة ومعنى الألم وعندما كان يرى البشريّة تعيش هذا النوع من الحياة كان يشعر شعورًا عميقًا بأن مُجرّد إعطاء الناس بعض التعاليم أو تزويدهم بشيءٍ أو تعليمهم شيئًا لن يكون كافيًا لأن يخرجهم من الخطيّة. كما أن مُجرّد مطالبتهم بطاعة الوصايا لم تتمكّن من أن تفديهم من الخطيّة – ولكن عندما حمل على نفسه خطيّة البشر وصار في شبه جسد الخطية، استطاع أن يفوز بحريّة البشر وغفران الله للبشريّة في المقابل. وهكذا، بعد أن اختبر الرّبّ يسوع وشهد حياة الناس في الخطيّة، ظهرت رغبةٌ شديدة في قلبه للسماح للبشر بتخليص أنفسهم من حياة بتحرير أنفسهم من حياة الصراع في الخطيّة. وقد جعلته هذه الرغبة يشعر أكثر فأكثر بأنه يتعيّن عليه أن يذهب إلى الصليب ويأخذ على نفسه خطايا البشر في أقرب وأسرع وقتٍ ممكن. كانت هذه هي أفكار الرّبّ يسوع في ذلك الوقت، بعد أن عاش مع الناس ورأى بؤس حياتهم في الخطيّة وسمعه وشعر به. أن يكون لدى الله المُتجسّد هذا النوع من المشيئة من نحو البشريّة، وأن يستطيع التعبير عن هذا النوع من الشخصيّة – فهل كان هذا شيئًا يمكن لشخص عاديّ أن يمتلكه؟ ماذا يرى الشخص العاديّ الذي يعيش في هذا النوع من البيئة؟ كيف يُفكّر؟ إذا واجه الشخص العاديّ هذا كلّه، فهل سينظر إلى المشاكل من منظورٍ عال؟ كلا بالطبع! مع أن مظهر الله المُتجسّد الخارجي يشبه تمامًا مظهر الإنسان، وبرغم أنه يتعلّم المعرفة البشريّة ويتحدّث اللغة البشريّة، وفي بعض الأحيان يُعبّر عن أفكاره من خلال طرق الإنسان أو أساليبه في الكلام، إلّا أن الطريقة التي يرى بها البشر ويرى جوهر الأشياء تختلف تمام الاختلاف عن الطريقة التي يرى بها الفاسدون البشر وجوهر الأشياء. فوجهة نظره والمكانة العالية التي يحتلها شيءٌ بعيد المنال عن شخصٍ فاسد. وهذا لأن الله هو الحقّ، لأن الجسد الذي يلبسه يملك أيضًا جوهر الله، كما أن أفكاره وما تُعبّر عنه بشريّته هي أيضًا الحقّ. أمّا للفاسدين، فإن ما يُعبّر عنه في الجسد هو أحكام الحقّ والحياة. هذه الأحكام ليست لشخصٍ واحد فقط ولكنها للبشر جميعًا. لا يوجد في قلب أيّ شخصٍ فاسد سوى أولئك الأشخاص القليلون الذين يرتبطون به. إنه لا يهتم أو ينشغل سوى بأولئك الأشخاص القليلون. عندما تلوح كارثةٌ في الأفق، فإنه يُفكّر أوّلاً بأولاده أو شريك حياته أو والديه، ويكون أقصى ما يُفكّر به الشخص الأكثر تعاطفًا أن يولي القليل من الاهتمام لبعض الأقارب أو الأصدقاء الجيّدين؛ ولكن هل يزيد اهتمام ذلك الشخص المتعاطف عن هذا؟ لا، على الإطلاق! لأن البشر هم بشرٌ على أيّة حالٍ، ولا يمكنهم النظر إلى كلّ شيءٍ سوى من منظور الإنسان المرتفع ومن مكانتهم. ومع ذلك، فإن الله المُتجسّد يختلف تمام الاختلاف عن الإنسان الفاسد. بغض النظر عن مدى كون جسد الله المُتجسّد عاديًّا ومألوفًا وبسيطًا، أو حتى مدى ما في النظرة الدونية التي تبناها الناس تجاهه من احتقار، إلّا إن أفكاره وموقفه تجاه البشر هي أشياءٌ لا يمكن لأحدٍ أن يملكها، ولا يمكن لأحدٍ أن يُقلّدها. سوف يلاحظ البشر دائمًا من منظور الألوهيّة، ومن علوّ مكانته باعتباره الخالق. سوف يرى البشر دائمًا من خلال جوهر الله وعقليته. لا يمكن أن يرى البشر على الإطلاق من مكانة الشخصٍ العاديّ المنحطة أو من منظور شخصٍ فاسد. عندما ينظر الناس إلى البشريّة، فإنهم يفعلون ذلك برؤيةٍ بشريّة ويستخدمون أشياءً مثل المعرفة البشريّة والقواعد والنظريّات البشرية كمقياسٍهم. هذا في نطاق ما يمكن أن يراه الأشخاص بأعينهم؛ ونطاق ما يمكن أن يُحقّقه الفاسدون. أمّا عندما ينظر الله إلى البشر، فإنه ينظر برؤيةٍ إلهيّة ويستخدم جوهره وما لديه ومَنْ هو كمقياسٍ. يشمل هذا النطاق أشياءً لا يستطيع الناس رؤيتها، وهذا مكمن الاختلاف التامّ بين الله المُتجسّد والبشر. وهذا الاختلاف يُقرّره الجوهران المختلفان للبشر والله – وهذان الجوهران المختلفان هما اللذان يُحدّدان هويّتهما ومكانتهما وكذلك المنظور والعلوّ اللذان يريان منهما الأشياء. هل ترون تعبير الله نفسه واستعلانه في الرّبّ يسوع؟ يمكنكم القول إن ما عمله الرّبّ يسوع وقاله كان مرتبطًا بخدمته وبعمل تدبير الله، وأنه كان كلّه تعبيرًا وكشفًا عن جوهر الله. مع أنه كان له مظهرٌ بشريّ، إلّا أنه لا يمكن إنكار جوهره الإلهيّ واستعلان لاهوته. هل كان هذا المظهر البشريّ مظهرًا للبشريّة حقًّا؟ كان مظهره البشريّ، في جوهره، مختلفًا تمامًا عن المظهر البشريّ للفاسدين. كان الرّبّ يسوع هو الله المُتجسّد. إذا كان حقًّا واحدًا من الفاسدين العادييّن، فهل كان يمكنه أن يرى حياة البشر في الخطيّة من منظورٍ إلهيّ؟ كلا بالطبع! هذا هو الفرق بين ابن الإنسان والناس العاديّين. فالناس الفاسدون كلّهم يعيشون في الخطيّة، وعندما يرى أيّ شخصٍ الخطيّة لا يكون لديه أيّ شعورٍ خاص بها؛ إنهم جميعًا الشيء نفسه، مثل خنزيرٍ يعيش في الوحل ولا يشعر بالانزعاج أو بالاتّساخ – بل على العكس، فهو يأكل جيّدًا وينام نومًا عميقًا. وإذا نظفّه أحدٌ سيشعر الخنزير بعدم الراحة ولن يبقى نظيفًا. سرعان ما يتمرّغ مرّةً أخرى في الوحل ويشعر بالراحة التامّة لأنه مخلوقٌ قذر. يرى البشر أن الخنازير قذرة، وإذا نظفت مكان معيشة الخنزير، لا يشعر بأي تحسن – ولهذا السبب لا يحتفظ الناس بخنزيرٍ في منازلهم. سوف تكون نظرة البشر للخنازير مختلفة دائمًا عمّا تشعر به الخنازير، لأن البشر والخنازير ليسوا من النوع نفسه. ولأن ابن الإنسان المُتجسّد ليس من نوعيّة البشر الفاسدين نفسها، فإن الله المُتجسّد وحده يمكن أن يقف من منظورٍ إلهيّ ويقف من علوّ الله من حيث يرى البشر ويرى كلّ شيءٍ.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 74
ماذا عن المعاناة التي يختبرها الله عندما يصير جسدًا ويعيش بين البشر؟ ما هذه المعاناة؟ هل أيّ أحدٍ يفهم حقًّا؟ يقول بعض الناس إن الله يعاني كثيرًا، ومع أنه هو الله نفسه، فإن الناس لا يفهمون جوهره ويميلون إلى معاملته دائمًا باعتباره شخصًا، ممّا يجعله يشعر بالظلم والإساءة – يقولون إنه لهذه الأسباب معاناة الله هائلةٌ حقًّا. ويقول آخرون إن الله بريءٌ وبدون خطيّةٍ، لكنه يعاني بنفس الطريقة التي يعاني بها البشر، وأنه يعاني من الاضطهاد والافتراء والإذلال مع البشر؛ يقولون إنه يتحمّل أيضًا سوء فهم أتباعه وتمردهم – وعليه يقولون إنه لا يمكن قياس معاناة الله حقًّا. الآن، يبدو أنكم لا تفهمون الله حقًّا. في الواقع، هذه المعاناة التي تتحدّثون عنها لا تعتبر معاناة حقيقيّة لله، لأنه توجد معاناة أكبر من ذلك. ما المعاناة الحقيقيّة لله نفسه إذًا؟ ما المعاناة الحقيقيّة لجسد الله المُتجسّد؟ يعتبر الله أن عدم فهم البشر له لا يُحسب معاناة، وكذلك سوء فهم الأشخاص له وعدم رؤيتهم إياه باعتباره الله لا يُحسب معاناة. ومع ذلك، يشعر الناس غالبًا أن الله لا بدّ وأنه عانى من ظلمٍ كبير، وأنه في أثناء الوقت الذي قضاه الله في الجسد، لا يمكن أن يُظهِر شخصه للبشر ويسمح للناس برؤية عظمته، وأن الله يحتجب بتواضع في جسدٍ عاديّ، وأن ذلك لا بدّ وأنه مصدر عذابٍ هائل له. يأخذ الناس على محمل الجدّ ما يمكنهم فهمه ورؤيته من معاناة الله، ويعرضون كلّ أنواع التعاطف على الله، وغالبًا يُقدّمون حتّى القليل من الثناء على معاناته. في الواقع، يوجد فرقٌ: توجد فجوةٌ بين ما يفهمه الناس من معاناة الله وما يشعر به الله حقًا. إني أقول لكم الحقيقة – فبالنسبة لله، بغضّ النظر عمّا إذا كان روح الله أو جسد الله المُتجسّد، فإن تلك المعاناة الموصوفة سابقًا ليست معاناة حقيقيّة. ما الذي يعاني منه الله إذًا؟ دعونا نتحدّث عن معاناة الله من منظور الله المُتجسّد فقط.
عندما يصير الله جسدًا فيتحول إلى شخص عادي وطبيعي يعيش بين البشر جنبًا إلى جنبٍ مع الناس، ألا يستطيع أن يرى ويشعر بطرق الناس وقوانينهم ونظرياتهم في العيش؟ كيف تجعله طرق العيش وقوانينه هذه يشعر؟ هل يشعر بالمقت في قلبه؟ لماذا يشعر بالمقت؟ ما طرق البشر وقوانينهم في العيش؟ ما المبادئ التي ترتكز عليها؟ ما الذي تستند عليه؟ طرق البشر وقوانينهم، وما إلى ذلك، وعلاقتها بطريقة العيش – كلّها تنشأ بناءً على منطق الشيطان ومعرفته وفلسفته. فالبشر الذين يعيشون تحت هذه الأنواع من القوانين ليست لديهم إنسانيّة ولا حقيقة – إنهم جميعًا يتحدّون الحقيقة؛ ويعادون الله. إذا ألقينا نظرةً على جوهر الله، فإننا نرى أن جوهره هو العكس تمامًا من منطق الشيطان ومعرفته وفلسفته. جوهره مملوءٌ بالبرّ والحقّ والقداسة والحقائق الأخرى لجميع الأشياء الإيجابيّة. ما الذي يشعر به الله، الذي يملك هذا الجوهر ويعيش بين البشر؟ ما الذي يشعر به في قلبه؟ ألا يمتلئ بالألم؟ ألم لا يمكن لأيّ شخصٍ أن يفهمه أو يختبره. هذا بسبب أن كلّ ما يواجهه ويقابله ويسمعه ويراه ويختبره هو فساد البشر وشرّهم وتمرّدهم ومقاومتهم للحقّ. جميع ما يأتي من البشر هو مصدر معاناته. وهذا يعني أنه لأن جوهره ليس هو نفسه جوهر البشر الفاسدين، فإن فساد البشر يصبح مصدر معاناته الكبرى. عندما يصير الله جسدًا، هل يستطيع أن يجد من يتواصل معه بلغةٍ مشتركة؟ لا يمكن إيجاد مثل هذا الشخص بين البشر. لا يمكن إيجاد أيّ شخصٍ يمكنه التواصل أو يتحاور بمثل هذا الحوار مع الله – أيّ شعور يمكن أن يكون عند الله تجاه هذا بحسب وصفك؟ الأشياء التي يناقشها الناس والتي يحبّونها والتي يتطلّعون ويشتاقون إليها جميعها ترتبط بالخطيّة والميول الشريرة. عندما يواجه الله هذا كلّه، ألا يكون مثل سكينٍ في قلبه؟ في مواجهة هذه الأشياء، هل يمكن أن يشعر بالفرح في قلبه؟ هل يمكن أن يجد عزاءً؟ أولئك الذين يعيشون معه بشرٌ يمتلئون بالتمرّد والشرّ – فكيف لا يعاني قلبه؟ يا لشدّة هذه المعاناة حقًّا، ومَنَ يهتمّ بها؟ مَنَ يبالي؟ ومَنْ يقدر أن يُدرِكها؟ لا يملك الناس طريقة لفهم قلب الله. فمعاناته شيءٌ لا يستطيع الناس على نحوٍ خاص أن يُدرِكوها، وفتور البشر وفقدانهم للحسّ يعمقان معاناة الله أكثر.
يتعاطف بعض الناس مع محنة المسيح لأنه ترد آيةٌ في الكتاب المُقدّس تقول: "لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَللِطُيُورِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ". عندما يسمع الناس هذا، يأخذون الأمر على محمل الجدّ ويؤمنون أن هذه أشدّ معاناةٍ يحتملها الله وأشدّ معاناةٍ يحتملها المسيح. والآن، بالنظر إلى ذلك من منظور الحقائق، هل هذه هي الحقيقة؟ كلا، لا يعتقد الله أن هذه الصعوبات معاناة. لم يسبق له أن صرخ ضدّ الظلم بسبب صعوبات الجسد، ولم يجعل البشر يدفعون له أو يكافئونه بأيّ شيءٍ مطلقًا. ومع ذلك، عندما يشهد كلّ شيءٍ يخص البشر وحياتهم الفاسدة وشرّ البشر الفاسدون، وعندما يشهد أن البشر في قبضة الشيطان وأسرى لدى الشيطان ولا يمكنهم الإفلات، وأن الناس الذين يعيشون في الخطيّة لا يعرفون الحقّ، فإنه لا يستطيع تحمّل كل هذه الخطايا. فمقته للبشر يزداد يومًا بعد يومٍ، ولكن عليه أن يتحمّل هذا كلّه. هذه معاناة الله الكبرى. لا يستطيع الله التعبير تعبيرًا كاملاً حتّى عن صوت قلبه أو مشاعره بين أتباعه، ولا يمكن لأحدٍ من أتباعه أن يفهم حقًّا معاناته. لا أحد يحاول حتّى أن يفهم قلبه أو يُعزّيه – فقلبه يتحمّل هذه المعاناة يومًا بعد يومٍ وسنة بعد سنةٍ مرارًا وتكرارًا. ماذا ترون في هذا كلّه؟ لا يتطلّب الله أيّ شيءٍ من البشر مقابل ما أعطاه، ولكن بسبب جوهر الله فإنه لا يستطيع أن يتحمّل على الإطلاق شرّ البشر وفسادهم وخطيّتهم، ولكنه يشعر بالمقت والكراهية الشديدة، وهذا ما يجعل قلب الله وجسده يتحملّان معاناةً لا تنتهي. هل رأيتم هذا؟ على الأرجح، لا أحد منكم يمكنه أن يرى هذا، لأنه لا أحد منكم يمكنه أن يفهم الله حقًّا. بمرور الوقت ينبغي أن تختبروا ذلك تدريجيًّا بأنفسكم.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 75
يسوع يُطعم الخمسة آلافٍ
(يوحنا 6: 8-13) "قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ، وَهُوَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ: "هُنَا غُلَامٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ، وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ؟". فَقَالَ يَسُوعُ: "ٱجْعَلُوا ٱلنَّاسَ يَتَّكِئُونَ". وَكَانَ فِي ٱلْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ، فَٱتَّكَأَ ٱلرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلَافٍ. وَأَخَذَ يَسُوعُ ٱلْأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ، وَوَزَّعَ عَلَى ٱلتَّلَامِيذِ، وَٱلتَّلَامِيذُ أَعْطَوْا ٱلْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ ٱلسَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا. فَلَمَّا شَبِعُوا، قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: "ٱجْمَعُوا ٱلْكِسَرَ ٱلْفَاضِلَةَ لِكَيْ لَا يَضِيعَ شَيْءٌ". فَجَمَعُوا وَمَلَأُوا ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ ٱلْكِسَرِ، مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةِ ٱلشَّعِيرِ، ٱلَّتِي فَضَلَتْ عَنِ ٱلْآكِلِينَ".
ما فكرة "خمس خبزات وسمكتين"؟ في المعتاد، كم عدد الأشخاص الذين يمكن إطعامهم بشكل كاف بخمس خبزات وسمكتان؟ إذا قستم بناءً على شهيّة الشخص العاديّ، فسوف يكون ذلك كافيًا لشخصين فقط. هذه هي فكرة "خمس خبزات وسمكتين" في أساسها. ومع ذلك، في هذا المقطع، ما عدد الناس الذين أُطعموا بخمس خبزات وسمكتين؟ يُسجّل الكتاب المُقدّس ما يلي: "وَكَانَ فِي ٱلْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ، فَٱتَّكَأَ ٱلرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلَافٍ". بالمقارنة مع خمس خبزات وسمكتين، هل خمسة آلافٍ من الناس عددٌ كبير؟ ما الذي يشير له أن هذا العدد كبيرٌ جدًّا؟ من منظورٍ بشريّ، سوف يكون من المستحيل تقسيم خمس خبزات وسمكتين على خمسة آلاف شخصٍ، لأن الفرق بين عدد الناس وبين الطعام كبير للغاية. وحتّى لو أخذ كلّ شخصٍ قضمةً صغيرة فقط، فإنه لا يزال غير كافٍ لخمسة آلاف شخصٍ. ولكن الرّبّ يسوع صنع معجزةً هنا – فهو لم يكتفِ بأن تيقن من أن خمسة آلاف شخصٍ يأكلوا ويشبعوا وحسب، ولكن فضل عنهم الطعام أيضًا. يقول الكتاب المُقدّس: "فَلَمَّا شَبِعُوا، قَالَ لِتَلَامِيذِهِ: "ٱجْمَعُوا ٱلْكِسَرَ ٱلْفَاضِلَةَ لِكَيْ لَا يَضِيعَ شَيْءٌ". فَجَمَعُوا وَمَلَأُوا ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ ٱلْكِسَرِ، مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةِ ٱلشَّعِيرِ، ٱلَّتِي فَضَلَتْ عَنِ ٱلْآكِلِينَ". مكنت هذه المعجزة الناس من رؤية هويّة الرّبّ يسوع ومكانته، وبأن يروا أنه لا شيء يستحيل على الله – لقد رأوا بهذه الطريقة حقيقة قدرة الله الكليّة. كانت خمسة أرغفةٍ وسمكتان كافية لإطعام خمسة آلافٍ، ولكن إذا لم يوجد أيّ طعام، فهل كان بإمكان الله إطعام خمسة آلاف شخصٍ؟ بالطبع كان بإمكانه! كانت هذه معجزةٌ، ولذلك شعر الناس حتمًا بأن هذا كان أمرًا غير مفهومٍ، ولا يُصدّق وغامض، ولكن عمل مثل هذا الشيء بالنسبة إلى الله كان في منتهى البساطة. وبما أن هذا كان شيئًا عاديًّا في نظر الله، فلماذا يُفرد الآن للتفسير؟ لأن ما يكمن وراء هذه المعجزة مشيئة الرّبّ يسوع التي لم ترها البشريّة مطلقًا من قبل.
لنحاول أوّلاً فهم نوعيّة الناس الذين شكّلوا هؤلاء الخمسة آلافٍ. هل كانوا أتباعًا للرّبّ يسوع؟ نعرف من الكتاب المُقدّس أنهم لم يكونوا أتباعًا له. هل عرفوا مَنْ هو الرّبّ يسوع؟ كلا بالتأكيد! فعلى أقلّ تقديرٍ، لم يعرفوا أن الشخص الواقف أمامهم هو المسيح، أو ربّما عرف بعض الناس مُجرّد اسمه وعرفوا أو سمعوا شيئًا ما عن الأشياء التي قد صنعها. كان يتملّكهم الفضول حول الرّبّ يسوع عندما سمعوا عنه القصص، ولكن لا يمكنكم بالتأكيد القول بأنهم تبعوه، فضلاً عن أنهم لم يكونوا يفهمونه. عندما رأى الرّبّ يسوع الخمسة آلاف شخصٍ هؤلاء، كانوا جائعين ولم يُفكّروا سوى في ملء بطونهم، ولذلك كانت تلبية الرّبّ يسوع لرغباتهم في هذا السياق. عندما لبى رغباتهم، ماذا كان في قلبه؟ ماذا كان موقفه تجاه هؤلاء الناس الذين لم يريدوا سوى إشباع جوعهم؟ في هذا الوقت، كانت أفكار الرّبّ يسوع وموقفه يرتبطان بشخصيّة الله وجوهره. في مواجهة هؤلاء الخمسة آلافٍ من الناس الذين كانت بطونهم فارغة ولم يريدوا سوى تناول وجبة كاملة، وفي مواجهة هؤلاء الناس الذين تملّكهم الفضول والأمل عنه، لم يُفكّر الرّبّ يسوع سوى باستخدام هذه المعجزة لمنحهم نعمة. ومع ذلك، لم يرفع من سقف آماله في أن يصبحوا أتباعه، لأنه عرف أنهم أرادوا المرح والأكل حتى الشبع فحسب، ولذلك صنع أفضل ما كان لديه واستخدم خمسة أرغفةٍ من الخبز وسمكتين لإطعام خمسة آلاف شخصٍ. فتح أعين هؤلاء الناس الذين استمتعوا برؤية أشياء مثيرة، وأرادوا رؤية المعجزات ورأوا بأعينهم الأشياء التي كان يمكن أن يُتمّمها الله المُتجسّد. مع أن الرّبّ يسوع استخدم شيئًا ملموسًا لإرضاء فضولهم، إلّا أنه كان يعرف بالفعل في قلبه أن هؤلاء الخمسة آلاف شخصٍ لا يريدون سوى تناول وجبة جيّدة، ولذلك لم يعظهم أو يقل أيّ شيءٍ على الإطلاق – فقد سمح لهم فقط بأن يروا هذه المعجزة كما حدثت. لم يقدر أن يعامل هؤلاء الناس مطلقًا كما تعامل مع تلاميذه الذين اتّبعوه حقًّا، ولكن في قلب الله، جميع المخلوقات تحت حكمه، وكان يسمح لجميع المخلوقات في عينيه بالاستمتاع بنعمة الله عند الضرورة. مع أن هؤلاء الناس لم يعرفوا من كان ولم يفهموه ولم يكن لديهم أيّ انطباعٍ خاص عنه أو تقديرٍ له حتّى بعد أن أكلوا الأرغفة والسمكتين، إلّا إن الله لم يعترض على هذا – فقد منح هؤلاء الناس فرصةً رائعة للاستمتاع بنعمة الله. يقول بعض الناس إن الله يتبع المبادئ فيما يعمله وأنه لا يراقب أو يحمي ضعيفي الإيمان ولا يسمح لهم على الأخصّ بالاستمتاع بنعمته. هل هذا هو الحال فعلًا؟ يعتبر الله أنه طالما أنهم كائنات حيّة خلقها، فسوف يدبرهم ويهتمّ بهم؛ وسوف يعاملهم ويُخطّط لهم ويحكمهم بطرقٍ مختلفة. هذه هي أفكار الله وموقفه تجاه جميع الأشياء.
مع أن الخمسة آلاف شخصٍ الذين أكلوا الخبزات والسمكتين لم يُخطّطوا لاتّباع الرّبّ يسوع، إلّا أنه لم يطلب منهم مطالب قاسية؛ فعندما أكلوا وشبعوا، هل تعرفون ما فعله الرّبّ يسوع؟ هل وعظهم على الإطلاقٍ؟ أين ذهب بعد أن عمل ذلك؟ لا يُسجّل الكتاب المُقدّس أن الرّبّ يسوع قال لهم أيّ شيءٍ، فقط أنه غادر بهدوءٍ عندما أكمل معجزته. هل طالب هؤلاء الناس بأيّ شيءٍ إذًا؟ هل كانت توجد أيّة كراهيةٍ؟ كلا، لم يوجد أيٌّ من هذه. لم يعد يريد أن يعير هؤلاء الناس الذين لم يتمكّنوا من اتّباعه اهتمامًا، وفي هذا الوقت كان قلبه يعاني من الألم. فلأنه رأى فساد البشر وشعر برفض البشر له، وعندما رأى هؤلاء الناس أو عندما كان معهم، جعلته بلادة البشر وجهلهم حزينًا وتألم قلبه، ولم يرد سوى أن يغادر هؤلاء الناس في أسرع وقتٍ ممكن. لم تكن لدى الرّبّ في قلبه أيّة متطلّباتٍ منهم، ولم يرد أن يعيرهم أي اهتمامٍ، ولم يرد خصيصًا أن ينفق طاقته عليهم، وبالأكثر لم يرد أن يهدر طاقته عليهم. كان يعلم أنه لا يمكنهم اتّباعه، ومع هذا كلّه، كان موقفه تجاههم واضحًا جدًّا. أراد أن يعاملهم بلطفٍ وأن يسبغ عليهم بالنعمة، وقد كان هذا موقف الله من كلّ مخلوقٍ تحت حكمه – أن يعامل كلّ مخلوقٍ بلطفٍ ويعوله ويُغذّيه. وبسبب أن الرّبّ يسوع كان الله المُتجسّد، فقد كشف بطريقة طبيعيّة عن جوهر الله نفسه وتعامل مع هؤلاء الناس بلطفٍ. تعامل معهم بقلب الرحمة والتسامح. وبمثل هذا القلب أظهر لهم اللطف. وبغضّ النظر عن نظرة هؤلاء الناس للرّبّ يسوع، وبغضّ النظر عن العاقبة المُتوقّعة، فإنه عامل كلّ مخلوقٍ على أساس هويته كرّبّ الخليقة كلّها. وقد كان كل ما كشفه، بدون استثناءٍ، شخصيّة الله وما لديه ومَنْ هو. صنع الرّبّ يسوع هذا الشيء بهدوءٍ ثم غادر بهدوءٍ – فأيّ جانبٍ من جوانب شخصيّة الله هذا؟ هل يمكنكم القول بأنه إحسان الله؟ هل يمكنكم القول إن هذا عدم أنانيّة الله؟ هل هذا شيء يمكن لشخصٍ عاديّ أن يفعله؟ كلا بالطبع! في الأساس، مَنْ كان هؤلاء الخمسة آلاف شخصٍ الذين أشبعهم الرّبّ يسوع بخمسة أرغفةٍ وسمكتين؟ هل يمكنكم القول إنهم كانوا متوافقين معه؟ هل يمكنكم القول إنهم كانوا جميعًا معادين لله؟ يمكن القول بكلّ تأكيدٍ إنهم لم يكونوا متوافقين مع الرّبّ، وإن جوهرهم كان معاديًا تمامًا لله. ولكن كيف تعامل معهم الله؟ استخدم طريقةً لنزع فتيل عداء الناس تجاه الله – وهذه الطريقة تُسمّى "اللطف". وهذا يعني أنه مع أن الرّبّ يسوع رأى هؤلاء الناس خطاة، إلّا أنهم في نظر الله كانوا مخلوقاته، ولذلك كان لا يزال يعامل هؤلاء الخطاة بلطفٍ. هذا هو تسامح الله، وهذا التسامح تُحدّده هويّة الله وجوهره. ولذلك، فإن هذا شيء لا يقدر أيّ إنسانٍ خلقه الله أن يفعله – ولا يمكن سوى لله أن يفعله.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 76
عندما يمكنك أن تفهم حقًا أفكار الله وموقفه تجاه البشر، وعندما يمكنك أن تفهم حقًا مودَّة الله واهتمامه تجاه كلّ مخلوق، سوف يمكنك أن تفهم التفاني والحبّ الموجّهين إلى كلّ واحدٍ من الأشخاص الذين خلقهم الخالق. وعندما يحدث هذا، سوف تستخدم كلمتين لوصف محبّة الله. ما هاتان الكلمتان؟ بعض الناس يقولون "مُضحّية"، وبعض الناس يقولون "خيريّة". من هاتين الكلمتين تُعدّ كلمة "خيريّة" الأقلّ ملائمة لوصف محبّة الله. هذه كلمةٌ يستخدمها الناس لوصف الشخص الكريم أو واسع الأفق. إنني أبغض هذه الكلمة، لأنها تشير إلى توزيع الصدقة عشوائيًّا، ودون تمييزٍ، دون اعتبار للمبادئ. إنه انسكاب للعواطف، وهو معتاد للأشخاص الحمقى ومشوشي الذهن. عندما تُستخدم هذه الكلمة لوصف محبّة الله، هناك حتمًا دلالة ضمنية على التجديف. لديَّ كلمتان أكثر ملائمة لوصف محبّة الله. ما هما؟ الكلمة الأولى "شاسعة". أليست هذه الكلمة مُعبّرة جدًّا؟ والكلمة الثانية "واسعة". هناك معنى عملي وراء هاتين الكلمتين اللتين أستخدمهما لوصف محبّة الله. بحسب الاستخدام الحرفيّ، فإن كلمة "شاسعة" تصف حجم الشيء أو سعته، ولكن بغض الظر عن ضخامة هذا الشيء – فهو شيءٌ يمكن أن يلمسه الناس ويروه. يعود السبب في هذا إلى أنه موجودٌ – إنه ليس كائنًا مُجرّدًا، ولكنه شيء يمكنه أن يعطي الناس أفكارًا دقيقة وعملية بدرجةٍ نسبيّة. لا يهمٌ ما إذا كنت تنظر إليه من زاويةٍ ثنائية أو ثلاثيّة الأبعاد؛ لست بحاجةٍ لتخيّل وجوده لأنه شيءٌ موجود بشكل واقعي. ومع أن استخدام كلمة "شاسعة" لوصف محبّة الله يمكن أن يبدو وكأنه محاولة لتحديد مقدار محبّته، إلّا أنه يوحي أيضًا بأن محبّته غير قابلةٍ للقياس. أقول إن محبّة الله يمكن تحديد مقدارها لأن محبّته ليست خاوية، ولا تنبع من أيّة أسطورةٍ. ولكنها بدلاً من ذلك شيءٌ تشارك فيه جميع الأشياء تحت حكم الله، وهي شيءٌ تتمتّع به جميع المخلوقات بدرجاتٍ متفاوتة ومن وجهات نظرٍ مختلفة. على الرغم من أن الناس لا يستطيعون رؤيتها أو لمسها، إلّا إن هذه المحبّة تجلب العيش والحياة لجميع الأشياء بقدر ما تنكشف شيئًا فشيئًا في حياتهم، كما تتزايد وتشهد على محبّة الله التي يتمتّعون بها في كلّ لحظةٍ. أقول إن محبّة الله غير قابلةٍ للقياس لأن سرّ الله الذي يعيل ويُغذّي جميع الأشياء شيءٌ يصعب على البشر فهمه، وكذلك أفكار الله لجميع الأشياء، وخصوصًا أفكاره للبشر. وهذا يعني أن أحدًا لا يعرف مقدار الدم والدموع الذي سكبها الخالق من أجل البشر. لا أحد يستطيع أن يستوعب، ولا أحد يستطيع أن يفهم عمق أو وزن المحبّة التي يكنها الخالق للبشر الذين خلقهم بيديه. يهدف وصف محبّة الله بأنها شاسعة لمساعدة الناس على استيعاب وفهم اتّساعها وحقيقة وجودها. كما يهدف لمساعدة الناس على فهم المعنى العملي لكلمة "الخالق" فهمًا أعمق، ومساعدة الناس على أن يكتسبوا فهمًا أعمق للمعنى الحقيقيّ لتسمية "المخلوقات". ما الذي تصفه عادةً كلمة "واسعة"؟ إنها تُستخدم بوجه عام لوصف المحيط أو الكون، مثل: "الكون الواسع" أو "المحيط الواسع". إن اتّساع الكون وعمقه الهادئ أبعد من الفهم البشريّ؛ أنه شيءٌ يأسر تصوّرات الإنسان، ويشعر نحوه بالإعجاب الشديد. فغموض الكون وعمقه موجودان على مدى الرؤية ولكنهما بعيدا المنال. عندما تُفكّر في المحيط، فأنت تُفكّر في عرضه إذ يبدو بلا حدودٍ، ويمكنك أن تشعر بغموضه وقدرته الهائلة على حمل الأشياء. ولهذا السبب استخدمتُ كلمة "واسعة" لوصف محبّة الله، لمساعدة الناس على الشعور بمدى القيمة النفيسة للشعور بعمق جمال محبة الله، وبأن قوّة محبّة الله غير محدودةٍ وشاملة. استخدمت هذه الكلمة لمساعدة الناس على الشعور بقداسة محبّته وكرامة الله وعدم قابليّته للإساءة كما ينكشف من محبّته. هل تعتقدون الآن أن كلمة "واسعة" كلمةً ملائمة لوصف محبّة الله؟ هل يمكن لمحبّة الله أن ترقى إلى هاتين الكلمتين: "شاسعة" و"واسعة"؟ بالطبع! في اللغة البشريّة، هاتان الكلمتان فقط ملائمتان نوعًا ما وقريبتان نسبيًّا من وصف محبّة الله. ألا تعتقدون ذلك؟ إذا طلبت منكم وصف محبّة الله، فهل ستستخدمون هاتين الكلمتين؟ على الأرجح أنكم لن تفعلوا ذلك لأن فهمكم وإدراككم لمحبّة الله يقتصر على منظورٍ ثنائي البعد ولم يسمُ إلى علوّ الفضاء الثلاثيّ الأبعاد. ولذلك إذا طلبت منكم وصف محبّة الله، فسوف تشعرون أنكم تفتقرون إلى الكلمات أو ربما تكونون حتّى عاجزين عن الكلام. قد يكون من الصعب عليكم فهم الكلمتين اللتين تحدّثت عنهما اليوم، أو ربّما لا توافقون ببساطةٍ. لا يشير هذا سوى إلى أن تقديركم وفهمكم لمحبّة الله سطحيّان وقاصران على نطاقٍ ضيّق. قلت سابقًا إن الله غير أنانيّ؛ وأنتم تتذكّرون كلمة "غير أنانيّ". هل يمكن ألا توصف محبّة الله سوى أنها غير أنانيّةٍ؟ أليس هذا نطاقًا ضيّقًا للغاية؟ يجب عليكم التأمّل في هذه المسألة أكثر من أجل اكتساب شيءٍ منها.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 77
قيامة لعازر تُمجّد الله
(يوحنا 11: 43-44) "وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!". فَخَرَجَ ٱلْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ".
ما انطباعاتكم بعد قراءة هذا المقطع؟ كانت أهميّة هذه المعجزة التي صنعها الرّبّ يسوع أكبر بكثيرٍ من السابقة، لأنه لا توجد معجزةٌ أكثر مدعاة للإعجاب من إقامة رجلٍ ميت من القبر. في ذلك العصر، كان من الأهمية بمكان أن يصنع الرب يسوع شيئًا كهذا. فلأن الله صار جسدًا، لم يكن بوسع الناس سوى أن يروا ظهوره بالجسد وجانبه العمليّ وجانبه الذي لا يُمثّل أهميّة. وحتّى إذا كان بعض الناس قد رأوا جانبًا من شخصيّته أو بعض نقاط قوّته التي كان يبدو أنه يملكها وفهموها، لم يكن أحدٌ يعرف من أين جاء الرّبّ يسوع ومن كان حقًا في جوهره وما الأشياء الأخرى التي كان يمكنه أن يفعلها. كان هذا كلّه غير معروفٍ للبشر. وقد طلب أناسٌ كثيرون جدًّا دليلاً للإجابة عن هذه الأسئلة عن الرب يسوع، ومعرفة الحقيقة. هل يمكن أن يصنع الله شيئًا لإثبات هويّته؟ كان هذا الأمر في نظر الله في منتهى السهولة. كان بإمكانه أن يصنع شيئًا في أيّ مكانٍ وفي أيّ وقتٍ لإثبات هويّته وجوهره، ولكن الله كان يصنع الأشياء بطريقته – بخطّةٍ وبخطواتٍ. لم يكن يصنع الأشياء دون تمييزٍ؛ ولكنه كان يبحث عن الوقت المناسب والفرصة المناسبة لصنع شيءٍ يسمح للبشر برؤيته، شيء له معنى حقيقي. وهكذا أثبت سلطانه وهويّته. هل استطاعت قيامة لعازر إثبات هويّة الرّبّ يسوع إذًا؟ دعونا ننظر إلى المقطع التالي من الكتاب المُقدّس: "وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!". فَخَرَجَ ٱلْمَيْتُ...". عندما عمل الرّبّ يسوع هذا، لم يقل سوى شيئًا واحدًا: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!". فخرج لعازر من قبره – وقد تحقّق ذلك بسبب بضع كلمات نطق بها الرّبّ. خلال هذا الوقت، لم يبنِ الرّبّ يسوع مذبحًا، ولم يصنع أيّة أعمالٍ أخرى. لم يقل سوى شيئًا واحدًا. هل يمكن تسمية ذلك بمعجزةٍ أم بأمرٍ؟ أم هل كان نوعًا من السحر؟ يبدو من الناحية الظاهريّة أنه يمكن تسميته معجزة. ولكن بالطبع لا يزال بإمكانكم تسميته بأنه معجزةٌ. ومع ذلك، من المُؤكّد أنه لا يمكن تسميته سحرًا من النوع الذي من المفترض أن يستدعي روحٍ من بين الأموات، وبالطبع ليس شعوذة من أي نوع. من الصواب القول بأن هذه المعجزة كانت الإظهار الأدنى والأكثر طبيعيّة لسلطان الخالق. هذا هو سلطان الله وقدرته. فالله يملك السلطان بأن يجعل المرء يموت ويجعل روحه تفارق جسده وتعود إلى الهاوية، أو إلى المكان الذي يجب أن تذهب إليه. يُقرّر الله الوقت الذي يموت فيه شخصٌ ما والمكان الذي يذهب إليه بعد الموت. يمكنه أن يتخذ هذه القرارات في أيّ وقتٍ وفي أيّ مكانٍ، غير مقيَّدٍ من البشر أو الأحداث أو الكائنات أو الفضاء أو المكان. إذا أراد أن يفعل ذلك فيمكنه فعله لأن جميع الأشياء والكائنات الحيّة تحت حكمه، وجميع الأشياء تولد وتعيش وتهلك بكلمته وبسلطانه. يمكنه إقامة رجلٍ ميت، وهذا أيضًا شيءٌ يمكنه أن يفعله في أيّ زمانٍ ومكانٍ. هذا هو السلطان الذي لا يملكه سوى الخالق.
عندما فعل الرّبّ يسوع شيئًا مثل إقامة لعازر من الموت، كان هدفه هو أن يُقدّم دليلاً يراه البشر والشيطان وأن يدع البشر والشيطان يعرفون أن كلّ شيءٍ يرتبط بالبشر، أي حياة البشر وموتهم، يُقرّره الله، وأنه على الرغم من أنه صار جسدًا، إلّا أنه لا يزال يحكم العالم الماديّ الذي يمكن رؤيته بالإضافة إلى العالم الروحيّ الذي لا يستطيع البشر رؤيته. كان الهدف من هذا السماح للبشر والشيطان بأن يعرفوا أن الشيطان لا يحكم كلّ ما يخص البشرية. كان هذا كشفًا وإظهارًا لسلطان الله، وكان أيضًا وسيلةً يرسل بها الله رسالة إلى جميع الأشياء، بأن حياة البشر وموتهم بيد الله. كانت طريقة إقامة الرّبّ يسوع للعازر إحدى الطرق التي يُعلّم بها الله البشريّة ويُوجّهها. كان عملاً ملموسًا استخدم فيه قوته وسلطانه لتوجيه البشريّة وإعالتها. كانت طريقةً بدون استخدام كلمات سمح بها الخالق للبشر برؤية حقيقة أنه يسود على جميع الأشياء. وكانت طريقةً يخبر بها البشريّة من خلال أفعالٍ عمليّة أنه لا يوجد خلاصٌ إلّا من خلاله. هذه الطريقة الصامتة التي استخدمها لتوجيهه البشريّة تدوم إلى الأبد، ولا تُمحى، وقد أحدثت صدمة وتنويرًا في قلوب البشر لا يمكن أن يتلاشى أبدًا. قيامة لعازر مجدّت الله – وهذا له تأثيرٌ عميق على كلّ واحدٍ من أتباع الله. إنه يثبت بقوّةٍ في كلّ شخصٍ يفهم هذا الحدث بحسب الفهم والرؤية بأن الله وحده هو من يحكم حياة البشر وموتهم. مع أن الله يملك هذا النوع من السلطان، ومع أنه أرسل رسالةً حول سيادته على حياة البشر وموتهم من خلال قيامة لعازر، إلّا إن هذا لم يكن عمله الأساسيّ. فالله لا يفعل شيئًا بدون معنى. كلّ شيءٍ يفعله له قيمةٌ كبيرة، وهو جوهرة فائقة القيمة في مستودع للكنوز. لن يجعل بالتأكيد "مسألة جعل شخصٍ يخرج من قبره" الهدف الأساسيّ أو الهدف أو البند الوحيد في عمله. لا يفعل الله أيّ شيءٍ بدون معنى. قيامةٌ لعازر كحدث وحيد كافيةٌ لإظهار سلطان الله، وإثبات هويّة الرّبّ يسوع. ولهذا السبب لم يُكرّر الرّبّ يسوع هذا النوع من المعجزات. يصنع الله الأشياء وفقًا لمبادئه الخاصة. وبلغة البشر، يمكن القول بأن الله لا يشغل عقله سوى بالأمور الجادة. وهذا يعني أنه عندما يصنع الله الأشياء، فإنه لا ينحرف عن هدف عمله. إنه يعرف العمل الذي يريد أن يُحقّقه في هذه المرحلة، وما يريد أن ينجزه، وسوف يعمل بدقّةٍ وفقًا لخطّته. إذا كان شخصٌ فاسد يملك هذا النوع من القدرة، فسوف يُفكّر في طرقٍ للكشف عن قدرته حتّى يعرف الآخرون مدى قدرته حتّى ينحنون أمامه وحتّى يتمكّن من السيطرة عليهم وابتلاعهم. هذا هو الشرّ الذي يأتي من الشيطان – وهو ما يُسمّى بالفساد. ليس لدى الله مثل هذه الشخصيّة وليس لديه مثل هذا الجوهر. إن هدفه من صنع الأشياء ليس إظهار نفسه بل تزويد البشريّة بالمزيد من الوحي والإرشاد، ولهذا السبب يرى الناس أمثلةً قليلة جدًّا في الكتاب المُقدّس من هذا النوع من الأحداث. ليس المقصود بهذا أن قوى الرّبّ يسوع كانت محدودة، أو أنه كان غير قادر على هذه الأشياء. ولكنه يعني ببساطةٍ أن الله لم يرد أن يفعله، لأن إقامة الرّبّ يسوع للعازر كانت لها أهميّةٌ عمليّة كبيرة، وأيضًا لأن العمل الأساسيّ بصيرورة الله جسدًا لم يكن إقامة الناس من الموت، لكنه كان عمل الفداء للبشريّة. ولذلك، فإن مقدارًا كبيرًا من العمل الذي أكمله الرّبّ يسوع كان تعليم الناس وتدبيرهم ومساعدتهم، والأحداث مثل إقامة لعازر فكانت مُجرّد جزء صغير من الخدمة التي أتمّها الرّبّ يسوع. والأكثر من ذلك، يمكنكم القول بأن "الاستعراض" ليس جزءًا من جوهر الله، ومن ثمّ لم يكن الرب يسوع يمارس ضبط النفس عمدًا من خلال عدم إظهار المزيد من المعجزات، ولم يكن بسبب القيود البيئيّة، ولم يكن بالتأكيد بسبب نقص القدرة.
عندما أقام الرّبّ يسوع لعازر من الموت استخدم هذه الكلمات القليلة: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!". لم يقل شيئًا غير هذا. إذن، ماذا تظهر هذه الكلمات؟ إنها تظهر أن الله يمكنه إنجاز أيّ شيءٍ بالتحدّث، بما في ذلك إقامة رجلٍ ميت. عندما خلق الله جميع الأشياء، عندما خلق العالم، فإنه صنع ذلك بالكلمات: أوامر منطوقة، وكلمات تحمل السلطان، وهكذا خُلقت كل الأشياء وعليه تحققت. هذه الكلمات القليلة التي تكلّم بها الرّبّ يسوع كانت مثل الكلمات التي تكلّم بها الله عندما خلق السماوات والأرض وجميع الأشياء؛ فهي بالشكل ذاته كانت تحمل سلطان الله وقدرة الخالق. تشكّلت جميع الأشياء وثبتت بسبب الكلمات الخارجة من فم الله، وبالطريقة نفسها، خرج لعازر من قبره بسبب الكلمات من فم الرّبّ يسوع. كان هذا سلطان الله، الظاهر والمُدرَك في جسده المُتجسّد. وكان هذا النوع من السلطان والقدرة يخصّ الخالق ويخصّ ابن الإنسان الذي أُدْرِكَ فيه الخالق. هذا هو الفهم الذي علّمه الله للبشر بإقامة لعازر من الموت.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 78
دينونة الفريسيّين ليسوع
(مرقس 3: 21-22) "وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: "إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!". وَأَمَّا ٱلْكَتَبَةُ ٱلَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ فَقَالُوا: "إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ! وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ".
يسوع يُوبّخ الفريسيّين
(متى 12: 31-32) "لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ٱبْنِ ٱلْإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي".
(متى 23: 13-15) "لَكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ! لِأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، فَلَا تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلَا تَدَعُونَ ٱلدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ! لِأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ ٱلْأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذَلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ! لِأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ ٱلْبَحْرَ وَٱلْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلًا وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ٱبْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا".
محتوى المقطعان أعلاه مختلفان. دعونا أوّلاً نلقي نظرةً على المقطع الأوّل: دينونة الفريسيين ليسوع.
في الكتاب المُقدّس، كان تقييم الفريسيّين ليسوع نفسه والأشياء التي صنعها كما يلي: "...قَالُوا: "إِنَّهُ مُخْتَلٌّ!". ... "إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ! وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ" (مرقس 3: 21-22). لم يكن حكم الكتبة والفريسيّين على الرّبّ يسوع مُجرّد تكرار منهم لكلماتٍ الآخرين أو تصورًا لا أساس له – ولكنه كان استنتاجهم عن الرّبّ يسوع ممّا رأوه وسمعوه عن أفعاله. ومع أن استنتاجهم كان ظاهريًّا باسم العدالة وبدا للناس وكأنه راسخ الأساس، إلّا أن الغطرسة التي حكموا بها على الرّبّ يسوع كان يصعب احتوائها حتّى من جهتهم. لقد كشفت الحماسة المسعورة لكراهيتهم للرّبّ يسوع عن طموحاتهم الجامحة وأساريرهم الشيطانيّة الشريرة، وأيضًا طبيعتهم الحاقدة التي قاوموا بها الله. كانت هذه الأشياء التي قالوها في حكمهم على الرّبّ يسوع مدفوعةً بطموحاتهم الجامحة وحسدهم والطبيعة القبيحة الحاقدة لعدائهم تجاه الله والحقّ. لم يفحصوا مصدر أعمال الرّبّ يسوع ولم يفحصوا جوهر ما قاله أو فعله. ولكنهم في عماهم وفي حالة من نفاد الصبر المحموم وخبثهم المُتعمّد هاجموا ما صنعه وسفّهوه. وقد بلغ هذا حتّى درجة التسفيه عمدًا لروحه، أي الروح القدس، الذي هو روح الله. وهذا ما قصدوه عندما قالوا: "إِنَّهُ مُخْتَلٌّ! ... بَعْلَزَبُولَ... بِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ". وهذا يعني إنهم قالوا إن روح الله كان بعلزبول ورئيس الشياطين. وصفوا عمل روح الله المتجسد الذي لبس الجسد بأنه جنونٌ. لم يُجدّفوا على روح الله بأنه مثل بعلزبول ورئيس الشياطين فقط، ولكنهم أدانوا عمل الله وأدانوا الرّبّ يسوع المسيح وجدّفوا عليه. كان جوهر مقاومتهم لله وتجديفهم عليه هو نفسه تمامًا جوهر مقاومة الشيطان والأبالسة لله وتجديفهم عليه. لم يكونوا يُمثّلون بشرًا فاسدين فحسب، بل كانوا بالأكثر تجسيدًا للشيطان. كانوا قناةً للشيطان بين البشر، وكانوا شركاء الشيطان وخدمه. كان جوهر تجديفهم وتشويههم للرّبّ يسوع المسيح هو صراعهم مع الله من أجل المكانة، وخصامهم مع الله، واختبارهم الدائم لله. كان جوهر مقاومتهم لله، وموقفهم من العداء تجاهه، بالإضافة إلى كلماتهم وأفكارهم تُجدّف على روح الله مباشرةً وتُغضِبه. وهكذا، حدّد الله دينونةً معقولة بناءً على ما قالوه وفعلوه، وحدّد الله أن أعمالهم خطيّة تجديفٍ على الروح القدس. وهذه الخطيّة لا تُغفر في هذا العالم ولا في الآتي، كما تظهر في المقطع الكتابيّ التالي: "وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ" و"أَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي". دعونا نتحدّث اليوم عن المعنى الحقيقيّ لكلمات الله هذه: "فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي". أي، دعونا نبدّد غموض الطريقة التي يُحقّق بها الله هذه الكلمات: "فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي".
يرتبط كل ما تحدّثنا عنه بشخصيّة الله وموقفه تجاه الناس والأحداث والأشياء. وبطبيعة الحال، فإن المقطعين أعلاه ليسا استثناءً. هل لاحظتم أيّ شيءٍ في هذين المقطعين الكتابيّين؟ يقول بعض الناس إنهم يرون غضب الله فيهما. ويقول البعض إنهم يرون جانب شخصيّة الله الذي لا يتساهل مع إثم البشر، وإنه إذا ارتكب الناس تجديفيًّا ما ضدّ الله، فإنهم لن ينالوا غفرانه. مع حقيقة أن الناس يرون ويدركون غضب الله وعدم تساهله مع إثم البشر في هذين المقطعين، إلّا أنهم ما زالوا لا يفهمون موقفه حقًّا. يحتوي هذان المقطعان على إشارات خفية إلى موقف الله الحقيقيّ ونهجه تجاه أولئك الذين يُجدّفون عليه ويُغضِبونه. يحمل موقفه ونهجه المعنى الحقيقيّ للمقطع التالي: "وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لَا فِي هَذَا ٱلْعَالَمِ وَلَا فِي ٱلْآتِي". عندما يُجدّف الناس على الله، وعندما يُغضِبونه، فإنه يُصدِر حكمًا، وهذا الحكم هو حصيلة صادرة عنه. يصفه الكتاب المُقدّس بهذا الشكل: "لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ" (متى 12: 31)، و"لَكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلْكَتَبَةُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ ٱلْمُرَاؤُونَ!" (متى 23: 13). ومع ذلك، هل يُسجّل الكتاب المُقدّس عاقبة هؤلاء الكتبة والفريسيّين، وكذلك أولئك الذين قالوا إن الرّبّ يسوع كان مجنونًا بعد أن قال هذه الأشياء؟ هل يرد ما إذا كانوا قد عانوا من أيّ عقابٍ؟ لا – يمكن أن يُقال هذا يقينًا. وقول "لا" هنا ليس معناه أنه لم يُسجّل ولكن في الحقيقة أنه لم تكن توجد عاقبةٌ يمكن رؤيتها بالعين المُجرّدة. فالتعبير "لم يرد" هذا يُوضّح مسألةً موقف الله ومبادئه في التعامل مع أشياءٍ مُعيّنة. لا يتجاهل الله ولا يتغاضى عن الأشخاص الذين يُجدّفون عليه أو يقاومونه، أو حتّى أولئك الذين يسيئون إليه – أولئك الذين يهاجمونه عن قصدٍ ويسيئون إليه ويلعنونه – ولكن لديه موقفٌ واضح تجاههم. إنه يمقت هؤلاء الناس ويدينهم في قلبه. كما أنه حتّى يعلن صراحةً عاقبتهم، حتّى يعرف الناس أنه لديه موقفٌ واضح تجاه أولئك الذين يُجدّفون عليه، وحتّى يعرفوا كيف سيُحدّد عاقبتهم. ومع ذلك، بعد أن قال الله هذه الأشياء، كان الناس يرون بالكاد حقيقة كيفيّة تعامل الله مع أولئك الناس، وكانوا لا يفهمون المبادئ التي تستند عليها عاقبة الله وحكمه عليهم. وهذا يعني أن البشر لا يمكنهم أن يروا موقف الله وطرقه المحددة للتعامل معهم. وهذا يرتبط بمبادئ الله في صنع الأشياء. يستخدم الله حدوث الحقائق للتعامل مع السلوك الشرير لبعض الناس. وهذا يعني أنه لا يُعلِن خطيّتهم ولا يُحدّد عاقبتهم، ولكنه يستخدم مباشرةً حدوث الحقائق للسماح بمعاقبتهم ونيل جزائهم العادل. عندما تحدث هذه الحقائق، يعاني جسد الناس من العقاب؛ ما يعني أن العقاب يمكن رؤيته بالعين المُجرّدة. عند التعامل مع السلوك الشرير لبعض الناس، يلعنهم الله بالكلمات وينصبّ عليهم أيضًا غضب الله، ولكن العقاب الذي يتلقّونه قد يكون شيئًا لا يستطيع الناس رؤيته. لكن هذا النوع من العاقبة قد يكون أكثر خطورة من العواقب التي يمكن أن يراها الناس، كالعقاب أو التعرّض للقتل. يرجع السبب في ذلك إلى أنه في ظلّ الظروف التي قرّر الله فيها ألّا يُخلّص مثل هذا الشخص، ولا يعود يُظهِر له رحمته أو يتسامح معه ولا يُوفّر له المزيد من الفرص، فإن الموقف الذي يتّخذه تجاهه هو أن يتجاهله. ما معنى "يتجاهله" هنا؟ معنى هذا المصطلح في حدّ ذاته هو وضع الشيء جانبًا أي تجاهله وعدم الاهتمام به بعد ذلك. ولكن هنا، فإن الله عندما "يقصي شخصًا"، يوجد تفسيران مختلفان لمعناه: التفسير الأوّل هو أنه سلّم حياة ذلك الشخص وكلّ ما يخصّ ذلك الشخص إلى الشيطان ليتعامل معه، ولن يعود الله مسؤولاً ولن يعود يديره. سواء كان ذلك الشخص غاضبًا أو غبيًّا، وسواء كان حيًا أو ميتًا، أو سواء نزل إلى الجحيم للعقاب، فإن أي من هذا لن يتعلّق بالله. وهذا يعني أن ذلك المخلوق لن تكون له علاقةٌ بالخالق. والتفسير الثاني هو أن الله قرّر أنه بنفسه وبيديه يريد أن يفعل شيئًا مع هذا الشخص. من الممكن أن يستخدم خدمةً يُقدّمها ذلك الشخص، أو يستخدم مثل ذلك الشخص كشخصيّةٍ الضد. من المحتمل أن تكون لديه طريقةٌ خاصة للتعامل مع مثل هذا الشخص، أي طريقة خاصة لمعاملته، تمامًا مثل بولس على سبيل المثال. هذا هو مبدأ وموقف قلب الله الذين قرر من خلالهما التعامل مع مثل هذا الشخص. ولذلك عندما يقاوم الناس الله ويُشهّرون به ويُجدّفون عليه، وإذا أغضبوا شخصيّته، أو إذا استنفدوا صبر الله، فإن العواقب لا يمكن تصوّرها. العاقبة الأشدّ هي أن الله يُسلّم حياتهم وكلّ شيءٍ يخصّهم إلى الشيطان تسليمًا نهائيًّا. لن يُغفر لهم إلى الأبد. هذا يعني أن هذا الشخص أصبح لقمةً سائغة في فم الشيطان ولعبةً في يده، وأن الله منذ ذلك الحين لم تعد له علاقة به. هل يمكنكم تخيّل أيّ نوعٍ من البؤس كان عندما جرّب الشيطان أيُّوب؟ مع وجود الشرط الذي منع الشيطان من أن يمسّ حياة أيُّوب، إلّا أن أيُّوب عانى معاناة شديدة. وأليس من الأصعب تخيل الخراب الذي يُلحِقه الشيطان بالشخص الذي يُسلّم تسليمًا كاملاً للشيطان ويكون تمامًا في قبضة الشيطان ويكون قد فقد تمامًا رعاية الله ورحمته، ولا يعود تحت حكم الخالق، ويكون قد جُرّدّ من حقّه في عبادته ومن حقّه في أن يكون كائنًا مخلوقًا تحت حكم الله، وتكون علاقته برّبّ الخليقة قد انقطعت تمامًا؟ كان اضطهاد الشيطان لأيُّوب شيئًا يمكن رؤيته بالعين المُجرّدة، ولكن إذا سلّم الله حياة شخصٍ ما إلى الشيطان، فإن عاقبته ستكون شيئًا يفوق خيال الإنسان. على سبيل المثال، ربما يولد بعض الأشخاص من جديدٍ في صورة بقرةٍ أو حمارٍ، بينما تتملّك الأرواح الشريرة النجسة بعض الأشخاص وتسكنهم وهكذا. هذه هي نتيجة بعض من الناس الذين يُسلّمهم الله إلى الشيطان. يبدو من الظاهر أن هؤلاء الناس الذين سخروا من الرّبّ يسوع وأغضبوه وأدانوه وجدّفوا عليه لم يواجهوا أيّة عواقب. ومع ذلك، فالحقيقة هي أن الله له طريقة للتعامل مع كلّ شيءٍ. ربمّا لا يستخدم لغةً واضحة لإخبار الناس بكيفيّة تعامله مع كلّ نوعٍ من أنواع الأشخاص. وأحيانًا لا يتحدّث مباشرةً، لكنه يفعل الأشياء بطريقة مباشرة. أمّا أنه لا يتحدّث عن النتيجة فلا يعني أنه لا توجد نتيجة – فمن الممكن أن تكون النتيجة أكثر خطورة. من الظاهر، قد يبدو أن الله لا يتحدّث مع بعض الناس صراحةً عن موقفه؛ في الواقع، لم يرد الله أن يبالي بهم لفترةٍ طويلة. لا يريد رؤيتهم فيما بعد. وبسبب الأشياء التي عملوها، وسلوكهم، وبسبب جوهر طبيعتهم، فإن الله لا يريد سوى أن يختفوا من أمامه، ويريد أن يُسلّمهم تسليمًا مباشرًا إلى الشيطان، وأن يُسلّم روحهم ونفسهم وجسدهم للشيطان، وأن يسمح للشيطان بعمل كلّ ما يريد بهم. من الواضح إلى أيّ مدى يمقتهم الله، وإلى أي مدى يضجر منهم. إذا كان الشخص يُغضِب الله لدرجة أن الله لا يريد أن يراه مرّةً أخرى، وأنه يكون مستعدًا للتخلي عنه تمامًا، ولدرجة ألا يريد حتّى أن يتعامل معه بنفسه – إذا وصل الأمر إلى أن يُسلّمه إلى الشيطان لكي يفعل ما يريد، وأن يسمح للشيطان بأن يتحكّم فيه ويبتلعه ويعامله بأيّة طريقة يشاء – يكون هذا الشخص قد انتهى تمامًا. لقد أُبطِلَ تمامًا حقّه في أن يكون إنسانًا وانتهى حقه في أن يكون كائنًا مخلوقًا. أليست هذه أشد عقوبة؟
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 79
كلمات يسوع لتلاميذه بعد قيامته (فِقرة مُختارة)
(يوحنا 20: 26-29) "وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلَامِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَٱلْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي ٱلْوَسْطِ وَقَالَ: "سَلَامٌ لَكُمْ!". ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: "هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: "رَبِّي وَإِلَهِي!". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لِأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا".
(يوحنا 21: 16-17) "قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". قَالَ لَهُ: "نَعَمْ يَارَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ: "ٱرْعَ غَنَمِي". قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". فَحَزِنَ بُطْرُسُ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: "يَارَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "ٱرْعَ غَنَمِي".
تروي هذه المقاطع أشياء معينة فعلها الرّبّ يسوع وقالها لتلاميذه بعد قيامته. أوّلاً، دعونا نلقي نظرةً على أيّة اختلافاتٍ قد تكون في الرّبّ يسوع قبل القيامة وبعدها. هل كان لا يزال الرّبّ يسوع هو نفسه الذي كان في الأيّام الماضية؟ يحتوي الكتاب المُقدّس على السطر التالي الذي يصف الرّبّ يسوع بعد القيامة: "فَجَاءَ يَسُوعُ وَٱلْأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي ٱلْوَسْطِ وَقَالَ: "سَلَامٌ لَكُمْ!". من الواضح جدًّا أن الرّبّ يسوع في ذلك الوقت لم يعد يلبس جسدًا، بل أصبح الآن جسدًا روحانيًّا. وكان السبب في ذلك هو أنه تجاوز حدود الجسد، وبرغم أن الباب كان مغلقًا، كان لا يزال بإمكانه أن يأتي إلى وسط الناس ويسمح لهم برؤيته. وهذا هو الاختلاف الأكبر بين الرّبّ يسوع بعد القيامة والرّبّ يسوع المسيح الذي كان يعيش في الجسد قبل القيامة. على الرغم من عدم وجود اختلافٍ بين مظهر الجسد الروحانيّ في تلك اللحظة ومظهر الرّبّ يسوع قبل ذلك، فقد أصبح الرب يسوع في تلك اللحظة يبدو غريبًا للناس، لأنه أصبح جسدًا روحانيًّا بعد قيامته من بين الأموات، وبالمقارنة بجسده السابق، كان هذا الجسد الروحانيّ أكثر تحييرًا وإرباكًا للناس. كما تسبّب في اتساع المسافةٍ بين الرّبّ يسوع والناس، وشعر الناس في قلوبهم أن الرّبّ يسوع في تلك اللحظة أصبح أكثر غموضًا. وهذه المفاهيم والمشاعر لدى الناس أعادتهم فجأةً إلى عصر الإيمان بالله الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه. ولذلك، فإن أوّل شيءٍ فعله الرّبّ يسوع بعد قيامته هو سماحه للجميع برؤيته والتأكيد على وجوده والتأكيد على حقيقة قيامته. بالإضافة إلى ذلك، أعاد هذا العمل علاقته بالناس إلى ما كانت عليه عندما كان يعمل في الجسد، حين كان المسيح الذي استطاعوا رؤيته ولمسه. إحدى النتائج هي أن الناس لم يكن لديهم أدنى شكٍّ في أن الرّبّ يسوع قام من الموت بعد أن سُمّر على الصليب، ولم يكن لديهم شكٌّ كذلك في عمل الرّبّ يسوع لفداء البشريّة. والنتيجة الثانية هي أن حقيقة ظهور الرّبّ يسوع للناس بعد قيامته والسماح للناس برؤيته ولمسه أمنّت البشريّة تأمينًا قوّيًا في عصر النعمة، مما يضمن أنه من هذا الوقت فصاعدًا، لن يستطيع الناس العودة إلى العصر السابق، عصر الناموس، بناء على القاعدة المزعومة بـ"اختفاء" الرّبّ يسوع أو "مغادرته دون كلمة". وبالتالي تيقن من أن يواصلوا إلى الأمام تابعين تعاليم الرّبّ يسوع والعمل الذي أتمّه. وهكذا، فُتِحتْ رسميًا مرحلةٌ جديدة من العمل في عصر النعمة، ومنذ تلك اللحظة فصاعدًا، الناس الذين كانوا تحت الناموس خرجوا رسميًّا من الناموس منذ ذلك الحين ودخلوا في عهدٍ جديد ببدايةٍ جديدة. هذه هي المعاني المُتعدّدة لظهور الرّبّ يسوع للبشر بعد القيامة.
بما أن الرب يسوع كان يلبس الآن جسدًا روحانيًّا، كيف كان يمكن أن يلمسه الناس ويروه؟ يتعلّق هذا السؤال بأهميّة ظهور الرّبّ يسوع للبشر. هل لاحظتم أيّ شيءٍ في المقاطع الكتابية التي قرأناها توًا؟ عمومًا، لا يمكن رؤية الأجساد الروحيّة أو لمسها، وبعد القيامة، كان العمل الذي اضطلع به الرّبّ يسوع قد اكتمل بالفعل. ولذلك، من الناحية النظريّة، لم يكن بحاجةٍ على الإطلاق للعودة إلى وسط الناس في صورته الأصليّة كي يلتقي بهم، ولكن ظهور الرّبّ يسوع بجسده الروحانيّ لأشخاصٍ مثل توما جعل أهميّة ظهوره أكثر واقعيّة، بحيث اخترق قلوب الناس بعمقٍ أكبر. عندما جاء إلى توما الشكّاك سمح له بأن يلمس يده، وقال له: "وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". لم تكن هذه الكلمات وهذه الأعمال أشياءً أراد الرّبّ يسوع أن يقولها ويفعلها فقط بعد أن قام من الموت، لكنها كانت في الواقع أشياء أراد أن يقولها ويفعلها قبل أن يُسمّر على الصليب، لأن شكوك توما لم تبدأ حينها فقط، ولكنها كانت تساوره طوال الوقت لذي كان يتبع فيه الرب يسوع. من الواضح أن الرّبّ يسوع قبل أن يُسمّر على الصليب كان يفهم بالفعل أشخاصًا مثل توما. فما الذي يمكننا رؤيته من هذا إذًا؟ كان لا يزال الرّبّ يسوع نفسه بعد قيامته. لم يتغيّر جوهره. ولكنه كان الرّبّ يسوع الذي قام من الموت وعاد من العالم الروحيّ بصورته الأصليّة وبشخصيّته الأصليّة وفهمه للبشريّة من وقت وجوده في الجسد، ولذلك ذهب إلى توما أوّلاً وسمح له بأن يلمس جنبه ويسمح له ليس فقط بأن يرى جسده الروحانيّ بعد القيامة، بل بأن يجعل توما يلمس ويشعر بموضع جسده الروحانيّ، وبأن يُودّع شكوكه تمامًا. قبل أن يُسمّر الرّبّ يسوع على الصليب، كان توما يشكّ دائمًا في أنه المسيح، ولم يكن قادرًا على تصديق الأمر. لم يكن إيمانه بالله مُؤسّسًا سوى على ما يمكن أن يراه بعينيه وما يمكن أن يلمسه بيديه. كان الرّبّ يسوع يفهم جيّدًا إيمان مثل هؤلاء الأشخاص. كانوا لا يؤمنون سوى بالله في السماء ولا يؤمنون على الإطلاق أو يقبلون ذاك الذي أرسله الله أو المسيح في الجسد. ولكي يعترف توما ويؤمن بوجود الرّبّ يسوع وأنه كان حقًا الله المُتجسّد، فقد سمح له بأن يمدّ يده ويلمس جنبه. هل كان شكّ توما يختلف في أيّ شيءٍ قبل قيامة الرّبّ يسوع وبعدها؟ كان يشكّ دائمًا، ولولا الجسد الروحانيّ للرّبّ يسوع الذي ظهر له شخصيًّا وعن السماح لتوما بأن يلمس آثار المسامير على جسده، لم يستطع أحدٌ أن يحلّ شكوكه وأن يُخلّصه منها. ولذلك، منذ أن سمح الرّبّ يسوع لتوما بأن يلمس جنبه ويجعله يشعر حقًّا بوجود آثار المسامير، اختفى شكّ توما وعرف حقًّا أن الرّبّ يسوع قام من الموت، واعترف وآمن بأن الرّبّ يسوع كان هو المسيح الحقيقيّ والله المُتجسّد. ومع أن توما لم يعد يشكّ في ذلك الوقت، إلّا أنه فقد إلى الأبد فرصة الالتقاء بالمسيح. خسر إلى الأبد فرصة أن يكون معه ويتبعه ويعرفه. خسر فرصة أن يُكمّله المسيح. أتاح ظهور الرّبّ يسوع وكلماته نتيجة وحُكمًا على إيمان أولئك الذين كانت تملأهم الشكوك. استخدم كلماته وأفعاله العملية ليُخبِر المُتشكّكين ويُخبِر أولئك الذين لم يؤمنوا سوى بالله الذي في السماء ولكنهم لم يؤمنوا بالمسيح: لم يمدح الله إيمانهم كما أنه لم يمدحهم لاتّباعهم له بينما يشكون به. كان اليوم الذي آمنوا فيه تمامًا بالله وبالمسيح هو وحده اليوم الذي أكمل فيه الله عمله العظيم. وبالطبع، كان ذلك اليوم هو اليوم الذي صدر فيه حكمٌ على شكّهم. فموقفهم من المسيح حدّد مصيرهم، وكان شكّهم العنيد يعني أن إيمانهم لم ينتج لهم أيّة ثمار، وكانت قساوتهم تعني أن آمالهم دون جدوى. ولأن إيمانهم بالله في السماء كان يستند على الأوهام وشكّهم في المسيح كان في الواقع موقفهم الحقيقيّ تجاه الله، مع أنهم لمسوا آثار المسامير على جسد الرّبّ يسوع، كان إيمانهم لا يزال عديم الفائدة ولم يكن بالإمكان وصف عاقبتهم إلا بأنها تشبه اغتراف الماء بسلة من الخيزران – كلها بلا طائل. كان ما قاله الرّبّ يسوع لتوما طريقته الواضحة في إخبار كلّ شخصٍ: الرّبّ يسوع القائم هو الرّبّ يسوع الذي قضى ثلاث وثلاثين سنةً ونصف يعمل بين البشر. ومع أنه كان مُسمّرًا على الصليب واجتاز وادي ظلّ الموت وبرغم أنه اختبر القيامة، لم يخضع لأي تغيير في أيّ جانبٍ. ومع أن آثار المسامير كانت تبدو على جسده، ومع أنه قام وخرج من القبر، إلّا إن شخصيّته وفهمه للبشر ومقاصده للبشر لم تتغيّر على الإطلاق. إضافة إلى ذلك، كان يُخبِر الناس أنه نزل من على الصليب وانتصر على الخطية وقهر المصاعب. لم تكن آثار المسامير سوى دليل انتصاره على الشيطان، والدليل على أنه ذبيحة الخطيّة لفداء البشريّة جمعاء. كان يُخبِر الناس أنه أخذ على نفسه بالفعل خطايا البشريّة وأنه أكمل عمله الفدائي. وعندما عاد لرؤية تلاميذه أخبرهم بهذه الرسالة من خلال ظهوره: "ما زلت حيًّا، ما زلت موجودًا؛ اليوم أقف حقًّا أمامكم بحيث يمكنكم أن تروني وتلمسوني. سوف أكون معكم دائمًا". أراد الرّبّ يسوع أيضًا أن يستخدم قضية توما كتحذيرٍ للناس في المستقبل: فمع أنك لا يمكنك أن ترى الرب يسوع أو تلمسه في إيمانك به، فأنت مبارك بإيمانك الحقيقيّ ويمكنك أن ترى الرّبّ يسوع بإيمانك الحقيقيّ؛ ومثل هذا الإنسان مباركٌ.
هذه الكلمات المُسجّلة في الكتاب المُقدّس التي تكلّم بها الرّبّ يسوع عندما ظهر لتوما مساعدةٌ عظيمة لجميع الناس في عصر النعمة. فقد كان لظهوره وكلامه لتوما تأثيرٌ عميق على الأجيال التالية، إذ يمثلان أهميّة دائمة. يُمثّل توما أولئك الأشخاص الذين يؤمنون بالله ولكنهم يشكّون في الله. إنهم يحملون طبيعةً شكّاكة ولهم قلوبٌ شريرة وهم خائنون ولا يؤمنون بالأشياء التي يستطيع الله إنجازها. إنهم لا يؤمنون بكليّة قدرة الله وسيادته، ولا يؤمنون بالله المُتجسّد. ومع ذلك، كانت قيامة الرّبّ يسوع طعنة موجهة لصفاتهم، كما وفرّت لهم فرصةً لاكتشاف شكّهم والاعتراف بشكّهم والاعتراف بخيانتهم، ومن ثمّ الإيمان الحقيقيّ بوجود الرّبّ يسوع وقيامته. كان ما حدث مع توما تحذيرًا وإنذارًا للأجيال اللاحقة حتّى يتمكّن عددٌ أكبر من الناس من تحذير أنفسهم من أن يشكوا مثل توما، وإذا كان الشكّ يتملكّهم فسوف يغوصون في الظلام. إذا كنت تتبع الله ولكنك كنت مثل توما تريد دائمًا أن تلمس جنب الرّبّ وتشعر بآثار المسامير للتأكّد والتحقّق والتفكّر فيما إذا كان الله موجودًا أم لا، فإن الله سوف يتخلى عنك. ولذلك، يطلب الرّبّ يسوع من الناس ألّا يكونوا مثل توما، أي ألّا يؤمنوا سوى بما يمكنهم أن يروه بأعينهم، بل أن يكونوا أنقياء نزهاء، وألّا تساورهم شكوكٌ تجاه الله بل أن يؤمنوا به ويتبعوه وحسب. مثل هؤلاء الناس مباركون. هذا مطلبٌ بسيط جدًّا للرّبّ يسوع من الناس، وتحذيرٌ لأتباعه.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 80
كلمات يسوع لتلاميذه بعد قيامته (فِقرة مُختارة)
(يوحنا 21: 16-17) "قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". قَالَ لَهُ: "نَعَمْ يَارَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ: "ٱرْعَ غَنَمِي". قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". فَحَزِنَ بُطْرُسُ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: "يَارَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "ٱرْعَ غَنَمِي".
في هذه المحادثة سأل الرّبّ يسوع بطرس عن شيءٍ واحد مرارًا: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". هذا مستوى أعلى تطلّبه الرّبّ يسوع من أشخاصٍ مثل بطرس بعد قيامته، الناس الذين يؤمنون بالمسيح حقًّا ويسعون لمحبّة الرّبّ. كان هذا السؤال أشبه بتحقيقٍ واستجوابٍ، بل أكثر من ذلك، كان مطلبًا وتوقّعًا من أشخاصٍ مثل بطرس. استخدم الرب يسوع طريقة الاستجواب هذه حتى يتمكّن الناس من التأمّل والتفكر في أنفسهم وطرح السؤال: ما متطلّبات الرّبّ يسوع من الناس؟ هل أُحبّ الرّبّ؟ هل أنا شخصٌ يحبّ الله؟ كيف يجب أن أُحبّ الله؟ مع أن الرّبّ يسوع سأل بطرس وحده هذا السؤال، إلّا إن الحقيقة هي أنه في قلبه بسؤال بطرس هذه الأسئلة أراد أن يستغلّ هذه الفرصة ليطرح هذا السؤال نفسه على أناسٍ أكثر يسعون إلى محبّة الله. لم يكن الأمر سوى أن بطرس تبارك بأن يكون مُمثّلاً عن هذا النوع من الأشخاص وأن يتلقّى السؤال من فم الرّبّ يسوع نفسه.
بالمقارنة مع الكلمات التي قالها الرّبّ يسوع لتوما بعد قيامته: "وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا" فإن سؤاله لبطرس ثلاث مرّاتٍ: "يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟". يسمح للناس بأن يشعروا أكثر بصرامة موقف الرّبّ يسوع وبالإلحاح الذي كان يراوده أثناء السؤال شعورًا أفضل. أمّا بالنسبة لتوما الشكّاك بطبيعته الماكرة الخادعة، فقد سمح له الرّبّ يسوع بأن يمدّ يده ويلمس آثار المسامير في جسده، وقد جعله هذا يؤمن بأن الرّبّ يسوع كان ابن الإنسان القائم ويعترف بهويّة الرّبّ يسوع بأنه المسيح. ومع أن الرّبّ يسوع لم يُوبّخ توما بصرامةٍ، ولم يُعبّر عن أيّة دينونةٍ واضحه له، فقد أخبره أنه كان يفهمه من خلال الأفعال العمليّة، بينما كان أيضًا يُظهِر موقفه وتصميمه تجاه هذا النوع من الأشخاص. لا يمكن رؤية متطلّبات الرّبّ يسوع وتوقعاته من هذا النوع من الأشخاص ممّا قاله، فالناس مثل توما ليس لديهم ببساطةٍ ذرة من الإيمان الحقيقيّ. لم تصل متطلّبات الرّبّ يسوع منهم سوى إلى هذا، ولكن الموقف الذي أظهره تجاه أشخاصٍ مثل بطرس مختلفٌ تمامًا. لم يطلب من بطرس أن يمدّ يده ويلمس آثار المسامير، ولم يقل لبطرس: "وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا". ولكنه بدلاً من ذلك سأل بطرس السؤال نفسه مرارًا. كان السؤال مثيرًا للتفكير ومُعبّرًا لا يسعه سوى أن يؤدي بكلّ تابعٍ من أتباع المسيح إلى أن يشعر بالندم والخوف، ولكنه يكشف أيضًا عن مزاج الرّبّ يسوع المنزعج الحزين. وعندما يكونون في ألمٍ شديد ومعاناة، فهم أكثر قدرة على فهم اهتمام الرّب يسوع المسيح ورعايته؛ ويُدرِكون تعليمه الجاد ومتطلّباته الصارمة من الناس الأنقياء الصادقين. سؤال الرّبّ يسوع يسمح للناس بأن يشعروا أن توقّعات الرّبّ من الناس التي تنكشف في هذه الكلمات البسيطة ليست أن تؤمن به وتتبعه وحسب، بل أن تبلغ المحبّة وتحبّ ربّك وإلهك. هذا النوع من المحبّة ينطوي على الاهتمام والخضوع. ومعناه أن يعيش الناس من أجل الله ويموتوا من أجل الله ويُكرّسوا كلّ شيءٍ لله وينفقوا ويعطوا كلّ شيءٍ من أجل الله. هذا النوع من المحبّة أيضًا يمنح الله الراحة ممّا يجعله أن يُسرّ بالشهادة ويمنحه الراحة. إنه تعويض البشر لله ومسؤولية الإنسان وواجبه والتزامه، وهو طريقةٌ ينبغي أن يتبعها البشر طوال حياتهم. كانت هذه الأسئلة الثلاثة مطلبًا ونصحًا من الرّبّ يسوع لبطرس وجميع الناس الذين يريدون أن يكونوا كاملين. وقد كانت هذه الأسئلة الثلاثة هي التي قادت بطرس وحفّزته لإكمال طريقه في الحياة حتى النهاية، وكانت تلك الأسئلة عند فراق الرّبّ يسوع التي قادت بطرس ليبدأ طريق الكمال، والتي قادته، بفضل محبّته للرّبّ، للاهتمام بقلب الرّبّ، والخضوع للرب، وتقديم راحة للرّبّ، وتقديم حياته كلّها وكيانه كلّه بفضل هذه المحبّة.
خلال عصر النعمة، كان عمل الله أساسًا لنوعين من الناس. كان النوع الأوّل أولئك الأشخاص الذين كانوا يؤمنون به ويتبعونه ويمكنهم حفظ وصاياه وحمل الصليب ويمكنهم التمسّك بطريق عصر النعمة. كان هذا النوع من الأشخاص ينال بركة الله وينعم بنعمة الله. والنوع الثاني من الأشخاص كان مثل بطرس، وهو شخصٌ يمكن جعله كاملًا. ولذلك، بعد أن قام الرّبّ يسوع، عمل أوّلاً هذين الشيئين الأكثر أهمية. الأوّل مع توما والآخر مع بطرس. ماذا يُمثّل هذان الشيئان؟ هل يُمثّلان مقاصد الله الحقيقيّة لخلاص البشر؟ هل يُمثّلان أمانة الله مع البشر؟ كان العمل الذي عمله مع توما لتحذير الناس من أن يتشككوا ولكن أن يؤمنوا فحسب. وكان العمل الذي عمله مع بطرس هو لتعزيز إيمان الناس مثل بطرس وتوضيح متطلّباته من هذا النوع من الأشخاص، وإظهار الأهداف التي يجب عليهم السعي إليها.
بعد قيامة الرّبّ يسوع من الموت، ظهر للأشخاص الذين شعر بضرورة ظهوره لهم وتكلّم معهم وعرض عليهم متطلّباته، تاركًا وراءه نواياه للناس وتوقّعاته منهم. وهذا يعني أن اهتمام الله المُتجسّد بالبشرية ومتطلباته من الناس لم تتغير قط: فقد ظلت كما هي عندما كان في الجسد وعندما كان في الجسد الروحانيّ بعد أن سُمّر على الصليب وقام. كان يهتمّ بهؤلاء التلاميذ قبل صعوده على الصليب؛ وفي قلبه كان واضحًا بخصوص حالة كلّ فردٍ وكان يفهم نقائص كلّ شخصٍ، وبالطبع كان فهمه لكلّ شخصٍ بعد أن مات وقام وصار جسدًا روحانيًّا هو الفهم نفسه كما كان عندما كان في الجسد. كان يعلم أن الناس لم يكونوا مُتأكّدين تمامًا من هويّته بصفته المسيح، ولكن خلال وقت تجسّده لم يكن يطالب الناس بمطالب صارمة. ولكن بعد أن قام ظهر لهم وجعلهم على يقينٍ تامّ بأن الرّبّ يسوع جاء من عند الله وأنه كان الله المُتجسّد، واستخدم حقيقة ظهوره وقيامته كأكبر رؤيةٍ وحافز لمسعى البشريّة المستمرّ مدى الحياة. وقيامته من الموت لم تُقوِّ فحسب جميع الذين تبعوه، ولكنها أيضًا نفذت تمامًا عمله في عصر النعمة بين البشر، وهكذا انتشر إنجيل خلاص الرّبّ يسوع في عصر النعمة تدريجيًّا إلى كلّ ركنٍ من أركان البشرية. هل يمكنك القول إن ظهور الرّبّ يسوع بعد قيامته كانت له أيّة أهميّةٍ؟ إذا كنت توما أو بطرس في ذلك الوقت وواجهت هذا الشيء الوحيد في حياتك الذي كان يحمل معنى، فما نوع تأثيره عليك؟ هل كنت سترى أن هذا أفضل وأعظم رؤيةٍ لحياتك في الإيمان بالله؟ هل كنت سترى هذا كقوّةٍ دافعة لاتّباعك الله وجهادك لإرضائه وسعيك إلى محبّة الله في حياتك؟ هل كنت ستبذل مجهودًا مدى الحياة لنشر أعظم الرؤى هذه؟ هل كنت ستقبل نشر خلاص الرّبّ يسوع كتكليف من الله؟ مع أنكم لم تختبروا هذا، إلّا إن مثلي توما وبطرس كافيان بالفعل ليكون لدى الناس في الزمان الحاضر فهمٌ واضح لله ولمشيئته. يمكن القول إنه بعد أن صار الله جسدًا، وبعد أن اختبر الحياة بين البشر واختبر بنفسه الحياة البشريّة، وبعد أن رأى فساد البشر وحالة الحياة البشريّة في ذلك الوقت، شعر الله في الجسد بمدى عجز البشر وحزنهم وبؤسهم ومدعاتهم للشفقة بشكل أعمق. اكتسب الله بينما كان يعيش في الجسد تعاطفًا أكثر مع الحالة البشرية بسبب طبيعيته البشرية، وبسبب غرائزه الجسدية. وقد دفعه هذا ليحمل المزيد من الاهتمام بأتباعه. ربّما تكون هذه أشياءٌ لا يمكنكم فهمها، ولكن يمكنني أن أصف اهتمام الله ورعايته في الجسد لكلّ واحدٍ من أتباعه باستخدام هاتين الكلمتين: "الاهتمام الشديد". مع أن هذا المصطلح يأتي من اللغة البشريّة، ومع أنه بشري جدًّا، إلّا أنه يُعبّر حقًّا عن مشاعر الله تجاه أتباعه ويصفها. أمّا من جهة اهتمام الله الشديد بالبشر، فسوف تشعرون بالتدريج على مدار اختباراتكم بهذا الشعور وتذوقونه. ومع ذلك، لا يمكنكم تحقيق ذلك إلّا من خلال الفهم التدريجيّ لشخصيّة الله على أساس السعي لحدوث تغييرٍ في شخصيّتكم. عند ظهور الرّبّ يسوع أدى ذلك إلى بلورة اهتمامه الشديد بأتباعه في البشريّة ونقله إلى جسده الروحانيّ، أو يمكنكم القول إنه نقله إلى لاهوته. كما أن ظهوره سمح للناس بأن يكون لديهم اختبارٌ وشعورٌ آخر باهتمام الله ورعايته مع الإثبات الدامغ بأن الله هو مَنْ يفتح عصرًا ويُطوّر عصرًا وينهي عصرًا. بظهوره شدّد إيمان جميع الناس، وأثبت للعالم حقيقة أنه الله نفسه. وقد قدّم هذا لأتباعه تأكيدًا أبديًّا، وبظهوره أطلق أيضًا مرحلةً من عمله في العصر الجديد.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 81
يسوع يأكل خبزًا ويشرح الكتب بعد قيامته
(لوقا 24: 30-32) "فَلَمَّا ٱتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ ٱخْتَفَى عَنْهُمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: "أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي ٱلطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا ٱلْكُتُبَ؟".
التلاميذ يُقدّمون ليسوع سمكًا مشويًّا للأكل
(لوقا 24: 36-43) "وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: "سَلَامٌ لَكُمْ!". فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ: "مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَٱنْظُرُوا، فَإِنَّ ٱلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي". وَحِينَ قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ ٱلْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ: "أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟". فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ".
بعد ذلك سوف نلقي نظرةً على مقاطع الكتاب المُقدّس أعلاه. المقطع الأوّل سردٌ للرّبّ يسوع وهو يأكل الخبز ويشرح الكتب بعد قيامته، والمقطع الثاني سردٌ للرّبّ يسوع وهو يأكل سمكة مشوية. كيف يساعدك هذان المقطعان على معرفة شخصيّة الله؟ هل يمكنكم أن تتصوّروا نوع الصورة التي تحصلون عليها من هذه الأوصاف للرّبّ يسوع وهو يأكل الخبز ثم سمكة مشويّة؟ هل يمكنكم أن تتصوّروا شعوركم إذا كان الرّبّ يسوع واقفًا أمامكم يأكل الخبز؟ أو إذا كان يأكل على المائدة نفسها معكم، أو يأكل السمك والخبز مع الناس، ما نوع الشعور الذي يكون لديك في تلك اللحظة؟ إذا شعرت أنك قريبٌ جدًّا من الرّبّ، وأنه قريبٌ جدًّا منك، فهذا الشعور حقيقيّ. هذه بالضبط النتيجة التي أراد الرّبّ يسوع أن يُنتِجها من أكل الخبز والسمك أمام الناس المجتمعين بعد قيامته. إذا كان الرّبّ يسوع قد تكلّم وحسب مع الناس بعد قيامته، وإذا لم يتمكّنوا من لمس لحمه وعظامه، بل شعروا أنه روحٌ لا يمكن الوصول إليه، فكيف كانوا سيشعرون؟ ألم يكن ليخيب أملهم؟ وعندما يشعر الناس بخيبة الأمل، ألم يكونوا ليشعروا بأنهم مُهمَلون؟ ألم يكونوا ليشعروا بأن مسافةً تفصلهم عن الرّبّ يسوع المسيح؟ ما نوع التأثير السلبيّ الذي قد تُسبّبه هذه المسافة على علاقة الناس بالله؟ من المُؤكّد أن الناس كانوا سيشعرون بالخوف وعدم الجرأة على الاقتراب منه ومن ثم سيكون لديهم موقفٌ يجعلهم يضعونه على بُعد مسافةٍ كبيرة منهم. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، كانوا سيقطعون علاقتهم القريبة مع الرّبّ يسوع المسيح ويعودون إلى العلاقة بين البشر والله الذي في السماء كما كان الأمر قبل عصر النعمة. فالجسد الروحانيّ الذي لم يستطيع الناس لمسه أو الشعور به كان سيُؤدّي إلى القضاء على علاقتهم القريبة مع الله، كما أنه كان سيوقف تلك العلاقة القريبة التي تأسّست خلال زمان الرّبّ يسوع المسيح في الجسد والتي كانت تتّسم بعدم وجود مسافة بينه وبين البشر. الأشياء الوحيدة التي تحركت في الناس بواسطة الجسد الروحانيّ لم تكن سوى الخوف والتجنّب والتحديق الخالي من كلماتٍ. ما كانوا ليجسرون على الاقتراب أو الحوار معه، فضلاً عن اتّباعه أو الثقة فيه أو تبجيله. لم يرد الله رؤية هذا النوع من الإحساس الذي يكنه له البشر. لم يرد أن يرى الناس يتجنّبوه أو يبتعدوا عنه؛ ولكنه أراد وحسب أن يفهمه الناس ويقتربوا منه ويكونوا عائلته. إذا رآك أفراد عائلتك وأطفالك ولم يتعرّفوا عليك ولم يجسروا على الاقتراب منك بل كانوا يتجنّبونك دائمًا، وإذا لم تتمكّن من معرفة فهمهم لكلّ ما عملته لهم، فكيف ستشعر إزاء ذلك؟ ألن يكون ذلك مؤلمًا؟ ألن تكون منفطر الفؤاد؟ هذا بالضبط ما يشعر به الله عندما يتجنّبه الناس. وهكذا، بعد قيامة الرّبّ يسوع كان لا يزال يظهر للناس في هيئه لحمه ودمه، وكان يأكل معهم ويشرب. يرى الله الناس كعائلةٍ ويريد أن يراه البشر على أنه الأقرب لهم؛ وبهذه الطريقة فقط يستطيع الله حقًّا أن يربح الناس وبهذه الطريقة فقط يمكن للناس حقًّا أن يحبوّا الله ويعبدوه. هل يمكنكم الآن أن تفهموا مقصدي من استخراج هذين المقطعين من الكتاب المُقدّس حيث يأكل الرّبّ يسوع الخبز ويشرح الكتب بعد قيامته، وحيث قدّم له التلاميذ سمكة مشوية ليأكل؟
يمكن القول بأن سلسلة الأشياء التي قالها الرّبّ يسوع وفعلها بعد قيامته خضعت لتفكير عميق. كانت تفيض باللطف والمودّة اللذين حملهما الله تجاه البشر، وكانت تفيض أيضًا بالمحبة والرعاية الدقيقة اللذين كانا لديه للعلاقة القريبة التي أقامها مع الإنسان خلال وقته في الجسد. بالإضافة إلى ذلك، كانت تفيض بالحنين والشوق اللذين شعر بهما لحياته في الأكل والعيش مع أتباعه خلال وقته في الجسد. ولذلك، لم يرد الله أن يشعر الناس بمسافةٍ بين الله والإنسان، ولم يرد للبشر أن يبعدوا أنفسهم عن الله. والأكثر من ذلك، لم يرد أن يشعر البشر بأن الرّبّ يسوع بعد قيامته لم يعد الرّبّ الذي كان قريبًا جدًا من الناس، وأنه لم يعد مع البشر لأنه عاد إلى العالم الروحيّ أي عاد إلى الآب الذي لم يتمكّن البشر مطلقًا من رؤيته أو الوصول إليه. لم يرد أن يشعر الناس بحدوث أي اختلافٍ في المكانة بينه وبين البشر. عندما يرى الله الناس الذين يريدون أن يتبعوه ولكنهم يضعونه على بُعد مسافةٍ كبيرة، يشعر قلبه بالألم لأن ذلك يعني أن قلوبهم بعيدةٌ جدًّا عنه وأنه سيكون من الصعب جدًّا عليه أن يكسب قلوبهم. ومن ثمّ، إذا كان قد ظهر للناس في جسدٍ روحانيّ لا يمكنهم رؤيته أو لمسه، فقد كان هذا سيبعد الإنسان مرّةً أخرى عن الله، وكان سيدفع البشر للاعتقاد عن طريق الخطأ بأن المسيح بعد قيامته أصبح متعاظمًا ومن نوعٍ يختلف عن البشر وشخصًا لم يعد بإمكانه مشاركة البشر وتناول الطعام معهم لأن البشر خطاةٌ ودنسون ولا يمكنهم الاقتراب إلى الله. من أجل إزالة سوء الفهم عند البشر، عمل الرّبّ يسوع عددًا من الأشياء التي كان يعملها في الجسد، كما هو مُسجّلٌ في الكتاب المُقدّس: "أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا". وكذلك شرح لهم الكتب كما اعتاد أن يفعل في الماضي. وقد جعلت كلّ هذه الأشياء التي عملها الرّبّ يسوع كلّ من رآه يشعر أن الرّبّ لم يتغيّر وأنه كان لا يزال الرّبّ يسوع نفسه. ومع أنه كان مُسمّرًا على الصليب وجاز الموت، إلّا أنه قام ولم يترك البشر. عاد ليكون بين البشر ولم يتغيّر أيّ شيءٍ فيه. كان ابن الإنسان الواقف أمام الناس لا يزال هو نفسه الرّبّ يسوع. كان تصرّفه وطريقة حديثه مع الناس مألوفين للغاية. كان لا يزال مفعمًا بالمحبّة والنعمة والتسامح – كان لا يزال الرّبّ يسوع نفسه الذي أحبّ الآخرين مثلما أحبّ نفسه، والذي كان بإمكانه أن يغفر للبشر سبعين مرّةٍ سبع مرّاتٍ. وكما اعتاد دائمًا، كان يأكل مع الناس ويناقش معهم الكتب، والأهمّ من ذلك، ومثلما كان الأمر من قبل، كان مصنوعًا من لحمٍ ودم وكان يمكن لمسه ورؤيته. سمح ابن الإنسان للناس بالشعور بالقرب وبالراحة وبفرحة استعادة شيءٍ مفقود، وشعروا أيضًا بالراحة الكافية ليبدأوا بشجاعةٍ وثقة في الاعتماد على ابن الإنسان هذا الذي يمكنه أن يغفر للبشر خطاياهم والتطلّع إليه. بدأوا أيضًا في الصلاة باسم الرّبّ يسوع دون أدنى تردّدٍ، وفي الصلاة لنيل نعمته وبركته، وللحصول على السلام والفرح منه، وعلى الرعاية والحماية منه، وبدأوا في شفاء المرضى وإخراج الشياطين باسم الرّبّ يسوع.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)
كلمات الله اليومية اقتباس 82
خلال وقت عمل الرّبّ يسوع في الجسد، لم يتمكّن معظم أتباعه من التحقّق من هويّته والأشياء التي قالها. وعندما كان يقترب من الصليب كان موقف أتباعه موقف ترقب. ومنذ وقت أن كان مُسمّرًا على الصليب لحين وضعه في القبر، كان موقف الناس تجاهه موقف خيبة أملٍ. خلال هذا الوقت، كان الناس قد بدؤوا بالفعل بالانتقال في قلوبهم من الشكّ في الأشياء التي قالها الرّبّ يسوع خلال وقته في الجسد إلى إنكارها برمتها. وعندما خرج من القبر وظهر للناس واحدًا تلو الآخر، فإن غالبيّة الناس الذين رأوه بعيونهم أو سمعوا بخبر قيامته تحوّل موقفهم بالتدريج من الإنكار إلى التشكّك. لم يتقبّلوا حقًّا حقيقة أن الرّبّ يسوع هو المسيح في الجسد إلّا في الوقت الذي طلب فيه الرّبّ يسوع من توما أن يضع يده في جنبه، وفي الوقت الذي كسر فيه الرّبّ يسوع الخبز وأكله أمام الجموع بعد قيامته، وأتبعه بأكل سمكًا مشويًّا أمامهم. يمكنكم القول إنه كما لو كان هذا الجسد الروحانيّ من لحم ودم يقف أمام أولئك الناس وكان يُوقِظ كلّ واحدٍ منهم من حلم: ابن الإنسان الواقف أمامهم كان الشخص الذي كان موجودًا منذ الأزل. كانت له هيئة ولحم وعظام وكان قد عاش بالفعل وأكل مع البشر لفترةٍ طويلة...شعر الناس في هذا الوقت أن وجوده كان حقيقيًّا للغاية ورائعًا للغاية. في الوقت ذاته كانوا أيضًا فرحين وسعداء وتغمرهم العواطف. وقد سمح ظهوره من جديدٍ للناس بأن يروا تواضعه حقًّا ويشعروا بقربه من البشر وتعلّقه بهم، وأن يشعروا إلى أي مدى كان يفكر بهم. وهذا الوصال القصير جعل الناس الذين رأوا الرّبّ يسوع يشعرون كما لو أن دهرًا قد مرّ. فقلوبهم الضائعة والمرتبكة والخائفة والقلقة والتوّاقة وفاقدة الحسّ وجدت الراحة. ولم يعودوا متشكّكين أو خائبي الأمل، لأنهم شعروا أنه يوجد الآن رجاءٌ وشيءٌ يمكن الاعتماد عليه. فابن الإنسان الواقف حينئذ أمامهم سوف يكون حارسهم الخلفي طوال الوقت؛ وسوف يكون برجهم الحصين، وملجأهم إلى الأبد.
مع أن الرّبّ يسوع قام من الموت، إلّا إن قلبه وعمله لم يتركا البشر. أخبر الناس بظهوره لهم أنه بغضّ النظر عن الهيئة التي كان موجودًا بها فإنه كان يرافق الناس ويمشي معهم ويكون معهم في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن. أخبرهم أنه في جميع الأوقات وفي جميع الأماكن سيعول البشر ويرعاهم، ويسمح لهم برؤيته ولمسه، ويتأكّد من أنهم لن يشعروا بالبؤس أبدًا. أراد الرّبّ يسوع أيضًا أن يعرف الناس أنهم لا يعيشون وحدهم في هذا العالم. فالبشر يرعاهم الله والله معهم. الناس يمكنهم دائمًا الاعتماد على الله؛ فهو عائلة كلّ واحدٍ من أتباعه. وبوجود الله الذي يمكن أن يعتمد عليه البشر، لن يكونوا وحيدين أو عاجزين، وأولئك الذين يقبلونه باعتباره ذبيحةً عن خطاياهم لن تربطهم الخطيّة مرّةً أخرى. من وجهة نظر البشر، كانت أجزاء العمل هذه التي صنعها الرّبّ يسوع بعد قيامته أشياء صغيرة للغاية، ولكن من منظوري، كلّ شيءٍ فعله له معنى كبير وقيمة هائلة، كما أنها كانت جميعها في غاية الأهميّة والتأثير.
مع أن وقت عمل الرّبّ يسوع في الجسد كان مملوءًا بالمصاعب والمعاناة، إلّا أنه أنجز عمله إنجازًا تامًّا ومثاليًّا في ذلك الوقت في الجسد لفداء البشر من خلال ظهوره في جسده الروحانيّ من لحمٍ ودم. بدأ خدمته بأن صار جسدًا واختتم خدمته بأن ظهر للبشر في هيئته الجسديّة. أعلن عن عصر النعمة وبدأ العصر الجديد من خلال هويّته باعتباره المسيح. ومن خلال هويّته باعتباره المسيح أجرى العمل في عصر النعمة وقوّى جميع أتباعه في عصر النعمة وقادهم. يمكن القول عن عمل الله إنه ينهي حقًّا ما يبدأه. توجد خطواتٌ وخطّة، والعمل مملوء بحكمة الله وكليّة قدرته وأعماله الرائعة ومحبته ورحمته. وبالطبع، فإن العنصر الرئيسيّ الذي يُشكّل عمل الله بأكمله هو رعايته للبشر؛ فهو نافذٌ مع مشاعر اهتمامه لدرجة أنه لا يمكنه أن يضعه جانبًا. في هذه الآيات من الكتاب المُقدّس، في كلّ شيءٍ فعله الرّبّ يسوع بعد قيامته، كان ما انكشف هو آمال الله غير المتغيّرة واهتمامه بالبشر، بالإضافة إلى رعاية الله الدقيقة وعنايته بالبشر. لم يتغيّر شيءٌ من ذلك إلى يومنا هذا – هل يمكنكم رؤية هذا؟ عندما ترون هذا، ألا تقترب قلوبكم من الله دون وعي؟ إذا عشتم في ذلك العصر وظهر لكم الرّبّ يسوع بعد قيامته في شكلٍ ملموس يمكنكم أن تروه، وإذا جلس أمامكم وأكل الخبز والسمك وشرح لكم الكتب المقدسة وتكلّم معكم، فكيف كنتم ستشعرون؟ هل كنتم ستشعرون بالسعادة؟ أم تشعرون بالذنب؟ ألم تكن لتختفي جميعُ مظاهر سوء الفهم السابقة عن الله وتجنّب الله والصراعات مع الله والشكوك في الله؟ ألم تكن لتصبح العلاقة بين الله والإنسان أكثر طبيعية وملائمة؟
من خلال تفسير هذه الأصحاحات المحدودة من الكتاب المُقدّس، هل تجدون أيّة نقائص في شخصيّة الله؟ هل تجدون أيّ غشٍّ في محبّة الله؟ هل ترون أيّ خداعٍ أو شرٍّ في كليّة قدرة الله أو كليّة حكمته؟ كلا بالتأكيد! هل يمكنكم الآن القول على وجه اليقين إن الله قدوسٌ؟ هل يمكنكم القول على وجه اليقين إن مشاعر الله تكشف عن جوهره وشخصيّته؟ آمل بعد أن قرأتم هذه الكلمات أن يساعدكم ما فهمتموه ويُقدّم لكم الإفادة في سعيكم إلى تغيير الشخصيّة واتّقاء الله، وأن تؤتي ثمارًا لكم تنمو يومًا بعد يومٍ، ومن ثمّ تُقرّبكم أكثر فأكثر إلى الله في سياق هذا السعي، وتُقرّبكم أكثر فأكثر إلى المقياس الذي يطلبه الله. لن تعودوا تنفروا من السعي إلى الحقّ ولا تعودون تشعرون بأن السعي في طريق الحقّ والتغيير في الشخصيّة شيءٌ مزعج أو زائد عن الحاجة. ولكن التعبير عن شخصيّة الله الحقيقيّة وجوهر الله القدوس هو بالأحرى الذي يُحفّزكم على أن تشتاقوا إلى النور وتشتاقوا للعدل وتتطلّعوا إلى السعي إلى الحقّ وتسعوا إلى إرضاء مشيئة الله، وستصيرون أشخاصًا ربحهم الله وتصيرون أشخاصًا حقيقيّين.
– الكلمة، ج. 2. حول معرفة الله. عمل الله، وشخصيّة الله، والله ذاته (3)