30. محبة الله موجودة معي خلال الضيقة

بقلم لي لينغ، مقاطعة هينان

اسمي لي لينغ وقد بلغت السادسة والسبعين من عمري في هذا العام. في عام 1978، آمنتُ بالرب يسوع بعد مرضي، وخلال تلك الفترة تلقيت الكثير من نعمته. لقد ألهمني هذا حقًا العمل بحماس من أجل الرب، فذهبت إلى كل مكان لألقي العظات وأتشارك الإنجيل بالإضافة إلى استضافة إخوتي وأخواتي في منزلي. نَمَت كنيستنا بسرعة كبيرة لِتضُمَّ جماعة مؤمنين يزيدُ عددهم عن ألفيّ شخص، وكنتيجة لذلك، بدأت حكومة الحزب الشيوعي الصيني باضطهادنا بعد فترة وجيزة. جاء رجال الشرطة وفتشوا منزلي عدة مرات في محاولة لمنعي من ممارسة إيماني ونشر الإنجيل، وفي كل مرة يأتون فيها، كانوا يأخذون أيَّ شيء ذي قيمة وأيَّ شيء يمكن حَمْلُهُ – حتى المصابيح. والأكثر من ذلك أن ضباط مكتب الأمن العام (بي إس بي) ألقوا القبضَ عليَّ واعتقلوني أكثر من عشر مرات. قبلت عمل الله القدير في الأيام الأخيرة في عام 1996، وبعد ذلك بعامين عانيتُ مرة أخرى الاعتقال والاضطهاد من حكومة الحزب الشيوعي الصيني لي، ولكنه كان أكثر جنونًا في تلك المرة، فقد اختبرت بشكل مباشر مدى صعوبة أن يؤمن المرء بالله في بلد مُلحِدٍ كالصين. وعلى الرَّغم من كُلِّ تلك الصعوبات، كنت لا أزال أشعر بخلاص الله ومحبته لي.

في منتصف ليلة أحد أيام شهر أيار - مايو في عام 1998، وبعد الساعة الثانية صباحًا بقليل، استيقظتُ من نومي العميق مفزوعةً على صوت طرقِ أحدهم على بابي. لم أتمكَّن من السيطرة على شعوري بالتوتر وفكرت قائلة لنفسي: "قد تكون الشرطة! لديَّ خمسة إخوة وأخوات جاءوا من خارج المدينة لنشر الإنجيل. كيف يمكنني حمايتهم؟" وأُصبتُ بالذعر. وقبل أن أتمكن من الوصول إلى الباب، ركلَهُ رجال الشرطة فانفَتح مُحدِثًا صوتًا عاليًا. واقتحم رئيس قسم الأمن السياسي في مكتب الأمن العام (بي إس بي) وفي يده بندقية وبصحبته أكثر من عشرة من ضباط الشرطة الذين يحملون العُصيَّ الكهربائية المكان بعنف. وبمجرد عبور أحد الضباط العتبة اتَّجهَ نحوي وركلَنِي بشراسة وهو يصرخ قائلاً: "ماذا بحق الجحيم؟ لقد اعتُقِلتِ عدة مرات، لكنك مع ذلك تمتلكين الوقاحة لتؤمني بالله! تذكري كلامي، سأحرص على أن أجعلكِ تخسرينَ كُلَّ ما لديك وعلى أن تُدمَّر عائلتك!" بدأ الضباط الأشرار بالصراخ في غرف النوم. "الشرطة، استيقظوا الآن!" وقاموا بتقييد كل اثنين مِنَّا معًا حتى دون انتظار الإخوة والأخوات الآخرين ليرتدوا ملابسهم، وفتشونا، وأخذوا أيضًا خاتمًا كنت ألبسه. ثم بدأوا في نهب المكان بأكمله، والدخول حتى إلى مخزن الدقيق ونثره كُلِّه على الأرض. لقد رموا الأشياء على كُلِّ الأرض. وفي النهاية نقلوا أحد عشر مُسجلاً للأشرطة، وجهاز تلفاز، ومروحة، وآلة كاتبة، وأكثر من مئتي كتاب يحوي كلام الله. حتى إنهم فتحوا أدراج ابني وسرقوا أكثر من ألف يوان هي راتبهُ الذي كان قد استلمه للتوِّ. وبينما كان أولئك الضباط العشرة تقريبًا على وشك أن يأخذونا جميعًا إلى مركز الشرطة، عاد ابني إلى المنزل قادمًا من عمله. وبمجرد أن رأى أن راتبه قد سُرق ركض باتجاه الضباط وطلب منهم إعادة أمواله. فقال أحد الضباط بِمَكْر: "سوف نتحقق من ذلك في المركز، وإذا كانت النقود لك فسوف نعيدها إليك". لكن بدلاً من ذلك، جاءوا ذلك المساء لاعتقال ابني بتهمة "عرقلة العمل الرسمي". ولحسن الحظ كان قد اختبأ، وإلا لكان قد قُبِضَ عليه أيضًا.

أخذت الشرطة الكتب والأشياء الأخرى المُصادَرَة إلى المركز، ثم أبقتنا نحن الستة جميعًا محتَجَزينَ بشكل منفصل في مكتب الأمن العام في المقاطعة خلال الليل. أثناء وجودي هناك، لم أجد مكانًا هادئًا لفترة طويلة من الزمن. عدت بتفكيري إلى حادثة اعتقالي في عام 1987؛ لقد تعرضت للإيذاء الجسدي واللفظي من قبل الشرطة وعُذِّبتُ فعليًّا حتى الموت. كما رأيت بأم عينيَّ شابًّا في العشرينات من عمره قد تعرض للضرب حتى الموت على أيدي رجال الشرطة في أقل من ساعتين، وقالت امرأة إنها تعرضت للاغتصاب على أيدي ضابطَين اثنين بالتناوب خلال الاستجواب. كان الضباط يضعون الناس على كراسي النمر، ويُحرقونهم بمِكواة لِحام، ويصعقونهم بوضع العِصِيِّ الكهربائية على ألسنتهم حتى لا يبقى فيها دم. لقد استخدموا كُلَّ أنواع الطرق الوحشية والشنيعة لتعذيب الناس – إنه انتهاك مطلق. وخلال اعتقالي لعشر مرات تقريبًا، شاهدت واختبرتُ شخصيًّا هذا التعذيب القاسي والوحشي الذي كان يقوم به رجال الشرطة؛ فهم قادرون على ارتكاب أي فظائع. ومرة أخرى فإن وجودي على "بوابة الجحيم" هذه وسماعي لرجال الشرطة وهم يقولون إن "جلدي سيُسلخ وأنا حيّة" جعلني أرتعب. لقد أخذوا الكثير من الأشياء من منزلي في ذلك اليوم وألقوا القبض أيضًا على عدد من الإخوة والأخوات. كان من المستحيل أن يتركوني بسهولة. ولذلك صليت لله في قلبي قائلة: "يا إلهي! أعرف أننا وقعنا في أيدي الشرطة اليوم بإذنٍ منك. أنا أشعر بالضعف الشديد لأنهم جميعًا شياطين تفتقر تمامًا إلى أي إنسانية، لذا أتوسل إليك أن تمنحني الشجاعة والحكمة، وأن تزودني بالكلمات الصحيحة لأقولها. أنا على استعداد للتمسك بالشهادة لك – وبالتأكيد لن أكون يهوذا وأخونك! والأكثر من ذلك، أتمنى أن تحمي الآخرين الذين اعتُقلوا حتى يتمكنوا من الصمود بثباتٍ في هذا الموقف. يا الله، أنت ملك الكون بأسره، وجميع الأحداث وكُلُّ الأشياء تخضع لِحُكمِكَ وترتيباتك. أنا أؤمن إيمانًا راسخًا بأنني ما دمت قادرة على الاعتماد عليكَ بصدق، فبالتأكيد ستقودنا إلى التغلب على تأثير ظلمة الشيطان." لقد زوَّدني الله بالاستنارة بينما كنت أصلي حيث جعل هذه الكلمات تخطر ببالي: "لقد ظهرت بالفعل حياة المسيح السامية، ولا يوجد ما تخشاه. الشيطان تحت أقدامنا ووقته بات محدودًا. ... أخلص لي فوق كل ما عداي، وتحرك إلى الأمام بشجاعة؛ فأنا صخرتك القوية، اعتمد عليَّ!" (من "الفصل العاشر" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد" بتصرف‎‎). لقد ملأتني كلمات الله بالإيمان. هذا صحيح، الله قدير، والشيطان سيُهزَمُ دائمًا على يد الله. ودون إذن الله، لا يُمكِنُهُ أن يمَسَّ شعرة من شعر رأسي. فكرتُ في كيفية اعتقالي عدة مرات من قبل حكومة الحزب الشيوعي الصيني منذ أن آمنت، ألم أتغلب على تلك التحديات مرة تلو الأخرى في ظلِّ حماية الله؟ لقد فكرت أيضًا في النبي دانيال، وكيف طوَّقهُ الأشرار هو وثلاثة من أصدقائه ثم ألقُوا بهم في عرين الأسود وأُحرِقوا في فرن مشتعل، وكل ذلك لأنهم أيَّدوا اسم يهوه وعبدوا الله يهوه. ومع ذلك، تمتعوا بحماية الله وبقوا سالمين. من خلال التفكير في كُلِّ هذا، تدفق داخلي فجأة إحساس بالشجاعة وشعرت بأن القوة تملؤني. كنت أعلم أنه بغض النظر عن كيفية اضطهاد الشيطان أو إيذائه لي، لم يكن لديَّ ما أخشاهُ بوجود الله كحارسٍ قويٍّ يدعمني. كنتُ على استعدادٍ للاعتماد على إيماني والتعاون مع الله، والتمسُّكِ بالشهادة لله أمام الشيطان.

في صباح اليوم التالي بدأت الشرطة باستجوابي. وحدَّق بي ضابط استجوبني في عدد من المرات السابقة، وضرب الطاولة وصرخ قائلاً: "إذًا هذه أنت ثانية أيتها العاهرة المُسِنَّة. لقد وقعتِ في يدي مرة أخرى. إذا لم تعترفي بما تعرفينه هذه المرة فستضعين نفسك في مأزق خطير! تكلمي! أين كُلُّ أولئك الأشخاص الذين كانوا يقيمون في منزلك؟ من هو قائد الكنيسة؟ من أين أتت هذه الكتب؟ لِمَنْ هذه الآلة الكاتبة؟" لم أتمكن من مقاومة الشعور بالتوتر، كان ذلك الضابط شريرًا ومتعجرفًا جدًا، ولم يكن ليتردد في ضرب أي شخص حتى الموت. خفضت رأسي بخوف ولم أُصدِر أي صوت، وكنت طوال الوقت أدعو الله بصمت أن يحفظ قلبي. عندما رأى الضابط أنني أرفض الكلام، بدأ يصرخ ويشتمني قائلاً: "أيتها العجوز الشمطاء، لا جدوى من تهديد خنزيرٍ ميتٍ بالماء المغليّ!" واندفع نحوي وهو يصرخ وركلَنِي في عظم الصدر فطِرتُ إلى الخلف مسافة أمتار عِدَّة وسقطت مرتطمة بالأرض ووجهي إلى الأعلى. كان ذلك مؤلمًا لدرجة أنني لم أتمكن من التقاط أنفاسي. لم يكُنْ ينوي تركي، فاتجه نحوي مسرعًا وأمسك بملابسي ورفعني عن الأرض وقال: "أيتها العجوز العاهرة الغبية! لن أترُكَكِ تموتين اليوم، لكنني سأحرص على جعل حياتك لا تستحقُّ العيش. ستعيشين حياة كلها معاناة!" وبعد أن قال ذلك صعقني بعصاه الكهربائية، وعندما رأيتها والضوء الأزرق ينبعث منها شعرت حقًّا بالخوف. صليت لله مرارًا وتكرارًا، وحينها خطر ببالي بعض كلامه: "لا بد أن تحتمل كل شيء، وأن تتخلى عن كل ما لديك، وأن تفعل كل ما في وسعك حتى تتبعني، وأن تدفع كل التكاليف من أجلي. هذا وقت اختباري لك، فهل تقدم إخلاصك لي؟ هل ستتبعني حتى نهاية الطريق بإخلاصٍ؟ لا تخف؛ فَمَنْ ذا الذي يستطيع أن يسد الطريق إذا كان دعمي موجودًا؟ تذكَّر هذا! تذكر! كل ما يحدث إنما يحدث بدافع من نواياي الحسنة وكل شيء تحت نظري. هل بالإمكان أن تكون كل كلمة وتصرف منك بحسب كلمتي؟ عندما تأتي عليكم تجارب النار هل ستركعون وتصرخون؟ أم ستجبنون عاجزين عن التحرك إلى الأمام؟" (من "الفصل العاشر" من "أقوال المسيح في البدء" في "الكلمة يظهر في الجسد" بتصرف‎‎). من خلال كلمات الله، لم أشعر بالقوة والشجاعة فحسب، بل اكتسبت فهمًا لمشيئته. كانت التجربة التي خضتها في ذلك الوقت اختبارًا لي من الله. كان ذلك الضابط يعذّبني جسديًّا في محاولةٍ لِدَفعِي إلى خيانة الله، لكن مشيئة الله كانت تقتضي أن أُقدِّمَ إخلاصي ومحبتي له. لقد كان يُعلِّقُ آمالهُ عليّ، ولذلك لم أستطع ببساطة أن أستسلمَ للجسدِ وأنحني لِقُوى الشيطان. كنت أعرف أنني يجب أن أقف بثباتٍ إلى جانب الله وأن أُقدِّمَ شهادة مُدوِّيةً له. صعقَنِي الضابط بِعُنفٍ بعصاه وسَرَى التيار الكهربائي في جسدي موجة تلو الأخرى مما جعلني أنكمش وأتكوَّر كالكرة. وبينما كان يصعقني كان يصرخ قائلاً: "تكلَّمي! إذا لم تتكلَّمي فسأصعقك حتى الموت!" كزَزتُ على أسناني ومع ذلك لم أقل كلمة واحدة. عندما رأى ذلك، انفجرَ وجُنَّ جنونه من شدة الغضب. في تلك اللحظة، كرهتُ ذلك الشيطان المجنون حتى النخاع. لقد خلَقَ الله الإنسان، لذا فالإيمان به وعبادته صحيحان ومُستحقَّان دون شك، لكن الحزب الشيوعي الصيني يقاوم الله بِجُنون، ويُضيِّقُ على المؤمنين ويضطهدُهُم بوحشية، ولا يتسامحُ حتى مع امرأة عجوزٍ مثلي تبلُغُ من العمر ستِّين عامًا. حتى إنهم أرادوا أن يتسببوا في هلاكي! وكنتُ كلما آذوني أكثر، كززتُ أكثر على أسناني بكراهية وأقسمت في قلبي قائلة: حتى لو كان هذا موتي، فسوف أتمسك بالشهادة لله. لن أكون خائنةً تعيش حياة مخزية وتثير سخرية الشيطان. أنهك الضابط نفسه وهو يضربني ويصرخ في وجهي، لذلك عندما رأى أحد الضباط أنني ما زلت أرفض أن أقول شيئًا، حاول أن يخدعني قائلاً: "أنت في هذه السنِّ المتقدمة – من أجل ماذا كُلُّ هذا؟ فقط أخبرينا بما نريد معرفته، من أعطاك هذه الأشياء؟ وأين يعيش أولئك الناس؟ وسنأخذك إلى المنزل." وحينها زوَّدني الله بالاستنارة لأرى حقيقة خدعة الشيطان تلك، لذا، لم أقل أي شيء بالرَّغم من ذلك. وعندما أدركَ أنني لن أفتح فمي، أصبح عدائيًا فجأة وبدأ يهددني قائلاً: "قولي الحقيقة ولن تنالي حُكمًا سيئًا، وإلا فستُعامَلينَ معاملةً أكثر قسوة. إذا لم تتكلمي فستنالين حكمًا بالسجن لمدة اثني عشر عامًا وستُسجَنين لبقية حياتك!" شعرتُ بصوتِ أزيزٍ في رأسي عندما سمِعتُهُ يقول إنني سأنال حكمًا بالسجن لمدة اثني عشر عامًا وفكرت قائلة لنفسي: "أنا في مثل هذه الحالة البدنية السيئة التي لم أتمكن معها من الصمود لمدة عام واحد، فكيف سأصمدُ اثني عشر عامًا؟ قد ينتهي بي الأمر بالموت في السجن". فكرة قضاء بقية أيامي في سجن قاتم خالٍ من أشعة الشمس جعلتني حزينة بشكل لا يُصدَّق. هل سأقدِرُ على الصمود دون حياة الكنيسة وتغذية كلام الله؟ وبشعور بالضياع صليتُ للهِ بصمت. وقد زوَّدني بالاستنارة على الفور، وجعلني أفكر في كلماته هذه: "ليس في كل ما يحدث في الكون ما لا تكون لي فيه الكلمة الفصل. أي الموجودات ليس في يدي؟" (من "الفصل الأول" "كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد" بتصرف‎‎). هذا صحيح! مصائرُ البشر بيديّ الله، وكُلُّ الأحداث وكُلُّ الأمور تخضع لِحُكمِهِ وترتيباته. ما يقوله الله يحدث دون استثناء؛ إذا كان الله لا يسمح لي بالذهاب إلى السجن فلن يكون للشرطة رأي في ذلك، لكن إذا كان يريد ذلك، فسأُسَلِّمُ بالذهابِ إلى السجن دون شكوى. تمكَّنَ بطرس من الخضوع لِدَينونةِ الله وتوبيخه، وللتجاربِ والمِحَن. لم يكن لديه خيار شخصي، وقد سلَّمَ نفسه بالكامل للهِ وأطاع ترتيباته. وفي النهاية صُلِبَ مقلوبًا رأسًا على عقب من أجل الله، فقد أطاع إلى حد الموت وأصبح رمزًا لمحبة الإنسان لله. كنت أعرف في ذلك اليوم أنني في حاجة إلى أن أتعلَّمَ من مثال بطرس وإلى أن أضع نفسي بين يديّ الله. حتى لو كان ذلك يعني نيل حكمٍ بالسجن مدى الحياة، فلا يزال يتعيَّن عليَّ الخضوع لله. وفي النهاية نقلتني الشرطة إلى مركز اعتقال.

في مركز الاعتقال، شعرتُ كما لو أنني في جحيم حيّ. لم تكن هناك نوافذ في الزنزانات، ولم تكن هناك إضاءة كهربائية، وحُشِرَ أكثرُ من عشرين شخصًا في زنزانة مساحتها عشرة أمتار مربعة. كان علينا أن نأكل ونشرب ونقضي حاجتنا داخل الزنزانة. كانت هناك بِرَكٌ صغيرةٌ من الماء في جميع أنحاء الأرض وكانت هناك بعض الحصائر المفروشة على الأرض، لكن لم تَكُنْ هناك بطانياتٌ أو أغطية. كان علينا جميعًا الاستلقاء على بِرَكِ الماءِ تلكَ لِننام. كان هناك دلوٌ يُستخدم كمرحاض في الزاوية، وكان البعوض والذباب منتشرًا في كل أنحاء المكان. كانت الرائحة الكريهة سيئة للغاية لدرجة أنني بالكاد كنت أستطيع التنفس، وكانت جميع النسوة يتصارعن للحصول على مكان بالقرب من البوابة الحديدية حتى يتمَكَنَّ من الحصول على بعض الهواء من خلال فتحة طولها أقل من قدم واحدة. كان الجو حارًا فعلاً في فصل الصيف، وكان هناك الكثير من الأشخاص المحشورين في تلك الزنزانة الصغيرة، الكثير من المسجوناتِ كُنَّ يبقين عاريات ولا يرتدينَ أي شيء. وغالبًا ما كانت تنشبُ شجارات بين السجينات بسبب أمور تافهة ويستخدمن الكلام البذيء. كانت وجباتنا اليومية مكونة من حساء دقيق نصف مطبوخ وشعيرية رقيقة وخضروات مسلوقة دونَ أي زيت أو ملح. كان هناك دائمًا وسخٌ في قاع الوعاء، وكانت جميع السجينات تُعانِينَ من الإسهال. في أحد الأيام وخلال تفقُّد الطابور ونحن في الخارج من أجل استنشاقِ بعض الهواء النقي، أخطأتُ في قولِ رقم السجينة الخاص بي. فاستشاط الضابط الإصلاحي غضبًا وصرخَ قائلاً: "انظري إلى نفسك، أنتِ مثيرة جدًّا للشفقة! وأنتِ مؤمنة بالله!" ثم خلع حذاءه الجلديَّ وضربني به عشرَ مراتٍ على وجهي مُحوِّلاً لونه إلى اللونين الأسود والأزرق. بعد ذلك واجهت كلُّ زميلاتي المتاعب بسببي، وضُرِبنَ جميعًا عشر مرات. كانت كُلُّ وجوهِهِنَّ سوداء وزرقاء اللون أيضًا، وكُنَّ يُغطِّينَها ويبكِينَ من الألم. ومنذ ذلك الحين جعلني الضابط الإصلاحي أغسل ملابسهم وقمصانهم وشراشفهم. وقد جعلَ أحدُ كبار الحراس من منزله نزُلاً، وكان يجلب لي جميع الشراشف المتسخة التي نُزعت لِكَي أغسِلها، وبعد أن تُصبح نظيفة، كانت عليَّ تسويتها كُلُّها باليد. كنت أشعر بالإرهاق التام في نهاية كل يوم لدرجة أن جسمي كله أصبح متقرّحًا وكان يؤلمني، شعرتُ حقًا أنني كنت أنهار. في غضون بضعة أيام فقط أصبحت يداي منتفختين، وفي بعض الأحيان عندما لم أكن أستطيع تحمُّلَ ذلك وأستريح للحظة، كان ضابط الإصلاح يُوبِّخني بشراسة، لذلك لم يكُن لديَّ أيُّ خيار سوى أن أواصل العمل وأذرِفَ الدموع. وعندما كان يحين وقت الراحة في الليل، ورغمَ أنني كُنتُ أشعر بالنعاس والإرهاق البدني، لم أكن أقدر على النوم جيدًا. كانت ذراعاي متقرحتين وتؤلمانني وكان ظهري يؤلمني بشدةٍ لدرجة أنني لم أكُن أقوى على تقويمه. ساقايَ أيضًا كانتا خدرتين. وحتى يومنا هذا، لا يمكنني رَفْعُ ذراعيَّ سوى بزاوية قدرها أربعون أو خمسون درجة، ولا يمكنني حتى رفعهما. لقد عانيت مشاكل خطيرة في الجهاز الهضمي بسبب القيام بالكثير من العمل الشاق دون أن أتمكن من الحصول على ما يكفي من الطعام، مما تسبب في إصابتي بإسهال متكرر. وعلاوة على ذلك، فالجروح التي خلَّفها ضربُ ضباط الشرطة الأشرار لي لم تلتئم قط. وازدادَ حال صحتي سوءًا. وفيما بعد، أُصِبتُ بحمى بسيطة لكن مستمرة ورفض حُراس السجن السماح لي بالعلاج. وأصبحت ضعيفة رغمًا عني وفكرت قائلة لنفسي: "وأنا في هذه السن، إذا استمرَّ هذا النوع من التعذيب، فقد أموت هنا في أي يوم من الأيام". وانتابني شعورٌ بالأسى والعجز في قلبي فصلَّيت لله بألم قائلة: "يا الله، أنا ضعيفة حقًّا الآن ولا أعرف ما هي مشيئتك. يا الله، أرجوك أرشدني حتى أتمكَّنَ من التمسُّك بالشهادة لك في ظلِّ هذا الوضع وأتمكَّنَ من إرضائك." لقد ناشدتُ الله من قلبي مرارًا وتكرارًا، وزوَّدني الله بالاستنارة دون أن أدرك ذلك، إذ جعلَ إحدى الترانيم المستوحاة من كلامه تخطرُ ببالي، فرنَّمتُ هذه الترنيمة بهدوء: "لقد صار الله جسدًا هذه المرة ليقوم بمثل هذا العمل، وليختتم العمل الذي لم يكمله بعد، ولينهي هذا العصر، ويدين هذا العصر، ويخلص الأَثَمَةَ من عالم بحر البلوى ويغيرهم تمامًا. كثيرة هي الليالي المؤرقة التي احتملها الله من أجل عمل البشرية. من أعلى الأعالي إلى أدنى الأعماق، نزل للجحيم الحي الذي يسكن فيه الإنسان ليقضي أيامه معه، ولم يشتكِ قط من الخسة الموجودة بين البشر، ولم يَلُمْ الإنسان قط على عصيانه، بل تحمل مهانةً عظيمة إذ ينفذ شخصيًّا عمله. كيف يمكن أن ينتمي الله للجحيم؟ كيف يمكن أن يقضي حياته في الجحيم؟ لكن من أجل خاطر البشرية جمعاء، كي تستريح كل البشرية قريبًا، تحمل المهانة وعانى الظلم ليأتي إلى الأرض، ودخل شخصيًّا إلى "الجحيم" و"العالم السفلي"، دخل إلى عرين النمر" (من "كل مرحلة من عمل الله غايتها حياة الإنسان" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة"). وبينما كُنتُ أُرنِّمُ وأُرنِّمُ كانت الدموعُ تنهمر على وجهي باستمرار، وفكّرتُ كيف أن الله هو الأسمى، ومع ذلك فقد تواضع مرَّتين ليصير جسدًا، متحمِّلاً معاناةً ومهانةً لانهاية لهما من أجل تخليص البشرية. ولم يتعرَّض فقط لمقاومة البشرية الفاسدة وإدانتها له، بل عانى أيضًا من اضطهادِ الحزب الشيوعي الصيني وملاحقته له. الله بلا ذنب، ومعاناته هي لكي يتمكَّنَ الجنسُ البشري من أن يعيش حياة جيدةً وسعيدة في المستقبل. لقد كان الألمُ والهوانُ اللذان تحمَّلهما هائلين، لكنه لم يتذمَّر أبدًا أو يشتكي من ذلك لأحد. لقد كان الألم الذي كنت أعاني منهُ إذن نعمة الله عليّ، وكانت مشيئة الله موجودةً خلف كُلِّ ذلك. لقد حدث ذلك كُلُّهُ حتى أتمكن من رؤية الجوهر الشرير لأولئك الشياطين ومن ثم التمرد على الشيطان، والنجاة من تأثيره المظلم وتحقيق الخلاص الكامل. ومع ذلك، لم أفهم مقاصد الله الطيبة، وأصبحت سلبية وضعيفة بعد التعرض لِبَعضِ المعاناة. ومن خلال مقارنة ذلك مع محبة الله، أدركتُ أنني كنتُ أنانية ومتمردة بشكل لا يصدق. ولذا فقد عقدت العزم على أنه مهما بَلَغَت مرارةُ الأمور أو صعوبتها، فإنني سأُرضي الله ولن أفعلَ أيَّ شيءٍ لإيذائه بعد ذلك. وأقسمتُ بحياتي على التمسُّك بالشهادة لله. وبمجرد أن خضعت، رأيت أفعال الله. فبعد أن حبستني الشرطة، أرسَلَ الله أختي التي لم تكن مؤمنة لِتدفَعَ للشرطة غرامة قدرها ستة عشر ألف يوان، بالإضافة إلى ألف يوان أخرى لقاء غرفتي وطعامي وأُطلق سراحي.

على الرغم من أنني عانيت من التعذيب الجسدي على مدار الأشهر الثلاثة التي قضيتها في السجن، فقد رأيت الوجه الحقيقي لجماعة شياطين الحزب الشيوعي الصيني ومقاومتهم لله. لقد منَحتني اعتقالات حكومة الحزب الشيوعي الصيني المتعددة بعض الفهم العمليِّ لعمل الله وقدرته وحكمته ومحبته. ورأيتُ أن الله يحرسني ويحميني في جميع الأوقات ولا يتخلى عني أبدًا ولا حتى للحظة واحدة. وعندما كنت أتعرض لكل أنواع التعذيب على أيدي أولئك الشياطين وكنتُ أتألم، كان كلام الله هو الذي قادني المرة تلو الأخرى إلى التغلُّب على أذى الشيطان وتحطيمه لي مما منحني الإيمان والشجاعة للتغلب على تأثير الظُّلمة. عندما كنت ضعيفةً وعاجزة، كلام الله هو الذي زوَّدني بالاستنارة وأرشدني على الفور، وكان بمثابة ركيزة حقيقية لي ورافقني في الأيام التي لا تُحتَمَلُ الواحد تلو الآخر. وقد مكنني اختبار مثل هذا الاضطهاد والمحنة من الحصول على كنز في الحياة لا يمكن الحصول عليه في أوقات السلام والراحة. ومن خلال هذه التجربة، تعَزَّزَ ثباتي على إيماني، ومهما كان نوع الأشياءِ الفظيعةِ التي قد أواجهها في المستقبل، فإنني سأسعى إلى الحق وإلى الحياة. أمنحُ قلبي لله لأنه ربُّ الخلق، وهو مخلصي الواحد والوحيد.

السابق: 29. أصبحتُ أميّز بوضوح بين المحبة والكراهية من خلال اجتياز مرارة الاضطهاد

التالي: 31. على حافة الموت، جاء الله القدير إلى معونتي

إن كنت تواجه صعوبات أو أسئلةً في إيمانك، يرجى الاتصال بنا في أي وقت.
اتصل بنا
تواصل معنا عبر ماسنجر

محتوى ذو صلة

32. محبَّةُ اللهِ لا تعرفُ حدودًا

بقلم: تشو تشينغ – مقاطعة شاندونغلقد عانيت من بُؤسِ هذه الحياة إلى أقصى حد. تُوُفِّيَ زوجي بعد زواجنا ببضع سنوات، ومنذ تلك المرحلة وعبء...

24. النهوض من الظلم القاتم

بقلم مو جوجيان - إقليم غانج دونجوُلِدتُ في منطقةٍ جبليَّة نائية فقيرة كُنَّا نوقد فيها البخور ونعبد بوذا لعدَّة أجيالٍ. توجد معابد بوذيَّة...

27. محنة ألهمت محبتي لله

بقلم مينغ يونغ، مقاطعة شانشيأنا شخص لطيف بطبيعتي. في هذا المجتمع المظلم والشرير، لطالما تعرّضت للتنمّر على يد أشخاص آخرين، فتذوّقت برودة...

21. نور الله يرشدني عبر المحن

بقلم تشاو شين – مقاطعة سيتشوانعشت منذ طفولتي في الجبال، لذا لم أرَ إطلاقًا الكثير من العالم الخارجي، ولم يكن لدي حقًّا أية تطلعات تتخطّى...

إعدادات

  • نص
  • مواضيع

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

المسافة بين الأسطر

المسافة بين الأسطر

عرض الصفحة

المحتويات

بحث

  • ابحث في هذا النص
  • ابحث في هذا الكتاب