7. بعد أن تعرّضت للدمار بواسطة الأبالسة، أصبحت أدرك أكثر بكثير كم أن نعمة الله ثمينة

بقلم تشو – تشين – منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم

إسمي تشو – تشين. كنت أعمل كمقاول هندسي، مترئسًا كل عام فرقًا كبيرة من العاملين في المشاريع الهندسية، ونجحت في تحقيق دخل محترم. بنظر نظرائي، كانت لديّ عائلة مثالية، وحياةٌ مهنيةٌ سلسةٌ، وإمكانيات لا حدود لها؛ ولا بد أنهم كانوا يعتقدون أنني كنت أكثر الناس حظًّا. ومع ذلك، فبينما كنت أتمتع بنمط حياة ذي طابع مادي، كان يعتريني دائمًا شعور بالفراغ الذي لا يمكن تعليله. كان ذلك ينطبق بشكل خاص على جهودي المستمرة لإنجاز المشاريع: فقد كان يتعين عليّ أن أتملّق قادة الإدارات ذات الصلة، مجتهدًا في قراءة أفكارهم من خلال لغة الجسد الخاصة بهم، كما كنت أحتاج دائمًا إلى استخدام القدر المناسب من التزلّف والمداهنة للحصول على مبتغاي، وبخلاف ذلك، كنت سأفشل في جني أيّة أموال. وفوق ذلك كله، كان يتعيّن عليّ مواجهة المكائد التي يدبّرها زملائي أحدهم للآخر، وتعاملهم أحدهم مع الآخر بحذر مستمر، وحساباتهم. كل ذلك جعلني أجهد عقلي بالتفكير بشكل متزايد... لهذه الأسباب، شعرت بالإحباط وبالإرهاق الشديد، وكان الأمر يبدو وكأنني أنني تحوّلت إلى دمية، وآلة لصنع المال، وفقدت تمامًا كل كرامتي ونزاهتي. وقد استمر هذا الوضع حتى العام 1999، عندما قبلت عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. لقد تأثرت بعمق بالانعتاق الذي تحققه حياة الكنيسة، وكذلك ببساطة وصدق إخوتي وأخواتي. كنت أريد بشدة أن أعيش حياة الكنيسة هذه؛ حيث أتشارك مع إخوتي وأخواتي حول كلمة الله، وأن يتحدث واحدنا مع الآخر عن اختباراته الفردية وعن معرفته لكلمات الله. كما كنت أقدّر عاليًا مثل هذه الأوقات. ومن خلال قراءة أقوال الله والمشاركة في تجمعات الكنيسة، توصّلت إلى فهم الكثير من الحقائق، ونالت روحي انعتاقًا هائلاً. وقد فرحت تحديدًا؛ لأنني وجدت أخيرًا طريق الحياة الحقّ، ونلت سعادة حقيقية. كان قلبي زاخرًا بالامتنان تجاه الله: فلو لم ينقذني الله من بحر معاناة العالم، لما كان هناك أبدًا أي شيء أطمح إلى تحقيقه في الحياة. لاحقًا، بدأت بنشر الإنجيل بنشاط، منخرطًا بسعادة وبلا كلل مع أولئك الذين يبحثون عن الطريق الحقّ، وساعيًا إلى تمكينهم، أيضًا، من سماع صوت الله، وربح خلاص الله القدير.

ومع ذلك، لا يتمتع المواطنون في بلد ملحد كالصين بأيّة ديمقراطية أو بحقوق الإنسان، وأولئك الذين يؤمنون بالله ويعبدونه يتعرّضون بخاصة لقمع حكومة الحزب الشيوعي الصيني واضطهادها. وقد تعرضتُ أنا أيضًا، بسبب إيماني بالله، للاعتقال من قِبل حكومة الحزب الشيوعي الصيني، كما تعرّضت لتعذيبها الوحشي واللاإنساني، وقضيت نحو عامين من الحياة الجهنمية في أحد سجون الحزب الشيوعي الصيني... بعد تجربة هذه الفترة الصعبة والمؤلمة من حياتي، رأيت بوضوح الجوهر الشيطاني لمقاومة حكومة الحزب الشيوعي الصيني المحمومة لله وكراهيتها للحق، وأصبحت أكثر تقديرًا لحقيقة أن كلمات الله هي الحقّ. عرفت أن كلمات الله هي بمثابة حياة لي، وأنها قادرة على تحديد معالم الطريق لي نحو الأمام. ولولا الإرشاد المستمر لكلمات الله، ومنحها إياي القوة والإيمان ، لربما لما كنت ما أزال على قيد الحياة اليوم. لن أنسى أبداً نعمة خلاص الله لبقية أيام حياتي!

كان ذلك في صباح يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 2005، عندما كنت في وسط لقاء جمعني بإخوتي وأخواتي. وفجأة، ترددت من الباب أصوات تكسير عنيفة. وقبل أن يتسنى لنا الوقت للتفكير، اقتحم الباب أكثر من عشرة ضباط شرطة، وكل منهم يحدّق فينا بنظرات مجرمة. بدا انتشار رجال الشرطة كأنه جزء من مشهد في فيلم بوليسي يدور حول القبض على مجرم فار خطير للغاية. ومن دون تقديم أي تفسير على الإطلاق، جرّدنا رجال الشرطة من أحذيتنا لمنعنا من الهرب، ثم أخذوا أحزمتنا، وقيّدوا أيدينا خلف ظهورنا. بعدئذ، جرّدونا من جميع أغراضنا الشخصية، بما في ذلك هواتفنا المحمولة، وساعاتنا، ونقودنا، وغيرها. ثم صاحوا في وجوهنا لنجثو في صف منتظم أمام الجدار. وإذا كان أيّ منّا بطيئًا في التحرك، كانوا يدفعوننا بعنف ويركلوننا، ويجبروننا على الارتماء على الأرض. بعدئذ، قاموا بعملية تنقيب دقيقة، قالبين الأثاث رأسًا على عقب ومفتشين المنزل بأكمله؛ وما هي إلا برهة حتى كانت الفوضى التامة تعم المكان. بعد مشاهدة كل ذلك، سألت بغضب: "لَمْ ننتهِك أيّة قوانين، فلم تعتقلوننا إذًا؟" وكم دهشت عندما هرع شرطي، وطرحني أرضًا بلكمة واحدة، صارخًا في وجهي: "نحن نعتقلكم أيها الأشخاص الذين تؤمنون بالله! لن يطيب لنا نوم حتى نلقي القبض على آخر واحد منكم!" لقد أصابتني فورة الغضب هذه بالذهول المُخْرس، كما أنها دفعتني إلى التفكير: كان الله هو أكثر ما تكرهه حكومة الحزب الشيوعي الصيني، فكيف يسعها أن تدعنا نحن المؤمنين وشأننا؟ لقد كنت أعمى وساذجًا! في تلك اللحظة، بدأت أصلي إلى الله بصمت، متوسّلاً إليه أن يحمينا حتى يتسنى لنا أن نتمسك بالشهادة له ونبتعد عن خيانته. بعد برهة قصيرة، شرع الشرطي الذي يحرسنا باستجوابي: "من قال لكم أن تبشّروا بديانتكم في كل مكان؟ من هو قائدكم؟" أجبت: "إن نشرنا للإنجيل يتم بطريقة طوعيّة تمامًا." فشتم قائلاً: "هذا هراء! لا تحاول إنكار ارتكاب أي ذنب يا فتى، وإلا فسنريك قريبًا ما هي عاقبتك!" في تلك اللحظة، سمعت شرطية تجأر من غرفة أخرى: "أحضر لي إبرة! أنت تتجرّئين على محاولة الاختباء مني ..." شعرت على الفور وكأن قلبي قفز إلى حنجرتي؛ إذ أدركت في تلك اللحظة أن أختًا شابّة كانت مفقودة؛ لقد حاولت التخفّي لتجنب القبض عليها من جانب الشرطة، لكن جرى اكتشافها. قامت الشرطيّة باعتقالها واستخدمت إبرة لطعنها في اللحم الحي لأظافرها وفي أخمص قدميها، وشرعت حتى بشدّ خصل شعرها بوحشية الواحدة تلو الأخرى. وفي نهاية المطاف، تركوا الأخت الصغيرة في مكانها، بعد أن كانت قد غابت عن الوعي، واعتقلونا جميعًا، جنبًا إلى جنب مع كل الأمتعة التي نهبوها، وانطلقوا بنا مسرعين.

بحلول الظهيرة تقريبًا، كانت الشرطة تحتجزنا في أحد مخافرها، حيث سرعان ما بدأوا باستجوابنا كل على حدة. كان الشرطي المكلف باستجوابي ضابطًا قويّ البنية وضخمًا، وما إن دخلت غرفه الاستجواب حتى صرخ في وجهي لأجثو على ركبتيّ. فأجبت: "أنا لا أعبد سوى الله؛ وحده رب السماوات والأرض وجميع الأشياء يستحق الركوع أمامه. أنا أرفض تمامًا الركوع أمامك!" ما إن سمع ذلك، حتى أشار بإصبعه إنحوي مزمجرًا: "ينبغي عليك أن تعلم أنه في هذا المكان، يتعيّن حتى على ملك الجحيم أن ينصاع للأوامر! من تظن نفسك بحقّ الجحيم؟ إذا لم نجعلك تُعاني قليلاً، فلن تعرف من المسؤول هنا! والآن، اركع على ركبتيك اللعينتين!" ومع صراخه بهذا الشكل، ركلني طارحًا إياي على الأرض. بعدئذ، بدأ باستجوابي قائلاً: "قل لي بصدق: أنت قائد الكنيسة، أليس كذلك؟ أين تحتفظ بكتب الكنيسة الخاصة بك؟" لشدة ارتباكي، لم أعرف كيف أجيب. لذا، ابتهلت إلى الله بإلحاح ليعطيني الحكمة لأعرف كيف أرد على هذا الشرطي الشرير. بعد الصلاة، شعرت بأنني أصبحت أكثر هدوءًا وحيوية، وفكرت في نفسي: "أفضّل أن أموت على أن أبيع إخوتي وأخواتي. لا أستطيع خيانة الله!" لذا، قلت للشرطي: "أنا لا أعرف شيئًا عن أي من هذه الأمور التي تسألني عنها. فما الذي تريد مني أن أقوله؟" لم أكد أنهي كلامي هذا حتى تلقيت من هذا الشرطي الشرير لكمة قوية على رأسي، أتبعها فورًا بضربي بشكل مبرّح بواسطة قبضتيه وقدميه. لقد تعرّضت للضرب بشدّة لدرجة أن بصري زاغ وصار يرى مثل النجوم. كذلك، بدأ رأسي يغزل، واشتد ألمه لدرجة أنني شعرت وكأن جمجمتي انكسرت. سقطت على وجهي أرضًا. بعدئذ، أمسك الشرطي بيده دفتر ملاحظات الإنجيل الذي وجدوه لديّ متوعّدًا: "انظر، أترى؟ لدينا دليل، لذا لا جدوى من رفض الكلام. قلها! أنت القائد، أليس كذلك؟ لو لم تكن القائد، لما كانت أوراق الملاحظات هذه بحوذتك!" لدى رؤيته أنني لن أتكلّم، حاول أن يسلك منحى آخر في الحديث، فحثني قائلاً: "لا تكن أخرق؛ هيا، تعاون معنا. أخبرنا بما تعرفه، وسيُسمح لك بالمغادرة غدًا." في تلك اللحظة بالذات، أنار الله عقلي فتذكرت مقطعًا من أقوال الله: "عندما يتصارع الله والشيطان في العالم الروحي، كيف عليك إرضاء الله والثبات في شهادتك؟ يجب عليك أن تعرف أن كل ما يحدث لك هو تجربة عظيمة، وأن تعرف الوقت الذي يريدك الله فيه أن تشهد له. ظاهريًا قد لا يبدو هذا بالأمرِ الجَلَل، ولكن عندما تحدث هذه الأشياء فإنها تُظهِرُ ما إذا كنتَ تُحبُّ اللهَ أم لا. فإذا ما كنت تحبّه فستستطيع أن تثبت في شهادتك" (من "محبة الله وحدها تُعد إيمانًا حقيقيًا به" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أتاحت لي كلمات الله أن أرى بوضوح أن هذه معركة تدور رحاها في العالم الروحي. كان عليّ أن أحتاط من الانخداع بحيل الشيطان، وبالتأكيد كان علي أن أتمسك بالشهادة لله. وبصرف النظر عن كمية ما يسمّى بالأدلة التي في متناول أيديهم، لم يكن باستطاعتي أن أفصح عن أيّة معلومات عن الكنيسة. كانت هذه شهادة عن محبتي لله، وعن التفاني الذي يجب أن أحافظ عليه تجاه الله. بعدئذ، صلّيت، فهدأت تدريجيًّا. وبصرف النظر عن مدى تعذيبه لي، لم أكن لأبوح بأيّة كلمة على الإطلاق. وفي النهاية، أصيب الشرطي الشرير بالسخط، فأصفق الباب وغادر.

بعد برهة، دخل شرطي في الثلاثينيات من عمره وساعدني على النهوض بتمهّل من على الأرض، والجلوس على كرسي، حتى إنه قدّم لي كوبًا من الماء، وقال: "إليك، أيها الأخ؛ اشرب بعض الماء. لقد عانيت." أصبت بصدمة: ما الذي يحدث؟ كيف يمكن لشخص في مكان كهذا أن يدعوَني "أخي"؟ قبل أن يتسنى لي الوقت التفكير في الأمر بتمعّن، تابع قائلاً: "أيها الأخ، في هذه الأيام نحن بحاجة أن نعيش بطريقة أكثر واقعيّة بعض الشيء، وأن نكون مَرِنين تمامًا. تجاه شخص مثلك، ليس أمامهم الخيار سوى أن يضربوك حتى الموت. ولأكون صادقًا، كنت أنا أيضًا أؤمن بالله، لذا أعلم أن الإيمان أمر جيد، لكنه فحسب لا يستحق المعاناة من أجله إلى هذه الدرجة، ناهيك عن تعريض حياتك للخطر! إن صدور حكم بحقك سيؤدي إلى وضع علامة سوداء في سجل عائلتك كلها. إن والديك ما يزالان كلاهما على قيد الحياة، كما أفترض؟ إذا قضيت بضع سنوات في السجن، فربما ستجدهم قد توفّوا عند إنهاء فترة عقوبتك. كيف سينظر أفراد عائلتك إليك؟ ..." لقد كان تعلقي العاطفي بأمي وأبي أعمق منه تجاه أي شخص آخر، لذلك أصابتني كل كلمة من كلمات هذا الشخص في الصميم. وبينما كانت مشاهد والديّ المسنين تتراءى أمام عينيّ، شعرت فجأة بموجة من الظلمة والضعف تكتنفني، ففكرت: "هذا صحيح؛ إذا حكم عليّ بالسجن، ما الذي سيفعله أبي وأمي؟ ومن سيعتني بهم؟ ..." تسببت هذه الفكرة في انهمار الدموع من عيني، ولم يكن بوسعي أن أوقفها. وقد اغتنم الشرطي هذه الفرصة على الفور، محاولاً أن يقنعني ويغريني أكثر بقوله: "لذا، يجب أن تبذل قصارى جهدك للتعاون معهم؛ إذا فعلت، فسيتم إطلاق سراحك غدًا." لدى سماعي هذه الكلمات، انتفضت مستيقظًا، وأَومَضت هذه الكلمات المميزة جدًا في ذهني: حتمًا يجب ألّا تكون على مثال يهوذا الذي يخون الله! كان على وشك إقناعي! لقد أرسل هذا الشرطي الخبيث من جانب الشيطان نفسه لإغوائي لخيانة الله. في تلك اللحظة، أرشدتني أيضًا كلمات الله: "وبالولاء فقط يمكنك رفع ادعاء مضاد لدحض مكر الشيطان" (من "الفصل العاشر" "كلام الله إلى الكون بأسره" في "الكلمة يظهر في الجسد"). أدركت أن كل ما قاله ذلك الشرطي كان بمثابة خدعة من الشيطان؛ لقد أرادوا استغلال تعلّقي العاطفي ومشاعري الجسدية لإغرائي بخيانة الله. لم يكن مطلقًا بإمكاني الوقوع ضحية خداع الشيطان. لذا، صليت بصمت إلى الله، مؤمنًأ أن الله هو من يقررشؤون والديّ، وأنها كليًافي يديه. بعد أن سلّمتهم لعناية الله الجبّارة،عزمت على تقديم الشهادة لله. فقلت للرجل بحزم: "شكرًا لك عل نواياك الحسنة؛ أقدّر لطفك. ومع ذلك، فأنا لا أعرف شيئًا عن أمور الكنيسة." لدى رؤيته أن حيلته لم تنجح، أظهر هذا الشرطي الشرير فجأة وجهه الحقيقي من خلال التعبير عن موجة الغضب التي اعترته. فلوّح بإصبعه إليّ، وجأر بحقد: "إذًا، انتظر هنا لتموت فحسب!" ثم غادر. وفي حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر، أتى ثلاثة أو أربعة من رجال الشرطة، فجرّوني عن الكرسي وسحبوني من ياقتي إلى مدخل الغرفة، حيث استخدموا الأغلال ليعلقوني من عارضة الباب. وفي نهاية المطاف، قالوا بخبث: "تفضّل، خذ وقتك واستمتع"، ثم غادروا. لم أكن قادرًا على لمس الأرض بكلتا قدميّ؛ فكنت إذا لمستها بواحدة، أضطرّ إلى إبقاء الأخرى مرفوعة عن الأرض. كانت حركاتي تجعل الأصفاد تغرز في لحمي، وكان الألم شديدًا على نحو لا يطاق. بعد حوالي ساعة، عاد رجال الشرطة الأشرار، بعد أن كانوا قد شبعوا من الطعام والشراب. وبابتسامة شريرة، سألوني عمّا كنت أشعر به. في تلك اللحظات، وبسبب الألم، كان سروالي وقميصي القطنيان مبللين بالعرق الغزير، وحين تم إنزالي، كانت كلتا يديّ متورمتين كأرغفة الخبز وخدرتين تمامًا. لقد كانت عصابة رجال الشرطة الأشرار هذه شرسة حقًّا وخالية من الرحمة. لقد كرهتهم تمامًا، كما أنني أدركت بوضوح خبث ووحشية حكومة الحزب الشيوعي الصيني. كانوا بمثابة زمرة من الشياطين الذين يقاومون الله ويكرهونه، وكانت كراهيتي تجاه هذا الحزب الشرير تزداد بوتيرة متسارعة.

في ذلك المساء، بعد الساعة السابعة تقريبًا، حشرني رجال الشرطة الأشرار مع أربعة من أخواتي في سيارة شرطة لأخذنا إلى موقع آخر. بدت كل واحدة من أخواتي شاحبة الوجه؛ فهنّ تعرّضن أيضًا على ما يبدو، لقسوة مماثلة. أعطى كلٌّ منا للآخر التشجيع من خلال نظرات مصمِّمة ذات مغزى. وعندما وصلنا إلى موقع الاحتجاز، سمحت الشرطة الشريرة لأخواتي الأربعة بالخروج من المركبة، بينما طُلب مني أن أظل في السيارة، التي سرعان ما أقلعت بنا من جديد. وعندما سألتهم إلى أين يأخذونني، قال أحد رجال الشرطة بابتسامة متآمرة: "رغم أنك لم تفصح عن أية معلومات، نعرف مع ذلك أنك لست عضوًا عاديًا في الكنيسة. لم نُرِد أن نكون مضيفين سيئين، لذا نريد أن نرافقك إلى شيءٍ من "وجبة منتصف الليل الخفيفة.".... "بسبب معرفتي بأن عصابة رجال الشرطة الأنذال هذه لم تكن تتمتع بأية نوايا حسنة، لم أكن لأجرؤ على الاطمئنان حتى للحظة واحدة. ظللت أتوسل إلى الله بصمت لكي يعطيني القوة ويحميني من أن أخونه. بعد فترة وجيزة، تم اقتيادي إلى لواء الأمن القومي. استقبلني هناك رجلان ضخمان وفظّان اقتاداني إلى غرفة الاستجواب، حيث أصابني مرأى جميع أدوات التعذيب المتناثرة على الأرض كالنمور الصامتة المفترسة بقشعريرة عارمة. عندئذ، صاح أحد رجال الشرطة الأشرار في وجهي: "لقد سمعت أنك عنيد جدًا. حسنًا، نحن نحب تمامًا مضغ العظام القديمة والعنيدة مثل عظامك!" ما إن ما تفوّه بذلك، حتى انقض عليّ شرطيان شريران، يجريان و يصرخان ، فأمسكا بي من أذنيّ، وشدّا بهما بكل ما لديهما من قوّة. في ظل الأضواء الخافتة، رأيت زوجًا من الوجوه الحاقدة والملتوية، وبدأ قلبي يخبّط بشكل جنوني. في تلك اللحظة، سمعت شرطيًا شريرًا آخر ينفجر ضاحكًا ويقول: "من حظك السيء أنك عبرت من طريقي اليوم. هيا، لنبدأ بإعطائك دشًّا." ما إن قال ذلك، حتى ثبّتوني في مكاني ومزّقوا عنّي كل قطعة من ملابسي. وقفت هناك عاريًا تمامًا على أرضيّة باردة كالجليد، وجسمي يرتجف بأكمله وأسناني تصطكّ. بعدئذ، قام الشرطي الشرير بجرّ خرطوم طويل، ووجّهه نحوي مباشرة، فاتحًا الصمام. في غضون أجزاء من الثانية، كنت أتعرّض لوابل من المياه شديدة البرودة، التي تقشعر لها الأبدان. كان ذلك مؤلمًا بشكل لا يطاق، وكنت أشعر كما لو أن سكينًا تنزع جلدي عني؛ وأن الدم الذي يتحرّك في كامل جسدي قد تجمّد. بعد برهة وجيزة، لم يعد بوسعي أن أشعر بأي شيء. وبينما كانوا يغرقونني بالمياه، كان رجال الشرطة الأشرار يواصلون إطلاق التهديدات عبر الصراخ في وجهي: "إن كنت تعرف ما هو الأفضل بالنسبة لك، فأسرع بالحديث، وإذا كنت لا تعرف، فلن تعيش لرؤية شروق الشمس غدًا!" مع إجباري لنفسي على تحمل هذا العذاب، أملت رأسي ولم أقل شيئًا. صرّ أحد رجال الشرطة الأشرار بأسنانه، وقال أنه سيُدْفئني، ما يعني أنه سيقوم بصعقي بالكهرباء. عند ذلك الحد، كنت قد تعذبت لدرجة أنه لم يعد هناك من ذرة قوة واحدة متبقية بداخلي. ومع شعوري بأن الموت كان يطبق أنيابه عليّ شيئًا فشيئًا، ناشدت الله بيأس قائلاً: "يا الله! أنا أحقر من أن أستطيع فعل أي شيء من أجلك، لكن اليوم أريد أن استخدم موتي لإذلال الشيطان. كل ما أطلبه هو أن تحمي قلبي، بحيث لا يميل عنك إطلاقًا، وبحيث لا أخونك." أجبرني رجال الشرطة على فتح فمي، ووضعوا بداخله قطعة قماش مبللة، قاموا بإيصال طرفها الآخر بسلك كهربائي. بعد تعليق أحد طرفي السلك في أذني، قام الشرطي الذي يمسك مفتاح الوصل والقطع بتشغيل السلك. فجأة، شعرت بأن الدم يندفع صعودًا في كل أنحاء جسدي، وأن رأسي على وشك الانفجار. كان ذلك مؤلمًا للغاية لدرجة أنني شعرت بأن مقلتيّ توشكان على الانفجار، وأن كل عصب في جسدي كان يرتعش ويوشك على الانكسار. لدى رؤيتهم لي في خضم هذا الألم الموجع، اكتفت هذه الحفنة من رجال الشرطة الأشرار بالقهقهة بصوت مرتفع. بعد حين، أغمي علي. بعد ذلك بوقت قصير، أيقظوني من خلال إفراغ دلو من الماء البارد على رأسي. وعندما استعدت وعيي، كانت الخرقة لا تزال في فمي. ضحك أحد رجال الشرطة في سره بخبث سائلاً: "كيف هو مذاقها؟ إذا كنت تريد أن تقول شيئًا، أومئ برأسك فقط." عندئذ، تذكّرت هذا المقطع من كلمة الله: "عندما يكون الناسُ مُستعدين لأن يضحّوا بحياتهم يصبح كلُّ شيء تافهاً، ولا يمكن لأيٍّ كان أن ينتصر عليهم. ما الذي يُمكِنُ أن يكون أكثر أهمية من الحياة؟ ومن ثمَّ يصبح الشيطان عاجزاً عن إحداث مزيد من التأثير في الناس؛ إذ لن يكون هناك ما يمكنه فعله مع الإنسان" (من "الفصل السادس والثلاثون" في "تفسيرات أسرار كلام الله إلى الكون بأسره"). لقد شدت كلمات الله عزيمتي على اختيار التمسك بالشهادة بدلاً من الرضوخ للشيطان. فكّرت بهذه الطريقة: "افعلوا بي ما شئتم. في نهاية المطاف، لا أملك سوى حياة واحدة؛ في أسوأ الأحوال، سأموت، لكن إياكم أن تعتقدوا لثانية أنكم ستتمكنون من الحصول على كلمة واحدة منّي!" لم أجب الشرطي بشيء؛ واكتفيت بإغلاق عيني، رافضًا النظر إليه. لقد أغضب هذا التصرّف الشرطيّ الشرير، فقام بصعقي بموجة أخرى من الكهرباء، إلا أن التيار الكهربائي هذه المرة كان أقوى من ذي قبل. في صمتي صرخت: "يا الله! أنقذني! لم أعد أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك!" في تلك اللحظة، تراءى لي مشهد حيّ لصلب الرب يسوع: كان الجنود الشرسون يدقّون مسمارًا بطول نصف قدم في راحة يده، ممزّقين جلده، وثاقبين عظامه.... تسببت معاناة الرب يسوع بألم لا نهاية له في قلبي، ولم يكن بوسعي سوى أن أبكي بغزارة. في قلبي، صليت إلى الله: "يا الله! أنت قدّوس؛ أنت منزّه عن الخطيئة. ومع ذلك، من أجل تحقيق الخلاص للبشريّة، سلّمت نفسك لأولئك المجرمين وسمحت لهم بتسميرك على الصليب، وباستنزاف آخر قطرة من دمائك لافتدائنا نحن البشر. يا الله، أنا شخص فاسد للغاية، وكائن يستحق الدمار. لقد قبلت خلاصك، وأنا محظوظ بما يكفي لأنني اختبرت عملك، ولذا يجب أن أقدم نفسي لك. يا الله، أنا أعلم من دون شك أنك، الآن، بجانبي، ترافقني في معاناتي. لقد أحببتني وزوّدتني بالطاقة دائمًا. أنا على استعداد لتقديم كل ما لديّ لإرضائك، بحيث لا تعود مضطرًا لأن تعاني بالنيابة عني، أو تقلق بشأني بعد الآن." في تلك اللحظة، توقف الشرطيان الشريران عن صعقي بالكهرباء. لدى رؤيتي تعاطف الله معي في ضعفي، امتلأ قلبي بالامتنان تجاهه! بعد ذلك، ورغم أن رجال الشرطة لم يتوقفوا عن إلحاق الأذى بي، ما عدت أشعر بأي ألم. ولدى إدراكي بأن الله كان يحميني ويتحمل معاناتي بالنيابة عني، شعرت بتأثر عميق بمحبة الله، وبتّ أذرف الدموع باستمرار. في وقت لاحق، دخل أحد رجال الشرطة، وألقى نظرة عليّ، وقال لهذين الشرطيين الشريرين: "هذا يكفي؛ لقد ضربتماه بلا هوادة، وهو لا ينطق بشيء. أنا متأكد من أنه لا يعرف شيئًا." وإذ ذاك فقط، توقفوا عن تعذيبي. كنت أعرف أن ذلك كان جزءًا من تنظيم الله وترتيباته العجيبة؛ فالله لم يسمح لهذه الحفنة من الأبالسة بإنهاء حياتي، بل حرّك شخصًا ليأتي ويوقفهم. لقد قدّرت بإخلاص محبة الله.

بعد ضربي، توقّف رجال الشرطة الأشرار عن استجوابي، وفي حوالي منتصف الليل، اقتادوني إلى المعتقل، حيث قادني أحد الضباط الإصلاحيين إلى زنزانة يوجد فيها أكثر من ثلاثين محكومًا. وبينما كان يفتح الباب لوضعي بداخلها، سمعته يضحك في سرّه بمكر ويوعز إلى رئيس السجناء قائلاً: "بعد قليل، لقّنه درسًا؛ لا تثر الكثير من الضجيج." حدّق بي رئيس السجناء من قمة رأسي إلى أخمص قدميّ، وهو يبتسم ابتسامة ماكرة، وقال للضابط الإصلاحي: "لا تقلق!" وقبل أن يُتاحَ لي الوقت لإبداء أية ردة فعل، قطّب رئيس السجناء وجهه، وأمر الآخرين بنبرة خفيضة ومهدِّدة قائلاً: "مثلما هو الحال دائمًا، أيها الإخوة. عليكم به!" استوى جميع السجناء في جلستهم، ووجّهوا إليّ نظرات غاضبة أشبه بنظرات النمور التي تستعدّ للانقضاض على فرائسها، ما أصابني بقشعريرة اجتاحتني من قمة رأسي إلى أخمص قدميّ. وما إن لوّح رئيس السجناء بيده، حتّى تجمّع الآخرون جميعًا حولي كزمرة من الذئاب المفترسة. وبعد أن ثبّتوني على الأرض بإحكام، مزّقوا كل ملابسي وبدأوا بجلدي بكل ما أوتوا من قوّة، مستخدمين الأجزاء المسطحة من نعالهم كسياط. وفي النهاية، كان الضرب الذي تعرّضت له مبرّحًا لدرجة أنني غبت عن الوعي. ولم أستعد وعيي حتى الساعة السادسة من صباح اليوم التالي. عندئذ، لاحظت أنه قد تم حشري في إحدى زوايا الزنزانة، وأن جسمي كان كله متورّمًا، بحيث أنه لم يكن بوسعي ارتداء أيّة ملابس. وهكذا ظللت ممدّدًا لستة أيام متتالية على لوح خشبي، وأنا أشكو من كدمات ورضوض شديدة في كل أنحاء جسمي. وعلاوة على ذلك، أصبح الجزء الداخلي من فمي محمّصًا بفعل الصعق الكهربائي الذي تعرّضت له من جانب الشرطة الأشرار، إلى درجة أن جميع أنسجة فمي قد نخرت، وأنني كنت أعاني من آلام مبرحة بحيث لم يكن بوسعي ابتلاع لقمة طعام واحدة. ولأنهم خافوا من أن يؤدي موتي إلى التسبب بمتاعب لهم، أرسل الضباط الإصلاحيون السجناء الآخرين الواحد تلو الآخر لإطعامي حساء الخضار.

ما إن التأمت جروحي بعض الشيء، حتى قام رجال الشرطة الأشرار بتحريض السجناء لاستئناف تنمرهم وإساءة معاملتهم لي. في وقت مبكر من كل صباح، كانوا يجعلونني أسمّع لائحة قوانين السجن غيبًا؛ فإذا لم أتقن عملي جيّدًا، كنت أتعرّض للضرب. كانوا يجبرونني أيضًا على القيام بأعمال التنظيف، وغسل الملابس للسجناء القادرين على دفع المال مقابل الخدمة. وإذا ارتكبت أدنى خطأ في ذلك، كنت أتعرض للّكم والرّكل. ولأنهم كانوا يعلمون أنني أؤمن بالله، غالبًا ما كانوا يتعمّدون أن يتفوّهوا أمامي بعبارات التجديف على الله بغية إغاظتي قصدًا، كما كانوا يهينونني بالكلام مثل قولهم: "ألا يشعر الأشخاص الذين يؤمنون بالله بأي ألم عندما يُضربون؟ وألا يمكنك أن تعمل دون أن تشعر بالتعب؟ أنت لا تبالي بمقدار معاناتك، أليس كذلك؟ " وبقصد مضايقتي، أجبروني على تنظيف مرحاض القرفصاء بيديّ، الأمر الذي كان مقرفًا لدرجة أنه جعلني أرغب في التقيؤ؛ حتى إنهم كانوا يجبرونني على تنظيف بلاط الأرضية باستخدام فرشاة أسناني، ويلقون عن قصد أرغفة الخبز المبخر الخاصة بي في المرحاض. وعندما كان الضابط الإصلاحي يأتي لتفقد النظافة في الزنزانة، كان يخلع حذاءه ويسير بشكل دائري في جواربه البيضاء. فإذا وجد أيّة أوساخ عليها، كنت أتلقى منه جلدة سوط. ... وفي مواجهة هذا التعذيب الذي لا نهاية له من رجال الشرطة الأشرار ومن هؤلاء السجناء، شعرت بالضعف التام والاكتئاب الشديد. بدأت أشعر أن الموت بالنسبة لي أفضل من الاستمرار في العيش على هذا النحو. وبينما كنت في غمار ضعفي ومعاناتي، منحتني كلمات الله الإيمان والدافع للاستمرار في الحياة. وتذكرت أنه قال: "ربما تتذكرون جميعكم هذه الكلمات: "لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا". كلكم قد سمعتم هذا القول في الماضي، لكن لا أحد منكم يفهم المعنى الحقيقي للكلمات. أما اليوم فتعرفون جيدًا أهميتها الحقيقية. هذه هي الكلمات التي سيحققها الله في الأيام الأخيرة، وستتحقق في أولئك المُبتلين بوحشية من التنين العظيم الأحمر في الأرض التي يقطنها. إنَّ التنين العظيم الأحمر يضطهِدُ اللهَ وهو عدوّه. لذلك يتعرّضُ المؤمنون بالله في هذه الأرض إلى الإذلال والاضطهاد. ولهذا السبب ستصبح هذه الكلمات حقيقة فيكم أيتها الجماعة من الناس" (من "هل عمل الله بسيط جدًا كما يتصور الإنسان؟" في "الكلمة يظهر في الجسد"). علمتني كلمات الله أن القدرة على اختبار الإذلال والتعذيب على خلفية إيماني، كان إشارة إلى أن الله يمجّدني بشكل استثنائي – وذلك كان بمثابة شرف عظيم لي! مع ذلك، كنت جبانًا وأفتقر إلى دعامة أدبية صلبة؛ فلأنني تعرّضت لبعض الآلام الجسدية ولقليل من الإهانة، فقدت إيماني بالله، ولم أعد أرغب في التمسك بشهادتي من أجل مبادلة الله المحبة من خلال المعاناة. لقد دفع الله مثل هذا الثمن المضني من أجل تخليصي، فكيف يمكنني أن أرد له الجميل بهذه الطريقة؟ كيف يمكنني أن أتصرف بهذا الشكل الذي يتنافى مع ضميري، وأن أرد بمثل تلك السلبية؟ لن أفعل! لن أكون حتمًا صعلوكًا ضعيفًا؛ ولن أكون بالتأكيد من يلحق العار باسم الله! لذلك، دعوت الله على عجل، قائلاً: "يا الله، أشكرك على إنارتي وجعلي أفهم معنى المعاناة. من أجل تمجيدك، أنا على استعداد لتحمل كل أنواع المعاناة؛ أود أن أرضيك حتى وإن كان ذلك يعني قضاء بقية حياتي في السجن. كل ما أطلبه هو أن تبقى معي، وتنيرني وترشدني، وتمكنني من الوقوف بثبات وتقديم شهادة مدوية لك من خلال عذابات الشيطان." بعد أن صلّيت، شعرت بقوّة كبيرة تسري في عروقي، وامتلكت الشجاعة على مواجهة تلك البيئة الشاقة.

بعد بضعة أسابيع، عاد رجال الشرطة الأشرار إلى استجوابي، زاعمين أنه لم يفت الأوان بعد للتعاون معهم، ومهدّدين بأنه إن لم أفعل، فإن الأمور ستزداد صعوبة بالنسبة إلي في الأيام القادمة. لكنني، وبعد تعرضي لبضع جلسات من التعذيب الوحشي، أدركت تمامًا جوهرهم الشيطاني، وكرهتهم حتى الصميم. وبالتالي، وبصرف النظر عن أساليب الإغراء والتهديد والترهيب التي كانوا يمارسونها ضدي، أصبح إيماني ثابتًا لا يتزحزح ولو شبرًا واحدًا. في وقت لاحق، بدأوا باستجوابي مرة واحدة كل أسبوعين، إلى أن أدركوا في نهاية المطاف أنهم لن يتمكنوا إطلاقًا من استخراج أيّة معلومات مني، فحكموا علي بالسجن لمدة سنتين مع إعادة التأهيل عن طريق الأشغال الشاقة، لارتكاب جرائم "التسبب في الاضطراب العام" و "الانخراط في تجمعات غير مشروعة."

في 24 فبراير 2006، أُرسلت إلى معسكر للأشغال الشاقة. ولأنني من المؤمنين بالله، تم تصنيفي باعتباري "مجرمًا سياسيًا،" وقد وضعني حراس السجن في أكثر أفران الطوب قساوة وإرهاقًا وخطورة، من أجل أداء عملي الإصلاحي. كان عملي يتطلب أن أُخرِج لبنات القرميد من الأفران التي كانت درجة حرارتها تبلغ ثلاثمائة درجة مئوية على الأقل (572 درجة على مقياس فهرنهايت). عند الصباح، كانت درجة حرارة الفرن في أدنى مستوياتها، ومع ذلك كانت تبلغ أكثر من مئة درجة مئوية (212 درجة فهرنهايت). ورغم اضطرارنا إلى العمل في درجات حرارة مرتفعة إلى هذا الحدّ، لم يزوّدنا الحراس بأية ملابس مقاومة للحرارة. كانت خوذات السلامة التي كنا نرتديها تتعرض للذوبان بعد مرور دقيقتين فقط على وجودنا في محيط الفرن. ومن أجل تفادي الإصابة بالسّمط، كنا نضطر إلى حبس أنفاسنا أثناء دخولنا راكضين بأسرع ما يمكننا إلى منطقة محيط الفرن، ثم أثناء خروجنا منها. ولأننا لم نكن مزوّدين بأية أحذية مقاومة للحرارة، كان علينا، عند دخولنا إلى منطقة الفرن، أن نقف على رجل حينًا، ثم نبدّلها بعد حين، فنقف على الأخرى؛ وما لم نأخذ حذرنا بشكل كافٍ، كنا نعرّض أقدامنا للإصابة بالقروح من جراء الحروق. كان السجناء الجدد الذين لم يتعوّدوا على ذلك غير قادرين على البقاء لأكثر من خمس ثوان في محيط الفرن، يضطرون بعدها للهرع إلى الخارج. وعليه، قام قائد فريقنا بتنظيم قادة المجموعات الذين يتسلّح كل واحد منهم بأنبوب مصنوع من مادة كلوريد البولي فينيل ومحشوّ بالرمال؛ فكان يتم ضرب كل من يحاول الارتداد إلى الخارج بهذا الأنبوب. ورغم أن مثل هذه الأنابيب ليست صلبة بما يكفي للتسبب بكسر العظام، فإنها كانت تترك آثار ضرب شديدة على الجسم. وكان المحكومون عليهم يطلقون على هذه الأنابيب تسمية "ذات الصفعة المدوية الخفيّة." وعندما كنا ندخل إلى منطقة الفرن، لم نكن نجرؤ على التنفس؛ إذ كان أخذ نفس واحد أشبه بشهيق النار إلى داخل خياشيمنا. وبعد إزالة بضعة قوالب من الطوب، كنا نضطر إلى سحب عربات اليد بسرعة إلى الخارج، وإذا انفجر أحد إطارات هذه العربات، لم تكن تتم معاقبتنا فحسب، بل كان يتم تمديد فترة عقوبتنا، مع تعليل الحكم بارتكاب جرائم "تدمير معدات الإنتاج ومقاومة الإصلاح." بوصفنا محكومين عليهم، كانت مهمتنا اليومية تتمثل في تعبئة 115 عربة يدوية بقوالب الطوب الكبير، و 95 عربة يدوية بقوالب الطوب الصغير. في مثل هذا الجوّ ذي الحرارة المرتفعة، كان من المستحيل إتمام هذه المهمة، لكن الحراس لم يكونوا يكترثون يومًا لسبب عدم تمكننا من إتمامها؛ بل كانوا يسألون فقط عن سبب مشاعرنا العدائية تجاه إنجاز الأشغال الشاقة. ولأن العمل في ظل الحرارة المرتفعة كان يجعلني أعرق كثيرًا، عانيت في نهاية المطاف من نقص شديد في البوتاسيوم. لقد سقطت على الأرض فاقدًا الوعي عدة مرات، فكانوا يطرحونني فوق جدار الفرن لبضع دقائق ليبرد جسمي قليلاً. بعد استعادتي لوعيي، كانوا يجبرونني على شرب كوب من الماء المالح، ثم على العودة إلى العمل. كان ذلك بمثابة أول اختبار لمعنى بلوغ أقصى حدود الاحتمال، ومعنى المشقة التي لا تُحتمل، وما الذي يشعر به المرء عندما يفضل الموت على الاستمرار في الحياة. في ذلك المكان، لا أحد يبالي سواء عِشْتَ أم مُتّ؛ كان قائد الفريق يهتم فقط بما إذا كانت مجموعتك قد أنجزت عملها أم لا. وفي حال أتمّت العمل، يبقى صامتًا ولا ينبس ببنت شفة، أما إن لم تفعل، فلا يقول شيئًا أيضًا، إلا أنه ببساطة يشير بإصبعه نحو باب الفرن ثم يغادر. بعد ذلك، يدعو قائد المجموعة أيًّا من الأشخاص الذين لم ينجزوا عملهم، للوقوف في منطقة الفرن، لتلقّي الضرب؛ وما إن يسقط هؤلاء على الأرض، كانوا يتعرضون لحروق خطيرة لملامستهم الأرضية شديدة السخونة، بحيث أن البثور كانت تنتشر في كل أنحاء جسمهم. بالإضافة إلى ذلك، كان يتعين عليهم ملء عشرين عربة إضافية بقوالب الطوب كل يوم، ولم يكن بوسعهم أن يتوقفوا حتى يستنجدوا طالبين الرحمة. في مواجهة بيئة كهذه، شعرت بالضعف الشديد؛ فبعد بضعة أيام فقط من التعذيب، شعرت وكأنني أخوض رحلة عبر الجحيم. كنت أشعر في ذهني أن عامين من الزمن في ذلك المكان سيكونان فترة طويلة جدًا بالفعل. لم أكن أعرف كيف سأتمكّن من قضاء كل هذا الوقت، وكنت أخشى أنني إما أن أتعرض للضرب حتى الموت على أيدي رجال الشرطة الأشرار أو للتحميص حتى الموت في الحرارة الشديدة. كلما كنت أفكر أكثر في الاحتمالات التي يمكن أن أواجهها، كنت أشعر بالمزيد من الحصار؛ شعرت أنني في الحقيقة لم أعد أستطيع التحمل في هذا السجن الشيطاني أكثر من ذلك، ولذا فكرت في الموت. وفي كل يوم من الأيام التالية، كنت أتحيّن الفرص "للتحرر."

أخيرًا، في أحد الأيام، أتت الفرصة التي كنت أنتظرها. عندما كانت الشاحنة المُحمّلة بالطوب تهمّ في الانطلاق، ارتميت تحتها رأسًا على وجهي. لكن عجلات المركبة توقفت فجأة على بعد سنتيمترات قليلة مني؛ وكما تبيّن فيما بعد أن الشاحنة أصيبت بعطل. قام بعض المحكوم عليهم بجرّي من مكاني، وقال كبير الضباط الإصلاحيين إنني كنت أرفض قبول الانضباط وغير مستعدّ لتغيير العادات القديمة. ثم بدأ بمعاقبتي. قام السجناء بإقحام هراوة صعق كهربائية في مقدمة قميصي، فأصبت بأذى شديد لدرجة أنني سقطت على الأرض، وأنا أعاني من تشنجات عنيفة. بعد ذلك، قيّدوا يديّ إلى الخلف على عمود هاتفي، وضربوني بلا رحمة بهراوات الصعق الكهربائية. وبعد العشاء، تعرضت إلى توبيخ علني لإعادة تقويم أيديولوجيتي و "تصحيحها." ... لقد جعلتني هذه المعاناة والعذاب اللذان لا نهاية لهما أشعر بدرجة عالية من الرعب واليأس والعجز. وعندما كنت أفكّر مهمومًا بمسألة كيفية مواصلة الحياة في تلك الظروف، تذكّرت هذا المقطع من كلمات الله: "لا يهم كيف ينقيك الله، ستظل مليئًا بالثقة ولن تفقد ثقتك بالله. أنت تفعل ما يجب على الإنسان فعله. هذا هو ما يطلب الله من الإنسان فعله، وينبغي على قلب الإنسان أن يكون قادرًا على الرجوع له والتوجه إليه بالكامل في كل لحظة. هذا هو الغالب. أولئك الذين يشير إليهم الله على أنهم غالبون هم الذين لا يزالون قادرين على التمسك بالشهادة والحفاظ على ثقتهم وتقواهم لله حتى في ظل تأثير الشيطان وحصاره، أي عندما يكونون داخل قوى الظلمة. إن كنت لا تزال قادرًا على الحفاظ على قلب طاهر وعلى محبتك الحقيقية لله مهما حدث، وتمسكك بالشهادة أمام الله، فهذا ما يشير الله إليه بكونك غالبًا" (من "ينبغي أن تحافظ على تقواك لله" في "الكلمة يظهر في الجسد"). جلبت كلمات الله بصيصًا من النور والدفء إلى قلبي، تمامًا عندما كنت على وشك فقدان كل أمل. كان ذلك صحيحًا؛ ففي نهاية المطاف، كان الله يريد إفراز مجموعة من الغالبين الذين يمكنهم الحفاظ على إيمانهم وإخلاصهم له مهما اشتدت قساوة الظروف، والذين يعيشون بحسب كلماته، والذين يقدّمون في النهاية شهادة قوية ومدوية لله أمام الشيطان. إن السبب الذي جعل الشيطان يستخدم كل وسيلة ممكنة لتعذيبي وجرحي هو أنه كان يرغب في استغلال ضعفي، وفي مهاجمتي وأنا واهن، وفي إجباري على خيانة الله – لكن لم يكن في استطاعتي أن أصبح رمزًا لإذلال الله! كانت محبة الله لي حقيقية وعملية جدًا؛ وعندما كنت في أضعف حالاتي وعندما تمنّيت الموت، استمرّ الله في السهر عليّ سراً، وحمايتي، وأبقاني على قيد الحياة. وبصرف النظر عن مدى الضعف الذي كنت أشكو منه، لم يكن لديه أدنى نية للتخلي عني؛ ظل حبه لي ثابتًا منذ البداية، وظل ينيرني ويوجهني ويساعدني في إيجاد طريق للخروج من الألم. لم أكن أستطيع إطلاقًا أن أخذل الله أو أجرح مشاعره. كنت ممتنًا لإرشاد الله؛ لقد سمح لي مجددًا بإدراك حيلة الشيطان والخروج من حافة الموت. لم أستطع سوى أن أرتل هذه الترنيمة: "سأقدِّم محبتي وإخلاصي لله، وأُتمِّم واجبي لتمجيد الله. أنا عازم على الصمود في الشهادة لله، ولا أستسلم أبدًا للشيطان. أوه، قد ينكسر رأسي ويسيل الدم مني، ولا يفقد شعب الله حماسته. نصائح الله تستهدف القلب، وأنا عازم على إذلال إبليس الشيطان. الألم والمصاعب قد سبق وعيَّنها الله، وسأتحمَّل الإهانة لأكون أمينًا له. لن أكون سببًا في بكاء الله أو قلقه مرة أخرى" (من " أتمنى أن أرى يوم مجد الله" في "اتبعوا الحمل ورنموا ترنيمات جديدة")

ما إن خضعت وأصبحت مستعدًا لتحمل كل معاناة في سبيل إرضاء الله، فتح الله لي منفذًا: لأن قائد الفريق كان أميًا، فقد طلب مني أن أساعده في كتابة تقاريره، ومنذ ذلك الحين، لم يعد يتعيّن عليّ القيام بالكثير من العمل فيما يتعلّق بنقل قوالب الطوب. بعد فترة، أتت أخت مسنة من الكنيسة لزيارتي. أمسكت يدي بيديها وقالت والدموع تملأ عينيها: "يا بنيّ، لقد عانيت. إن إخوتك وأخواتك قلقون جدًا بشأنك، ونحن جميعًا نصلي من أجلك يوميًا. عليك أن تبقى قويًا، وألا تنحني أمام الشيطان. عليك أن تقف بحزم وتقدّم الشهادة لله. نحن نترقب جميعًا عودتك إلينا." في هذا الجحيم البشري المُصْقَع الذي لا يرحم، لم أسمع – باستثناء كلمات الله المعزية – كلمة دافئة واحدة من أيّ إنسان. إن هذه الكلمات اللطيفة من إخوتي وأخواتي، التي كنت منذ فترة طويلة أسمعها غالبًا في الماضي، أعطتني راحة وتشجيعًا هائلين. لوقت طويل بعد ذلك، شعرت بالتشجيع الذي تمنحه لي محبة الله؛ شعرت بارتياح أكبر بعض الشيء، وأصبحت ممتلئًا بالفرح والحماس أثناء العمل. من بين كل الأيام التي قضيتها في السجن، كنت أشعر أن تلك الأيام تمرّ بسرعة كبيرة. كان ذلك ينطبق بشكل خاص على الأشهر الأربعة الأخيرة من فترة السجن. فقد كان اسمي دائمًا هو الأوّل في القائمة التي تُعلَن شهريًا بأسماء المدانين الذين تم تقصير فترة عقوبتهم. في الأشهر الماضية، لم تتضمن قائمة الأسماء هذه سوى رؤساء السجناء وقادة الفرق؛ أما المدانون الذين لا يملكون أية أموال أو نفوذ، فقد كان يتم استبعادهم. بالنسبة لمسيحيّ مثلي، صنّفته حكومة الحزب الشيوعي الصيني على أنه "مجرم سياسي،" كان احتمال حصولي على مثل هذه المعاملة أكثر ضآلة حتى. ولهذا السبب، كان السجناء الآخرون يتحلّقون حولي دائمًا ويسألون: "كيف فعلت ذلك؟" وفي كل مرة كان يحدث ذلك، كنت أشكر الله من أعماق قلبي، لأنني كنت أدرك أن ذلك كان نتيجة رحمته العظيمة لي؛ كانت محبة الله هي التي تمدّني بالقوة.

في 7 أيلول/سبتمبر 2009، حصلت على إطلاق سراح مشروط قبل موعد انتهاء فترة عقوبتي. بعد فترة وجيزة، عدت إلى الكنيسة واستأنفت حياة الكنيسة، وانضممت من جديد إلى صفوف أولئك الذين ينشرون الإنجيل. بعد خوض كل تلك المشقات، أصبحت أكثر تصميمًا ونضجًا من ذي قبل، وبتّ أقدّر أكثر الفرصة المتاحة أمامي لأداء واجبي. ولأنني رأيت الوجه الحقيقي لمقاومة حكومة الحزب الشيوعي الصيني لله وعاينت وحشية هذه الحكومة تجاه الناس، أصبح لدي شعور أعمق بمدى قيمة خلاص الله. لو أن الله لم يأتِ بشخصه متجسدًا للقيام بعمل تحقيق الخلاص للجنس البشري، لقام الشيطان بتدمير جميع أولئك الذين يعيشون تحت ملكه وابتلاعهم. ومنذ ذلك الحين، كلما قمت بأداء واجبي، أصبح موقفي مختلفًا تمامًا عما كان عليه في الماضي؛ بتّ أشعر أن عمل نشر الإنجيل وتخليص أرواح الناس أصبح ذا أهمية قصوى، وأردت تكريس كل ولائي وبذل كل طاقتي في بقية أيام حياتي لجلب المزيد من الناس أمام الله. كنت أريد أن أمكّنهم، أيضًا، من الاستيقاظ من ستار اللبس والخداع لهذه الحكومة الملحدة، وقبول عطية الحياة من الله، والحصول على خلاص الله. وبالعودة بنظري إلى هاتين السنتين الطويلتين جدًا من السجن، أعلم أن الشيطان حاول عبثًا استغلال إساءاته الظالمة لإرغامي على خيانة الله. لكن الله استخدم تلك البيئة القذرة لزيادة إيماني، وولائي، وخضوعي له، مُطهِّرًا محبتي تجاهه، ومتيحًا لي أن أدرك حكمة الله وقدرته، وأن أكتسب تقديرًا عميقًا لحقيقة أن الله يمثل خلاص الجنس البشري، وأنه المحبة! ومن قلبي انطلقت عبادة وتسبيح لا حدود لهما تجاه الله!

السابق: 6. بعد تحمّل المشقة، حبي لله أصبح أقوى

التالي: 8. الآلام والتجارب – بركات أن تكون أثيرًا

إن كنت تواجه صعوبات أو أسئلةً في إيمانك، يرجى الاتصال بنا في أي وقت.
اتصل بنا
تواصل معنا عبر ماسنجر

محتوى ذو صلة

10. ترنيمة حياة وسط الخراب

بقلم غاو جينغ – مقاطعة خِنانحظيت في عام 1999 بقبول عمل الله القدير في الأيام الأخيرة. وأدركت من خلال قراءة كلام الله ما يتمتع به كلامه من...

24. النهوض من الظلم القاتم

بقلم مو جوجيان - إقليم غانج دونجوُلِدتُ في منطقةٍ جبليَّة نائية فقيرة كُنَّا نوقد فيها البخور ونعبد بوذا لعدَّة أجيالٍ. توجد معابد بوذيَّة...

12. كلام الله دفعني لتقديم الشهادة

بقلم شياو مين – مقاطعة شاندونغوُلدت في جزء فقير ومتخلف من الريف وعشت حياة صعبة وفقيرة في طفولتي. ومن أجل تحقيق حياة أفضل في أسرع وقت ممكن،...

إعدادات

  • نص
  • مواضيع

ألوان ثابتة

مواضيع

الخط

حجم الخط

المسافة بين الأسطر

المسافة بين الأسطر

عرض الصفحة

المحتويات

بحث

  • ابحث في هذا النص
  • ابحث في هذا الكتاب